المراد من العقوق عقوق الوالدين أو أحدهما، وهو من الكبائر، مأخوذ من العق. وهو لغة القطع والمخالفة، وشرعًا قيل ضابطه أن تعصيه في جائز وليس هذا الإطلاق بمرضيّ؛ وقال بعضهم: طالما بحثت عن ضابطه فلم أجده، والذي آل إليه كلام أئمتنا أن ضابطه أن يفعل معه ما يتأذى به تأذيًا ليس بالهين، لكن هل المراد بقولهم ليس بالهين بالنسبة للوالد حتى أن ما تأذى به كثيرًا وهو عرفًا بخلاف ذلك كبيرة، أو بالنسبة للعرف فما عده أهله مما لا يتأذى به كثيرًا ليس بكبيرة وإن تأذى كثيرًا. كل محتمل ولم يبينوه، والذي يظهر أن المراد الثاني بدليل أنه لو أمر ولده بنحو فراق حليلته لم يلزمه طاعته وإن تأذى بذلك كثيرًا، فعلمنا أنه ليس المناط وجود التأذي الكثير، بل أن يكون ذلك من شأنه أنه يتأذى به كثيرًا، وقطيعة الرحم ضد صلته وتقدم في الباب قبله ما تعرف منه، وكذا تقدم فيه في حديث أبي هريرة أوائل الكلام على ما يتعلق بقول المصنف.
(قال الله تعالى): (﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم. أولئك الدين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم﴾) .
(وقال تعالى): (﴿والذين ينقضون عهد ا﴾) أي ما عهده الله إليهم من التكاليف والأحكام (من بعد ميثاقه) أي ما أوثقه به من الإقرار والقبول.t وفي «رسالة الاستعارة» للخوجة أبي القاسم السمرقندي جوز صاحب الكشاف كونه: أي الأمر الذي أثبت للمشبه من خواص المشبه به استعارة تحقيقية في بعض المواد كما في قوله تعالى: ﴿الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه﴾ (البقرة: ٢٧) استعير الحبل المضمر في النفس للعهد بجامع الوصلة على سبيل الكناية واستعير النقض لإبطاله: أي إبطال العهد على سبيل التصريح بجامع مطلق الإبطال اهـ. (﴿ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل﴾) بدل من
[ ٣ / ١٧٧ ]
الضمير المجرور، والمراد به الرحم وموالاة المؤمنين والإيمان بجميع الأنبياء ويندرج في ذلك مراعاة جميع حقوق الناس (﴿ويفسدون في الأرض﴾) بالظلم وتهييج الفتن (﴿أولئك لهم اللعنة﴾) البعد من الله سبحانه (﴿ولهم سوء الدار﴾) عذاب جهنم أمر سوء عاقبة الدنيا لأنه في مقابلة - عقبي الدار - وتقدم الكلام في الباب قبله على قوله:
(وقال تعالى): (﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفّ ولا تنهرهما وقل لهما قولًا كريمًا. واخفض لهما جناح الذل من الرحمة﴾) فيه استعارة مكنية يتبعها استعارة تخييلية (﴿وقل ربّ ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾) والكاف في «كما» يحتمل أن تكون للتعليل كما في قوله تعالى: ﴿كما هداكم﴾ (البقرة: ١٩٨) على أحد الأقوال. وحينئذٍ فيحتمل أن يكون لبيان سبب دعائك لهما، ويحتمل أن يكون للتنظير والمراد رحمة تامة بالغة كما بالغا جهدهما في تربيتي حال صغرى وانقطاعي ثم كان اللائق بالترجمة تقديم هذه الآية لأن فيها النهي عن العقوق بالتصريح، وبالقياس الأولويّ، وباللازم من الأمر بالبر والإحسان إليهما، إذ الأمر بالشيء نهي عن ضده، والآيتان في القطيعة، إلا أن يقال إنهما شاملان للعقوق لأنه من قطع الأرحام، ومن قطع ما أمر الله به أن يوصل فذكر له من الكتاب دليلًا شاملًا لتحريمه وتحريم غيره من القطيعة ثم ذكر ما يخصه اهتمامًا به.
