والدخول في عقد ولائهم مع ولاء سائر من أمرت الشريعة بموالاته من الصحابة الأكرمين والعلماء العاملين والأولياء الكاملين، أحيانا الله وأماتنا على محبتهم، وحشرنا في زمرتهم بمنه آمين.
٤٤ - باب توقير بالقاف من الوقار وهو التبجيل: أي تعظيم العلماء: أي بالعلوم الشرعية وآلاتها المطلوبة: أي وإن لم يكونوا من ذوي السن، والمراد علماء السنة والجماعة لما ورد من الوعيد في تعظيم ذي البدعة، وكذا يعتبر هذا في قوله (والكبار) بكسر القاف: أي في السن وإن لم يكونوا أهل علم (وأهل الفضل) من الكرم والمروءة والشجاعة وغيرها من خصال الكمال التي بها تتفاضل الرجال (وتقديمهم على غيرهم) ممن لم يكونوا كذلك: وظاهر تعبيره أنهم عند اجتماعهم يرتبون بترتيبهم في الذكر، فيقدم ذو العلم على ذي السن، وهو على من بعده (ورفع مجالسهم) وٌّ كانوا هم ينبغي لهم أن لا يطلبوا رفعها تواضعًا واتباعًا لحديث «كان يجلس حيث ينتهي به المجلس» (وإظهار مرتبتهم) أداءًا لحق ذي الحق.
(قال الله تعالى: ﴿قل: هل﴾) استفهام إنكاري ما (﴿يستوى الذين يعلمون﴾) أي قام بهم العلم المطلوب تعلمه (﴿والذين لا يعلمون﴾) أي لم يقم بهم ذلك فالفعل فيه في الموضعين منزل منزلة اللازم. قال البيضاوي: الآية نفي لاستواء الفريقين باعتبار القوة العلمية على وجه أبلغ لمزيد فضل العلم، وقيل تقرير للأول أي لقوله: ﴿أمن هو قانت﴾ (الزمر: ٩) الخ: أي كما لا يستوي العالم والجاهل لا يستوي القانت والعاصي.
[ ٣ / ٢٠٣ ]
١٣٤٨ - (وعن ابن مسعود عقبة) بالقاف (ابن عمرو البدري) نسب إليها لكونه سكنها وإلا فلم يشهدها مع النبيّ كما تقدم بما فيه من الخلاف (الأنصاري) وتقدمت ترجمته (﵁) في باب المجاهدة (قال: قال رسول الله: يؤم القوم أقرؤهم) أي أكثرهم قراءة (لكتاب ا) جملة خبرية لفظًا طلبية معنى: أي ليؤمهم، ويدل عليه حديث «إذا كنتم ثلاثة فليؤمكم أكبركم» وحديث مالك بن الحويرث «وليؤمكما أكبركما» وليس المراد بها الإخبار المحض لأن ما أخبر عن حصوله فلا بد منه وكثيرًا ما يؤم غير الأقرأ فدل على ما ذكرنا (فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة) قال القرطبي: تأول أصحاب الحديث بأن الأقرأ في الصدر الأول هو الأفقه، لأنهم كانوا يتفقهون مع القراءة فلا يوجد قارىء إلا وهو فقيه، قال: وكان من عرفهم تسمية الفقهاء بالقراء اهـ. فلا يشكل على ما قال إمامنا الشافعي وشيخه مالك من تقديم الأفقه على الأقرأ لأن حاجة الصلاة إلى الفقه أتم منها إلى القراءة، وأخذ الإمام أبو حنيفة بظاهر الخبر فقدم الأقرأ على الأفقه وهو المعبر عنه بأعلمهم بالسنة، قاله الشيخ زكريا في «شرح الإعلام» . وقال القرطبي: السنة هي أحاديث السنن عن النبيّ، وهذه الزيادة: أي فإن كانوا في القراءة سواء الخ مما انفرد بها الأعمش ومحلها عندنا وعند الشافعي فيما كان أوّل الإسلام عند عدم التفقه كان المقدم الأقرأ وإن كان صبيًا كما جاء في حديث عمرو بن سلمة، فلما تفقه الناس في الكتاب والسنة قدم الفقيه بدليل تقديم النبي للصدّيق، وقد نص على أن أقرأهم أبيّ، فلو كان المقدم الأقرأ مطلقًا لقدم على الصدّيق، قيل له في قوله: «يؤم القوم أقرؤهم» حجة لمنع إمامة المرأة للرجال لأن القوم هم الرجال لأنهم بهم يقوم الأمر كما تقدم (فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة) إلى النبي، أو إلى دار الإسلام ويراعى ذلك في أولادهم وفيه فضل الهجرة، والأولى وإن انقطعت ففضيلتها باقية (فإن
كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنًا) أي في الإسلام كما تدل عليه الرواية الثانية «سلمًا» أي إسلامًا فيقدم الشاب القديم المدة في الإسلام على الشيخ الحديث فيه، وهذه الفضيلة السبق إلى الإسلام. قال بعض العلماء: إنما رأت الأئمة هذا الترتيب لأنها خلافة النبي إذ هو إمام في الدنيا والآخرة، فهي بعده للأقرب إليه منزلة والأشبه به رتبة، ومحل هذا الترتيب ما إذا لم يوجد
[ ٣ / ٢٠٤ ]
الوالي بمحل ولايته وإلا فيقدم حتى على الأقرأ والأفقه، فإن لم يتقدم الوالي قدم من يصلح للإمامة وإن كان غيره أصلح منه لأن الحق فيها له كما يدل عليه قوله (ولا يؤمن الرجل الرجل) مثلًا (في سلطانه) فربّ الدار مقدم على الضيف والمعير على المستعير والسيد على عبده غير المكاتب (ولا يقعد في بيته على تكرمته) في «القاموس» هي الوسادة (إلا بإذنه) وجه المنع من هذا ما فيه من التصرف في حق الغير بغير إذن، وإذا منع من التكرمة بغير الإذن مع التساهل فيها والتخفيف فيها، فالمنع من باقي حقوق الغير بغير إذنه أولى (رواه مسلم) في كتاب الصلاة من خمس طرق مدارها على الأعمش، ومن طريق أخرى عن شعبة كلاهما عن إسماعيل بن رجاء عن أوس بن صمغج عن أبي مسعود، وأخرجه أبو داود والنسائي في كتاب الصلاة من طريقهما، وأخرجه ابن ماجه في الصلاة، كذا لخص من «الأطراف» للحافظ المزي. وقال الحافظ السيوطي في «الجامع»: أخرجه الطبراني في «الكبير» وابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه اهـ.
