أي بيان ما ورد فيهما ويحصل به ذلك.
(قال الله تعالى): (﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا﴾) لا صنمًا ولا غيره أو شيئًا من الشرك جليًا كان أو خفيًا، فهو على الأول مفعول به، وعلى الثاني مفعول مطلق (﴿وبالوالدين إحسانًا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم﴾) تقدم الكلام على الآية في الباب قبله.
(وقال تعالى): (﴿واتقوا ا﴾) بامتثال أوامره واجتناب منهياته: أي اجعلوا ذلك وقاية لكم من عذابه (﴿الذي تساءلون به﴾) بإدغام إحدى التاءين في السين وقرىء بالتخفيف على حذف إحداهما أي الذي يسأل بعضكم به بعضا فيقول أحدكم أسألك با (﴿والأرحام﴾) أي واتقوا الأرحام، وقرأ حمزة ﴿والأرحام﴾ بالخفض عطفا على الضمير لقولهم أسألك با وبالرحم، قاله مجاهد، قال ابن عطية: وهذه القراءة عند نحاة البصرة لا تجوز، لأنه لا يجوز عندهم العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض إلا في ضرورة كقوله:
فاذهب فما بك والأيام من عجب
لأن الضمير المخفوض لا ينفصل، فهو كحرف من الكلمة، ولا يعطف على حرف، واستشكل بعض النحاة هذه القراءة اهـ. قال السفاقسي: الصحيح جواز العطف على الضمير من غير إعادة الجار كمذهب الكوفيين، ولا ترد القراءة متواترة لمذهب البصريين، قال الثعالبي: وهو حسن، والرازي نحوه. قلت: القراءة ثابتة ومقبولة على المذهبين، لكنها على قول البصريين محمولة على أن الواو للقسم والأرحام مقسم به، وتعالى أن
[ ٣ / ١٤٢ ]
يقسم بما شاء، والله أعلم.
(وقال تعالى): (﴿والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل﴾) قال ابن عباس: يريد الإيمان بجميع الكتب والرسل يعني يصلون بينهم بالإيمان بهم ولا يفرّقون بين أحد منهم، والأكثرون على أن المراد به صلة الرحم (الآية) بالنصب على تقدير أتم الآية، أو بالرفع على تقدير الآية معلومة، وتمامها ﴿ويخشون ربهم﴾ (الرعد: ٢١) أي إنهم مع وفائهم بعهد الله وميثاقه والقيام بما أمر الله به من صلة الرحم يخشون ربهم، والخشية خوف يشوبه تعظيم، وإنما يكون ذلك على علم ما يخشى به منه: ﴿ويخافون سوء الحساب﴾ (الرعد: ٢١) قال إبراهيم النخعي: هو أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يغفر له منه شيء.
(وقال تعالى): (﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنًا﴾) أي برًا وعطفًا، والمعنى: ووصينا الإنسان أن يحسن بوالديه إحسانًا، وهذه الآية هي التي في العنكبوت ونزلت في سعد بن أبي وقاص وأمه حمنة بنت أبي سفيان لما أسلم وكان بارًّا بأمه، فقالت أمه: ما هذا الدين وا لا آكل ولا أشرب حتى ترجع إلى ما كنت عليه أو أموت، فمكثت كذلك أيامًا فجاءها سعد فقال: يا أماه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسًا نفسًا ما تركت ديني، فكلي إن شئت أو اتركي فلما أيست منه أكلت وشربت، فأنزل اهذه الآية، وأمر بالبرّ بوالديه والإحسان إليهما وأن لا يطيعهما في الشرك.
(وقال تعالى): (﴿وقضى ربك﴾) أي أمر قاله ابن عباس. وقيل: معناه أوجب. وحكى عن الضحاك: أنه قرأ ووصى ربك وقال: إنهم ألصقوا الواو بالصاد فصارت قافًا، وهي قراءة علي وابن مسعود. قال الإمام فخر الدين الرازي: هذا القول بعيد جدًا، لأنه يفتح بابي التغيير والتحريف في القرآن، ولو جوّزنا ذلك لارتفع الأمان عن القرآن، وذلك يخرجه عن كونه حجة، ولا شك أنه طعن عظيم في الدين (﴿ألا تعبدوا إلا إياه﴾) فيه وجوب عبادته والمنع من عبادة غيره، إذ هي نهاية التعظيم، ولا تليق إلا بالمنعم المتفضل، وليس ذلك لسواه (و) أن تحسنوا أو تفعلوا (﴿بالوالدين إحسانًا﴾) أي برّا
[ ٣ / ١٤٣ ]
بهما وعطفًا عليهما وإحسانًا إليهما (﴿إما﴾) هما إن الشرطية وما الزائدة للتأكيد، ولذا أكد الفعل في قوله: (﴿يبلغن عندك الكبر﴾) مفعول مقدم (﴿أحدهما﴾) فاعل (﴿أو كلاهما﴾) معناه أن يبلغ الكبر أحدهما أو كلاهما عندك فيصير في الضعف والعجز كما كنت أنت عندهما كذلك أولًا (﴿فلا تقل لهما أفّ﴾) وهي كلمة تضجر وكراهة، وقيل أصل هذه الكلمة أنه إذا سقط عليك شيء من تراب أو رماد نفخته لتنزيله بقول أفّ، ثم توسعوا بذكر هذه الكلمة عند كل مكروه يصل الإنسان. وفي الآية تحريم إيذائهما بالقياس الأولوي، وفي أفّ أربعون لغة ذكرها في الارتشاف، وحاصلها أن الهمزة إما أن تكون مضمومة أو مكسورة أو مفتوحة، فإن كانت مضمومة فاثنتان وعشرون لغة، وحاصل ضبطها أنها إما مجردة عن اللواحق أو ملحقة بزوائد، والمجردة إما أن يكون آخرها ساكنًا أو متحركًا والمتحرك الآخر إما مشددة أو مخففة وكل منهما مثلث الآخر مع التنوين، وعدمه فهذه اثنا عشرة لغة في المتحركة والساكنة إما مشددة أو مخففة فهذه أربع عشرة واللاحق لها من الزوائد إما هاء السكت أو حرف المد، فإن كان هاء السكت فالفاء مثلثة مشددة فهذه سبع عشرة لغة، وإن كان حرف مد فهو إما واو أو ألف أو ياء والفاء فيهن مشددة، والألف إما مفخمة أو بالإمالة المحضة أو
بين بين، فهذه خمس أخرى مع السبع عشرة، وإن كانت مكسورة فإحدى عشرة مثلثة الفاء مخففة مع التنوين وعدمه، فهذه ست، وفتح الفاء وكسرها بالتشديد فيهما مع التنوين وعدمه فهذه أربع لغات، والحادية عشرة، أوفي بالإمالة، وإن كانت مفتوحة فالفاء مشددة مع الفتح والكسر والتنوين وعدمه، والخامسة أفّ بالسكون، والسادسة أفي بالإمالة، والسابعة أفاه بهاء السكت، فهذه السبعة مكملة للأربعين. نقله الأزهري في «شرح التوضيح»، قال الحافظ في «فتح الباري»: وإن استعمل القياس فيها بلغت السبعين لغة (
﴿ولا تنهرهما﴾) أي تزجرهما عما يتعاطيانه مما لا يعجبك، يقال: نهره وانتهره بمعنى، ووجه الجمع بينه وبين ما قبله مع أنه يدل على هذا أن ذاك للمنع من إظهار الضجر القليل والكثير، وهذا للمنع من إظهار المخالفة في القول على سبيل الرد (﴿وقل لهما قولًا كريمًا﴾) أي حسنًا جميلًا لينًا كما يقتضيه حسن الأدب معهما، وقيل هو قول يا أباه، يا أماه ولا يسميهما باسمهما ولا بكناهما، وقيل هو أن يقول لهما كقول العبد الذليل للسيد الفظ الغليظ (﴿واخفض لهما جناج الذلّ﴾) أي ألن لهما جناحك واخفضه لهما حتى لا تمتنع من شيء أحباه (﴿من الرحمة﴾) أي
[ ٣ / ١٤٤ ]
الشفقة عليهما لكبرهما وافتقارهما إليك الآن كما كنت مفتقرًا إليهما قبل (وقل ربّ ارحمهما كما ربياني صغيرًا) أي وادع الله أن يرحمهما رحمته الباقية، وأراد إذا كانا مسلمين أما الكافران فالدعاء منسوخ في حقهما، قال تعالى: ﴿ما كان للنبيّ والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ (التوبة: ١١٣) الآية. وقيل يدعو لهما بالهداية للإسلام فإذا هديا إليه رحما.
(وقال تعالى): (﴿ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن﴾) أي شدة على شدة، وقيل إن المرأة إذا حملت توالى عليها الضعف والمشقة، وذلك أن الحمل ضعف والطلق ضعف والوضع ضعف (﴿وفصاله﴾) أي فطامه (﴿في عامين﴾) أي سنتين (﴿أن اشكر لي ولوالديك﴾) قال ابن عيينة في هذه الآية: من صلى الصوات الخمس فقد شكرالله، ومن دعا للوالدين في أدبار الصلوات فقد شكر لهما.
١٣١٢ - (وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود) بن غافل الهذلي (﵁ قال: سألت النبي أي العمل أحب إلى ا) أي أكثر تقرّبًا إليه لكونه أفضل، وفي رواية مالك بن مغول «أيّ العمل أفضل» وكذا لأكثر الرواة، فإن كان هذا اللفظ هو المسؤول به فلفظ حديث الباب ملزوم عنه، وتقدم الجواب عن نحو هذا الحديث مما اختلفت فيه الأجوبة بأنه أفضل الأعمال بأنه ذلك باختلاف أحوال السائلين، بأن أعلم كلامًا هو إليه أحوج أو هو به أليق أو باختلاف الأوقات أو أنه على تقدير من التبعيضية (قال: الصلاة على وقتها) وفي رواية لهما «لوقتها» قال القرطبي وغيره قوله لوقتها اللام للاستقبال مثل: ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ (الطلاق: ١) أي مستقبلات عدتهن وقيل للابتداء كقوله: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ (الإسراء: ٧٨) وقيل بمعنى في: أي في وقتها، وقوله على وقتها قيل على بمعنى
[ ٣ / ١٤٥ ]
اللام ففيه ما تقدم، وقيل لإرادة الاستعلاء على الوقت، وفائدته تحقق دخول الوقت ليقع الأداء فيه اهـ. وفي الحديث دليل على أن الصلاة أفضل عبادات البدن بعد الشهادتين، ويشهد له الخبر الصحيح «الصلاة خير موضوع» أي خير عمل وضعه الله لعباده ليتقرّبوا به إليه (قلت: ثم) هي لتراخي الرتبة: أي ثم بعد الصلاة (أي) قال الحافظ: قيل الصواب أنه غير منون لأنه موقوف عليه في الكلام، والسائل منتظر الجواب، والتنوين لا يوقف عليه فتنوينه ووصله بما بعده خطأ، فيوقف عليه وقفه لطيفة ثم يؤتى بما بعده. قال الفاكهاني: وحكى ابن الجوزي
وابن الخشاب الجزم بتنوينه لأنه معرف غير مضاف، وتعقب بأنه مضاف تقديرًا والمضاف إليه محذوف لفظًا، والتقدير: ثم أيّ العمل أحبّ، فيوقف عليه بلا تنوين اهـ. (قال برّ الوالدين) قال ابن حجر: والظاهر أن المراد به إسداء الخير إليهما مما يلزمه، ويندب له مع إرضائهما بفعل ما يريدانه ما لم يكن إثمًا، وليس ضده العقوق بل قد يكون بينهما واسطة كما يفيده حدّ العقول بأن يفعل بهما ما يؤذيهما به إيذاء لبس بالهين (قلت: ثم أيّ؟ قال الجهاد في سبيل ا) لإعلاء كلمة الله (متفق عليه) .
