الحديث الأول
عن أبي هريرة - ﵁ - قال: "نعى النبي - ﷺ - النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى فصفَّ بهم وكبر أربعًا".
فيه دليل على استحباب إعلام الأهل والأصحاب والجيران وأهل الصلاح بالميت لشهود جنازته والصلاة عليه، وليس ذلك من النعي المنهي عنه وهو نعي الجاهلية؛ فإنهم كانوا إذا تُوفِّي الرجل ركب رجل دابة ثم صاح في الناس: أنعى فلانًا، واستدلَّ به على جواز الصلاة على الغائب، وهو مذهب الشافعي وأحمد والجمهور؛ وعن المالكية والحنفية لا يشرع ذلك، وعن أحمد لا تجوز الصلاة على الغائب إن كان صلى عليه، واختاره شيخ الإسلام ابن تيميَّة، وقال الخطابي: لا يصلى على الغائب إلا إذا وقع موته بأرضٍ ليس بها مَن يصلي عليه.
وفي الحديث دليل على أن سنة الصلاة على الجنازة التكبير أربعًا، وفيه علَم من أعلام النبوة.
* * *
الحديث الثاني
عن جابر - ﵁ -: "أن النبي - ﷺ - صلى على النجاشي فكنت في الصف الثاني أو الثالث".
فيه دليل على مشروعية الصفوف على الجنازة، وقد روى أبو داود وغيره من حديث مالك بن هبيرة مرفوعًا: «مَن صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب»؛ حسنه
[ ١٢٥ ]
الترمذي وصححه الحاكم.
وفي روايةٍ له: «إلا غُفِر له» .
قال الطبري: ينبغي لأهل الميت إذا لم يخشوا عليه التغيُّر أن ينتظروا به اجتماع قوم يقوم منهم ثلاثة صفوف لهذا الحديث.
* * *
الحديث الثالث
عن عبد الله بن عباس - ﵄ -: "أن النبي - ﷺ - صلى على قبر بعدما دفن فكبر عليه أربعًا".
فيه دليلٌ على مشروعية الصلاة على القبر لِمَن لم يصلِّ على الجنازة، وفي رواية قال ابن عباس: "فصففنا خلفه"، وفيه مشروعية صلاة الصبيان مع الناس على الجنائز.
* * *
الحديث الرابع
عن عائشة - ﵂ -: "أن رسول الله - ﷺ - كُفِّن في ثلاثة أثواب يمانية بيض سحولية (١) ليس فيها قميص ولا عمامة".
فيه دليلٌ على استحباب التكفين في ثلاثة أثواب يُدرَج فيها إدراجًا، وفيه استحباب التكفين في البياض.
قال ابن دقيق العيد: فيه جواز التكفين بما زاد على الواحد الساتر لجميع البدن، وأنه لا يضايق في ذلك ولا يتبع رأي مَن منع منه من الورثة.
* * *
_________________
(١) نسبة إلى سحول قرية باليمن.
[ ١٢٦ ]
الحديث الخامس
عن أم عطية الأنصارية قالت: دخل علينا رسول الله - ﷺ - حين توفيت ابنته زينب، فقال: «اغسلنها بثلاث أو خمس أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء
وسدر، واجعلن في الأخيرة كافورًا أو شيئًا من كافور، فإذا فرغتن فآذنني»، فلمَّا فرغنا آذنَّاه فأعطانا حِقْوَه، فقال: «أشعرنها إياه»؛ يعني: إزاره.
وفي رواية: «أو سبعًا»، وقال: «ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها»، وإن أم عطية قالت: "وجعلنا رأسها ثلاثة قرون".
قال ابن المنذر: ليس في أحاديث الغسل للميت أعلى من حديث أم عطية، وعليه عوَّل الأئمة.
قوله: «إن رأيتن ذلك»؛ معناه: التفويض إلى اجتهادهن بسبب الحاجة لا بالتشهِّي.