(وفي رواية له: فأقدمهم سلمًا) بكسر السين وسكون اللام (بدل سنًا) وفسر السلم بقوله (أي إسلامًا) قلت: لعله مأخوذ من السلم بمعنى الصلح لما فيه من الاستسلام لاستسلام المسلم وانقياده لأحكام مولاه، وهو كذلك بكسر السين وفتحها يذكر ويؤنث كما في «الصحاح» .
(وفي رواية) هي لمسلم من حديث أبي مسعود أيضًا، وكان على المؤلف حيث عزا ما قبلهما له عزو هذه له لئلا يتوهم أنها لغيره، قال: قال رسول الله - ﷺ - (يؤمّ القوم أقرؤهم لكتاب ا) أي أرسخهم قدمًا في ذلك (و) يقدم من الأقرأ (أقدمهم قراءة) وإن اختلفوا في تقدم الهجرة وتأخرها (فإن كانت قراءتهم سواء فليؤمهم أقدمهم هجرة) منصوب على التمييز (فإن كانوا في الهجرة سواء) أي وفي الأقربية وإلا فالأقرأ مقدم على الأقدم هجرة كما في الحديث قبله، فحينئذٍ يحمل المرادمن الحديث على ما إذا تساووا في قدم الهجرة والأقرئية واختلفوا في تقدم السن في الإسلام أو اتحدوا فيه وتفاوتوا في كبره وصغره (فليؤمهم أكبرهم سنًا) لأنه أقرب إلى التوجه إلى المولى وأكثر عروضًا عن الدنيا وتوجهًا إلى الدار الآخرة. وتتمة الحديث قوله: «ولا يؤمنّ الرجل في أهله وعياله» والفعل فيه مبني للمجهول مؤيد بالنون الثقيلة (والمراد بسلطانه محل ولايته) من بلد إذا كان أميرًا (أو الموضع الذي يختص به) من
[ ٣ / ٢٠٥ ]
مسجد إن كان إمامًا راتبًا فيه أو بيته وأهله مطلقًا، فأمير البلد وصاحب المنزل وإمام المسجد أحق بالإمامة من الغير وإن كان الغير أفقه وأقرأ (وتكرمته بفتح التاء) الفوقية وسكون الكاف (وكسر الراء: وهي ما ينفرد به) أي عن أهل منزله كرامة له (من فراش وسرير ونحوهما) ولا يخالف ما تقدم من أنها الوسادة عن «القاموس» لإمكان حمل كلامه على أنه ذكر فردًا مما ينفرد به عنهم لأن الكرامة خاصة بها وإن كان ذلك ظاهر كلامه. وقال الشيخ زكريا في «شرح الإعلام»: وقيل مائدته.
٢٣٤٩ - (وعنه قال: كان رسول الله - ﷺ - يمسح مناكبنا في الصلاة) أي يسويّها بيده الكريمة حتى لا يخرج بعضها عن بعض (ويقول) حال التسوية كما هو ظاهر السياق (استووا ولا تختلفوا) بأن يتقدم منكب بعضكم على منكب بعض. يؤخذ منه أن الإمام إذا سوّى الصفوف باليد يسن له أن يقول ما ذكر، وجمعه بين الفعل والقول كما هنا، واقتصاره على القول فقط كما في أحاديث أخر مختلف باعتبار حال المخاطبين، فإذا علم اكتفاءهم بالقول لفقههم وسرعة امتثالهم اقتصر عليه، وإلا لكثرتهم أو لاختلاطهم بحديثي الإسلام محتاجين لمزيد العلم جمع بينهما (فتختلف) بالنصب لأنه جواب النهي (قلوبكم) أي أهويتها وإرادتها. وفي «فتح الإله»: فإن قلت هذا ينافي خبر «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله» إلى أن قال «ألا وهي القلب» قلت: لا منافاة لأن حديث الباب دال على أن اختلاف القلوب ناشىء عن مخالفة الأعضاء هذا الأمر الذي أمرت به بخصوصها، والثاني على أن مخالفتها لما أمرت به ناشىء عن فساد القلب وخلوه عن نور الهدى واليقين. وحاصله أن فساد القلب ينشأ عنه فساد الأعضاء وفسادها ينشأ عنه اختلاف أهوية القلوب واختلافها ينشأ عنه اختلاف الكلمة المؤدي إل ما لا يتدارك خرقه من الفتن وضعف الدين اهـ. (ليلني) أي ليقرب مني في الصلاة (منكم أولو الأحلام) جمع حلم بالكسر كأنه من الحلم، وهو الأناة والتثبت في الأمر، وذلك من شعار العقلاء، وقال المصنف: أولو الأحلام
[ ٣ / ٢٠٦ ]
