وقد أحسن المصنف في تعقيب هذا الباب لما قبله لأن الحاصل من هذا الباب الترغيب في ملازمة العبادة والطريق الموصل إلى ذلك الاقتصاد فيها، لأن التشديد قد يؤدي إلى ترك العبادة المذموم كما تقدم، وقد سبق المصنف لهذا الترتيب الحافظ البخاري، فعقب باب ما يكره من التشديد في العبادة الذي عبر عنه المصنف هنا بالاقتصاد فيها بباب ما يكره من ترك قيام الليل لمن كان يقومه الذي عبر عنه المصنف هنا بباب المحافظة على الأعمال، فاستحسنه الحافظ ابن حجر لما ذكرناه آنفًا.
(قال الله تعالى): ﴿ألم يأن﴾) يحن (﴿للذين آمنوا﴾) أنزلت في شأن الصحابة لما أكثروا المزاح (﴿أن تخشع قلوبهم لذلك الله وما نزل﴾) بالتشديد والتخفيف (﴿من الحق﴾) القرآن (﴿ولا يكونوا﴾) معطوف على تخشع (﴿كالذين أوتوا الكتاب من قبل﴾) هم اليهود والنصارى (﴿فطال عليهم الأمد﴾) الزمن بينهم وبين أنبيائهم (﴿فقست قلوبهم﴾) (الحديد: ١٦) لم تلن لذكر الله تعالى.
(وقال تعالى): (﴿وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفه ورحمة ورهبانية﴾) (الحديد: ٢٧) هي رفض النساء واتخاذ الصوامع.
قال الكواشي: ورهبانية ليست معطوفة إنما هي منصوبة بفعل مضمر يفسره المظهر تقديره: وابتدعوا رهبانية. قال: وجوّز بعضهم عطفًا على ما قبلها وجعل ابتدعوها صفة تقديره، وجعلنا في قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية مبتدعة تلخيصه وفقناهم للتراحم اهـ (﴿ابتدعوها﴾) من قبل أنفسهم (﴿ما كتبناها عليهم﴾) ما أمرناهم
[ ٢ / ٤٠٩ ]
بها (﴿إلا﴾) لكن فعلوها (﴿ابتغاء رضوان ا﴾) وابتغاء رضوانه امتثال أمره واجتناب نهيه (﴿فما رعوها حق رعايتها﴾) إذ تركها كثير منهم وكفروا بدين عيسى ودخلوا في دين ملكهم وبقي على دين عيسى قليل منهم. قال: «من آمنى بي وصدقني فقد رعاها حق رعايتها، ومن لم يؤمن فأولئك هم الهالكون» أورده الكواشي وقال قبل حكاية هذا القول: والمعنى: لم يرع مبتدعو الرهبانية حق رعايتها كما يراعى الناذر نذره بأن قصروا فيما ألزموا به أنفسهم من الطاعات.
قال الكواشي: في الآية تنبيه المؤمنين على أن من أوجب على نفسه شيئًا لم يكن واجبًا عليه لزمه إتمامه ولا يتركه فيستحق اسم الفسق اهـ.
(وقال تعالى): (﴿ولا تكونوا كالتي نقضت﴾) أفسدت (﴿غزلها﴾) ما غزلته (﴿من بعد قوّة﴾) إحكام له وربط (﴿أنكاثًا﴾) (النحل: ٩٢) حال أو ثاني مفعول نقض لتضمينه معنى الجعل أو مفعول مطلق لنقضت جمع نكث. وهو ما ينكث: أي يحلّ إحكامه وهي امرأة حمقاء من مكة واسمها ريطة بنت سعدبن زيد مناةبن تميم، ويقال هي من قريش، وتوفيت بالجعرانة قاله السهيلي، كانت تغزل في طول يومها ثم تنقضه.
قال الخازن: والمعنى أن هذه المرأة لم تكفّ عن العمل ولا حين عملت كفت عن النقض فكذلك من نقض عهده، لا تركه ولا حين عاهد وفى به.
(وقال تعالى): (﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾) تقدم الكلام فيها في باب المجاهدة.