٢٣١٣ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: لا يجزي) قال المصنف، بفتح أوله ولا همز في آخره: أي لا يكافىء (ولد والدًا) وإن علا ذكرًا كان أو أنثى: أي لا يقوم بمكافأته فيما له عليه بالإحسان وقضاء الحاجات (إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه) وأخذ أهل الظاهر من مفهوم هذا الخبر توقف عتق القريب إذا ملك على إنشاء المالك للعتق ولو أصلًا أو فرعًا. وقال جماهير العلماء: يحصل العتق في الأصل والفرع مطلقًا بمجرد الملك سواء المسلم والكافر والقريب والبعيد والوارث وغيره. واختلف فيما وراء عمود النسب. فقال الشافعي وأصحابه: لا يعتق غيرهما بالملك. وقال مالك: تعتق الإخوة. وقال أبو حنيفة: يعتق ذوو الأرحام المحرّمة، وتأول الجمهور الحديث المذكور
[ ٣ / ١٤٦ ]
على أنه لما تسبب في شرائه المتسبب عليه بالعتق أسند إليه (رواه مسلم) والبخاري في الأدب المفرد، وأبو داود والترمذي وقال صحيح وابن ماجه.
٣٣١٤ - (وعنه أيضًا ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: من كان يؤمن با واليوم الآخر) أي إيمانًا كاملًا (فليكرم ضيفه) وتقدم ما في الحديث في الباب قبله (ومن كان يؤمن با واليوم الآخر فليصل رحمه) وتقدم الحديث في الباب قبله. قال القاضي عياض: لا خلاف أن صلة الرحم واجبة في الجملة وقطيعتها معصية كبيرة. قال: والأحاديث في الباب تشهد بهذا، ولكن الصلة درجات بعضها أرفع من بعض، وأدناها ترك المهاجرة وصلتها بالكلام وبالسلام. ويختلف ذلك باختلاف القدرة والحاجة: فمنها واجب ومنها مستحب، ولو وصل بعض الصلة ولم يصل غايتها لا يسمى قاطعًا، ولو قصر عما يقدر عليه وينبغي له لم يسم واصلًا، وسيأتي بيان الكلام في حد الحرم المأمور بصلتها (ومن كان يؤمن با واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) بضم الميم، وأصمت بمعناه مضارعه يصمت بضم الميم، قاله المصنف. واعترض بأن المسموع والقياس كسرها إذ قياس فعل مفتوح العين يفعل بكسرها ويفعل بضمها دخيل فيه كما نص عليه ابن جني، وإنما يتجه ذلك إن سبرت كتب اللغة فلم تر ما قاله وإلا فهو حجة في النقل، وهو لم يقل هذا قياسًا حتى يعترض بما ذكر وإنما قاله نقلًا كما هو الظاهر من كلامه فوجب قبوله: أي ليسكت عما لم يظهر له فيه الخير كما تقدم بسطه في الباب قبله (متفق عليه) .
٤٣١٥ - (وعنه قال: قال رسول الله: إن الله تعالى خلق الخلق) أي أوجدهم
[ ٣ / ١٤٧ ]
واخترعهم من كتم العدل بباهر قدرته (حتى إذا فرغ منهم) أي كمل خلقهم لا أنه تعالى كان مشتغلًا بهم ثم فرغ من شغلهم، تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا، فليست أفعاله تعالى بمباشرة ولا مناولة ولا بآلة ولا محاولة، تعالى عما يتوهمه المتوهمون: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون﴾ (يس: ٨٢) (قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة) قال القاضي عياض: الرحم التي توصل وتقطع وتبرّ إنما هي معنى من المعاني ليست بجسم إنما هي قرابة ونسب يجمعه رحم والدة ويتصل بعضه ببعض وسمي بذلك الاتصال رحمًا، والمعاني لا يتأتى منها القيام ولا الكلام، فيكون ذكر قيامها هنا وتعلقها ضرب مثل وحسن استعارة على عادة العرب استعمال ذلك، والمراد تعظيم شأنها وفضيلة واصلها وعظيم اسم قاطعها بعقوقهم، ولذا سمي العقوق قطعًا، والعق الشق كأنه قطع ذلك السبب المتصل. قال: ويجوز أن يكون المراد قيام ملك من الملائكة تعلق بالعرش وتكلم على لسانها بذلك بأمر الله تعالى اهـ. قال القرطبي: فالحديث محمول إما على أن ملكًا تكلم بذلك، أو على أنه لو كانت الرحم ممن يعقل ويتكلم لقالت هذا الكلام، فيكون على وجه الفرض والتقدير. قال المصنف: والعائذ المستعيذ، وهو المعتصم بالشيء الملتجىء إليه المستجير به (قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك) قال العلماء: حقيقة الصلة العطف والرحمة، وصلة الله سبحانه عباده لطفه بهم ورحمته إياهم وعطفه بإحسانه ونعمه، أو صلتهم بأهل ملكوته الأعلى وشرح صدورهم لمعرفته وطاعته أو إرادته ذلك (قالت) أي الرحم لو كانت متكلمة أو الملائكة المتكلمة بذلك (بلى) أي رضيت به (قال فذلك) بكسر الكاف فيه وفي (لك) لأن المخاطب مؤنث (ثم قال رسول الله: اقرءوا إن شئتم)
[ ٣ / ١٤٨ ]
أي ما يدل لذلك وجملة الشرط معترضة وجوابها محذوف لدلالة ما قبلها عليه ومفعول اقرؤوا قوله:
(﴿فهل عسيتم﴾) أي فهل يتوقع منكم، ويجوز فتح السين وكسرها وبهما قرىء: (﴿إن توليتم﴾) أمور الناس وتأمرتم عليهم أو أعرضتم وتوليتم عن الإسلام (﴿أن تفسدوا في الأرض﴾) بأنواع العتو (﴿وتقطعوا أرحامكم﴾) تشاجرًا على الولاية وتجاذبًا لها، أو رجوعًا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من التغادر والماقتلة مع الأقارب. والمعنى: أنهم لضعفهم في الدين وحرصهم على الدنيا أحق بأن يتوقع ذلك منهم من عرف حالهم ويقول لهم: هل عسيتم، وهذا على لغة الحجاز فإن بني تميم لا يحلقون الضمير به، وخبره أن تفسدوا، وإن توليتم اعتراض (
﴿أولئك﴾) إشارة إلى المذكورين (﴿الذي لعنهم ا﴾) لإفسادهم وقطعهم أرحامهم (﴿فأصمهم﴾) عن سماع الحق (﴿وأعمى أبصارهم﴾) فلا يهتدون إلى سبيله. وعلى القول الثاني: أي قوله أعرضتم وتوليتم عن الإسلام تكون الرحم المذكورة دين الإسلام والإيمان التي قد سماها الله تعالى إخوة بقوله: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ (الحجرات: ١٠) وقال الفراء: نزلت هذه الآية في بني هاشم وبني أمية. قال القرطبي: وعليه فالرحم بمعنى القرابة قال المصنف: قال القاضي عياض: وقد اختلف في حدّ الرحم التي تجب صلتها ويحرم قطعها، فقيل هو كل رحم محرم بحيث لو كان أحدهما ذكرًا والآخر أنثى حرمت مناكحتهما فعليه لا تدخل أولاد العم والخال. واحتج هذا القائل بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح ونحوه وجواز ذلك في بنات الأعمام والأخوال، وقيل هو عام في كل ذي رحم من ذوي الأرحام في الميراث يستوي فيه المحرم وغيره، ويدل عليه قوله ﵊: «ثم أدناك أدناك» اهـ.
قال المصنف والقول الثاني هو الصواب، ومما يدل عليه قوله في الحديث في أهل مصر «فإن لهم ذمة ورحما» وحديث «إن أبرّ البر أن يصل الرجل أهل ودّ أبيه» مع أنه لا محرمية والله أعلم. قال القرطبي: ويخرج من هذا القول أن رحم الأم التي لا يتوارث بها لا تجب صلتهم ولا يحرم قطعهم. والصواب ما ذكرناه من أنها قرابات الرجل من جهة طرفي أبائه وإن علوا وأبنائه وإن نزلوا، وما يتصل بالطرفين من الإخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات، وما يتصل بهم من أولادهم برحم جامعة اهـ. (متفق عليه) رواه البخاري في كتاب الأدب ومسلم في كتاب البرّ والصلة.
(وفي رواية للبخاري) هي في كتاب الأدب أيضًا عن أبي هريرة (فقال الله تعالى: من
[ ٣ / ١٤٩ ]
وصلك وصلته ومن قطعك قطعته) فالفرق بين اللفظين أن الأوّل إخبار عما يبدو في عالم الشهادة للواصل والقاطع، والثاني إخبار عما في الأزل: أي قضيت أزلًا بوصل الواصل وقطع القاطع.
٥٣١٦ - (وعنه: جاء رجل) قيل: هو معاوية بن حيدة، وقد جاء في «سنن أبي داود» والترمذي عنه أنه قال: «يا رسول الله من أبرّ؟ قال: أمك» الحديث وفي آخره «ثم الأقرب فالأقرب» (إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله من أحقّ الناس بحسن صحابتي) بفتح الصاد المهملة مصدر صحب (قال أمك) وذلك لضعفها وحاجتها (قال: ثم من؟) أي الأحق بعدها (قال) تأكيدًا للقيام بحق الأم (أمك، قال: ثم من؟) الأحق بعدها (قال) مبالغًا في تأكيد حق الأم (أمك، قال: ثم من؟) الأحق بعدها (قال أبوك. متفق عليه) .
(وفي رواية) لمسلم (يا رسول الله: من أحقّ بحسن الصحبة؟ قال: أمك، ثم أمك، ثم أباك، ثم أدناك) ثم (أدناك والصحابة) المذكورة في الرواية أولًا (بمعنى الصحبة) المذكور في الرواية الثانية هي بضم الصاد (وقوله ثم أباك هكذا هو) في الرواية الثانية (منصوب بفعل محذوف) جوازًا (أي ثم برّ أباك) وفيه عطف الجملة الطلبية على الجملة الخبرية، ويجوز تخريجه على أنه مرفوع بضمة على الألف على لغة القصر (وفي رواية ثم أبوك وهو واضح) أي إنه معطوف على الخبر للمبتدأ المحذوف.
[ ٣ / ١٥٠ ]
٦٣١٧ - (وعنه: عن النبي قال: رغم أنف) قال في «المصباح»: من باب قتل ومن باب تعب لغة، وهو كناية عن الذلّ كأنه لصق بالرغام وهو التراب هوانًا اهـ.