هم العقلاء، وقيل البالغون (والنهي) بضم النون: العقلاء، فعلى قول من يقول أولو الأحلام العقلاء اللفظان بمعنى عطف أحدهما على الآخر تأكيدًا، وعلى الثاني معناه البالغون العقلاء، وعليه اقتصر المصنف فيما يأتي. قال أهل اللغة: وواحد النهي نهية بضم النون وهي العقل، ورجل نه ونهي وقوم نهين، وسمى العقل نهية لأنه ينتهي إلى ما أمر به ولا يتجاوزه، وقيل لأنه ينهى عن القبائح. قال أبو علي الفارسي:
ويجوز أن يكون مصدرًا كالهدى وأن يكون جمعًا كالظلم، قال: والنهي في اللغة الثبات والحبس، ومنه النهي بكسر النون وفتحها للمكان الذي ينتهي إليه الماء فيستنقع. قال الواحدي: فرجع القولان في اشتقاق النهية إلى قول واحد وهو الحبس، والنهية تنهي وتحبس عن القبيح (ثم الذين يلونهم) كالصبيان سواء المراهقون وغيرهم فهم في درجة واحدة (ثم الذين يلونهم) وهم الخناثى (رواه مسلم) وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه كلهم في كتاب الصلاة، وفيه كما قال المصنف تقديم الأفضل فالأفضل إلى الإمام لأنه أولى بالإكرام، ولأنه ربما احتاج الإمام إلى استخلاف فيكون هو أولى ولأنه يتفطن لتنبيه الإمام عن السهو ما لا يتفطن له غيره وليضبطوا صفة الصلاة ويحفظوها ويتعلموها ويعلموها الناس، ولا يختص هذا التقديم بالصلاة بل السنة تقديم أهل الفضل في كل مجمع إلى إمام وكبير المجلس كمجال العلم والقضاء والذكر والتدريس والإفتاء واستماع الحديث ونحوها، ويكون الناس فيها على مراتبهم في العلم والدين والعقل والشرف والسنّ والكفاية في ذلك الباب، والأحاديث متعاضدة على هذا، وفيه تسوية الصفوف والاعتناء بها والحثّ عليها.
(وقوله: ليلني هو بتخفيف النون) أي هي للوقاية (وليس قبلها ياء) أي قد حذفت للجازم (وروي بتشديد النون مع ياء قبلها) كذا جعلها هنا رواية، وعبارته في شرح مسلم، ويجوز إثبات الياء مع تشديد النون على التوكيد اهـ. وهو من زيادات هذا الكتاب على شرح مسلم فليلحق بطرته وينبه عليه، ثم تنبهت لكون كلام شرح مسلم في حديث ابن مسعود، وكلامه هنا في حديث أبي مسعود ولم يذكر في الأخير شيئًا في شرح مسلم بعد ما قدمه مما نقله عنه في حديث ابن مسعود، وظاهر أن الرأي لا مجال له في هذا الشأن وجوّز ابن حجر الهيثمي إثبات الياء ساكنة مع تخفيف النون وقال: إن ذلك لغة صحيحة (والنهى العقول) سكت عن كون النهى جمعًا أو مفردًا وإن كان تفسيره بالجمع يومىء إلى الأول لما علمت ما فيه عن الفارسي من الاحتمالين (وأولو الأحلام هم البالغون) اقتصر عليه ليكون العطف على
[ ٣ / ٢٠٧ ]
أصله في المغايرة. وتقدم أنه قيل إنهم العقلاء وإنه عليه من عطف الرديف (وقيل أهل الحلم) أي الأناة والتثبت في الأمر (والفضل) أي العلم وعليه فيكون عطف أولي النهي عليه من عطف العام على الخاص، وحكاية هذا مزيدة على شرح مسلم.
٣٣٥٠ - (وعن عبد الله بن مسعود) الهذلي الصحابي الجليل تقدمت ترجمته (﵁) في باب الصبر (قال: قال رسول الله: ليلني) بحذف الياء وتخفيف النون كما ضبطه المصنف في شرح مسلم (منكم أولو الأحلام والنهى) يجوز في الظرف أن يكون لغوًا معلقًا بالفعل، وأن يكون مستقرًا حالًا من الفاعل مقدمًا عليه (ثم الذين يلونهم ثلاثًا) أي كرّر ذلك ثلاث مرات، والتكرار باعتبار صفوف المأمومين، فالأولون البالغون والثانون الصبيان والثالثون الخناثى (وإياكم) منصوب على التحذير وكرره لمزيد التأكيد فقال (وإياكم) أي احذروا أنفسكم (وهيشات) بفتح الهاء وسكون التحتية والشين المعجمة (الأسواق) أي اختلاطها والمنازعة والخصومات وارتفاع الأصوات واللغط والفتن التي فيها، قاله المصنف: وقال القرطبي: هيشات الأسواق، قال أبو عبيدة: هو شاذ، والهوشة الفتنة والهيج والاختلاف، يقال هوش القوم إذا اختلفوا (رواه مسلم) .