١٣٣٦ - (وعن أبي بكرة نفيع بن الحارث ﵁) سبقت ترجمته في باب النية أول الكتاب (قال: قال رسول الله: ألا) حرف استفتاح وأتى بها ليتنبه المخاطب من غفلته ليتوجه لسماع ما يلقى إليه فيقرّ في قلبه ولذا إنما يؤتى بها فيما يهتم بأمره (أنبئكم بأكبر الكبائر) جمع كبيرة، والصحيح، بل الصواب أن من الذنوب صغائر وكبائر وأن للكبيرة حدا، فالمختار أنها ما ورد فيه وعيد شديد في الكتاب أو في السنة وإن لم يكن فيه حد وهو بمعنى قول إمام الحرمين: كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين وقلة الديانة. ومن أحسن ما ألف فيها وأجمع كتاب «الزواجر عن اقتراف الكبائر» لشيخ شيوخنا المحقق شهاب
[ ٣ / ١٧٨ ]
الدين أحمد بن حجر الهيثمي ﵀ (قلنا: بلى يا رسول الله) فائدته مع عدم الاحتياج إليه الإشارة إلى عظيم الإذعان لرسالته وما ينشأ منها من بيان الشريعة، وإلى استجلاء شيء من كمالاته وعلومه التي أوتيها بعد رسالته (قال: الإشراك با) أي الكفر بأنواعه (وعقوق الوالدين) أو أحدهما، وجمعهما لأن عقوق أحدهما يستلزم عقوق الآخر غالبًا أو يجر إليه وتقدم تعريف أول الباب. فإن قلت: أكبر الكبائر لا يكون إلا واحدًا وهو الشرك فكيف تعدد هنا؟ وأيضًا فنحو القتل والزنا أكبر من العقوق فلم حذفا وذكر هو؟ قلت: ادعاء أن الأكبر لا يكون إلا واحدًا إنما هو إن أريد الحقيقة، أما إن أريد الأكبر النسبي فهو يكون متعددًا، ولا شك أن الأكبر بالنسبة إلى بقية الكبائر أمور أشار إليها وإلى أمثالها النبي بقوله: «اتقوا السبع الموبقات» الحديث، وحينئذٍ فالأكبر هنا لتعدده في الجواب مراد به الأمر النسبي، وإنما ترك ذكر القتل ونحوه في هذا الحديث لأنه علم من أحاديث أخر أن ذلك من أكبر الكبائر، على أنه كان يراعي في مثل ذلك أحوال الحاضرين، وعليه يحمل اختلاف الأحاديث نحو «أفضل الأعمال الصلاة» وأخرى «أفضل الأعمال الجهاد» وأخرى «أفضل الأعمال بر الوالدين» وغير ذلك من نظائر
له لا تخفى (وكان متكئًا فجلس) تنبيهًا على عظم إثم وقبح شهادة الزور، فيفيد تأكيد تحريمه وتعظيم قبحه، وسبب الاهتمام به حتى جلس بعد اتكائه سهولة وقوع الناس فيه وتهاونهم به، فإن الإشراك ينبو عنه قلب المسلم والعقوق يصرفه عنه الطبع، والحوامل على الزور كثيرة جدًا كالعداوة والحسد، فاحتيج إلى الاهتمام بشأنه لأن مفسدته متعدية إلى الغير بخلاف ما معه فقاصرة عليه (فقال: ألا وقول الزور) يحتمل كون الواو استئنافية لعظم قبح هذا الذنب ومزيد إثمه، ويحتمل أنها عاطفة على محذوف: أي اتركوا ما ذكر من الكبائر وقول الزور وهو الكذب على الغير (وشهادة الزور) قال ابن دقيق العيد: يحتمل أن يكون من الخاص بعد العام، لكن ينبغي أن يحمل على التوكيد، فإنا لو حملنا القول على إطلاقه لزم كون الكذبة الواحدة كبيرة وليس كذلك، قال: ولا شك أن عظم الذنب ومراتبه متفاوتة بتفاوت مفاسده، ومنه قوله تعالى:
﴿ومن يكسب خطيئة أو إثمًا ثم يرم به بريئًا فقد احتمل بهتانًا وإثمًا مبينًا﴾ (النساء: ١١٢) (فما زال يكررها) أي هذه الكلمة باعتبار المعنى اللغوي، أو الشهادة لأنها أقرب مذكور
[ ٣ / ١٧٩ ]
وقول الزور بمعناه (حتى قلنا: ليته سكت) أي شفقة عليه وكراهية لما يزعجه وخشية أن يجري على لسانه ما يوجب نزول البلاء عليهم. وفيه ما كانوا عليه من كثرة الأدب معه والمحبة له والشفقة عليه (متفق عليه) رواه البخاري في مواضع من «صحيحه» أولها الشهادات، ورواه مسلم في الإيمان، ورواه الترمذي في مواضع من «جامعه» منها البر ومنها الشهادات وقال: حسن صحيح.