(وأما الأحاديث) النبوية:
١٥٣١
_________________
(١) (منها حديث عائشة: وكان أحبّ الدين إليه ما داوم صاحبه عليه، وقد سبق) مع
[ ٢ / ٤١٠ ]
شرحه (في الباب قبله) أي باب الاقتصاد في العبادة.
١٥٤٢ - (وعن عمربن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله: من نام عن حزبه) بكسر المهملة وسكون الزاي، قال القاضي عياض: أصله النوبة من ورد الماء ثم نقل إلى ما يجعله الإنسان على نفسه من صلاة وقراءة وغيرها، ورواه ابن ماجه «جزئه» بضم الجيم وبهمزة بدل الموحدة.
وعند النسائي حزبه أو جزئه بالشك (من الليل أو عن شيء منه، فقرأه) .
قال البيضاوي: يحتمل أن الاقتصار عليها في الذكر لكونها أفضل الأذكار فباقي الأذكار مثلها، ويحتمل أن يكون لاختصاصها بالثواب المذكور لقوله كتب له الخ، ويحتمل أن يكون على سبيل المثال، فمثله كما ورد من قول أو فعل اهـ. وإلى الوجه الأخير يومىء كلام القاضي عياض السابق وعليه جرى العاقولي في «شرح المصابيح» فقال: أي لوفائه ورده فأتى به (ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر) أي: في هذا الوقت الذي من شأن الناس الغفلة فيه عن العبادة (كتب له كأنما قرأه من الليل) أي أثبت أجره إثباتًا مثل إثباته عند قراءته له من الليل.
قال المصنف: في الخبر دلالة على المحافظة على الأوراد، قال القرطبي: وهذه الفضيلة إنما تحصل لمن غلبه نوم أو عذر منعه من القيام به مع أن نيته القيام به، وظاهره أن له أجره مكملًا مضاعفًا وذلك لحسن نيته وصدق تلهفه وتأسفه وهو قول بعض شيوخنا. وقال بعضهم ويحتمل أن يكون غير مضاعف إذ التي يصليها ليلًا أكمل وأفضل، والظاهر الأول اهـ (رواه مسلم) قال المنذري في «الترغيب»: ورواه أصحاب السنن الأربعة وابن خزيمة في «صحيحه» .
[ ٢ / ٤١١ ]
١٥٥٣ - (وعن عبد ابن عمروبن العاص ﵄ قال: قال لي رسول الله: يا عبد الله لا تكن مثل فلان) .
قال الحافظ العسقلاني: لم أقف على تسميته في شيء من الطرق، وكأنّ إبهام مثل هذا لقصد الستر عليه، وقال: لا ينبغي أن يبالغ في الفحص عن تسمية من وقع في حقه ما يذمّ به. ويحتمل أنه يقصد شخصًا معينًا وإنما أراد تنفير عبد الله مع الصنع المذكور (كان يقوم الليل) وهذه رواية الأكثر بإسقاط «من» وهي مرادة وهي مذكورة عند بعض رواة البخاري وعليها شرح الحافظ (ثم ترك قيام الليل) .
قال في «الفتح» نقلًا عن ابن العربي: في الحديث استحباب الدوام على ما اعتاده المرء من خير من غير تفريط. ويستنبط منه كراهة قطع العبادة وإن لم تكن واجبة (متفق عليه) .
١٥٥٤ - (وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا فاتته الصلاة من الليل) أي: التهجد (من) سببيه (وجع أو غيره) كغلبة نوم أو عذر أهم منه (صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة) قال ابن حجر في «شرح المشكاة»: جبرًا لفضيلة قيام الليل لا قضاء له، إذ ليست صلاة الليل منه في العدد كذلك، والقضاء لا يزيد على عدد الأداء، والدليل على مشروعية قضاء النافلة حديث أبي داود، قال: وسنده حسن خلافًا لتضعيف الترمذي له: «من نام عن وتره أو سننه فليصلّ إذا ذكره» اهـ (رواه مسلم) من جملة حديث كما في «المشكاة»، وروى هذه الجملة الترمذي في «الشمائل» .
[ ٢ / ٤١٢ ]