هو أحد مقامي الإحسان المشار إليه في حديث جبريل الآتي بقوله: «فإن لم تكن تراه فإنه يراك» وفي الحديث: عن عبادةبن الصامت قال: قال رسول الله: «أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان» وما أحسن ما قيل:
كأنّ رقيبًا منك يرعى خواطري
وآخر يرعى ناظري وجناني
وقال ابن عطاء في الحكم: إلهي عميت عين لا تراك عليها رقيبًا.
(قال الله تعالى:) مخاطبًا لنبيه (﴿الذي يراك حين تقوم﴾) إلى الصلاة (﴿وتقلبك﴾) في أركان الصلاة قائمًا وقاعدًا وراكعًا وساجدًا (﴿في الساجدين﴾) أي المصلين.
وقال الواسطي: في أصلاب الأنبياء والمرسلين. وقيل: تقلب سرك في القربة، فإن السجود محل القربة والاقتراب. وقيل: في الآية إشارة إلى أن من لزم الإقبال عليه بنحو الصلاة سارعت إليه العناية به، ومن خصوصياته أنه كان يرى من خلفه، والآية محتملة لإفادة هذه الخصوصية.
(وقال تعالى: ﴿وهو معكم﴾) بعلمه (﴿أينما كنتم﴾) لا يحجبه مكان ولا يخفى عليه شأن، قال تعالى: (﴿وأسرّوا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق﴾) .
(وقال تعالى: ﴿إن الله لا يخفى عليه شيء﴾) كائن (﴿في الأرض ولا في السماء﴾) لعلمه بما يقع في العالم من كليّ وجزئي، وخصهما بالذكر لأن الحس لا يتجاوزهما، وقيل: فيه لا يخفى عليه شيء فطالعوا همومكم أن تكون خالية عن الأهواء والشبه وطالعوا أسراركم
[ ١ / ٢١٨ ]
لا يكون فيها شيء غير الحق والتعلق به فإنه لا يخفى عليه شيء. وقال جعفر في قوله تعالى: ﴿إن الله لا يخفى عليه شيء﴾ لا يطلعنّ عليك فيرى في قلبك سواه فيمقتك.
(وقال تعالى: ﴿إن ربك لبالمرصاد﴾) يرصد أعمال العباد لا يفوته منها شيء: (وقال تعالى: ﴿يعلم﴾) أي: الله (﴿خائنة الأعين﴾) بمسارقتها النظر إلى محرم (﴿وما تخفي الصدور﴾) أي: القلوب، قيل: فيه إشارة إلى التذكير بصغائر الذنوب فكيف بالكبائر، وأنه تعالى يعلم البواطن: أي ومن علم ذلك علم الظواهر بالقياس العادي.
(والآيات في الباب كثيرة معلومة) كقوله تعالى: ﴿وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين﴾ (وأما الأحاديث) جمع أحدوثة بمعنى الحديث، ويجوز أن يكون جمع حديث على غير قياس كما تقدم أي: الأحاديث النبوية.
٦٠١ - (فالأول) منها (عن عمربن الخطاب ﵁ قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله - ﷺ - ذات يوم) بينما كبينا ظرفا زمان، فيهما معنى المفاجأة ومعنى الشرط، ولذا استدعيا جوابًا، وأصلهما بين التي هي ظرف بمعنى وسط دخلت عليها ما الكافة عن الجرّ وأشبعت أخرى فتحة النون فصارت ألفًا، والعامل فيها هنا معنى المفاجأة في قوله:
[ ١ / ٢١٩ ]
(إذا طلع علينا رجل) والمعنى: وقت حضورنا في أشرف مجلس فاجأنا عند طلوع ذلك الرجل.
قال ابن جني: عامل بينا محذوف، وطلع عامل في إذ بناء على عدم إضافتها إليه.