٤٣٥١ - (وعن أبي يحيى، وقيل أبي محمد: سهل) بفتح المهملة وسكون الهاء (ابن أبي حثمة بفت الحاء المهملة وإسكان المثلثة) واسم أبي حثمة عبد الله بن ساعدة وقيل: عامر بن ساعدة بن عامر بن عدي بن خيثم بن مخدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس (الأنصاري الخزرجي) الأوسي الحارثي (﵁) وهو مدني، توفي النبيّ وهو ابن ثمان سنين، وقد حفظ عن رسول الله - ﷺ - أحاديث، روى له عن النبي خمسة وعشرون حديثًا، اتفقا على ثلاثًا منها، روى عنه نافع ابن جبير
[ ٣ / ٢٠٨ ]
وعبد الرحمن بن مسعود والزهري، وقيل لم يسمع منه اهـ ملخصًا من «التهذيب» للمصنف (قال: انطلق عبد الله بن سهل) ابن زيد بن عامر بن عمرو بن مخدعة ابن حارثة الأنصاري الحارثي (ومحيصة) بتشديد التحتية وتخفيفها لغتان مشهورتان فيه وفي حويصة الآتي، قال المصنف: ذكرهما القاضي أشهرهما التشديد (ابن مسعود) بن كعب بن عامر بن عمرو بن مخدعة بن حارثة بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن أوس الأنصاري (إلى خيبر) البلدة المعروفة ذكر الحازمي أن أراضي خيبر يقال فيها خيابر بفتح المعجمة وخروجهما إليها ليمتارا منها (وهي يومئذٍ صلح) أي مع النبيّ أي بعد فتحها وإقرار أهلها عليها صلحًا (فتفرقا) لحوائجهما (فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط) أي يتخبط ويضطرب (في دمه قتيلًا) حال من فاعل يتشحط (فدفنه ثم قدم) بكسر الدال (المدينة) علم بالغلبة على دار هجرته مأخوذة من دان إذا أطاع وهي محل الدين في الحديث «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها» (فانطلق عبد الرحمن ابن سهل) أخو المقتول (ومحيصة وحويصة) بتشديد الياء على المشهور فيهما كما تقدم (ابنا مسعود) ابنا ابن عم أبي المقتول (إلى النبي فذهب عبد الرحمن) قال الشيخ زكريا في «شرح الإعلام» وفي رواية «محيصة» (يتكلم) فيجوز أن يكون كل منهما ذهب يتكلم وكان حويصة أكبر منهما والجملة في محل الحال
(فقال) النبي للمتكلم (كبر كبر) بتشديد الموحدة: أي راع الكبر بضم الكاف كذا في «شرح الإعلام» لكن في مسلم بعد قوله كبر: الكبر في السن، قال المصنف: معناه يريد الكبر في السن، والكبر منصوب بإضمار يريد أو نحوها وفي نسخة المكبر اهـ. ومقتضى ضبطه النسخة الأولى أن يكون بالكسر والفتح، قال في «المصباح»: كبر الصغير وغيره يكبر من باب تعب كبرًا بوزن عنب، وكبر الشيء كبرًا من باب قرب عظم فهو كبير أيضًا اهـ. وظاهر أن ما نحن فيه من المادة الأولى، ثم رأيت العاقولي بين وجه ما في «الإعلام» كما يأتي عنه قريبًا (وهو) أي عبد الرحمن (أحدث القوم) سنًا وأسن منه محيصة وأسن منهما حويصة (فسكت فتكلما) بأن يذكر الأصغر الأكبر ما نسيه. قال المصنف: واعلم أن حقيقة الدعوى إنما هي لأخيه عبد الرحمن لا حق فيها لابني عمه، وإنا أمر أن يتكلم الأكبر وهو حويصة لأنه لم يكن المراد بكلامه حقيقة الدعوى
[ ٣ / ٢٠٩ ]
بل سماع صورة القصة وكيف جرت، وإذا أراد حقيقة الدعوى تكلم عبد الرحمن، ويحتمل أن يكون وكلهما في الدعوى. وقال العاقولي: هذا إرشاد وتأديب لأنهما ابنا عم أبيه وقد حضرا معه لنصره، وإذا لم يوقرهما بأن يجعل الكلام إليهما فقد أضاع حقهما، إذ لا نصيب لهما في الإرث ولا ترك لهما مجالًا في القول، والإنسان إنما يتسلى بأحد هذين مال يأخذه أو كلام ينصت إليه فيه ويذعن له. ويؤخذ منه استحباب تقديم الكبير سنًا لأن حويصة أسنّ من عبد الرحمن ورتبة فإنه في عداد والده، والكبر بالضم يقال فلان كبر في قومه إذا كان أقعدهم سنًا اهـ. وله نظائر فإنه يقدم بذلك في الإمامة وولاية النكاح ندبًا وغير ذلك (فقال: أتحلفون) أي خمسين يمينًا كما جاء في رواية (وتستحقون قاتلكم) أي يثبت حقكم عليه وهل هو قصاص أو دية فيه خلاف بين العلماء، وعرضه اليمين عليهم محمول على أن المراد إن علموا ذلك أو ظنوه إذ لا يجوز الحلف إلا عند وجود ذلك، وعرضه على الثلاثة مع أنها للوارث وهو الأخ،
وأما الآخران فلا ميراث لهما مع وجوده للعلم بأنها لا تجب على غير الوارث فأطلق الخطاب لهم ومراده من يختص به اليمين، والإطلاق لكونه معلومًا عند المخاطبين كما سمع صورة الواقعة من القوم وإن الدعوى مختصة بالأخ قاله المصنف (وذكر تمام الحديث) مما لا يتعلق به غرض الترجمة وهو تقديم أهل الفضل والسن (متفق عليه) أخرجه البخاري في خمسة أماكن من «صحيحه»، ومسلم في الحدود، وأبو داود والترمذي وابن ماجه في الديات، والنسائي في القضاء.
(
وقوله: كبر كبر) بالتكرير للتأكيد (معناه يتكلم) أي ليتكلم (الأكبر) أي في السن كما ذكره المصنف في شرح مسلم أو في الرتبة كما تقدم عن العاقولي وغيره.