وفي ذيل مثلث ابن مالك لتلميذه أبي الفتح اليعلي من المثلث الرغم مصدر رغم أنف فلان (ثم) للتراخي في الدعاء (رغم أنف ثم رغم أنف من) أي شخص مكلف (أدرك أبويه) أي حياتهما (عند الكبر) بكسر ففتح، قال في «المصباح»: كبر الصغير وغيره يكبر من باب علم كبرًا بوزن عنب اهـ. قال العاقولي: وفي رواية عنده الكبر بزيادة هاء، قال: ومعناه على حذفها أن يدرك هو والديه عند كبرهما وإن كانا غنيين عنه بمالهما وعن خدمته لهما بمالهما من خادم ومعناه على تلك الرواية: أن يدركهما الكبر وهما عنده وفي مؤنثه محتاجين إليه اهـ. والتقييد به لأن الابتلاء بهما حينئذٍ أتمّ لمزيد حاجتهما لضعفهما، فكان القيام بحقهما حينئذٍ آكد كما قاما بحق الابن حين زيد حاجته وافتقاره، وإلا فوجدانهما ولو حال الشباب لهما مطلوب من الابن العناية بهما ومزيد برّهما، لكن التقييد بالكبر لمزيد التأكيد لكمال الحاجة، وقوله (أحدهما أو كلاهما) بالرفع فيما وقفت عليه من النسخ وهو محتمل لكونه مبتدأ محذوف الخبر: أي أحدهما أو كلاهما سواء فيما ذكر أو فاعلًا لمحذوف: أي ليستوي أحدهما أو كلاهما في ذلك، وأعربه العاقولي فاعلًا للظرف لكونه حالًا ثم حبذا كونه خبر مبتدأ محذوف، و«كلاهما» معطوف عليه عليهما، قال: وهذه الجملة بيان لقوله: «من أدرك والديه» وقال القرطبي: الرواية الصحيحة بالنصب فيهما بدل من والديه منصوب بأدرك، قال: وقد وقع في بعض النسخ رفعهما وهو على الابتداء ويتكلف بإضمار خبر، والأوّل أولى، وفيه التعقيب به دفع لتوهم قصر المذمة على من قصّر في البر عند اجتماعهما دونه مع أحدها (فلم يدخل الجنة) عطف على أدرك، والعطف بالفاء فيه إشعار بحصول الجنة بالفضل الإلهي للبارّ بأبويه أو أحدهما عقب مفارقة الحياة، وذلك بعرض مقامه عليه وتبشيره بما يؤول إليه (رواه مسلم) في أواخر الكتاب والحديث عند أحمد أيضًا، ففي «الجامع الصغير» للسيوطي عزوه إليهما ولفظه «رغم أنفه ثم رغم
أنفه ثم رغم أنفه: من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كلاهما ثم لم يدخل الجنة» وعزوه اللفظ المذكور فيه لمسلم
[ ٣ / ١٥١ ]
مراده باعتبار المعنى لا بخصوص المبنى، لأن الضمائر محذوفة من رواية مسلم، وعلى تلك الرواية فمن فاعل لفعل محذوف أو خبر مبتدأ محذوف، والجملة استئناف بيان لسؤال تقديره من هو، والإتيان بثم فيها إيماء إلى صعوبة المقام وإبطائه، فكأنه لذلك كالبعيد الحصول فعبر فيه بذلك. قال العاقولي: معنى ثم فيه استبعاد لغفلته عن نيل مثل هذه السعادة العظيمة.
٧٣١٨ - (وعنه أن رجلًا) لم أقف على من سماه (قال: يا رسول الله إن لي قرابة) أي ذوي قرابة أي رحم ونسب، ويقال فيها قربي كما في «المصباح» (أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم) أي أسدي إليهم الإحسان (ويسيئون إلي وأحلم) بضم اللام (عنهم ويجهلون عليّ) ويجوز أن تكون الجمل المضارعية معطوفة على أقرانها وهو الأقرب، ويحتمل أن تكون في محل الحال على تقدير مبتدأ محذوف: أي وهم يقطعوني لأن الواو الحالية لا يجوز دخولها على الجملة المضارعة المثبتة الخالية من قد إلا ضرورة نحو قوله:
علقتها عرضًا وأقتل قومها
وبإضمار المبتدأ تخرج عن ذلك، وقد جعل منه صاحب التسهيل قوله تعالى: ﴿الذين كفروا ويصدون عن سبيل ا﴾ (الحج: ٢٥) أي وهم يصدون، وحكى الأصمعي: قمت وأصك عينه، أي وأنا أصكها (فقال) يعني النبي (لئن كنت كما قلت) من إسداء الجميل: أي وهم على ما ذكرت من مقابلته بضده (فكأنما تسفهم الملل ولا يزال معك) متعلق بظهير وكذا قوله: (من ا) ويصح كونه في محل الحال لكونه في الأصل وصفًا لظهير قدّم عليه، وقوله: (ظهير) أي معين، وهو كما في «المصباح» يطلق على الواحد والجمع، وفي التنزيل: ﴿والملائكة بعد ذلك ظهير﴾ (التحريم: ٤) والمظاهرة المعاونة اهـ. اسم يزال، وقوله: (عليهم) خبر ويجوز أن يكون صفة، وقوله: معك أو من الله الخبر، وقوله: (ما دمت على
[ ٣ / ١٥٢ ]
ذلك) أي مدة دوامك على ما ذكر، أو أنه لما كان الإحسان والحلم معطوفين على الصلة الشاملة لهما من عطف الخاص على العام أفرد اسم الإشارة. وفي الحديث أن ما ذكر من الخصال سبب لإعانة صاحبها وتأييده وتوفيقه وتسديده، فإن المعنى فيه هو التأييد الإلهي واللطف الرباني (رواه مسلم. وتفسهم بضم التاء الفوقية وكسر السين المهملة وتشديد الفاء) وفي «المصباح»: سف الدواء أكله غير ملتوت فأشار إلى أنه تناول الجامدات غير ملتوتات (والملح بفتح الميم وتشديد اللام: وهو الرماد الحار) أي باعتبار المراد في الحديث وهذا معناه مطلقًا في أحد الأقوال؛ ففي «المصباح»: الملة، قيل الحفرة التي تحفر للخبز، وقيل: التراب الحار والرماد: أي الحار كما يؤذن به كلام المصنف هنا، ويحتمل إبقاؤه على إطلاقه ويجوز إرادة ذلك فإن تناول الرماد من المضرّ وإن لم يكن حارًا (وهو تشبيه لما يلحقهم من الإثم) أي الذنب نفسه أو من جزئه، والثاني: أنسب بقوله: (وهو العذاب بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم) بجامع التألم والتوجع، وهو على الأّل من تشبيه معقول بمحسوس، وعلى الثاني من تشبيه محسوس بمحسوس (ولا شيء) بالفتح أي من التبعات (على هذا
المحسن إليهم) في مقابلته لسيء أعمالهم بإحسانه وذكره من المصنف إطناب إذ لم يقع منه بذلك ما يقتضي اللوم بل زاد في الإحسان والاستدراك في قوله: (ولكن ينالهم إثم عظيم) دلّ على عظم تمثيله بما ذكر (وبتقصيرهم في حقه وإدخالهم الأذى) بالقصر: أي المكروه (عليه) لدفع ما قد يتوهم من نفي الملامة عنهم بقرينة نفيها عنه وإن كان الفرق كفلق الصبح (والله أعلم) وقال المصنف في «شرح مسلم»: وقيل معناه إنك بالإحسان إليهم تحزنهم وتحقرهم في أنفسهم لكثرة إحسانك وقبيح فعلهم، فهم من الخزي والحقارة عند أنفسهم كمن يسفّ المل، وقيل ذلك الذي يأكلونه من إحسانك كالمل يحرق أحشاءهم اهـ. وقال العاقولي: أراد كأنما يجعل الرماد لهم في سفوف يسفونه، يعني إذا لم يشكروا فإن عطاءك إياهم حرام عليهم ونار في بطونهم اهـ.
[ ٣ / ١٥٣ ]
٨٣١٩ - (وعن أنس) بن مالك (﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: من أحب) وفي رواية: «من يسره» (أن يبسط) بالبناء للمفعول: أي يوسع. في «المصباح»: بسط الله الرزق: كثره ووسعه، وقال المصنف: بسطه توسيعه وكثرته، وقيل بالبركة فيه ونائب الفاعل أحد الطرفين في قوله: (له في رزقه) أي مرزوقه مصدر بمعنى المفعول، وهو ما به النفع للحيوان، والثاني أنسب، والظرف الآخر في محل الحال، وهذا الإعراب بعينه جار في قرينه من الجملة الثانية: أعني قوله: (وينسأ) بهمزة آخره أي يؤخر (له في أثره) بفتح الهمزة والمثلثة: أي أجله، وسمي الأجل أثرًا لأنه يتبع العمر قال زهير:
والمرء ما عاش ممدود له أمل
لا ينتهي العمر حتى ينتهي الأثر
وأصله من أثر مشيه في الأرض فإن من مات لا يبقى له حركة فلا يبقى لقدمه في الأرض أثر (فليصل رحمه) قال ابن التين: ظاهر الحديث يعارض قوله تعالى: ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ (الأعراف: ٣٤) والجمع بينهما إما بحمل الزيادة على أنها كناية عن البركة في العمر بسبب التوفيق إلى طاعة الله وعمارة وقته بما ينفعه، ويقربه من مولاه تعالى ويقوّيه ما جاء من: أنه تقاصر أعمار أمته بالنسبة لأعمار من مضى من الأمم فأعطى ليلة القدر. وحاصله أن صلة الرحم سبب للتوفيق لمرضاة المولى وحفظ الأوقات عن الضياع في غير رضا فيبقى بعده الذكر الجميل، فكأنه لم يمت، أو يحمل الزيادة في الحديث على حقيقتها، وذلك بالنسبة للأجل المعلق المكتوب في اللوح المدفوع للملك، مثلًا كتب فيه: إن أطاع فلان فعمره كذا وإلا فعمره كذا، وا ﷾ عالم بالواقع منهما والأجل المحتوم في الآية على ما في علم الله سبحانه الذي لا تغير فيه، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب﴾ (الرعد: ٣٩) فالحديث فيه ما أشارت إليه أول الآية من الأجل المعلق، وقوله: ﴿عنده أمّ الكتاب﴾ أشار به إلى العلم الإلهي الذي لا تغير فيه البتة ويعبر عنه بالقضاء المبرم وعن الأول بالقضاء المعلق، والوجه الأوّل أليق بلفظ المذكور.
وقال الطيبي: الأوّل أظهر وإليه يشير كلام صاحب
[ ٣ / ١٥٤ ]
الفائق، قال: ويجوز أن يكون المعنى: أن الله يبقي أثر واصل الرحم في الدنيا طويلًا فلا يضمحلّ سريعًا كما يضمحل أثر قاطع الرحم، ومن هذه المادة قول إبراهيم ﵇: ﴿واجعل لي لسان صدق في الآخرين﴾ (الشعراء: ٨٤) وورد في تفسيره وجه ثالث أخرج الطبراني في «الصغير» بسند ضعيف عن أبي الدرداء قال: «ذكر عند رسول الله - ﷺ - أن من وصل رحمه أنسأ له في أجله، فقال: إنه ليس زيادة في عمره قال الله تعالى: ﴿إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ (الأعراف: ٣٤) ولكن الرجل تكون له الذرية الصالحة يدعون له من بعده» وأخرج في الكبير من حديث أبي مشجعة بشين معجمة ثم صالحة» الحديث. وجزم به ابن فورك بأن المراد بزيادة العمر نفي الآفات عن صاحب البر في فهمه وعقله. وقال غيره: في أعم من ذلك وفي وجود البركة في رزقه وعمله ونحو ذلك (متفق عليه) ورواه أبو داود وابن ماجه كلاهما من حديث أنس أيضًا ورواه أحمد والبخاري من حديث أبي هريرة، كذا في «الجامع الصغير» (ومعنى ينسأ له في أثره: أي يؤخر له في أجله وعمره) فقوله: يؤخر تفسير لقوله ينسأ، وقوله في أجله وعمره وتفسير لقوله أثره كما علم مما تقدم، وهل التأخير فيهما على حقيقته أو مجاز مراد منه لازمه من الإمداد ودوام الثناء بعده؟ كل محتمل والعبارة في الأول أظهر.