وقال الشلوبين: عامل بينا محذوف وإذ بدل منه، والجملة في محل جر بإضافة إذ إليها. وقيل: إذ مبتدأ خبره ذات يوم: أي طلوع ذلك الرجل وقع بين تلك الأحوال، وذات يوم ظرف. ويجوز أن يكون «ذات» صلة: أي نحن عنده يومًا. والإتيان بها للتوكيد ورفع توهم أنه تجوز باليوم عن مطلق الزمان. وقوله إذا طلع هو مستعار من طلعت الشمس لا يذكر إلا فيما له شأن كما حققه في «الكشاف» في قوله تعالى: ﴿أطلع الغيب﴾ (مريم: ٧٨) (شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى) بضم التحتية بالبناء للمجهول وبفتح النون للمتكلم ومعه غيره مبني للفاعل (عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد) معناه التعجب المتضمن لدعوى كونه ملكًا، إذ لو كان غريبًا لكان عليه أثر السفر وشعثه ولو كان مدنيًا لعرفوه واستدل به على ندب حسن الهيئة.I
قال بعض المحققين: طلوعه كذلك يقوي معنى قولهم: حسن الأدب في الظاهر عنوان حسن الأدب في الباطن، ولذا استحب التزين في الجمعة والعيد، وشديد صفة لرجل، وأل في المضاف إليه أغنت عن الضمير العائد منه إليه، والأصل شديد بياض ثيابه شديد سواد شعره، اختار قوله: «ولا يعرفه منا أحد» على قوله: لا نعرفه لأنه آكد في تنكيره (حتى جلس إلى النبي) قيل: يتعلق بمحذوف تقديره استأذن وأتى حتى جلس.
قال العاقولي في «شرح المصابيح»: وفيه نظر، لأن الكلام مستقيم من دون هذا التقدير، لأن معنى طلع علينا أتانا، والاستئذان لا حاجة للملك إليه بل معنى المفاجأة يدل على عدمه اهـ. وفيه أن الاستئذان للدنوّ، وقد جاء التصريح به عند النسائي من حديث أبي هريرة وأبي ذرّ، فدكر القصة إلى أن قال: السلام عليكم يا محمد، فرد ﵇، فقال: أدنو يا محمد؟ قال: ادنه، فما زال يقول: أدنو، مرارًا ويقول: ادنه حتى وضع يديه على ركبتي النبي واستئذانه ليعمي أمره على القوم (فأسند ركبتيه) أي: جبريل (إلى ركبتيه) أي: إلى ركبتي النبي زيادة في التقريب الباعث على التنبيه على أنه إنما جاء لأمر كلي (ووضع كفيه على فخذيه) أي فخذي نفسه كما هو الأدب وهي جلسة المتعلم بين يدي المعلم.
قال
[ ١ / ٢٢٠ ]
العاقولي: فلا معنى لقول من قال إنه وضع يديه على فخذي النبي، وإن كان شأن تقريبه يقتضي ذلك، وفيه أن ذلك القول جاء التصريح به عند النسائي فله وجه وجيه.
ومن ثم قال السيد معين الدين الصفوي: إنه أقوى دليلًا. قال: بل هو الوجه لأنه حينئذٍ يكون على نسق قوله ركبتيه إلى ركبتيه، لأن اتكاء الركبة والجلوس إليه ليسا من شأن الأدب المطلوب من المتعلم، فأشعرت تلك الهيئة بأنها ليست هيئة تلميذ بل هيئة معلم مهتم بشأن التعليم ووضع الكف على الفخذين طريق المتعلمين وبينهما بون وإن أمكن أن يقال هذا وجه آخر لتعجب الحاضرين كما في السؤال والتصديق. وقال جدي: رجوع الضمير في هذه الرواية إلى رسول الله - ﷺ - أولى لتتفق مع رواية النسائي اهـ.