٥٣٥٢ - (وعن جابر ﵁ أن النبيّ كان) للحاجة من كثرة القتلى وقلة العمال (يجمع بين الرجلين من قتلى أحد) بضمتين الجبل المعروف بالمدينة، وكانت غزوته سنة
[ ٣ / ٢١٠ ]
أربع من الهجرة على قول الأكثر. قال الحافظ في «الفتح»: روى أصحاب السنن عن هشام بن عامر الأنصاري قال: «جاءت الأنصار إلى رسول الله - ﷺ - يوم أحد فقالوا: أصابنا قرح وجهد، فقال: احفروا وأوسعوا واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر» صححه الترمذي. وأما دفن الرجل مع المرأة فروى عبد الرزاق بإسناد حسن عن واثلة بن الأسقع «أنه كان يدفن الرجل والمرأة في القبر الواحد، فيقدم الرجل ويجعل المرأة وراءه، وكان يجعل بينهما حائل من تراب ولا سيما إذا كانا أجنبيين» اهـ، وقوله: (يعني في القبر) بيان للمجموع فيه، وخرج به الكفن فكان كل يفرد بكفنه (ثم يقول: أيهما أكثر أخذًا) أي حفظًا (للقرآن، فإذا أشير) أي بكثرة الأخذ (إلى أحدهما) أي الرجلين (قدمه في اللحد) إلى جهة القبلة من غيره ولو أسن منه تعظيمًا له أو تشريفًا لما خص به من أكثرية الأخذ للقرآن، وظاهر منه بالأولى تقديم الآخذ لشيء من القرآن على من لم يأخذ بالمرة (رواه البخاري) في الجنائز وفي المغازي، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في الجنائز أيضًا، وقال الترمذي: حسن صحيح.
٦٣٥٣ - (وعن ابن عمر ﵄ أن النبي قال أراني) قال الحافظ في «الفتح» بفتح الهمزة من الرؤية ووهم من ضمها (في المنام) مصدر ميمي: أي النوم، والظرف في محل الحال، وجملة (أتسوك) بتشديد الواو في محل المفعول الثاني (بسواك) الباء فيه للاستعانة (فجاءني رجلان) في المنام (أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواك الأصغر) لعلة أو لمعنى رآه فيه من علم أو نحوه (فقيل لي كبر) بتشديد الموحدة والقائل جبريل كما جاء كذلك في رواية ابن المبارك (فدفعته إلى الأكبر منهما) قال ابن بطال: فيه تقديم ذي السن في السواك، ويلتحق به الطعام والشراب والمشي والكلام. قال المهلب: هذا ما لم يترتب القوم، فإن ترتبوا فالسنة تقديم الأيمن وهو صحيح، ويؤيده تقديم الأعرابي على الصديق في دفع الشراب إليه. وفيه أن استعمال سواك الغير بإذنه غير مكروه إلا أن المستحبّ غسله ثم استعماله (رواه مسلم) في الرؤيا وفي آخر الكتاب (مسندًا) عن نصر بن
[ ٣ / ٢١١ ]
علي عن أبيه عن صخر بن جويرية عن رافع عن ابن عمر (ورواه البخاري تعليقًا) بصيغة الجزم فقال: وقال عفان ثنا صخر بن جويرية بالإسناد المذكور. قال الحافظ في «الفتح»: قال الإسماعيلي: أخرجه البخاري بلا رواية. قلت: وقد وصله أبو عوانة في «صحيحه» عن محمد بن إسحاق الصنعاني وغيره عن عفان، وكذا أخرجه أبو نعيم والبيهقي من طريقه: والتعليق حذف أول السند واحدًا فأكثر ولو لجميع السند، مأخوذ من تعليق الجدار.
٧٣٥٤ - (وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله: إن من إجلال ا) أي من تعظيمه وتبجيله (إكرام ذي) أي صاحب (الشيبة المسلم) الذي شاب شعره: أي ابيضّ ونفذه عمره في الإسلام والإيمان فتعظيمه وتقديمه في الصلاة بشرطه على غيره وفي المجامع والمجالس وفي القبر وغيره والرفق به والشفقة عليه من كمال تعظيم الله لحرمته عند مولاه سبحانه (وحامل القرآن) أي قارئه، سمي حاملًا لما تحمل في حفظه من الدرس والمشقة في تفهمه والعمل بأحكامه وتدبره فهو كحامل لمشاق كثيرة تزيد على الأحمال الثقيلة (غير) بالنصب على الاستثناء وبالجر على الوصفية (الغالي) بالمعجمة (فيه) المتجاوز الحد في التشدد والعمل به وتتبع ما خفي منه واشتبه عليه من معانيه، والكشف عن دقيق علله التي لا يصلح فيها عقله بما يبتدعه في الدين ليضلّ ويضلّ غيره ويجاوز حدود قراءته ومخارج حروفه ومده (والجافي عنه) أي التارك له البعيد عن تلاوته والعمل بما فيه فإن هذا من الجفاء وهو البعد عن الشيء. قال في «النهاية»: وإنما قال ذلك لأن من أخلاقه التي أمر بها القصد في الأمر. والغلوّ: التشديد في الدين ومجاوزة الحد، والتجافي: البعد عنه. قلت: لا سيما من أعرض عنه كثرة النوم والبطالة والإقبال على الدنيا والشهوات، وما أقبح بحامل القرآن أن يتلفظ بأحكامه ولا يعمل بها، فهو كمثل الحمار يحمل أسفارًا (وإكرام ذي) أي صاحب (السلطان) أي الملك والتسلط (المقسط) بضم الميم: أي العادل في حكمه بين رعيته (حديث حسن رواه أبو داود) في الأدب من سننه.