٩٣٢٠ - (وعنه قال: كان أبو طلحة أكثر) بالمثلثة (الأنصار بالمدينة مالًا) تمييز عن نسبة الأكثرية إليه (من نخل) بيان للمال (وكان أحب أمواله) يجوز الرفع والنصب (إليه بيرحاء
[ ٣ / ١٥٥ ]
وكانت مستقبلة المسجد) بكسر الموحدة: أي مقابلته وراءه (وكان رسول الله - ﷺ - يدخلها) أي الحديقة المذكورة (ويشرب من ماء فيها طيب) يجوز رفع طيب فاعل الظرف لاعتماده على الموصوف وجره صفة لماء (فلما نزلت هذه الآية: لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبون قام أبو طلحة) وسار قاصدًا (إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله إن الله ﵎) عما لا يليق به، وجملة (يقول) في محل الخبر (لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبون وإن أحبّ أموالي إليّ بيرحاء) يحتمل أن يكون ذلك لعظم نماء أرضها وعظم ثمرها وكثرته وأن يكون لمعنى آخر (وإنها) لكونها أحبّ إليّ (صدقة تعالى أرجو برّها وأدخرها عند ا) الجملة الفعلية محتملة لكونها خبرًا بعد خبر على حد قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ (الأنبياء: ٥٠) على أحد الوجوه فيه ولكونها حالًا حذف عاملها وصاحبها: أي أتصدق بها حال كوني أرجو برّها (فضعها يا رسول الله حيث أراك الله تعالى، فقال رسول الله: بخ) لتفخيم فعله والثناء عليه (ذلك مال رابح ذلك مال رابح) بالموحدة وبالهمزة والتكرير للتأكيد لأن المقام يقتضي الإطناب (وقد سمعت ما قلت، وإني أرى) من الرأي والاجتهاد، ففيه دليل لجواز الاجتهاد منه ووقوعه: (أن تجعلها في الأقربين، فقال أبو طلحة: أفعل) أي أصرفه لهم متبعًا لرأيك (يا رسولالله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه. متفق عليه، وسبق بيان ألفاظه) وبيان من خرج الحديث زيادة على من ذكره المصنف (في باب الإنفاق مما يحب)
[ ٣ / ١٥٦ ]
بالمهملة والموحدة.
١٠٣٢١ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: أقبل رجل) قال الشيخ زكريا: هو جاهمة بن العباس بن مرداس، أو معاوية بن جاهمة. وقال شيخه الحافظ في «الفتح»: يحتمل أن يكون جاهمة بن العباس، فقد روى النسائي وأحمد من طريق معاوية بن جاهمة: «أن جاهمة جاء إلى النبي فقال: يا رسول الله أردت الغزو وجئت لأستشيرك، فقال: هل لك من أمّ؟ قال: نعم، قال: الزمها» الحديث، ورواه البيهقي بنحوه اهـ. فاقتصر على الأوّل وجعله احتمالًا، وقوله: (إلى نبي الله) متعلق بأقبل (فقال: أبايعك على الهجرة) أي مفارقة وطني وسكني المدينة. قال القرطبي: وهذا كان في زمن وجوب الهجرة (والجهاد) في سبيل الله (أبتغي الأجر من الله تعالى) مستأنفة استئنافًا بيانيًا لبيان سبب المبايعة الحامل عليها (قال: فهل من والديك) خبر مقدم (أحد حيّ) مبتدأ وجيء بأحد توطئة ليقوم به حتى (قال: نعم، بل) انتقال دلّ عليه جوابه بنعم من حياة أحدهما إلى الإخبار بحياتهما معًا (كليهما) كذا هو منصوب بتقدير وجدت كليهما، ويجوز كونه مرفوعًا مبتدأ محذوف الخبر: أي حيان وكتبت الألف بصورة الياء، وقد نبه المصنف في شرح مسلم على أن محل ذلك كله إذا لم يحضر الصف ويتعين للقتال (قال: فتبتغي الأجر من الله تعالى؟) الهمزة والمعطوف عليه مقدران قبل الفاء العاطفة: أي أتفعل ذلك فتبتغي الأجر من الله تعالى: (قال: نعم، قال: فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما) أسقط الشارع عنه وجوب الهجرة تقديمًا لحق أبويه، فإن الهجرة إن كانت واجبة عليه فقد عارضها ما هو أوجب منها وهو حق الوالدين، وإن لم تكن واجبة فالواجب أولى، لكن هذا إنما يصح ممن يسلم له دينه في موضعهما، أما لو خاف على دينه وجب عليه الفرار به وترك آبائه وأبنائه كما فعل المهاجرون الذين هم صفوة الله من العباد. وفي الحديث تقديم البرّ للوالدين على الجهاد (متفق عليه، وهذا لفظ مسلم) .
(وفي رواية لهما) وهي كذلك عند البخاري في الجهاد، وعند مسلم في الأدب، ورواها أبو داود والترمذي والنسائي في الجهاد، وقال الترمذي: حسن
[ ٣ / ١٥٧ ]
صحيح والبزار، كذا من «الأطراف» للمزي ملخصًا (جاء رجل) كذا في النسخة بحذف الظرف: أي إلى النبي وهو ثابت في الصحيحين، والظاهر أنه اختصار من المصنف لدلالة ما قبله عليه أو في الكتاب (فاستأذنه في الجهاد فقال: أحيّ والداك) الوصف فيه مبتدأ لاعتماده على الاستفهام ووالداك فاعله سد مسد خبره (قال: نعم) أي هما حيان (قال: ففيهما فجاهد) وقوله: ففيهما متعلق بالأمر قدم للاختصاص، والفاء الأولى جزاء لشرط محذوف، والثانية جزائية لتضمن الكلام معنى الشرط: أي إذا كان الأمر كما قلت فاخصص المجاهدة بخدمة الوالدين نحو: ﴿فإياي فاعبدون﴾ (العنكبوت: ٥٦) فحذف الشرط وعوض عنه الظرف المفيد للاختصاص، قاله العاقولي. وقال ابن رسلان: المراد بالجهاد فيهما جهاد النفس في وصول البرّ إليهما بالتلطف بهما وحسن الصحبة والطاعة وغير ذلك، وتقدم أن الجهاد الأكبر جهاد النفس الأمارة بالسوء اهـ. قال المصنف: هذا كله دليل لعظم فضيلة برّهما، وأنه آكد من الجهاد، وفيه حجة لما قال العلماء من أنه لا يجوز الجهاد إلا بإذنهما إذا كانا مسلمين أو بإذن المسلم منهما، فلو كانا مشركين لم يشترط إذنهما عند الشافعي ومن وافقه، وهذا كله حيث لم يحضر الصفّ ويتعين للقتال فحينئذٍ يجوز بغير إذن اهـ.
١١٣٢٢ - (وعنه عن النبيّ قال: ليس الواصل) أي الكامل الوصل (بالمكافىء) وقال الطيبي: أي ليست حقيقة الواصل ومن يعتد بصلته الذي يكافىء صاحبه بمثل فعله ويعطيه نظير ما أعطاه. قلت: وقد أخرج عبد الرزاق عن عمر موقوفًا: «ليس الواصل أن تصل من وصلك، ولكن الواصل أن تصل من قطعك» (ولكن) قال الطيبي: الرواية فيه بالتشديد ويجوز التخفيف (الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها) أي الذي إذا منع أعطى (رواه البخاري) وأحمد وأبو داود والنسائي كلهم من حديث ابن عمر كما في الجامع الصغير
[ ٣ / ١٥٨ ]
(وقطعت بفتح القاف والطاء) والعين المهملتين (ورحمه مرفوع) على الفاعلية. قال العلقمي: ضبط هكذا في أكثر الروايات، وفي بعضها بالبناء للمجهول. قال السيوطي في شرح الترمذي: المراد بالواصل في هذا الحديث الكامل، فإن في المكافأة نوع صلة، بخلاف من إذا وصله قريبه لم يكافئه فإن فيه قطعًا بإعراضه عن ذلك، وهو من قبيل «ليس الشديد بالصرعة» و«ليس الغنيّ عن كثرة العرض» اهـ. وتعقبه العلقمي بأنه لا يلزم من نفي الوصل ثبوت القطع. فهم ثلاث درجات: مواصل ومكافىء وقاطع: فالواصل من يبدأ بالفضل، والمكافىء من لا يزيد في الإعطاء على ما يأخذ، والقاطع الذي يتفضل عليه ولا يتفضل. وكما تقع المكافأة بالصلة من الجانبين كذلك تقع بالمقاطعة من الجانبين فمن بدأ فواصل فإن جازى فمكافىء وإلا فقاطع اهـ.
١٢٣٢٣ - (وعن عائشة ﵂ عن النبيّ قال: الرحم) بفتح الراء وكسر الحاء المهملة (معلقة بالعرش) الظاهر الحقيقية، ويحتمل أن المعنى أنها لائذة بربّ العرش كما تقدم حديث بذلك في الباب (تقول) استئناف بياني (من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه ا) قال المصنف قال عياض: الرحم التي توصل وتقطع معنى من المعاني ليست بجسم إنما هي قرابة ونسب، فيكون ذكر قيامها وتعلقها ضرب مثل وحسن استعارة على عادة العرب في استعمال ذلك والمراد تعظيم شأنها وفضيلة وصلها وعظيم إثم قطعها. قال ويجوز أن يكون المراد قيام ملك من الملائكة يتعلق بالعرش ويتكلم على لسانها بأمر الله تعالى (متفق عليه) اقتصر في «الجامع الصغير» على عزوه لمسلم.
١٣٣٢٤ - (وعن أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث) الهلالية (﵂ أنه أعتقت وليدة)
[ ٣ / ١٥٩ ]
أي أمة. قال في المصباح: الوليد الصبيّ المولود والجمع ولدان بالكسر والصبية والأمة وليدة والجمع ولائد اهـ. (ولم تستأذن النبيّ) فيؤخذ منه صحة تصرف الزوجة مطلقًا بغير إذن زوجها خلافًا للإمام مالك حيث منعه فيما زاد على الثلث إلا بإذنه (فلما كان يومها) بالرفع وكان تامة (الذي يدور عليها فيه قالت أشعرت) بفتح العين من باب قتل كما في المصباح أي أعلمت (يا رسول الله أني أعتقت وليدة) كأن التنكير فيه لتحقيرها وتصغير شأنها من حيث إنها من عملها، وفي نسخة وليدتي بالإضافة للياء (قال: أو فعلت) أي أعتقتها وفعلت فالواو وعاطفة على مقدر بعد الهمزة، هذا ما مشى عليه في مواضع كثيرة من «الكشاف» و«البيضاوي»، فالاستفهام داخل على المتعاطفين، وجعل ابن مالك الهمزة مقدمة من تأخير وأن العاطف كان داخلًا عليها، وأن الأصل أو فعلت فصدرت الهمزة لصدارتها، وتقدم التنبيه على هذا في باب تغليظ عقوبة من أمر بمعروف وخالف قوله فعله (قالت نعم، قال أما) بتخفيف الميم أداة استفتاح (إنك لو أعطيتها) بكسر التاء (أخوالك) أي قرابتك من جهة الأم، قال المصنف: كذا وقعت هذه اللفظة في مسلم باللام، ووقعت في رواية الأصيلي أخواتك بالتاء، قال القاضي: ولعله أصح بدليل رواية الموطأ أعطيتها أختك. > قلت: الجميع صحيح ولا تعارض ولعله قال ذلك كله (كان أعظم لأجرك) لما فيه من الصدقة مع صلة الرحم، قال الحافظ في الفتح: قال ابن بطال: فيه أن هبة ذي الرحم أفضل من العتق، ويؤيده ما رواه الترمذي والنسائي وأحمد وصححه، وابن حبان من حديث سلمان بن عامر الضبي مرفوعًا «الصدقة على المساكين صدقة وعلى ذي الرحم صدقة وصلة» لكن لا يلزم من ذلك أن تكون هبة ذي الرحم أفضل مطلقًا لاحتمال أن يكون المسكين محتاجًا ونفعه متعديًا والآخر بالعكس، وقد وقع في رواية النسائي المذكورة «فقال: أفلا
فديت بها بنت أخيك من رعاية الغنم» فتبين وجه الأولوية المذكورة وهو احتياج القريب إلى الخدمة، وليس في الحديث حجة على أن الصلة أفضل من العتق لأنها واقعة عين، فالحق أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال كما قدرته اهـ (متفق عليه) .