وفي الحديث دليلٌ على وجوب غسل الميت، واستحباب قطع الغسل على وتر إذا حصل الإنقاء، وفيه استحباب الغسل بالماء والسدر وجعل الكافور مع الماء في الغسلة الأخيرة، قيل: الحكمة في الكافور مع كونه يطيب رائحة الموضع لأجل مَن يحضر من الملائكة وغيرهم أن فيه تجفيفًا وتبريدًا وقوة نفوذ وخاصية في تصليب بدن الميت وطرد الهوامِّ عنه، ومنه ما يتحلَّل من الفضلات، ومنه إسراع الفساد إليه، وهو أقوى الأراييح الطيِّبة في ذلك، وهذا هو السر في جعله في الأخيرة، وفيه استحباب البداءة بميامن الميت ومواضع الوضوء منه.
قال الزين بن المنير: والحكمة في الأمر بالوضوء تجديد أثر سمة المؤمنين في ظهور أثر الغرة والتحجيل، واستدلَّ به على استحباب المضمضة والاستنشاق في غسل الميت، وفيه جواز تكفين المرأة في ثوب الرجل، واستحباب نقض شعر الميت وغسله وجعله ثلاثة قرون، وفي رواية: "ضفرنا رأسها ثلاثة قرون: ناصيتها وقرنيها
[ ١٢٧ ]
وألقيناه خلفها".
وعن ليلى بنت قانف الثقفية قالت: "كنت فيمَن غسَّل أم كلثوم بنت رسول الله - ﷺ - عند وفاتها، وكان أول ما أعطانا رسول الله - ﷺ - الحقا ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة، ثم أُدرِجت بعد ذلك في الثوب الآخر، قالت: ورسول الله - ﷺ - عند الباب يناولنا ثوبًا ثوبًا"؛ رواه أحمد وأبو داود.
قال الحافظ: وفي حديث أم عطية من الفوائد غير ما تقدَّم في هذه التراجم العشر - يعني: تراجم البخاري - تعليم الإمام مَن لا علم له بالأمر الذي يقع فيه وتفويضه إليه إذا كان أهلًا لذلك بعد أن ينبهه على علة الحكم، والله أعلم.
* * *
الحديث السادس
عن عبد الله بن عباس - ﵄ - قال: "بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته، أو قال فأقعصته، فقال رسول الله - ﷺ -: «اغلسلوه بماء وسدر، وكفِّنوه في ثوبين، ولا تحنِّطوه، ولا تخمِّروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا» .
وفي رواية: «ولا تخمِّروا وجهه ورأسه» .
قال - ﵁ -: (الوقص): كسر العنق.
(القعص): القتل في الحال، ومنه قعاص الغنم.
وفي رواية: "فأقصعته" بتقديم الصاد؛ أي: هشمته.
وفي رواية: "فوقصته"، أو قال: فأوقصته.
قال الحافظ: يحتمل أن يكون فاعل وقصته الوقعة أو الراحلة بأن تكون أصابته بعد أن وقع، قال: والأول أظهر.
قوله: «وكفِّنوه في ثوبين»، في رواية: «في ثوبيه»، وللنسائي: «في ثوبيه الذي أحرم فيهما» .
[ ١٢٨ ]
قوله: «ولا تحنِّطوه ولا تخمِّروا رأسه»، قال النووي: (الحَنُوط) أخلاط من طيب تجمع للميت خاصة لا تستعمل في غيره، انتهى.
وفيه دليلٌ على أن الميت غير المحرم يحنَّط كما يخمِّر رأسه، والنهي إنما وقع لأجل الإحرام.
قوله: "وفي رواية: «ولا تخمروا وجهه ورأسه» " قال النووي: يتأوَّل هذا الحديث على أن النهي عن تغطية وجهه ليس لكون المحرم لا يجوز تغطية وجهه بل هو صيانة للرأس، فإنهم لو غطَّوا وجهه لم يؤمن أن يغطي رأسه.
قال ابن المنذر: وفيه أن الوتر في الكفن ليس بشرطٍ في الصحة، وأن الكفن من رأس المال، لأمره - ﷺ - بتكفينه في ثوبيه ولم يستفصل هل عليه دين يستغرق أم لا، وفيه استحباب تكفين المحرِم في ثياب إحرَامه، وأن إحرَامه باقٍ؛ وفيه التكفين في الثياب الملبوسة.