(وقال: يا محمد) ناداه باسمه مع قوله تعالى: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا﴾ (النور: ٦٣) زيادة في التغريب عند افتتاح الخطاب بالمسألة، على أن الملائكة ليسوا داخلين في مثل ذلك الخطاب (أخبرني عن الإسلام) هو والإيمان لاعتبار التلازم بين مفهوميهما شرعًا، فلا يعتبر في الخارج إيمان شرعًا بلا إسلام ولا عكسه، متحدان ما صدقا في الشرع مختلفان مفهومًا، فكل مؤمن شرعًا مسلم كذلك، وكل مسلم مؤمن، فما دلّ عليه حديث جبريل من اختلافهما هو باعتبار المفهوم، إذ مفهوم الإسلام الشرعي الانقياد بالأفعال الظاهرة الشرعية.
والإيمان في الشرع التصديق بالقواعد الشرعية، على أنه قد يتوسع الشرع فيهما فيستعمل كل واحد منهما في مكان الآخر، كإطلاق الإيمان على الأعمال الظاهرة في حديث: «الإيمان بضع وسبعون بابًا، أدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأرفعها قول لا إله إلا ا» على أحد الوجوه في ذلك: وسيأتي ما فيه في باب الدلالة على كثرة طرق الخير، وإطلاق الإسلام على التصديق القلبي في قوله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ (آل عمران: ١٩) .
قال القرطبي: وهذا الإطلاق من باب التجوّز والتوسع، وإذا حقق ذلك زاح كثير من الإشكال الناشىء من هذا الاستعمال (فقال رسول الله: أن تشهد أن لا إله إلا ا) خبر لمبتدأ محذوف: أي الإسلام أن تشهد حذف لقرينة وجوده في السؤال، والمراد أن يقول ذلك بلسانه المتمكن من النطق فهو معتبر في الإسلام، فمن صدق بمضمونها ولم يأت بها مع عدم مانع من النطق فليس بمسلم ولا مؤمن.
وحكى المصنّف الإجماع عليه في «شرح مسلم»، لكن حكى غيره قولًا أنه مؤمن عاص بترك النطق بها ولا يعتبر النطق بها بالعربية على الصحيح مع التصديق القلبي
[ ١ / ٢٢١ ]
بمضمونها، فقوله تشهد أي تقرّ وتبين، وأن مخففة من الثقيلة لتقدم ما يدل على العلم عليها وبدليل عطفها عليها في (وأن محمدًا رسول الله) ولا في: «لا إله إلا ا» هي النافية للجنس نصًا ومحلها مع اسمها رفع بالابتداء واسم الله تعالى خبر لها، وعن الزمخشري الاسم الكريم مبتدأ والنكرة خبر على القاعدة ثم قدم الخبر ثم أدخل النفي عليه والإيجاب على المبتدأ وركب لا مع الخبر. وقد بسطت الكلام على إعراب هذه الكلمة في باب فضل الذكر من «شرح الأذكار» . وحكم الإسلام في الظاهر يثبت بالشهادتين.
قال ابن الصلاح: وإنما أضيف إليهما الصلاة ونحوها لكونها أظهر شعائر الإسلام وأعظمها وبقيامه بها يتمّ استسلامه وانقياده، وتركه لها يشعر بانحلال قيد انقياده، فالمقصود من ذكر الأركان الخمسة في الحديث بيان كمال الإسلام وتمامه، فلذلك ذكر هذه الأمور مع الشهادتين، أما أصل الإسلام فالشهادتان كافيتان فيه.
(وتقيم) بالنصب عطف على تشهد خلافًا لمن زعم رفعه وما بعده استئنافًا إيماء إلى أن الإسلام يكفي في حصوله الشهادتان وحدهما، وتقدم أن المذكور في الحديث الإسلام الكامل (الصلاة) أي: تعدل أركانها أو تديم إقامتها. والصلاة لغة الدعاء بخير. وشرعًا أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم بشرائط مخصوصة غالبة، وأصلها فعلة بفتحات ولامها واو، واختار بعض المحققين أنها مأخذوة من الصلا: عرق متصل بالظهر يفترق من عند عجب الذنب ويمتد منه عرقان في كل ورك عرق يقال لهما: الصلوان، فإذا ركع المصلي انحنى صلاه وتحرك، ومنه سمي ثاني خيل السباق مصليًا لأنه يأتي مع صلوى السابق. وعلم مما مر أنها بمعنى الدعاء حقيقة لغوية مجاز عرفي علاقته تشبيه الداعي في تخشعه ورغبته بالمصلي (وتؤتي الزكاة) الواجبة في الأنواع الواجبة هي فيها المقررة في كتب الفقه.