[ ٣ / ١٦٠ ]
١٤٣٢٥ - (وعن أسماء) بالمهملة والألف الممدودة (بنت أبي بكر الصديق ﵄) اسم أمها قيلة بفتح القاف وسكون التحتية قاله ابن ماكولا وغيره، قالوا: ويقال أيضًا قتيلة بقاف ثم فوقية ثم تحتية مصغرًا. قال في فتح الباري: وقول الداودي اسمها أم بكر: قال ابن التين: لعله أراد كنيتها بنت عبد العزّى، ضبطه في «تاريخ دمشق» بخط الحافظ أبي محمد وعلَّم عليه صورة «راء» وفي مواضع بالزاي كما هنا. ابن سعد بن نضر بن مالك بن حسل بكسر المهملة الأولى وسكون الثانية بن عامر بن لؤي بن غالب، وكانت أسماء أسن من عائشة وهي أختها لأبيها، وكان عبد الله ابن أبي بكر شقيقها، سماها رسول الله - ﷺ - ذات النطاقين لأنها صنعت للنبيّ ولأبيها سفرة لما هاجرا، فلم تجد ما تشدها به فشقت نطاقها وشدت به السفرة فسماها النبيّ ذات النطاقين. هاجرت إلى المدينة وهي حامل بعبد الله بن الزبير فولدته بعد الهجرة، فكان أوّل مولود من المهاجرين ولد في الإسلام بعد الهجرة. قال عروة: بلغت أسماء مائة سنة لم يسقط لها سن ولم ينكر من عقلها شيء، روي لها عن رسول الله - ﷺ - فيما قيل ستة وخمسون حديثًا. قلت: وذكر ابن الجوزي في «مختصر التلقيح» أن لها ثمانية وخمسين حديثًا، قال: ولها في الصحيحين اثنان وعشرون حديثًا، اتفقا على ثلاثة عشر منها، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بأربعة اهـ، روى عنها عبد الله بن عباس وابناها عبد الله وعروة وعبد الله بن أبي مليكة وغيرهم، توفيت بمكة في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين بعد قتل ابنها عبد الله بيسير، ولم تبق بعد إنزاله من الخشبة إلا ليالي يسيرة، قيل
ثلاث وقيل عشر وقيل عشرون وقيل بضع وعشرون. وفي «تاريخ دمشق» عن ابن أبي الزناد: كانت أسماء أكبر من عائشة بعشر سنين، وعن الحافظ أبي نعيم قال: ولدت أسماء قبل الهجرة بسبع وعشرين سنة، وكان لأبيها أبي بكر حين ولدت له إحدى وعشرون سنة. وفي «تاريخ دمشق» أنها شهدت غزوة اليرموك مع زوجها الزبير، وفيه عن خليفة بن خياط أنها ولدت للزبير عبد الله وعروة وعاصمًا والمنذر والمهاجر وخديجة وأم حسن وعائشة. وفي «طبقات» ابن سعد بإسناد الصحيحين عن فاطمة بنت المنذر «أن أسماء كانت تمرض المرضة فتعتق كل مملوك لها» وفيها عن الواقدي: كان ابن المسيب من أعبر الناس للرؤيا أخذه عن أسماء وأخذته عن أبيها. وفي «تاريخ دمشق» عن مصعب بن
[ ٣ / ١٦١ ]
الزبير قال: «فرض عمر ﵁ الأعطية، ففرض لأسماء ألف درهم» وفي رواية «ففرض للمهاجرين ألفًا ألفًا منهن أم عبد وأسماء» اهـ من «التهذيب» للمصنف ملخصًا (قالت: قدمت) بكسر الدال المهملة (عليّ) أي من مكة إلى المدينة (أمي) وتقدم ذكر اسمها ونسبها في ترجمة بنتها أسماء آنفا (وهي مشركة) قال المصنف في التهذيب: وذكر ابن الأثير اختلاف العلماء والروايات في إسلامها، وأكثر الروايات أنها لم تسلم، ومثله في شرح مسلم (في عهد رسول الله) أي معاهدته مع المشركين وتأمينه لهم في الحديبية كما في الحديث الآتي في كلام الحافظ وغيره، وأرادت ما بين الحديبية والفتح. وقد جاء عن ابن سعد وأبي داود الطيالسي «أنها قدمت على ابنتها بهدايا زبيب وسمن وقرط، فأبت أسماء أن تقبل هديتها أو تدخلها بيتها، فأرسلت إلى عائشة: سلى رسول الله - ﷺ - فقال: لتدخلها» الحديث (فاستفتيت رسول الله) هذا مجمل بينته بقولها (قلت: قدمت عليّ أمي) زاد بعض رواية الحديث «مع أبيها» وهو كذلك في البخاري في الجزية والأدب. قال الحافظ: واسم أبيها الحارث بن مدرك بن عبيد بن عمرو بن مخزوم ولم أرد له ذكرًا في الصحابة وكأنه مات مشركًا اهـ. وما
ذكره في نسب أمها مخالف لما تقدم عن «التهذيب» للمصنف في ترجمة أسماء (وهي راغبة) جملة حالية: أي راغبة عن الإسلام وكارهة له، وقيل معناه: طامعة فيما أعطيها حريصة عليه، وفي رواية أبي ذرّ «قدمت عليّ أمي راغبة في عهد قريش وهي راغمة مشركة» فالأوّل بالباء: أي طالبة صلتي، والثاني بالميم: أي كارهة للإسلام ساخطته، وفي «فتح الباري»: نقل المستغفري أن بعضهم أوله فقال: وهي راغبة في الإسلام، فذكرها لذلك في الصحابة. ورده أبو موسى بأنه لم يقع في شيء من الروايات ما يدل على إسلامها (أفاصل أمي) أي أتصدق عليها فأصلها مع كفرها ولا يكون ذلك من موادة الكفار وموالاتهم (قال: نعم) وهو كاف عن قوله (صلي أمك) وأتى به تأكيدًا واهتمامًا، زاد البخاري في «الأدب»: «فأنزل الله ﷿ فيها
﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين﴾ (الممتحنة: ٨)» قال الحافظ في «الفتح»: روى ابن أبي حاتم عن السدي أنها نزلت في ناس من المشركين كانوا ألين جانبًا للمسلمين وأحسن أخلاقًا. قال الحافظ: قلت ولا منافاة بينهما، فإن السبب خاص واللفظ عام، فيتناول كل من كان في معنى والدة أسماء اهـ. وفي الحديث جواز صلة القريب المشرك (متفق عليه) ورواه البخاري في الهبة والجزية والأدب، ومسلم في الزكاة
[ ٣ / ١٦٢ ]
وأبو داود فيها أيضًا كذا لخص من «الأطراف» للمزي (وقولها) أي أسماء واصفة لأمها (راغبة) بالغين المعجمة والموحدة (أي طامعة فيما عندي تسألني شيئًا) من الإحسان (قيل كانت أمها من النسب، وقيل من الرضاعة، والصحيح الأوّل) حكاية هذا الخلاف هنا مما فات شراح مسلم التنبيه عليه. قال الحافظ في «الفتح»: أخرج ابن سعد وأبو دادو الطيالسي والحاكم من حديث عبد الله بن الزبير قال: «قدمت قتيلة، بالقاف والمثناة مصغرة، بنت عبد العزّى بن سعد بن نضر بن مالك بن حسل، بكسر الحاء وسكون السين المهملتين، على ابنتها أسماء بنت أبي بكر في الهدنة، وكان أبو بكر طلقها في الجاهلية، بهدايا زبيب وسمن قرط، فأبت أسماء أن تقبل هديتها أو تدخلها بيتها، وأسسلت إلى عائشة سلى لي رسول الله، فقال لتدخلها» الحديث، وعرف منه تسمية أم أسماء وأنها أمها حقيقة، ومن قال إنها أمها من الرضاعة فقد وهم، وأما قول الداودي إن اسمها أم بكر فقد قال ابن التين: لعله كنيتها كما تقدم.