قال الحافظ: وفي الحديث إطلاقُ الواقف على الراكب، واستحباب دوام التلبية في الإحرام، وأنها لا تنقطع بالتوجُّه لعرفة، وجواز غسل المحرم بالسدر ونحوه مما لا يُعَدُّ طيبًا.
قال ابن بطال: وفيه أن مَن شرع في عمل طاعة ثم حال بينه وبين إتمامه الموت يُرجَى له أن الله يكتبه في الآخرة من أهل ذلك العمل، انتهى.
قلت: ويشهد لهذا قول الله - تعالى -: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٠] .
* * *
الحديث السابع
عن أم عطية الأنصارية قالت: "نُهِينا عن اتِّباع الجنائز ولم يُعزَم علينا".
قولها: "نهينا"؛ أي: نهانا رسول الله - ﷺ - وكل ما ورد بهذه الصيغة فهو في حكم المرفوع.
قال ابن دقيق العيد: فيه دليلٌ على كراهية اتباع النساء الجنائز من غير تحريم، وهو معنى قولها: "ولم يُعزَم علينا" فإن العزيمة دالة على للتأكيد.
وقال القرطبي: ظاهر سياق أم عطية أن النهي نهي تنزيه، وبه قال جمهور أهل العلم.
وقال المهلب: في حديث أم عطية دلالة على أن النهي من الشارع على درجات.
* * *
[ ١٢٩ ]
الحديث الثامن
عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: قال «أسرِعوا بالجنازة فإن تكُ صالحة فخيرٌ تقدِّمونها إليه، وإن تكُ سوى ذلك فشرٌّ تضعونه عن رقابكم» .
فيه دليلٌ على استحباب الإسراع بالجنازة.
قال الحافظ: يُستَحبُّ الإسراع لكن بحيث لا ينتهي إلى شدَّة يخاف معها حدوث مفسدة بالميت أو مشقَّة على الحامل أو المشيع، انتهى.
وعن أبي موسى - ﵁ - قال: مرَّت برسول الله - ﷺ - جنازة تمخض مخض الزق، فقال رسول الله - ﷺ -: «عليكم القصد»؛ رواه أحمد.
وعن المغيرة بن شعبة مرفوعًا: «الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها»؛ أخرجه الأربعة.
* * *
الحديث التاسع
عن سمرة بن جندب - ﵁ - قال: "صليت وراء النبي - ﷺ - على امرأة ماتت في نفاسها فقام وسطها".
فيه دليلٌ على مشروعية الصلاة على النفساء، والحائض مثلها، وفيه موقف الإمام من المرأة.
قال الزين بن المنير: إن النفساء وإن كانت معدودة من جملة الشهداء فإن الصلاة عليها مشروعة، بخلاف شهيد المعركة.
* * *
الحديث العاشر
عن أبي موسى عبد الله بن قيس - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - برئ من الصالقة والحالقة والشاقَّة.
[ ١٣٠ ]
قال - ﵁ -: "الصالقة": التي ترفع صوتها عند المصيبة.
في الحديث دليل على تحريم هذه الأفعال.
قال المهلب: قوله: «أنا برئ»؛ أي: من فاعل ما ذكر وقت ذلك الفعل، ولم يرد نفيه عن الإسلام.
* * *
الحديث الحادي عشر
عن عائشة - ﵂ - قالت: "لما اشتكى النبي - ﷺ - ذكر بعض نسائه كنيسة رأتها بأرض الحبشة يُقَال لها: مارية، وكانت أم سلمة وأم حبيبة أتتَا أرض الحبشة، فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها، فرفع رأسه - ﷺ - وقال: «أولئك إذا مات منهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًّا ثم صوَّروا فيه تلك الصور، أولئك هم شرار الخلق عند الله» .
قال ابن دقيق العيد: فيه دليلٌ على تحريم مثل هذا الفعل، وقد تظاهَرَت دلائل الشريعة على المنع من التصوير والصور، ولقد أبعد غاية البعد مَن قال: إن ذلك محمول على الكراهة.