والزكاة لغة النماء والتطهير. وشرعًا اسم للمخرج من ذلك (وتصوم) من الصوم. وهو لغة الإمساك. وشرعًا: إمساك مخصوص (رمضان) صريح في عدم كراهة ذلك مطلقًا وهو الأصح، وسمي شهر الصوم بذلك لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها كما جاء ذلك في خبر مرفوع (وتحج البيت) أي: تقصده بنسك حج أو عمرة إذ الأصح وجوبها على أنه جاء عند ابن حبان زيادة: «وتعتمر وتغتسل من الجنابة وأن تتم الوضوء» وقال: وتفرّد بهذه الزيادة سليمان التيمي.
[ ١ / ٢٢٢ ]
والحج لغة القصد. وشرعًا قصد الكعبة للنسك. والبيت علم بالغلبة على الكعبة كالنجم للثريا (إن استطعت إليه سبيلًا) صح عند الحاكم وغيره أنه فسر السبيل في الآية: «بالزاد والراحلة» لكن ضعفه آخرون. وسبيلًا منصوب على التمييز وإنما قيد الحج بالاستطاعة مع أن ما مرّ مقيد بها أيضًا اتباعًا للنظم القرآني فإنه لم يقيد بهذا اللفظ غيره، أو إشارة إلى أن فيه من المشاقّ ما ليس في غيره. وأيضًا فعدم الاستطاعة في الحج يسقط وجوبه من أصله بخلافه في نحو الصلاة فإنما يسقط وجوب الأداء فقط دون أصل الوجوب (قال) جبريل (صدقت) قال عمر: (فعجبنا له) أي: منه أو لأجله (يسأله ويصدقه) إذ السؤال يدلّ على عدم علم السائل والتصديق يدل على علمه، وجملة يسأله في محل الحال.
تنبيه: الإسلام له في الشرع إطلاقان: يطلق على الأعمال الظاهرة كما في هذا الحديث، وعلى الاستسلام والانقياد، والتلازم بينه وبين الإيمان اعتبار لما صدق شرعًا إنما هو باعتبار المعنى الثاني، وأما باعتبار المعنى الأول فالإيمان ينفك عنه، إذ قد يوجد التصديق والاستسلام الباطني بدون الأعمال المشروعة؛ وأما الإسلام بمعنى الأعمال المشروعة فلا يمكن أن ينفك عنه الإيمان لاشتراطه لصحتها وهي لا تشترط لصحته خلافًا للمعتزلة (قال) جبريل (فأخبرني عن الإيمان) هو لغة مطلق التصديق من آمن بوزن أفعل لا فاعل وإلا لجاء مصدره فعالًا، وهمزته للتعدية كأن المصدق جعل الغير آمنا من تكذيبه، أو للصيرورة كأنه صار ذا أمن من أن يكذبه غيره. ويضمن معنى أعترف وأقرّ فيعدي بالياء كما في الحديث. وأذعن فيعدي باللام نحو ﴿فآمن له لوط﴾ (العنكبوت: ٢٦) . وشرعًا التصديق بالقلب فقط: أي: قبوله وإذعانه لما علم بالضرورة أنه من دين محمد، وتعريفه بما ذكر هو قول جمهور الأشاعرة وعليه الماتريدية. وقيل: يشترط أن ينضمّ لذلك إقرار اللسان وعمل سائر الجوارج فيكفر من أخلّ بواحدة من هذه الثلاثة وهو مذهب الخوارج فلا صغيرة عندهم. وقيل يعتبر ضمها إليه على وجه التكميل لا الركنية وهو مذهب