[ ٣ / ٢١٢ ]
٨٣٥٥ - (وعن عمرو بن شعيب عن أبيه) شعيب (عن جده) أي جد أبيه: أي إن أباه رواه عن جده وهو عبد الله بن عمرو (﵁ قال: قال رسول الله: ليس منا) أي من أهل سنتنا وهدينا وطريقتنا (من لا يرحم صغيرنا) أي الصغير من المسلمين بأن يشفق عليه ويرحمه ويحسن إليه ويلاعبه (ويعرف شرف كبيرنا) أي بما يستحقه من التعظيم والإجلال والتبجيل وتوضحه رواية أحمد «ليس من أمتي من لم يجلّ كبيرنا» ولأحمد والترمذي وابن حبان في صحيحه «ليس منا من لم يوقر الكبير ويرحم الصغير ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر» (حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي) في أبواب البر واللفظ له عن ابن عمر (وقال الترمذي: حديث صحيح) الذي في «الجامع» وقال: حسن صحيح، وكذا في نسخة من الرياض، والظاهر أنه حسن باعتبار طريق صحيح باعتبار طريق آخ لأنه رواه من طريقين ينتهيان إلى عمرو بن شعيب، وفي رواية له عن أنس مرفوعًا؟ ليس منا من لم يرحم صغيرنا ولا يوقر كبيرنا» وقد نبه المصنف على أن اللفظ المذكور للترمذي فقال:
(وفي رواية أبي داود: حق كبيرنا) أي عبر بحق بدل شرف، وقد أخرجه باللفظ المروي عن الترمذي وأحمد والحاكم في «مستدركه» .
٩٣٥٦ - (وعن ميمون) بفتح الميم الأولى وسكون التحتية (ابن أبي شبيب) بفتح المعجمة وكسر الموحدة بوزن حبيب: وهو الربعي أبو نصر الكوفي. قال الحافظ في «التقريب»: صدوق كثير الإرسال من الثالثة، مات سنة ثلاث وثمانين في وقعة الجماجم (أن عائشة ﵂ مرّ بها سائل) أي متعرض بالسؤال لطلب الإحسان (فأعطته كسرة) بكسر
[ ٣ / ٢١٣ ]
الكاف وسكون المهملة وهي هنا القطعة المكسورة من الخبز والجمع كسر كسدرة وسدر (ومرّ بها رجل عليه ثياب وهيئة) هي في اللغة: الحالة الظاهرة، والمراد هنا حالة حسنة (فأقعدته فأكل) قال السخاوي في «المقاصد»: ولفظ أبي نعيم في «الحلية» «فمرّ رجل غنيّ ذو هيئة فقالت ادعوه، فنزل فأكل ومضى، وجاء سائل فأمرت له بكسرة فأكل، فقالت: إن هذا الغنيّ لم يحمل بنا إلا ما صنعناه به، وإن هذا السائل سأل فأمرت له بما يرضاه، وإن رسول الله - ﷺ - أمرا أن ننزل الناس منازلهم» (فقيل لها في ذلك) بحذف الفاعل لغرض من أغراض حذفه (فقالت: قال رسول الله: أنزلوا الناس منازلهم) هو حض على مراعاة مقادير الناس ومراتبهم ومناصبهم وتفضيل بعضهم عل بعض في المجالس وفي القيام والمخاطبة والمكاتبة وغير ذلك من الحقوق كما تقدم عن المصنف. قال الإمام مسلم: فلا يقصر بالرجل العالي القدر عن درجته، ولا يرفع متضع القدر فوق منزلته، ويعطى كل ذي حق حقه من قوله تعالى: ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾ (يوسف: ٧٦) وهذا في بعض الأحكام أو أكثرها، وقد سوّى الشرع بينهم في القصاص والحدود وأشباهها مما هو معروف اهـ. قال العلماء: في الحديث أن العالم إذا فعل شيئًا يخفى أمره وسئل عن ذلك يستدل بالحديث النبوي إذ هو من أقوى الحجج الشرعية وهو أبلغ من ذكر الحكم بلا دليل (رواه أبو داود) في الأدب من سننه، قال السخاوي: ورواه ابن خزيمة في صحيحه، والبزار وأبو يعلى في «مسنديهما»، والبيهقي في الأدب، والعسكري في الأمثال ومداره عندهم على ميمون (لكن قال) أبو
داود (ميمون لم يدرك عائشة) أي فالحديث منقطع، قال السخاوي في كتاب «الجواهر والدرر» في ترجمة شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: وتعقب ابن الصلاح ما ذكر عن أبي داود بأن ميمون أدرك المغيرة وهو قد مات قبل عائشة، وأشار إليه نظر، فإن الاكتفاء بالمعاصرة محله في غير المدلس، وميمون قد قال فيه عمرو بن الغلاس ليس بقويّ في شيء من حديثه سمعت، ولم أخبر أن أحدًا منهم يزعم أنه سمع الصحابة اهـ. وصرح غيره بأنه روى عن جمع من الصحابة لم يدركهم منهم معاذ وأبو ذرّ وعلي، فلذا قال أبو
[ ٣ / ٢١٤ ]