وقوله: «بنوا على قبره مسجد» إشارة إلى المنع من ذلك، وقد صرَّح به الحديث الآخر: «لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، انتهى.
وقال الحافظ: إنما فعل ذلك أوائلهم ليستأنسوا برؤية تلك الصور ويتذكَّروا أحوالهم الصالحة؛ فيجتهدوا كاجتهادهم، ثم خلف من بعدهم خلوف جهلوا مرادهم ووسوس لهم الشيطان أن أسلافكم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظِّمونها فاعبدوها، فحذَّر النبي - ﷺ - عن مثل ذلك سدًّا للذريعة المؤدِّية إلى ذلك.
وفي الحديث دليلٌ على تحريم الصور، وفيه جواز حكاية ما يشاهد المؤمن من العجائب، ووجوب بيان حكم ذلك على العالم به وذم فاعل المحرَّمات،
[ ١٣١ ]
وأن الاعتبار في الأحكام بالشرع لا بالعقل، وفيه كراهية الصلاة في المقابر سواء كانت بجنب القبر أو عليه أو إليه، انتهى ملخصًا.
وقال الموفق في "المغنى": ولا يجوز اتخاذ السُّرُج على القبور؛ لقول النبي - ﷺ - «لعن الله زوَّارات القبور، والمتَّخذين عليها المساجد والسُّرُج»؛ رواه أبو داود والنسائي، ولو أُبِيح لم يلعن النبي - ﷺ - مَن فعله، ولأن فيه تضييعًا للمال في غير فائدة، وإفراطًا في تعظيم القبور أشبه تعظيم الأصنام، ولا يجوز اتخاذ المساجد على القبور لهذا الخبر، ولأن النبي - ﷺ - قال: «لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر مثل ما صنعوا، متفق عليه.
وقالت عائشة: إنما لم يبرز قبر رسول الله - ﷺ - لئلاَّ يُتَّخذ مسجدًّا، ولأن تخصيص القبور بالصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها والتقرُّب إليها، وقد روينا أن ابتداء عبادة الأصنام تعظيم الأموات باتخاذ صورهم ومسحها والصلاة عندها، انتهى.
* * *
الحديث الثاني عشر
عن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ - في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن اليهود والنصارى اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، قالت: ولولا ذلك لأُبرِز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًّا.
قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث يدلُّ على امتناع اتخاذ قبر الرسول - ﷺ - مسجدًّا، ومنه يفهم امتناع الصلاة على قبره.
وقال الحافظ: الوعيد على ذلك يتناول مَن اتخذ قبورهم مساجد تعظيمًا ومغالاة كما صنع أهل الجاهلية وجرَّهم ذلك إلى عبادتهم، ويتناول مًن اتَّخذ أمكنة قبورهم مساجد بأن تنبش
[ ١٣٢ ]
وترمي عظامهم، فهذا يختصُّ بالأنبياء ويلتحق
بهم أتباعهم، وأمَّا الكفرة فإنه لا حرج في نبش قبورهم؛ إذ لا حرج في إهانتهم، ولا يلزم من اتِّخاذ المساجد في أمكنتها تعظيم، فعُرِف بذلك أن لا تعارض بين فعله - ﷺ - في نبش قبور المشركين واتِّخاذ مسجده مكانها وبين لعنه - ﷺ - مَن اتخذ القبور الأنبياء مساجد لما تبيَّن من الفرق، انتهى.
قال ابن القيم: ونهى - ﷺ - عن اتِّخاذ القبور مساجد وإيقاد السُّرُج عليها، واشتدَّ نهيه في ذلك حتى لعن فاعله، وكان هديه أن لا تُهان القبور وتوطَّأ ويجلس عليها ويتكأ عليها ولا تعظَّم بحيث تُتَّخذ مساجد فيصلي عندها وإليها وتتَّخذ أعيادًا وأوثانًا.