المحدثين. وقيل: تصديق بالجنان وإقرار باللسان واشتهر عن أصحاب أبي حنيفة وبعض محققي الأشاعرة، لأن التصديق لما اعتبر بكل منهما كان كل منهما جزءًا من مفهوم الإيمان، لكن تصديق القلب ركن لا يحتمل السقوط، وتصديق اللسان يسقط بنحو خرس أو إكراه، واستدل لركنيته عند القدرة بخبر «حتى يقولوا أو يشهدوا، لا إله إلا ا» وردّ بأنه لا يدل لخصوصية
[ ١ / ٢٢٣ ]
وكنية القول التي النزاع فيها، بل كما يحتملها يحتمل أنه شرط لإجراء أحكام الإسلام، وما تقدم عن المصنف من نقله اتفاق أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين، على أن من آمن بقلبه ولم ينطق بلسانه مع قدرته كان مخلدًا في النار، فقد اعترض بأنه
لا إجماع على ذلك وبأن لكل من الأئمة الأربعة قولًا بأنه مؤمن عاص بترك التلفظ، بل الذي عليه جمهور الأشاعرة وبعض محققي الحنفية أن الإقرار باللسان إنما هو شرط لإجراء الأحكام الدنيوية فحسب (قال) مفسرًا للإيمان بذكر متعلقاته، ولم يفسر لفظه بل أعاده بقوله: (أن تؤمن) لأنه كان معروفًا عندهم أنه لغة مطلق التصديق وشرعًا التصديق بالأمور المعلومة من الدين بالضرورة، فمن تلك المتعلقات التي يجب الإيمان بها الإيمان (با) أي: بأنه تعالى واحد في ذاته وصفاته وأفعاله لا شريك له في الألوهية وهي استحقاق العبادة، منفرد بخلق الذوات بصفاتها وأفعالها وبقدم ذاته وصفاته الذاتية وبأن ذاته له صفات واجبة لها قديمة وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، وهذه الصفات ليست أعراضًا ولا عين ذاته ولا غيرها بناء على أن الغيرين ما ينفك أحدهما عن الآخر.
والحاصل أنه يجب الإيمان بأنه تعالى متصف بكل كمال منتزه عن كل وصف لا كمال فيه، واجب الوجود لذاته منفرد باستحقاق العبودية على العاملين (وملائكته) جمع ملك نظرًا إلى أصله الذي هو ملاك مفعل من الألوكة: أي الرسالة والتاء زيدت فيه لتأكيد معنى الجمع أو لتأنيث الجمع، وقدم الملائكة على الكتب مراعاة للترتيب الواقع لأنه تعالى أرسل الملك بالكتاب إلى الرسل، ولا حجة فيه لتفضيلهم عليهم وإلا للزم تفضيلهم على الكتب ولا قائل به: أي فيجب الإيمان بأنهم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، والملائكة باعتبار الأحوال والأعمال أقسام ذكرتهم في أوائل «شرح الأذكار» (وكتبه) أي: بأنها كلام الله تعالى الأزليّ القديم القائم بذاته المنزه عن الحرف والصوت؛ وبأنه تعالى أنزلها على بعض رسله بألفاظ حادثة في ألواح أو على لسان الملك، وبأن كل ما تضمنته حق وصدق، وبأن بعض أحكامها نسخ وبعضها لم ينسخ.