حاتم: إن روايته عنها مرسلة، بل صرح أيضًا بأن روايته عن عائشة غير متصلة وكذا قال البيهقي: حديثه عنها مرسل، وقال أبو نعيم: إنه ضعيف، ثم ذكر السخاوي تصحيح بعض المحدثين لروايته عن أبي ذرّ وعن معاذ والمغيرة ثم قال: وهذا كله مشعر بإدراك ميمون لعائشة. ثم إن الجواب عن أبي داود ممكن بأن يكون مراده أنه لم يدرك السماع منها، وجزم ابن القيم بفساد التعقب المشار إليه: أي بالرواية عن المغيرة وغيره بأن ميمونًا كان بالكوفة، فسماعه من المغيرة لا ينكر لأنه كان معه بها، بخلاف عائشة فإنها كانت بالمدينة، قال: وأئمة هذا الشأن لهم أمر وراء المعاصرة، على أن الحافظ العراقي قال: لم يأت في خبر قط إدراك ميمون للمغيرة، إنما أخذه ابن الصلاح من رواية مسلم في المقدمة عنه عن المغيرة حديثًا استشهادًا وقال فيه: إنه حديث مشهور، ثم أشار السخاوي إلى أن من ذكر رواية موقوفًا عليها (وقد ذكره مسلم في أول صحيحه تعليقًا) وهو في مسلم قليل جدًا (فقال: وذكر) بالبناء للمفعول (عن عائشة) قال المصنف: هو بالنظر إلى أن لفظه لي جازمًا لا يقتضي حكمه بصحته، وبالنظر إلى أنه احتج به، وأورده إيراد الأصول لا إيراد الشواهد يقتضي حكمه بصحته (قالت: أمرنا رسول الله - ﷺ - أن ننزل) بضم النون الأولى وسكون الثانية مضارع أنزل وفي رواية بضم الأولى وفتح الثانية وتشديد الزاي وهي
المشهورة (الناس منازلهم وذكره الحاكم أبو عبيد ا) بن الربيع بفتح الموحدة وتشديد التحتية (في كتابة معرفة علوم الحديث) في النوع السادس عشر (قال: وهو حديث صحيح) وعبارته «صحت الرواية عن عائشة ﵂» وساقه بلا إسناد وكذا صححه ابن خزيمة لأنه أخرجه في كتاب السياسة من صحيحه، وتعقب التصحيح بما تقدم من انقطاعه وباختلاف رواته في رفعه تارة ووقفه على عائشة أخرى. قال السخاوي في «الجواهر»: هذا حديث حسن. وفي المقاصد: وبالجملة فحديث عائشة حسن، قال أبو أحمد العسكري في الأمثال: وهذا الحديث مما أدب به النبيّ أمته في إيفاء الناس حقوقهم من تعظيم العلماء وإكرام ذي الشيبة وإجلال الكبير وما أشبهه.
١٠٣٥٧ - (وعن ابن عباس رضيا عنهما قال: قدم عيينة) بضم العين وفتح التحتية الأولى وسكون الثانية بعدها نون فهاء (ابن حصن) بكسر المهملة الأولى بن حذيفة بن بدر بن
[ ٣ / ٢١٥ ]
عمرو بن حوية بن لوذان بن ثعلبة بن عديّ بن فزارة بن ذبيان بن مفيض بن ربيع بن غطفان بن سعد بن قيس عبلان بالمهملة الفزاري، أسلم بعد الفتح وقيل قبله، وشهد حنينًا والطائف، وكان من المؤلفة قلوبهم والأعراب الجفاة، ثم ارتد وقاتل مع طليحة الأسدي فأسرته الصحابة وحملوه إلى الصديق فأسلم فأطلقه، والمراد أنه قدم المدينة (فنزل على ابن أخيه الحر) بضم المهملة وتشديد الراء (ابن قيس) والحرّ صحابي، أحد الوفد الذين قدموا على رسول الله - ﷺ - مرجعه من تبوك، وهو الذي خالف ابن عباس في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لقيه، فقال ابن عباس: هو الخضر؛ فسأل أبيًّا فذكر حديثًا مرفوعًا كما قال ابن عباس، وحكاية الخلاف بينهما في كتاب العلم من صحيح البخاري، وقيل المخالف لابن عباس عوف البكالي وهو كذلك في مسلم، قال العلائي: كان للحرّ ابن شيعي وابنة حرورية وامرأة معتزلية وجارية مرجئية فقال لهم الحرّ: أنا وأنتم كما قال تعالى: ﴿كنا طرائق قددًا﴾ (الجن: ١١) (وكان) أي الحر (من النفر) بفتح النون والفاء وهو كما في المصباح: جماعة الرجال من ثلاثة إلى عشرة، وقيل إلى سبعة ولا يقال فيما زاد على العشرة اهـ. قلت: فهو اسم جمع لا واحد له من لفظه (الذين يدنيهم) بضم التحتية الأولى: أي يقربهم (عمر ﵁) منه لعلمهم وعملهم (وكان القراء أصحاب مجلس عمر ﵁) المقدمين فيه (و) أصحاب (مشاورته) مصدر شاورته في الأمر، قال في «المصباح»: شاورته في كذا واستشرته فيه: راجعته لأرى رأيه فيه؛ فأشار علي بكذا: أي أراني ما عنده من المصلحة والاسم المشورة، وفيها لغتان سكون الشين وفتح الواو وضم الشين وسكون الواو، ويقال هي «من شار الدابة» إذا عرضها في المشوار، وقيل «من
شرب العسل» شبه حسن النصيحة بشرب العسل اهـ. (كهولًا) خبر مقدم لقوله (كانوا أو شبانا) عطف على كهولًا وهو بضم الشين المعجمة وتشديد الموحدة الأولى جمع شاب كفارس وفرسان، ويجوز أن يقرأ شباب بفتح المعجمة وتخفيف الموحدة الأولى جمع شاب كفارس وفرسان، ويجوز أن يقرأ شباب بفتح المعجمة وتخفيف الموحدة الأولى جمع شاب أيضًا كما في مصدر شب فيكون على تقدير مضاف أو على تقدير المبالغة كزيد عدل. قال في «الفتح»: الأولى رواية الأكثر والثانية رواية الكشميهني: والشباب قبل الكهولة، وقد
[ ٣ / ٢١٦ ]