وقال أيضًا: ولم يكن من هديه - ﷺ - تعلية القبور ولا بناؤها بآجُر ولا بحجر ولبن، ولا تشييدها ولا تطييبها ولا بناء القباب عليها، فكلُّ هذا بدعة مكروهة مخالفة لهديه - ﷺ - وقد بعث علي بن أبي طالب - ﵁ - أن لا يدع تمثالًا إلا طمسه، ولا قبرًا مشرفًا إلا سوَّاه، فسنَّته - ﷺ - تسوية هذه القبور المشرِفة كلها، ونهى أن يجصَّص القبر، وأن يُبنَي عليه، وأن يُكتَب عليه، وكانت قبور الصحابة لا مشرِفة ولا لاطئة، وهكذا كان قبره الكريم وقبر صاحبيه وقبره - ﷺ - مسنم مبطوح ببطحاء العرصة الحمراء لا مبني ولا مطيَّن، وهكذا كان قبر صاحبيه، وكان يعلم قبر مَن يريد تعرف قبره بصخرة، انتهى.
وقال الشوكاني: والسنة أن القبر لا يُرفَع رفعًا كثيرًا مَن غير فرق بين مَن كان فاضلًا ومَن كان غير فاضل، وكم قد سرى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام، منها اعتقاد الجَهَلة لها كاعتقاد الكفَّار للأصنام، وعظم ذلك فظنُّوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضر، فجعلوها مقصدًا لطلب قضاء الحوائج، وملجأً لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم، وشدُّوا إليها الرحال وتمسَّحوا بها واستغاثوا، وبالجملة إنهم لم يدعوا شيئًا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقد توارَد إلينا من الأخبار أن كثيرًا من هؤلاء القبوريين أو أكثرهم إذا توجَّهت عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجرًا، فإذا قيل له: احلف
بشيخك
[ ١٣٣ ]
ومعتقدك الولي الفلاني، تلعثم وتلكَّأ وأبى واعترف بالحق، وهذا من أَبْيَن الأدلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك مَن قال: إنه - تعالى - ثاني اثنين أو ثالث ثلاثة، فيا علماء الدين، ويا ملوك المسلمين، أي رزء للإسلام أشد من الكفر؟ وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله؟ وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة؟ وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك البين واجبًا، انتهى ملخصًا من "نيل الأوطار"، والله المستعان.
* * *
الحديث الثالث عشر
عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ليس منَّا مَن ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية» .
فيه وعيد شديد لِمَن فعل ما ذكر، والمراد بدعوى الجاهلية ما يقولونه عند موت الميت كقولهم: واجبلاه، واسَنَداه، واسيِّداه، والدعاء بالويل والثبور.
قال الحافظ: وهذا يدلُّ على تحريم ما ذكر من شق الجيب وغيره، وكان السبب في ذلك ما تضمَّنه ذلك من عدم الرضا بالقضاء، فإن وقع التصريح بالاستحلال فلا مانع من حمل النفي على الإخراج من الدين.
* * *
الحديث الرابع عشر
عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - «مَن شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومَن شهدها
[ ١٣٤ ]
حتى تُدفَن فله قيراطان»، قيل: وما القيراطان؟ قال: «مثل الجبلين العظيمين»، ولمسلم: «أصغرهما مثل جبل أحد» .
فيه دليل على فضل شهود الجنازة عند الصلاة، وأن الأجر يزاد بشهود الدفن مع الصلاة عليها.
قال ابن دقيق العيد: والقيراط تمثيل لجزء من الأجر ومقدار منه، وقد مثَّله في الحديث بأن أصغرهما مثل أحد، وهو من مجاز التشبيه تشبيهًا للمعنى العظيم بالجسم العظيم.
وقال الحافظ: وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم، الترغيب في شهود الميت والقيام بأمره، والحض على الاجتماع له والتنبيه على عظيم فضل الله وتكريمه للمسلم في تكثير الثواب لِمَن يتولى أمره بعد موته، وفيه تقدير الأعمال بنسبة الأوزان: إما تقريبًا للأفهام، وإما على حقيقته، والله أعلم.
* * *
[ ١٣٥ ]