قال الزمخشري وغيره: وهي مائة كتاب وأربعة كتب: خمسون
[ ١ / ٢٢٤ ]
على شيث، وثلاثون على إدريس، وعشرة على آدم، وعشرة على إبراهيم، والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان، وهو مخالف في التفصيل لما تقدم، وذلك هو الذي ذكره السمرقندي وغيره (ورسله) أي بأنه أرسلهم إلى الخلق لهدايتهم وتكميل معاشهم ومعادهم، وأيدهم بالمعجزات الدالة على صدقهم، فبلغوا عنه رسالته وبينوا للمكلفين ما أمروا ببيانه، وأنه يجب احترام جميعهم ولا يفرّق بين أحد منهم في الإيمان به، وأنه تعالى نزههم عن كل وصمة ونقص، فهم معصومون من الكبائر والصغائر قبل النبوة وبعدها على المختار بل هو الصواب. وأخرج الإمام أحمد في «مسنده» عن أبي ذرّ قال: «قلت: يا رسول الله كم وفاء عدد الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، أرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جمًا غفيرًا» (واليوم الآخر) وهو يوم القيامة، وصف بذلك لأنه لا ليل بعده، ولأنه آخر أيام الدنيا.
وفي رواية: «والبعث الآخر» ووصفه بالآخر تأكيد كأمس الدابر: أي بوجوده وما اشتمل عليه من الحساب والميزان والصراط والجنة والنار وغير ذلك مما نطق به الكتاب والسنة الثابتة (وتؤمن بالقدر خيره وشره) أي: أن الجميع بتقدير الله ومشيئته، وأعاد العامل ومتعلقه تنبيهًا على الاهتمام بالتصديق به، لأنه موضع مزلة أقدام الضعفاء الراكنين إلى مشاهدة ظواهر أفعال البشر، وأكده بالإبدال منه فقال خيره وشرّه وفي رواية لمسلم «وبالقدر كله» لأن البدل توضيح مع توكيد لتكرار العامل. وحقيقة الإيمان بالقدر الاعتراف بأن جميع أفعال العباد مخلوقة تعالى وأنها مرادة له وأنها مكتسبة للعبد. والقضاء عند الأشعرية إرادته الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه فما لا يزال. والقدر إيجاده إياها على قدر مخصوص وتقدير معين في ذواتها وأفعالها، أو انقضاء علمه أزلًا بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال، والقدر إيجاده إياه على ما يطابق العلم. واعلم أن الإيمان بالقدر على قسمين:
أحدهما: الإيمان بأنه تعالى سبق في علمه ما يفعله العباد من خير وشرّ وما يجازون به وأنه كتب ذلك عنه وأمضاه وأن أعمال العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه.
ثانيهما: أنه تعالى خلق أفعال عباده كلها من خير وشرّ، وهذا القسم تنكره القدرية كلهم والأول لا ينكره إلا غلاتهم (قال: صدقت، قال، فأخبرني عن الإحسان) قال القرطبي: أل فيه للعهد الذهني وهو الذي قال فيه تعالى: ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ (الرحمن: ٦٠) ﴿وأحسنوا إن الله يحب المحسنين﴾ (البقرة: ١٩٥) فلما تكرّر الإحسان في القرآن وترتب عليه هذا الثواب
[ ١ / ٢٢٥ ]
العظيم سأل عنه جبريل ليعلمهم بعظيم ثوابه وكمال رفعته اهـ. وهو مصدر أحسنت كذا إذا حسنته وكملته متعديًا بالهمزة وبحرف الجر، أو أحسن متعديًا بحرف الجر فقط كأحسنت إليه: إذا فعلت معه ما يحسن فعله والمراد هنا الأول إذ حاصله راجع إلى إتقان العبادة بأدائها على وجهها المأمور به مع رعاية حقوق الله تعالى ومراقبته واستحضار عظمته وجلاله ابتداء واستمرارًا. وهو على قسمين:
أحدهما: غالب عليه مشاهدة الحق كما (قال) الإحسان (أن تعبد ا) من «عبد» أطاع، والتعبد التنسك، والعبودية الخضوع والذل (كأنك تراه) قيل: أصلة كأنك تراه ويراك، فحذف الثاني لدلالة الأول عليه، وهذا من جوامع كلمه، لأنه جمع فيه مع وجازته بيان مراقبة العبد ربه في إتمام الخضوع والخشوع وغيرهما في جميع الأحوال والإخلاص له في جميع الأعمال والحثّ عليهما مع بيان سببهما الحامل عليهما.