٢٣٣٧ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي) بإثبات الياء كما هو الأفصح كما تقدم (﵄ عن النبي قال: الكبائر) أي منها والاقتصار عليها كأنه لاقتضاء المقام ذكرها لتقصير بعض الحاضرين في شأنها أو لكونها أعظم الكبائر إثمًا وأشدها جرمًا (الإشراك) أي الكفر (با وعقوق الوالدين وقتل النفس) التي حرم الله قتلها عدوانًا (واليمين الغموس) الغين المعجمة والسين (رواه البخاري) وأحمد والترمذي والنسائي كما في «الجامع الصغير» .
(اليمين الغموس) المد دور في الحجر (التي يحلفها) أي الحالف، نظيره قوله تعالى: ﴿اعدلوا هو﴾ (المائدة: ٣) أي العدل (كاذبًا عامدًا) حال من فاعل يحلف (سميت غموسًا) بفتح الغين (لأنها تغمس الحالف في الإثم) لأنه حلف كاذبًا على علم منه، فغموس فعول بمعنى فاعل كما في «المصباح» .
٣٣٣٨ - (وعنه أن رسول الله - ﷺ - قال من الكبائر) أي بعضها: ولا ينافي ما تقدم وما
[ ٣ / ١٨٠ ]
بعده أنه من أكبرها لأنه لا يخرج بذلك عن كونها بعضًا منها (شتم الرجل) أي المكلف ومثله المكلفة (والديه) بفتح الدال: أي أمه وأباه ويلحق بهما في ذلك من له عليه ولادة من أصوله، ولو قرىء بكسر الدال على الجمع لشملهم إلا أن تمنع منه الرواية، ويدل على المشبه قوله يسبّ أبا الرجل الخ (قالوا: يا رسول الله وهل يشتم) بكسر التاء، ففي «المصباح» أنه من باب ضرب (الرجل والديه؟) استفهام استبعاد أن يصدر ذلك من ذي عقل ولب، فإن من كان ذلك شأنه تدعوه معرفة حقهما إلى القيام ببرّهما وشكرهما فضلًا عن الوقوع في شتمهما، فهو استبعاد لوقوع ذلك الموصوف بالرجولية المعربة عن الكمال (قال نعم) أي يشتم لكن بالتسبب فيه لا بالمباشرة (يسبّ أبا الرجل فيسبّ) أي المسبوب أبوه (أباه) أي أبا الساب (ويسبّ أمه فيسبّ أمه. متفق عليه) . قال السيوطي في «المرقاة»: قال النووي: فيه تحريم الوسائل والذرائع.
(وفي رواية) أي لهما أيضًا عنه وقد رواها كذلك البخاري في الأدب ومسلم في الإيمان ورواها أبو داود في الأدب والنسائي في الزينة وقال: صحيح، ذكره الحافظ المزي، لكن لم يذكر أن في قوله: (إن من أكبر الكبائر) أي النسبية وهي كذلك متعددة كما تقدم، أما أكبر الكبائر فالشرك با (أن يلعن الرجل والديه) وهو السبب في وجوده والقائم بمصالحه عند كمال ضعفه وحاجته (قال: يسبّ أبا الرجل فيسبّ أباه، ويسبّ أمه فيسبّ أمه) كأن حكمة تقديم الأب في الذكر أن الغالب عدم ذكر النساء حتى في مقام المدح، ولذا قيل: سترة الحرم من الكرم.