تقدم بيان الأسنان ونظمها للدماميني في باب تعظيم حرمات المسلمين، وفيه تقديم أولي الفضل على من عداهم وإن كانوا دونهم في السن أو في النسب والحسب (فقال عيينة لابن أخيه: يا بن أخي: لك وجه) أي تقدم (عند هذا الأمير) يعني عمر (فاستأذن لي عليه) أي اسأل لي منه الإذن في الدخول عليه (فاستأذن له فأذن له عمر ﵁، فلما دخل) معطوف على مقدر: أي دخل؛ فلما دخل (قال: هي) بكسر الهاء وسكون التحتية كلمة تهديد، وقيل ضمير، وثم محذوف أي هي داهية (يا ابن الخطاب) بفتح المعجمة وتشديد المهملة (فوا ما تعطينا الجزل) أي ما يجزل لنا من العطاء، وأصل الجزل ما عظم من الحطب (ولا تحكم فينا بالعدل) هو خلاف الجور، يقال عدل على القول من باب ضرب عدلًا (فغضب عمر) لما نسبه إليه من الجور (حتى هم) بتشديد الميم أي أراد (أن يوقع) بضم التحتية (به شيئًا) أي من العقوبة أو شيئًا من الإيقاع وذلك لجفاءه وسوء أدبه معه (فقال له الحرّ: يا أمير المؤمنين إن الله قال لنبيه:
﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾) أي والأصل في أحكام التكاليف اشتراك أمته معه حتى يدل دليل على التخصيص والاقتداء فيما لم يدل دليل على الخصوص مطلوب قال تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (الأحزاب: ٢١) وقوله: ﴿خذ العفو﴾ أي ما عفا لك من أفعال الناس وتسهل، ولا تطلب ما يشق عليهم من العفو الذي هو ضد الجهد، أو خذ العفو عن المذنبين أو الفضل أو ما يسهل من صدقاتهم وقوله: ﴿وأمر بالعرف﴾ أي بالمعروف المستحسن من الأفعال، وقوله: ﴿وأعرض عن الجاهلين﴾ أي فلا تمارهم ولات كافئهم مثل أفعالهم، وهذه الآية جامعة لمكارم الأخلاق آمرة للرسول باستجماعها (وإن هذا من الجاهلين) أي المأمور بالإعراض عنهم (ووا) الواو الأولى عاطفة على فقال له الحر والثانية القسم (ما جاوزها) وفي نسخة ما جازها (عمر ﵁) أي بالمخالفة لها (حين تلاها عليه) بل وقف عندها فأعرض عن مكافأة جهله (وكان وقافًا) بتشديد القاف
[ ٣ / ٢١٧ ]
(عند) أوامر (كتاب ا) يعني القرآن كناية عن امتثالها والقيام بأداء ما أمر بأدائه وترك ما نهي عنه (رواه البخاري) في كتاب التفسير والاعتصام من صحيحه، وهذا الحديث ذكره المصنف في أواخر باب الصبر وتقدم شرحه ثم، وفيه بعض فوائد زائدة على ما هنا.
١١٣٥٨ - (وعن أبي سعيد) وقيل أبو عبد الرحمن، وقيل أبو عبد الله، وقيل أبو سليمان وقيل أبو محمد حكاها في التهذيب (سمرة) بفتح السين وضم الميم (ابن جندب) بضم الجيم والدال المهملة وبفتح الدال بينهما نون ساكنة ابن هلال بن جريج بمهملة مفتوحة فراء مكسورة فتحتية ساكنة فجيم ابن مرة بن حزن بن عمر جابر بن خشين بخاء وشين معجمتين ابن لأًيُّ بن عصم بن شمخ بن فزارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان الفزاري الصحابي (﵁) توفي أبوه وهو صغير فقدمت به أمه المدينة فتزوّجها أنصاري وكان في حجره حتى كبر، فقيل أجازه النبيّ في المقاتلة يوم أحد، وغزا مع النبي غزوات ثم سكن البصرة، وكان زياد يستخلفه عليها إذا سار إلى الكوفة وعلى الكوفة إذا سار إلى البصرة، وكان الحسن وابن سيرين وفضلاء البصرة يثنون عليه. روي له عن النبي مائة حديث، اتفقا منها على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بأربعة. توفي بالبصرة سنة تسع وقيل ثمان وخمسين، وقال البخاري: توفي سمرة بعد أبي هريرة يقال آخر سنة تسع وخمسين ويقال سنة ستين (قال: لقد كنت على عهد) أي زمن حياة (رسول الله - ﷺ - غلامًا) تقدم ما يؤخذ منه أن سنه كانت عند وفاة النبيّ نيفا وعشرين سنة، فالمراد من الغلام الصغير في السن (فكنت أحفظ عليه) معطوف على كنت الأوّل (فما يمنعني من القول) أي من التحديث (إلا أن ههنا رجالًا هم أسنّ مني) أخذ منه علماء الأثر قوله: يكره أن يحدث إذا كان في البلد من هو أولى به بزيادة علم أو ضبط أو حفظ أو تقدم سن أو نحو ذلك بل يدل عليه، وهذا بخلاف باقي العلوم فلا يكره تعاطيها للمفضول المتأهل مع وجود الأعلم بها منه (متفق عليه) .
[ ٣ / ٢١٨ ]
١٢٣٥٩ - (وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله: ما أكرم شاب) بتشديد الموحدة (شيخًا) أي داخلًا في سن الشيخوخة: وهو ما بعد الخمسين (لسنه) أي لأجل كبره (إلا قيض) بتشديد التحتية والضاد المعجمة: أي قدر (اله من يكرمه عند سنه) أي كبره، ففيه إيماء إلى وعد من أكرم شيخًا لسنه تعالى بأن يطول عمر المكرم حتى يبلغ ذلك السن ويقدر الله له من يقوم بكرامته فيدان بما دان به (رواه الترمذي وقال: غريب) في «الجامع الصغير» على الحديث علامة الحسن.