١٥٣٢٦ - (وعن زينب الثقفية) بمثلثة وقاف مفتوحتين وفاء مكسورة منسوبة إلى ثقيف بوزن رغيف (امرأة) بهمزة وصل، ويقال مرأة بحذفها، ويقال مرة بنقل حركة الهمزة إلى الراء: زوجة (عبد الله بن مسعود) الهذلي (﵁ وعنها) عدل عن قوله عنهما مع أنه أخصر لما يوهمه من عوده لابن مسعود وأبيه لكونهما أقرب مذكور، وفي تقديمه عليها مع تأخر ذكره إشارة إلى شرف الذكورية ومجدها. قال المصنف في «التهذيب»: اختلف في اسم امرأة ابن مسعود فقال جماعة: اسمها زينب، ولعله قول الأكثرين، وهي زينب بنت عبد الله ابن معاوية الثقفي؟، وقيل اسمها رايطة وقيل ريطة بنت عبد اهكذا ذكر هذه الأقوال جماعة من العلماء منهم الخطيب البغدادي في المبهمات، وجعل ابن سعد في «الطبقات» زينب ورايطة امرأتين لابن مسعود. قلت: وبعض أهل اللغة ينكر وجود رايطة في كلام العرب. وذكر أبو عمر الزاهد في آخر شرح الفيح عن ابن الأعرابي قال: يقال ريطة لا غير ولم يحك عن العرب رايطة: وأفصح اللغات عائشة، وقد يقال عيشة لغة فصيحة اهـ ملخصًا. قلت: قال الحافظ في «الفتح»: زينب الثقفية يقال لها رايطة أيضًا، وقع
[ ٣ / ١٦٣ ]
ذلك في صحيح ابن حبان، ويقال هما اثنتان عند الأكثر وممن جزم به ابن سعد. قال الكلاباذى: رايطة هي المعروفة بزينب، وبه جزم الطحاوي فقال: رايطة هي زينب لا نعلم لعبد الله امرأة في زمن رسول الله - ﷺ - غيرها، روي لها عن رسول الله - ﷺ - ثمانية أحاديث منها في الصحيحين حديثان، اتفقا على أحدهما وهو حديث الباب، وانفرد مسلم بحديث آخر، كذا في «مختصر التلقيح» (قالت: قال رسول الله: تصدقن) أمر لجماعة النسوة كما قال (يا معشر النساء) أي جماعة النساء، ومقتضى قول المصباح المعشر، والقوم، والرهط، والنفر لجماعة الرجال دون النساء اهـ. استعمل في غير موضوعه وكأنه لأنهن لما أمرن بالتصدق وإنما يبعث عليه الإيقان الذي هو وصف كمل الرجال كما قال: والصدقة
برهان، خوطبن بذلك، ثم رأيت في «التحفة» للشيخ زكريا: المعشر كل جماعة أمرهم واحد، وفيه رد على ثعلب حيث خصه بالرجال، إلا إن أراد بالتخصيص حالة الإطلاق لا حالة تقييده (ولو من حليكن) قلت: يحتمل أن يكون مفردًا فيكون بفتح المهملة وسكون اللام، وأن يكون جمعًا فيكون بضم المهملة وكسر اللام وتشديد الياء وأصله على وزن فعول كفلس وفلوس فأعل كما في «المصباح»: وفي «المشارق»
للقاضي عياض «تصدقن ولو من حليكن» وهو ما تتحلى به المرأة وتتزين به، يقال بفتح الحاء وسكون اللام وبضم الحاء وكسرها وكسر اللام، وقد قرىء بهما جميعًا اهـ. واختصره صاحب «المطالع» ولم أقف على من ضبط الرواية فيه، وفي «فتح الإله»: كأن وجه جعله غاية أن النساء لا يسمحن بالتفريط فيه إلا لمهم انحصر الخلاص فيه كأنه يقول: الصدقة أمر مهم جدًا، فكما تسمحن بإخراج حليكن في الأمر المهم عند فقد غيره فاسمحن بإخراجه فيها إذا لم تجدن غيره (قالت: فرجعت) بتاء المتكلم، ويحتمل أن يكون بتاء التأنيث فيكون فيه التفات على طريق السكاكي (إلى عبد الله بن مسعود، فقلت: إنك رجل خفيف ذات) زائدة للتأكيد (اليد) أي قليل المال، ولم تقله تعييرًا له ولا استخفافًا بحقه، بل توطئة لقولها (وإن رسول الله - ﷺ - قد أمر بالصدقة) أي أمر ندب بدليل الحلي فإنه لا زكاة فيه، نعم جاء أنه كان زكويًا ثم نسخت منه، فإن كان قبله فيحتمل كونه أمر إيجاب، وعلى كل فالامتثال مطلوب، ولا يشكل على الوجه الثاني صرفه لأولادها لأنه يجوز للمزي صرف زكاته إلى أولاده الذين تلزمه نفقتهم، وكذا أصوله كذلك (فأته فاسأله) هل يجزىء عني التصدق عليك وعلى أولادي فأصرفها عليكم أولًا؟ وأفاد هذا قولها عاطفة بالفاء المفيدة لتفصيل المسؤول (فإن كان ذلك يجزىء) أي يسقط
[ ٣ / ١٦٤ ]
الفرض (عني) إن قلنا إنها زكاة، أو يجزىء في الوقاية من النار لحصول الصدقة المأمور بها إن قلنا إنها تطوع، أشار
إليه الحافظ في «الفتح»، وجواب الشرط محذوف لدلالة المقام عليه: أي دفعتها لكم (وإلا صرفتها إلى غيركم) قالت (فقال عبد الله: بل ائتيه أنت) لعل ذلك منه استحياء أو بيان أنها الأولى بالسؤال لأنه أمر يتعلق بها (فانطلقت فإذا امرأة من الأنصار) قال الحافظ في «الفتح»: أخرج النسائي عن ابن مسعود قال: «انطلقت امرأة عبد الله: يعني ابن مسعود، وزينب امرأة أبي مسعود: يعني عقبة بن عمرو الأنصارية» قلت: لم يذكر ابن سعد لأبي مسعود امرأة أنصارية سوى هذيلة بنت ثابت بن ثعلبة الأنصارية فلعل لها اسمين، أو وهم من سماها زينب انتقالًا من اسم امرأة عبد الله إلى اسمها اهـ. وإذا للمفاجأة، والمفاجأة حضور الشيء معك في وصف من أوصافه الفعلية كخرجت فإذا الأسد بالباب، معناه حضور الأسد معك في زمان أو مكان وصفك بالخروج، وتقدير المكان أولى لأنه الذي يخصك فهو ألصق بك من الزمان، وكلما كان ألصق كانت المفاجأة فيه أقوى. قال ابن مالك: هي حرف، وقال المبرد وغيره: هي ظرف مكان، وقال الزمخشري كالزجاج: ظرف زمان وناصبها فاجأه، وردّ أن ناصبها الخبر المذكور أو المقدر ولم تذكر في القرآن إلا وخبر المبتدأ بعدها مذكورًا (بباب رسول الله) أي واقفة به (حاجتها حاجتي) من التعبير البليغ (وكان رسول الله - ﷺ - قد ألقيت عليه المهابة) بفتح الميم مصدر ميمي: أي الهيبة وهي الإجلال وكان فيه للاستمرار: أي إنه مهاب موقر مع ما كان عليه من عظيم حسن الخلق وبديع التواضع حتى كان أصحابه في مجلسه يعتريهم من ذلك ما يصيرون به خاضعين خافضين رؤوسهم كأن على رؤوسهم الطير (فخرج علينا بلال فقلنا له: ائت رسول الله) لا ينافي ذلك أنه لم يكن له حاجب ولا بواب، لأن بلالًا لم يكن موقفًا لذلك، وإنما صادف وقوفهما وجوده عند النبيّ، فأخرجه إليهما ليسألهما عن حاجتهما (فأخبره بأن) الباء زائدة في المفعول الثاني للتأكيد (امرأتين) واقفتان (بالباب يسألانك أيجزىء) بضم
الياء والهمزة من الإجزاء بمعنى الإسقاط، وبفتح الياء وترك الهمزة آخره
[ ٣ / ١٦٥ ]
بمعنى يكفي (الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما) أي ولايتهما وتربيتهما (ولا تخبره) أي إذا لم يسألك عنا (من نحن) أي فإننا نستحيي من ذلك (قالت: فدخل بلال على رسول الله - ﷺ - فسأله، فقال له رسول الله: أي الزيانب؟ قال: امرأة عبد ا) كذا فيما وقفت عليه من نسخ الرياض، وفيه حذف، ولفظ مسلم الذي ساق المصنف الحديث بلفظه «فسأله فقال له رسول الله: من هما؟ قال: امرأة من الأنصار وزينب، فقال له رسول الله: أي الزيانب؟ فقال: امرأة عبد ا» ولفظ البخاري «فلما صار إلى منزله جاءت زينب امرأة ابن مسعود تستأذن عليه، فقيل: يا رسول الله هذه زينب فقال: أي الزيانب؟ فقيل: امرأة ابن مسعود» (فقال رسول الله - ﷺ - لها) كذا فيما رأيت بإفراد الضمير وكأنه لتعيينها وحكم صاحبتها معلوم من ذكر حكمها لأن المادة واحدة، والذي في مسلم لهما بضمير التثنية. وحاصل الجواب أن ذلك يجزىء عنهما، ولهما عليه (أجران: أجر القرابة) في الأولاد: أي أجر صلة الرحم التي تكفل الله لمن وصلها بأن يصله بما لا يقدر غيره سبحانه قدره (وأجر الصدقة) فيهم وفي الزوج. وفي الحديث تغليب، فإن ابن مسعود كان زوجًا فقط، وفي الحديث «إن أحق الناس بصرف صدقة التطوّع والزكاة والنذر والكفارة والوقف والوصية وسائر وجوه البرّ الأقارب» وبه أخذ أئمتنا (متفق عليه) واللفظ لمسلم أخرجاه في الزكاة وأخرجه النسائي في عشرة النساء وابن ماجه في الزكاة.
١٦٣٢٧ - (وعن أبي سفيان) بتثليث سينه المهملة والضم أشهر (صخر) بفتح المهملة وسكون الخاء المعجمة بعدها راء (ابن حرب) بفتح الحاء المهملة وسكون الراء بعدها موحدة ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي (﵁) وسبقت ترجمته والكلام على حديث في باب الصدق (في حديثه الطويل) المذكور في «صحيح البخاري» في كتاب بدء
[ ٣ / ١٦٦ ]
الوحي، وفي «صحيح مسلم» في أثناء كتاب الجهاد (في قصة هرقل) بمنع الصرف للعلمية والعجمة (أن هرقل قال لأبي سفيان: فماذا) أي فما الذي (يأمركم به، يعني) أي هرقل بمرجع الضمير المستتر في أمركم (النبيّ) وهذه الجملة من كلام المصنف احتاج إلها، لأنه ذكر هذه القطعة المشتملة على ضمير لم يصرح بذكر مرجعه في باقي الخبر (قال: قلت يقول اعبدوا الله وحده) أي وحدوه (ولا تشركوا به شيئًا) بيان للتوحيد المأمور به وتنكير شيء للعمم، فيشمل الشرك الأكبر وهو الكفر، والأصغر وهو الرياء، فالعبادة الكاملة ما قصد بها لتقرّب لوجه الله ﷾ دون ما سواه مطلقًا (واتركوا ما يقول آباؤكم) من الكفر (ويأمرنا) من عطف الرديف باعتبار المعنى: إذ التوحيد وترك الكفر من جملة ما أمر به النبيّ، وكأنه خالف بين العبارتين تفننًا ولاختلاف نوعهما إذ مدخول القول هو الأصول وما بعد الأمر هو الأخلاق المبنية عليها الملاحظة بعد ما تقدمها (بالصلاة والصدق) في الأقوال والأفعال (والعفاف) عن المحارم (والصلة) للأرحام (متفق عليه) .
١٧٣٢٨ - (وعن أبي ذرّ) جندب بن جنادة وسبقت ترجمته (﵁) في باب المراقبة، (قال: قال رسول الله) هو من الإخبار بالمغيبات، فهو من جملة الإعجاز، وقد وقع كما أخبر به النبيّ والحمد (إنكم ستفتحون) السين لتأكيد الوعد، قال البيضاوي: لن يفعل نفي سيفعل، وما يفعل نفي يفعل اهـ. وفي «المغني»: زعم الزمخشري أنها: أي السين إذا دخلت على فعل محبوب أو مكروه أفادت أنه واقع لا محالة ولم أر من فهم وجه ذلك، ووجهه أنها تفيد الوعد بحصول الفعل فدخولها على ما يفيد الوعد والوعيد مقتض للتوكيد اهـ. (أرضًا يذكر) بالبناء للمجهول (فيها القيراط) قال في المصباح: أصله قراط
[ ٣ / ١٦٧ ]
لكنه أبدل من أحد المضعفين ياء للتخفيف كما في دينار ونحوه، ولهذا يرد في الجمع والتصغير إلى أصله فيقال قراريط وقريرط. قال بعض الحسَّاب: القيراط في لغة اليونان حبة خرنوب، وهو نصف دانق، والدانق عندهم اثنا عشر حبة، والحسَّاب يقسمون الأشياء أربعة وعشرين قيراطًا لأنه أول عدد له ربع وثمن ونصف وثلث صحيحات من غير كسر اهـ. وقال المصنف: قال العلماء: القيراط جزء من الدينار والدرهم وغيرهما، وكان أهل مصر يكثرون من استعماله والتكلم به (وفي رواية) هي لمسلم أيضًا (ستفتحون مصر) بمنع الصرف للعلمية والتأنيث باعتبار إرادة البقعة؛ سميت باسم أول من سكنها وهو مصر بن بنصر بن سام بن نوح. وحدّها طولًا من برقة التي في جنوب البحر الرومي إلى أيلة، ومسافة ذلك قريب من أربعين يومًا، وعرضًا من مدينة أسوان وما سامتها من الصعيد الأعلى إلى رشيد وما حاذاها من مساقط النيل في البحر الرومي، ومسافة ذلك قريب من ثلاثين يومًا (وهي أرض يسمى) أي يذكر كثيرًا (فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرًا) يحتمل أن تكون معطوفة على جملة ستفتحون بناء على جواز عطف الإنشاء على الخبر، ويحتمل الاستئناف وتنكير خيرًا للتعميم والتكثير (فإن) الفاء فيه للسببية: أي بسبب أن (لهم ذمة) أي ذمامًا: أي حقًا
وحرمة (ورحمًا) .