٤٣٣٩ - (وعن أبي محمد) ويقال أبو عدي (جبير) بضم الجيم وفتح الموحدة وسكون التحتية بعدها راء (ابن مطعم) بصيغة الفاعل من أطعم، ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن
[ ٣ / ١٨١ ]
قصي القرشي النوفليّ (﵁) أسلم عام خيبر، وقيل يوم فتح مكة، روي له عن رسول الله - ﷺ - ستون حديثًا، اتفقا على ستة منها، وانفرد البخاري ومسلم بحديث. روى عنه سليمان بن صرد الصحابي وابناه محمد ونافع وسعيد بن المسيب وآخرون. قال الزبير بن بكار: وكان من حكماء قريش وساداتهم، توفي بالمدينة سنة أربع وخمسين، وقال قتيبة: سنة تسع وخمسين اهـ. من التهذيب للمصنف (أن رسول الله - ﷺ - قال: لا يدخل الجنة قاطع) أي مع الفائزين الناجين أو أبدًا إن كان مستحلًا للقطيعة مع علمه بتحريمها (قال سفيان) هو ابن عيينة (في روايته) لهذا الحديث فإن الحديث عندهما من طريقه ومن طريق عقيل ومن طريق مالك ومن طريق عبد الرزاق، أربعتهم عن الزهري عن جبير، ذكره الحافظ المزي في «الأطراف» (يعني) النبي بقوله: «قاطع» المجمل المحتمل لمعان (قاطع الرحم) وكأنه لعظم إثمه ومزيد الاعتناء به لا ينصرف هذا اللفظ إلا إليه ادّعاء.
٥٣٤٠ - (وعن أبي عيسى) ويقال أبو عبد الله ويقال أبو محمد (المغيرة) قال ابن السكيت وآخرون من أهل اللغة بضم الميم وكسرها والضم أشهر (ابن شعبة) بن أبي عامر بن مسعود بن أبي معتب بالعين المهملة المفتوحة ابن مالك بن منصور بن عكرمة بن خصفة بفتح المعجمة والصاد المهملة والفاء ابن قيس بن عيلان بالمهملة ابن مضر بن نزار بن معد بن عدنان الثقفي الكوفي (﵁) أسلم عام الخندق، وروي له عن النبي مائة وستة وثلاثون حديثًا، اتفقا على تسعة منها، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين، روى عنه أبو أمامة الباهلي والمسور بن مخرمة وفزة المزني الصحابيون، ومن التابعين جماعات، ولاه عمر البصرة مدة ثم نقل عنها فولاه الكوفة، فلم يزل عليها حتى قتل فأقر عثمان عليها ثم عزله، وشهد اليمامة وفتح الشام، وذهبت عينه يوم
[ ٣ / ١٨٢ ]
اليرموك، وشهد القادسية وفتح نهاوند، وكان على ميسرة النعمان بن مقرن، واعتزل الفتنة بعد قتل عثمان وشهد الحكمين، واستعمله معاوية على الكوفة فلم يزل عليها حتى توفي بها سنة خمسين وقيل إحدى وخمسين، وهو أوّل من وضع ديوان البصرة اهـ ملخصًا من «التهذيب» (عن النبي قال: إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات) اقتصر عليهن مع تحريم عقوق الآباء أيضًا لأن الاستخفاف بهن أكثر لضعفهن وعجزهن بخلاف الآباء ولينبه على تقديم برّهن على برّ الأب في التلطف والخير ونحو ذلك، ويل هو من تخصيص الشيء بالذكر إظهارًا لعظم توقعه، والأمهات جمع أمهة وهي لمن لا يعقل بخلاف الأم فإنه أعم (ومنعًا) لما يجب أداؤه من الحق (وهات) الاستكثار من حق الغير بغير حق: أي حرم عليكم طلب ما ليس لكم أخذه، ثم منعًا بالتنوين وفي رواية بغير التنوين وهو بسكون النون مصدر منع يمنع، وأما هات بكسر التاء أمر من الإيتاء والأصل آت بهمزة ممدودة قلبت ألفًا. قال الحافظ: الحاصل من النهي منع ما أمر بإعطائه وطلب ما لا يستحق، ويحتمل أن يكون النهي عن السؤال مطلقا ويكون ذكر