والثاني: من لا ينتهي إلى تلك الحالة لكن يغلب عليه أن الحق مطلع عليه ومشاهد له، وقد بينه بقوله: (فإن لم تكن تراه فإنه يراك) وهذا من جوامع الكلم أيضًا: أي فإن لم تكن تراه فلا تغفل فإنه يراك، وما أحسن ما قيل:
إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل
خلوت ولكن قل عليّ رقيب
وقوله: كأنك مفعول مطلق أو حال من الفاعل، ثم هذان الحالان هما ثمرتا معرفة الله تعالى وخشيته، ومن ثم عبر بها عن العمل في خبر «الإحسان أن تخشى الله كأنك تراه» فعبر عن المسبب باسم السبب توسعًا (قال: صدقت) وأخر الإحسان عما قبله، لأنه غاية كما لهما بل والمقوّم لهما، إذ بعدمه يتطرق إلى الإسلام بمعنى الأعمال الظاهرة الرياء والشرك، وإلى الإيمان النفاق فيظهره رياء أو خوفًا، ومن ثم قال تعالى: ﴿بلى من أسلم وجهه وهو محسن﴾ (البقرة: ١١٢) ﴿ثم اتقوا وآمنوا * ثم اتقوا وأحسنوا﴾ (المائدة: ٩٣) فشرطه فيهما (قال فأخبرني عن الساعة) أي: عن زمن وجود يوم القيامة، سمي بذلك مع طول زمنه اعتبارًا بأوله فإنها تقوم بغتة، أو لسرعة حسابها أو على العكس لطولها، أو لأنها على طولها عند الله كساعة من الساعات عندنا (قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل) بل كلانا سواء في عدم العلم بالزمن المعين لوجودها، وقيل: هذا كان أولًا، ثم أطلعه الله عليها وأمره
[ ١ / ٢٢٦ ]
بكتمها، نقله السيوطي في أنموذج اللبيب عن أهل الحق، وعبر بما ذكره في الجواب لتتأكد فائدة التعميم في استواء كل سائل ومسؤول في عدم العلم بوقت وقوعها المعين، وفيه أنه ينبغي للمفتي إذا سئل عما لا يعلم أن يقول لا أعلم. قال بعض السلف إذا أخطأ العالم لا أدري أصيبت مقاتله.
فائدة: وقع هذا السؤال والجواب بين عيسىبن مريم وجبريل، لكن عيسى كان سائلًا وجبريل كان مسؤولا. أخرج الحميدي في أفراده عن الشعبي قال: «سأل عيسىبن مريم جبريل عن الساعة فانتفض بأجنحته وقال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» ذكره السيوطي في «التوشيح» (قال: فأخبرني عن أماراتها) بفتح الهمزة: أي: أشراطها وعلاماتها الدالة على اقترابها، وربما روي أماراتها (قال: أن تلد الأمة) أي: القنة وأل فيها للماهية، وكذا ما يأتي بعد دون الاستغراق لعدم اطراد ذلك في كل أمة (ربتها) أي: سيدتها، وفي رواية «ربها» أي: سيدها، وفي أخرى «بعلها» بمعنى ربها، كناية إما عن كثرة التسري اللازمة لاستيلائنا على بلاد الكفرة حتى تلد السرية بنتًا أو ابنًا لسيدها فيكون ولدها سيدها كأبيه؛ فالعلامة استيلاؤنا على بلادهم وكثرة الفتوح والتسري، أو عن كثرة بيع المستولدات لفساد الزمان حتى تشتري المرأة أمها وتسترقها جاهلة أنها أمها فتكون العلامة غلبة الجهل الناشىء عنها الممنوع منه (وأن ترى الحفاة) جمع حاف بالمهملة وهو من لا نعل برجليه (العراة) جمع عار وهو من لا شيء