(وفي رواية فإذا) أتى بها لأنها تستعمل في المحقق وقوعه بخلاف إن الشرطية (افتتحتموها فأحسنوا إلى أهلها) بأنواع الإحسان كما يؤذن به حذف المعمول، ويومىء إليه قوله في الرواية السابقة خيرًا (فإن لهم ذمة ورحمًا، أو قال ذمة وصهرًا. رواه مسلم) في الفضائل، أو قال: يعني النبيّ، وهو شك من الراوي (ذمة وصهرًا) بدل قوله «ورحمًا» قال في «المصباح»: قال الخليل: الصهر أهل بيت المرأة، قال: ومن العرب من يجعل الأحماء والأختان جميعًا أصهارًا.g وقال الأزهري: الصهر يشتمل على قرابات النساء ذوي المحارم وذوات الأرحام، ومن كان من قبل الزوج من ذوي قرابة المحارم فهم أصهار المرأة أيضًا. وقال ابن السكيت: كل من كان من قبل الزوج من أبيه وأخيه وعمه فالأحماء، ومن كان من قبل المرأة فالأختان، ويجمع الصنفين الأصهار. اهـ ملخصًا.
(قال العلماء: الرحم التي لهم) أي في الحديث (كون هاجر) بفتح الجيم وتبدل الهاء همزة وهو ممنوع الصرف للعلمية والعجمة، أو والتأنيث المعنوي (أم إسماعيل) بن إبراهيم (صلى الله عليه) وعليه (وسلم منهم) أي من مصر، لأنها أعطاها الجبار لسارة امرأة إبراهيم
[ ٣ / ١٦٨ ]
علي السلام لما منعته يد القدرة عنها فأعطتها سارة إبراهيم فحملت منه إسماعيل (والصهر كون مارية أم إبراهيم ابن) سيدنا وسيد الخلق أجمعين (رسول الله - ﷺ - منهم) لأن المقوقس صاحب مصر لما كاتبه النبيّ يدعوه إلى الإسلام لم يسلم، وأرسل بهدية إلى النبيّ منها مارية وسيرين فحملت مارية بإبراهيم، وأعطى سيرين لحسان بن ثابت الأنصاري. وهذا التفسير عزاه هنا للعلماء لعدم الخلاف فيه ولم يعزه إلى أحد في شرح مسلم لأن المتفق عليه لا يحتاج إلى العزو، والله أعلم.
١٨٣٢٩ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية) المبينة بقوله: (وأنذر عشيرتك الأقربين) أي قرابتك الأدنين (دعا رسول الله - ﷺ - قريشًا) هم ولد النضر بن كنانة على الصحيح (فاجتمعوا فعم) أي دعاهم بما يعمهم (وخص) أي خصيص بعضًا بالنداء وبين كيفية التعميم والتخصيص بقوله: (فقال: يا بني كعب بن لؤي) بحذف تنوين كعب لفظًا وألف ابن خطًا، ومثله كان ابن وقع بين علمين ما لم يقع في ابتداء سطر (أنقذوا أنفسكم) أي خلصوها (من النار) المترتبة على الكفر والعصيان بالإيمان با تعالى وطاعته وأداء عبوديته (يا بني عبد مناف) بكسر دال عبد لأنه مركب إضافي ومناف محول عن منات اسم لصنم. قال السهيلي في «الروض الأنف»: كانت أمه قد أخدمته منات وكان صنمًا عظيمًا لهم وكان يسمى عبد منات، ثم نظر قصيّ فرآه يوافق عبد مناف بن كنانة فحوله عبد مناف. ذكره البرقي والزبير (انقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم) لقب به لهشمه الثريد لقومه، واسمه عمرو (أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد المطلب) قاله المطلب جد
[ ٣ / ١٦٩ ]
الإمام الشافعي لما جاء به من المدينة مردفًا له على راحلته وعليه ثياب بذلة، فكان إذا سئل عنه يقول عبدي، حتى ألبسه قال ابن أخي، فغلب عليه ذلك، واسمه كما قال السهيلي شيبة (أنقذوا أنفسكم من النار) وهذا آخر ما عمم فيه وقال مخصصًا (يا فاطمة) بالضم، قال المصنف: كذا وقع في بعض الأصول وفي بعضها أو أكثرها يا فاطم بحذف الهاء على الترخيم وعليه فيجوز ضم الميم وفتحها كما عرف في نظائره: أي من الانتظار وعدمه (أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئًا) قال المصنف: معناه لا تتكلوا على قرابتي فإني لا أقدر على دفع مكروه يريده الله تعالى بكم (غير) استثناء منقطع، وترادفها في هذا المعنى والاستعمال بيد، ومنه حديث «نحن الآخرون السابقون بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا» والمعنى هنا لكن حصل (أن لكم رحمًا سأبلها
ببلالها. رواه مسلم) في كتاب الإيمان والنسائي في الوصايا، وذكر الحافظ في «النكت الظراف» أن البخاري أخرجه عقب حديث شعيب عن الزهري فقال: تابعه أصبغ عن ابن وهب اهـ. (قوله: ببلالها هو بفتح الباء الثانية) أي التي هي أول الكلمة، أما الأولى الجارة فمكسورة لا غير (وكسرها) قال في شرح مسلم: ضبطناه بهما وهما وجهان مشهوران ذكرهما جماعة من العلماء. وقال عياض: رويناه بالكسر قال: ورأيت في الخطابي أنه بالفتح، وقال صاحب «المطالع»: رويناه بكسر الباء وفتحها من بل يبله (والبلال الماء) وفي «المصباح»: وقيل البلال ما يبل به الحلق من ماء ولبن (ومعنى الحديث سأصلها، شبه قطيعتها بالحرارة) تشبيهًا مضمرًا في النفس وأثبت لازم المشبه وهو ما تضمنه قوله (تطفأ) بالبناء للمجهول (بالماء وهذه تبرد بالصلة) قال المصنف: ومنه حديث «بلوا الأرحام» أي صلوها، من البلل المذهب حرارتها فالتشبيه المضمر في النفس استعارة مكنية وإثبات البلال تخييل.
١٩٣٣٠ - (وعن أبي عبد الله عمرو بن العاص) تقدمت ترجمته (﵁) في باب بيان
[ ٣ / ١٧٠ ]
كثرة طرق الخير (قال: سمعت النبيّ جهارًا) منصوب على الحال: أي حال كونه مجاهرًا بالقول (غير مسر) ووقوع المصدر حالًا كثير لكن مع ذلك هو سماعي وابن العاص من العرب الذين لهم ذلك فيه، أو مفعول مطلق: أي يجهر جهرًا به، وقوله غي مسر صفة مؤكدة (يقول: إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء) هذا لفظ مسلم، والذي في البخاري «إن آل أبي» قال عمرو: يعني ابن عباس شيخ البخاري «في كتاب محمد بن جعفر - أي شيخ عمرو - بياض» قال السيوطي: أي موضع أبيض بغير كتابة اسم للمضاف إليه قال الشيخ زكريا في «التحفة»: المراد بفلان أبو طالب أو أبو العاص بن أمية، والمراد من آله من لم يسلم منهم اهـ. وقال السيوطي: وفي «مستخرج» أبي نعيم «إن آل أبي طالب» فقيل الراوي له عنبسة بن عبد الواحد أموي من الناصبة المنحرفين على عليّ فلا يقبل منه هذا التعبير، وقيل هو محمول على غير المؤمنين، وعلى كونه العاص فإنما أبهمه الراوي لخوف مفسدة تترتب على ذكره. قال الدلجي: لأن الأمر حينئذٍ كان في ذويه اهـ. وفي «تعليق المصابيح» للدماميني قال ابن العربي في «سراج المريدين»: معنى الحديث آل أبي طالب، قال: ومعناه إني لست أخصّ قرابتي ولا فصيلتي الأدنين بولاية دون المسلمين وإنما رحمهم معي في الطالبية فسأبلها ببلالها: أي أعطيها حقها فإن المنع عند العرب يبس والصلة بلّ (إنما وليي) أي ناصري والذي أتولاه في جميع الأمر (اوصالح المؤمنين) كذا رأيته بحذف الواو من صالح على أنه مفرد مضاف اكتفى بعمومه، ويؤيده آية ﴿فإن تظاهرا عليه فإن اهو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين﴾ (التحريم: ٤) فالحديث على طبق الآية، فإنها دلت على حصر أوليائه فيمن ذكر. قال الكواشي في التفسير: المراد بصالح المؤمنين: أبو بكر أو عمر أو هما أو عليّ أو كل من برىء من المؤمنين من النفاق أو هم الأنبياء، وصالح
المؤمنين مفرد يراد به الجمع كقوله: ﴿السارق والسارقة﴾ (المائدة: ٣٨) وزعم بعضهم أنه يجوز أن يكون أصله صالحو فيكتب بغير واو إتباعًا للفظ (ولكن) استدراك لما قد يتوهم من عدم مواصلتهم بإثباتها بقوله: (لهم رحم أبلها ببلالها. متفق عليه) رواه البخاري في الأدب ومسلم في الإيمان (واللفظ للبخاري) ورواه البزار.
[ ٣ / ١٧١ ]
٢٠٣٣١ - (وعن أبي أيوب خالد بن زيد) بن كليب بن ثعلبة بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار (الأنصاري) الخزرجي النجاريّ المدني الصحابي الجليل (﵁) شهد العقبة وبدرًا وأحدًا والخندق وبيعة الرضوان وجميع المشاهد مع رسول الله، ونزل عنده رسول الله - ﷺ - حين قدم المدينة مهاجرًا وأقام عنده أشهرًا حتى بنيت مساكنه ومسجده. روي له عن رسول الله - ﷺ - مائة وخمسون حديثًا، اتفقا على سبعة منها، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بآخر، وروى عنه البراء بن عازب وجابر بن سمرة وأبو أمامة الباهلي وزيد بن خالد الجهني وابن عباس وكلهم صحابة ﵃ وخلائق من التابعين. توفي بأرض الروم غازيًا سنة خمسين، وقيل سنة إحدى وقيل اثنين وخمسين وقبره بالقسطنطينية حرسها الله بمنه (أن رجلًا) قال الشيخ زكريا: هو أبو أيوب الراوي كما قال ابن قتيبة، ولا مانع أن يبهم الراوي نفسه لغرض له. وأما تسميته في حديث آخر عن أبي هريرة عند البخاري بأعرابي فلا ينافي ذلك لجواز التعدد، وذلك الأعرابي هو ابن المنتفق، قيل: واسمه لقيط بن صبرة اهـ. (قال: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة) برفع يدخلني عل أنه صفة عمل وجواب الأمر محذوف: أي يثبكالله، ويجوز أن يجزم على أنه جواب الأمر، وعليه فتنوين عمل للتعظيم والتفخيم ليكون بوصف مقيدًا (فقال النبيّ: تعبد الله ولا تشرك به شيئًا) عطف على ما قبله مفيد لبيان العبادة المعتدّ بها، أو حال بإضمار مبتدأ كما تقدم في الباب نظيره (وتقيم الصلاة) أي
تأتي بها مستجمعة لأركانها وشرائطها وسننها (وتؤتي) أي تعطي (الزكاة، وتصل الرحم) وخص الرحم بالذكر لقربها من السائل أو نظرًا لحاله كأنه كان قاطعًا لها فأمر بصلتها لأنها المهمّ بالنسبة إليه، وعطف الصلاة وما بعدها على العبادة من عطف الخاص على العام (متفق عليه) رواه البخاري في الزكاة، ومسلم في الإيمان، ورواه النسائي في كتاب الصلاة وكتاب العلم، قاله الحافظ المزي.