هنا مع ضده ثم أعيد مطلقًا تأكيدًا للنهي عنه، ثم ما ذكر من أن منعًا مكتوب بالألف كذا في الأصل، لكن قال ابن مالك في «التوضيح»: إنه من المكتوب على لغة ربيعة، ومنع بحذف الألف على لغتهم لأنهم يقفون على المنوّن المنصوب بالسكون فلا يكتبون الألف. وقيل حذفها لأن تنوين منعًا أبدل واوًا وأدغم في الواو فصار اللفظ: يعني بعد قلبها واوًا مشددة كاللفظ، يقول وشبهه فجعلت صورة الخط مطابقة للفظه، ويمكن أن يكون الأصل ومنع حق فحذف المضاف وبقيت هيئة الإضافة اهـ (ووأد) بسكون الهمزة: أي دفن (البنات) بأن يدفنّ أحياء، يقال وأد بنته وأدا من باب وعد: دفنها حية فهي موءودة كذا في «المصباح»، وإنما خص البنات بتحريم وأدهن لأنه هو الواقع فتوجه النهي إليه لا أن الحكم مخصوص بالبنات بل هو حكم عام. يقال أوّل من وأد البنات قيس بن عاصم التميمي، كان أغار عليه بعض أعدائه فأخذ بنته فاتخذها لنفسه ثم اصطلحا فخير بنته فاختارت زوجها، فآلى قيس على نفسه أن لا تولد له بنت إلا دفنها حية، فتبعته العرب على ذلك. وكانوا فيه فريقين منهم من يفعله خشية الإقتار، ومن يفعله خشية العار، ومن العرب من لا يفعل ذلك. وكان صعصعة بن ناجية التميمي وهو جد الفرزدق أول من فدى الموءودة، وذلك أنه كان يعمد إلى من يراد فعل ذلك منها فيفديها منهم بمال فينفق عليها، وقد بقي كل من قيس وصعصعة إلى أن أدركا الإسلام فأسلما، ولهما صحبة، وكانوا في الوأد على طريقين:
[ ٣ / ١٨٣ ]
أحدهما أن يأمر امرأته عند الوضع أن تطلق بجانب حفيرة فإن وضعت ذكرًا أبقاه وإلا ألقاها فيها. وثانيهما أن يصبر على البنت إلى أن تصير سداسية ثم يأخذها وقد زينتها أمها، فيأتي بها إلى حفرة كان حفرها قبل فيقول لها انظري قعرها، ويرميها من ورائها ويطمها بالتراب (وكره لكم قيل وقال) قال الحافظ في «الفتح» في رواية الشعبي: كان ينهى عن قيل وقال، كذلك كثر في جميع المواضع بغير التنوين، ووقع في رواية الكشميني هنا
قيلًا وقالًا، والأشهر الأوّل، وفيه تعقب على من زعم أنه جائز ولم يقع في الرواية. وقال الجوهري: قيل وقال اسمان، يقال: كثر القيل والقال كذا جزم باسميتهما واستدل له بدخول أل عليهما، وقال ابن دقيق العيد: لو كانا اسمين كالقول لم يكن لعطف أحدهما على الآخر فائدة وأشار إلى ترجيح الأوّل. وقال المحبّ الطبري: فيه أوجه:
أحدهما أنهما مصدران، والمراد من الحديث الإشارة إلى كراهة كثرة الكلام لأنها تؤول إلى الخطأ وكرر المصدر مبالغة في الزجر.
وثانيها المراد حكاية أقوال الناس والبحث عنها ليخبره غيره فيقول قال فلان وقيل لفلان، فالنهي عنه إما للزجر وهو الاستكثار منه، وإما لشي مخصوص، وهو ما يكرهه المحكي عنه. قلت: وعليه فهما بفتح اللام حكاية للفعل الماضي وكذا على الوجه الثالث الآتي، واقتصر على الأوّل منهما ابن أقبرس في «شرح الشفاء» فقال: يريد به المنع من التبرّع بنقل الأخبار، فعاد لما فيه من هتك الستار وكشف الأسرار، وقد أشار إلى أن ذلك ليس من محسنات الإسلام بقوله: «من حسن أسلام المرء تركه ما لا يعنيه» وفيه من جهة المعنى موافقة لقوله تعالى: ﴿إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا﴾» (النور: ١٩) الآية، لأن الله تعالى ستار. ويخص من هذا نقل الأخبار النافعة لا سيما إذا كانت صحيحة عن ثقة اهـ.
ثالثها أن في ذلك الإكثار الزلل إذ هو مخصوص بمن ينقل لا عن تثبت ولكن تقليدًا لمن سمعه ولا يحتاط اهـ. وقول المصنف معناه الخ شامل للآخرين. وفي «المشكاة» قوله قيل: وقيل بناهما على كونهما فعلين محكيين متضمنين للضمير والإعراب على أنهما مصدران ولذا دخل عليهما أل فيما يعرف القيل من القال اهـ بمعناه. وفي
[ ٣ / ١٨٤ ]
«المصباح»: القيل والقال اسمان من قال يقول لا مصدران قاله ابن السكيت ويعربان بحسب العوامل، وفي «الارتشاف» هما في الأصل فعلان ماضيان جعلا اسمين واستعملا استعمال الأسماء وأبقى فتحهما ليدل على ما كانا عليه، قال: ويدل عليه ما في الحديث «نهى رسول الله - ﷺ - عن قيل وقال» بالفتح وحكى الوجهين في «التهذيب»، ولا يستعمل القيل والقال إلا في الشر اهـ. (وكثرة السؤال) أي سؤال المال لنفسه من غير حاجة والسؤال عن المشكلات والمعضلات من غير ضرورة وعن أخبار الناس وحوادث الزمان، وسؤال الإنسان بخصوصه عن تفصيل أحواله فقد يكره ذلك، فالأولى حمل السؤال في الخبر على ما يعم الجميع وذلك لأنه اسم جنس محلى بأل فيعم، أما سؤال المال للغير فالظاهر اختلافه باختلاف الأحوال، ولنفس لحاجة فلا كراهة بشرط عدم الإلحاح وذل نفسه زيادة على ذل السؤال والمسؤول، فإن فقد شرط حرم قال الفاكهاني: يتعجب ممن كره السؤال مطلقًا مع وجوده في عصر النبي وصالحي السلف من غير نكير، قال العلقمي لعل من كرهه أراد أنه خلاف الأولى ولا يلزم من وقوعه وتقديره تغير صفته، وينبغي حمل السؤال منهم على أنه كان عن حاجة. وفي قوله من غير نكير نظر ففي الأحاديث الكثيرة ذم السؤال فيها كفاية في إنكار ذلك (وإضاعة المال) أي بإنفاقه في غير وجه المأذون فيه شرعًا سواء كانت دينية أو دنيوية، والمنع من إضاعته لأن الله تعالى جعله قيامًا لمصالح العباد وفي تبذيره تفويت لتلك المصالح إما في المبذر أو في حق الغير، ويستثنى كثرة الإنفاق في وجوه البرّ لتحصيل ثواب الآخرة
ما لم يفوّت حقًا آخر أهم. قال التقى السبكي في «الحلبيات»: الضابط في إضاعة المال ألا يكون لغرض ديني ولا دنيوي فإذا انتفيا حرم قطعًا، وإن وجد أحدهما وجودًا له حال وكان الإنفاق لائقًا بالحال ولا معصية فيه جاز قطعًا، وبين الرتبتين وسائط كثيرة لا تدخل تحت الضابط، فعلى الفقيه أن يرى فيما لا ينتشر منه رأيه. وأما ما ينتشر فقد تعرض له أحكام، فالإنفاق في المعصية كله حرام، ولا نظر فيما يحصل في مطلوبه من اللذة الحسية وقضاء الشهوة النفية. وأما إنفاقه في مباحات الملاذّ فهو موضع اختلاف، وظاهر قوله:
﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا﴾ (الفرقان: ٦٧) أن الزائد غير اللائق بحال المنفق إسراف، ثم قال: ومن بذل كثيرًا في غرض يسير عده العقلاء مضيعًا بخلاف عكسه، والله أعلم. (متفق عليه) أخرجه البخاري في الزكاة والاستقراض والأدب، ومسلم في الأحكام، قال الطيبي: وهذا الحديث أصل في معرفة حسن الخلق وهو يستتبع جميع الأخلاق الجميلة (قوله منعًا) أي بالتنوين (معناه منع ما وجب عليه) أي أداؤه (وهات)
[ ٣ / ١٨٥ ]
أي معناه في المشهور (طلب ما ليس له) أي أخذه، وتقدم قول آخر أنه نهي عن مطلق السؤال، ثم هو محتمل لدخوله في النهي بأن يكون خطابًا لاثنين كأن ينهى الطالب عما لا يستحقه وينهى المطلوب منه عن إعطاء ما لا يستحقه الطالب لئلا يعينه على الإثم، قاله الحافظ في «الفتح»، وعليه فيكون المعنى: وكره لكم هات سؤالًا وإجابة للسائل بها (وقيل وقال) ظاهره أنهما في الحديث بالبناء على الفتح، ويحتمل أن يكونا مرفوعين: أي والمراد منهما شيء واحد ولذا قال (معناه الحديث) اسم مصدر من التحديث (بكل ما يسمعه) من أقوال الناس (فيقول قيل كذا) مما قصد به بيان المحكي ولم يتعلق الغرض بتعيين من صدر عنه ذلك (وقال فلان كذا) مما تعلق الغرض فيه بهما معًا (مما لا يعلم صحته ولا يظنها) بيان لما يسمعه (وكفى بالمرء) الظاهر أن الباء مزيدة في المفعول للتأكيد، و(إثمًا) تمييز وليس مفعولًا ثانيًا لأن المتعدي إليهما كفى بمعنى وفي نحو قوله تعالى: ﴿وكفى الله المؤمنين القتال﴾ (الأحزاب: ٢٥) لا بمعنى حسب، بل قد يكون حينئذٍ لازمًا نحو ﴿كفى با﴾ ومتعديًا لواحد كالحديث، وقوله (أن يحدث) فاعل كفى أي تحديثه (بكل ما سمع) من غير تثبت واحتياط وقدمت في حديث «كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوته» في باب النفقة على العيال، عن المظهري أنّ يحبس مبتدأ وكفى خبره مقدمًا عليه أو خبر مبتدأ محذوف وظاهر جريان ذلك هنا أيضًا (وإضاعة المال تبذيره) في «المصباح»:
بذرت الكلام: فرقته، وبذّرته بالتثقيل مبالغة وتكثير، ومنه اشتق التبذير في المال لأنه تفريق في غير القصد اهـ. (وصرفه في غير الوجوه المأذون فيها) من إتلاف أو في معصية، وقوله: (من مقاصد الآخرة والدنيا) بيان للوجوه المأذون فيها (وترك حفظه) معطوف على تبذيره لأوّليته أو على صرفه لقربه، وإنما يكون ترك الحفظ إضاعة للمال إذا كان (مع إمكان الحفظ) أما إذا عمّ الحريق أو النهب وما تمكن من حفظه فضاع عليه بذلك فلا
[ ٣ / ١٨٦ ]
يدخل في الإضاعة (وكثرة السؤال: الإلحاح) فيه (إلا لحاجة إليه) من مال أو علم، وظاهره أنه لا منع من سؤال خال عن الإلحاح لما لا يحتاج إليه، وقد تقدم بيان حكم ذلك. والإلحاح بالمهملتين: الإقبال على السؤال مواظبًا (وفي الباب) أي تحريم العقوق والقطيعة (أحاديث سبقت في الباب) المعقود (قبله) أي قبل الباب المذكور في قوله وفي الباب (كحديث وأقطع) بصيغة المتكلم (من قطعك) أي من قوله تعالى للرحم: «وأقطع من قطعك» (وحديث من قطعني قطعه ا) .