٢١٣٣٢ - (وعن سلمان بن عامر) بن أوس بن حجر بن عمرو بن الحارث بن تيم بن ذهل بن
[ ٣ / ١٧٢ ]
مالك بن سعد بن بكر بن ضبة بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر الضبي (﵁) قال مسلم: لم يكن في الصحابة ضبيّ غيره، نزل البصرة وله بها دار بقرب الجامع، روى عنه محمد وحفصة ولدا سيرين، روي له عن النبيّ ثلاثة عشر حديثًا، انفرد البخاري بحديث واحد ذكره في «مختصر التلقيح»، واقتصر المصنف في «التهذيب» على أن البخاري روى عنه حديثًا واحدًا عن (النبي قال: إذا أفطر أحدكم) أي أراد الفطر من صومه (فليفطر على تمر) اسم جنس جمعي فأقله ثلاثة، وهذا عند فقد الرطب، وإلا فهو مقدم عليه كما جاء من فعله ذلك (فإنه) أي التمر (بركة) لما فيه من حفظ البصر وجمع ما تفرّق منه بالصوم، ومن أنه إذا وصل المعدة فإن وجد فيها فضلة من بقايا الطعام أخرجها وإلا كان غذاء. وقول الأطباء: يضعف البصر محمول على كثيره المضرّ دون قليله (فإن لم يجد تمرًا فالماء) بالجر: أي فليفطر عليه كما جاء كذلك في رواية عند رواة هذا الحديث (فإنه طهور) أي مزيل للخبائث المعنوية والحسية. وأخذ من هذا الحديث لإطلاق الماء فيه ردّ ما قيل من تقديم زمزم لمن بمكة على التمر، فإن جمع بينهما فحسن، والترتيب المذكور للاستحباب، فلو أفطر بالماء مع وجود التمر حصل أصل سنة الإفطار على الماء (وقال) أي النبيّ عطف على قال الأول، فهو من جملة ما رواه سلمان (الصدقة على المسكين صدقة) أي ثوابها ثواب صدقة واحدة
(وعلى ذي الرحم) أي القرابة من الأب أو الأم وإن بعد (ثنتان: صدقة وصلة) أي فيها ثوابان جليلان، ثواب الصدقة وثواب صلة الرحم (حديث حسن) هذا التحسين من المصنف وما يأتي بعد من الترمذي فلا تكرار، وذلك لأن تحسينات الترمذي ليست مسلمة له كما علم من سرّ كلامهم (رواه الترمذي وقال: حديث حسن) وكذا رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والدارمي، وروى الحديث عنه أبو داود أيضًا وابن عديّ، إلا أن قوله: «فإنه بركة» انفرد به عنهم الترمذي كما في «المشكاة»، وفي «الجامع الصغير» بعد ذكر الحديث الأوّل بلفظ المذكور هذا رواه ابن عدي وابن خزيمة وابن حبان، وبعد ذكر الحديث الثاني ورواه الحاكم في «المستدرك» .
[ ٣ / ١٧٣ ]
٢٢٣٣٣ - (وعن ابن عمر) بن الخطاب (﵄ قال: كانت تحتي امرأة) لم أقف على من سماها (وكنت أحبها وكان عمر يكرهها فقال لي: طلقها) أمره بذلك لكراهته لها، والظاهر أنها دينية، أو خشي أن تجره إلى ضرر في دينه (فأبيت) أي لما لها من الحبّ عندي (فأتى عمر النبيّ فذكر له ذلك) أي إبائي وامتناعي من طلاقها بعد أمره به (فقال النبيّ) من باب زيادة البر بالوالد (طلقها) والظاهر أنه طلقها لأنه لا يتخلف عن امتثال أمر النبيّ، وكأن السكوت على ذلك للعلم به من أحواله وكمال اتباعه المانع ذلك من خطور البال لمخالفة أمره (رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح) .
٢٣٣٣٤ - (وعن أبي الدرداء) عويمر، تقدمت ترجمته (﵁) في باب ملاطفة اليتيم (أن رجلًا أتاه فقال: إن لي امرأة وإن أمي تأمرني بطلاقها) أي وأنا لا أريد ذلك لمحبتها أو لسبب آخر (فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: الوالد) يشمل الأبوين وإن علوا (أوسط أبواب الجنة) قال أبو موسى المدني؛ أي خيرها، يقال هو من أوسط قومه أي من خيارهم. قال العراقي: والمعنى أن برّه مؤدّ إلى دخول الجنة من أوسط أبوابها. وقال العاقولي: المعنى أحسن ما يتصول به إلى دخول الجنة بر الوالدين. وكلام العراقي أقرب فيكون في الحديث مضاف إلى المبتدأ وآخر في الخبر (فإن شئت فأضع ذلك الباب) أي بعدم برّها وترك امتثال أمرها (أو احفظه) بذلك وإن لم يكن واجبًا البرّ بالطلاق لكنه برّ لهما وإجلال لأمرهما فامتثله، وما ذكرته من أن ما ليس واجبًا أصالة لا يصير واجبًا بأمرهما هو ما عليه الجمهور فقالوا: إن أمرا بمباح في أصله صار مندوبًا، أو بمندوب زاد تأكيد ندبه، وادعى القرطبي في «المفهم» أنه إذا أمراه أو أحدهما بأمر وجبت طاعتهما فيه وإن لم يكن
[ ٣ / ١٧٤ ]
في أصله واجبًا بل كانت من المباحات، ثم نقل المقابل عن البعض ثم قال: والصحيح الأول لأن الله تعالى قرن طاعتهما والإحسان إليهما بوجوب عبادته وتوحيده، وكذا جاء في السنة فذكر حديث ابن عمر المذكور ثم قال: فإن قيل يرتفع حكم الله الأصلي بحكم غيره الطارىء. قلت: إنما ارتفع حكمه تعالى بحكمه لأنه أوجب علينا طاعتهما والإحسان إليهما، وكان من ذلك امتثال أمرهما فوجب لأنه لا يحصل ما أمر الله به إلا بالامتثال، ولأن مخالفتهما في أمرهما عقوق اهـ. وفيه ما لا يخفى وقوله: «فإن شئت» مدرج في آخر الخبر من كلام أبي الدرداء والحديث (رواه الترمذي وقال: حديث صحيح) قال في الجامع الصغير: ورواه أحمد وابن ماجه والحاكم في «المستدرك» .
٢٤٣٣٥ - (وعن البراء) بالتخفيف والمد (ابن عازب) بالمهملة والزاي والموحدة (﵄ عن النبيّ قال) في عمرة القضاء «لما خرج النبيّ وتبعته بنت حمزة تنادي يا عم يا عم، فتناولها عليّ فأخذها بيده وقال لفاطمة: دونك بنت عمك احمليها، فاختصر فيها عليّ وزيد وجعفر، فقضى بها النبيّ لخالتها وقال (الخالة بمنزلة الأم) الحديث. قال العلقمي: أي في هذا الحكم الخاص لأنها تقرب منها في الحنوّ والشفقة والاهتداء لما يصلح الولد فلا حجة فيه لمن قال: الخالة ترث. وفي حديث مرسل للباقر «الخالة والدة، وإنما الخالة أمّ - وهو بمعنى قوله: «بمنزلة الأم» أي لا أنها أم حقيقة اهـ. والمصنف أورده في الباب اعتبارًا بعموم لفظه في طلب أنواع البرّ وإسداء المعروف لها كما تسدى ذلك للأم مطلب البرّ لها (رواه الترمذي وقال: حديث صحيح) ورواه أبو داود من حديث عليّ بن أبي طالب كما في «الجامع الصغير» (وفي الباب) أي البرّ والصلة (أحاديث) مع حديث عليّ بن أبي طالب كما في «الجامع الصغير» (وفي الباب) أي البرّ والصلة (أحاديث) جمع حديث على غير قياس أو جمع أحدوثة بمعنى حديث كأراجيز جمع أرجوزة، قاله في «المفاتيح في شرح المصابيح» كما تقدم أوّل الكتاب بمزيد (كثيرة في الصحيح) أي للبخاري لأنه صار
[ ٣ / ١٧٥ ]
علمًا بالغلبة في لسان المحدثين عليه، ويحتمل أنه يريد في الصحيح من الحديث للقابل للحسن والضعيف (مشهورة منها حديث أصحاب الغار الثلاثة وحديث جريج وقد سبقا) سبق حديث الغار في باب الإخلاص وحديث جريج في باب فضل ضعفة المسلمين (وأحاديث مشهورة في الصحيح حذفتها اختصارًا) وقد ذكرا كثيرًا منها المنذري في «ترغيبه» (ومن أهمها حديث عمرو بن عبسة) بفتح المهملة والموحدة والسين المهملة (﵁ الطويل) صفة حديث (المشتمل على جمل كثيرة) بالمثلثة تأكيد لمدلول جمل وتنوينه (من قواعد الإسلام) أي أصوله وضوابطه الشاملة لكثير من جزئياته (وآدابه) جمع أدب وهو
كالسنة في الطلب وإن تفاوت تأكيدًا كما في «الروضة»، وتقدم تعريف الأدب أوّل لكتاب (وسأذكره بتمامه إن شاء الله تعالى في باب الرجاء، قال فيه: دخلت على النبيّ بمكة) وقوله: (يعني في أول النبوّة) هذا مدرج لبيان زمن دخوله ووصوله (فقلت له: ما أنت) المسؤول عنه وصفه، فلذلك أجابه بقوله (قال: نبي) أي أنا نبي، ومراده به الرسول، فهو من إطلاق النبيّ بالمعنى الشامل للرسول كما يدل عليه قوله أرسلني الله (قلت: وما نبيّ؟) أي ما حقيقة هذا اللفظ ومدلوله (قال) بيان لما يؤخذ منه ذلك (أرسلني ا) حذف المرسل لأجله للتعميم وليسأل عنه السائل فيصل إليه بعد الطلب فيكون أقرّ عنده (فقلت: بأي شيء أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام) أي بالأمر بها والحثّ عليها، وذلك داع لدوام الاتصال وترك التقاطع والانفصال (وكسر الأوثان) جمع وثن، قيل هي الأصنام، وقيل أعم: أي إزالتها (وأن يوحد) بالبناء للمفعول (ا) حال كونه (لا يشرك به شيء، وذكر) عمرو (تمام الحديث) في باب الرجاء إن شاء الله تعالى (والله أعلم) .
[ ٣ / ١٧٦ ]