على جسده. وفي رواية والحفاة: أي الخدمة، أل هنا وإن احتملت الاستغراق إلا أن العادة القطعية دالة على تخصيصه، وأن كل واحد منهم لا يحصل له ذلك، فالأولى كون أل للماهية (العالة) بتخفيف اللام جمع عائل وهو الفقير؛ من عال افتقر، أعال كثرت عياله (رعاء) بكسر أوله وبالمد جمع راع، ويجمع أيضًا على رعاة بضم أوله وهاء آخره مع القصر، والرعي الحفظ (الشاء) الغم واحده شأن بالهاء كشجر وشجرة، وخص مطلق الرعاء لأنهم أضعف الناس ورعاء الشاء لأنهم أضعف الرعاء، ومن ثم قيل راية رعاء الشاء أنسب بالسياق من رعاء الإبل، فإنهم أصحاب فخر وخيلاء وليسوا عالة ولا فقراء غالبًا. ويجاب بأن فخرهم إنما هو بالنسبة لرعاء الشاء لا لغير الرعاء، فالقصد حاصل بذكر مطلق الرعاء ولكنه برعاء الشاء أبلغ (يتطاولون في
البنيان) وهو كناية عن إسناد الأمر لغير أهله وصيروره الأسافل من ضعفاء أهل البادية الغالب عليهم الفقر ملوكًا أو كالملوك حتى يشرئبون لانقلاب الأحوال واتساع الدنيا عليهم بعد ضيقها إلى تشييد المباني وهدم
[ ١ / ٢٢٧ ]
أركان الدين بعدم العمل بآي المثاني. وفي الحديث «من أشراط الساعة أن توضع الأخيار وترفع الأشرار» وفي حديث آخر مرفوعًا وهما صحيحيان «لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكعبن لكع» أي: لئيم ابن لئيم وفي حديث آخر «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظروا الساعة» ولبعضهم:
c
إذ عز في الدنيا الأذلاء واكتست
أعزتها ذلًا وساد مسودها
هناك فلا جادت سماء بصوبها
ولا أمرعت أرض ولا أخضرّ عودها
واقتصر في الجواب على أمارتين مع شمول السؤال الأكثر، ومع أن لها أمارات أخر صغارًا وعظامًا كالدجال والمهدي وعيسى وغير ذلك مما ألف في استقصائه كتب مدونة تحذيرًا للحاضرين وغيرهم عنهما لاقتضاء الحال ذلك، ولعل منهم من تعاطى شيئًا منهما فزجره عنه، وإن قلنا إن جعل الشيء أمارة للساعة لا يدل على ذمة لأن معناه كما هو ظاهر أنه لا يستلزم ذلك، وإلا فالغالب أنه ذم (ثم انطلق) أي: جبريل (فلبثت) زمانًا (مليًا) بتشديد الياء: أي كثيرًا، من الملوين الليل والنهار. أما المهموز فمن الملاءة أي اليسار. وهو هكذا بتاء المتكلم، وفي نسخة من مسلم «فلبث» بحذفها، يعني أقام النبي بعد انصرافه حينًا، وعلى الأول فهو إخبار من عمر عن نفسه.
وجاء في رواية أبي داود والترمذي وغيرهما «فلبثت ثلاثًا» وظاهره، أنه ثلاث ليال، وفي رواية أبي عوانة «فلبثنا ليالي فلقيني رسول الله - ﷺ - بعد ثلاث» ولابن حبان «بعد ثالثة» ولابن منده «بعد ثلاثة أيام» وقد ينافيه خبر البخاري «فأدبر الرجل، فقال النبي: ردّوه، فأخذوا يردونه فلم يجدوا شيئًا، فقال: هذا جبريل» . وأجيب بأنه يحتمل أن عمر لم يحضر قوله هذا بل كان قد قام، فأخبر به بعد ثلاث. (ثم قال: يا عمر أتدري من السائل) فيه ندب تنبيه العالم تلامذته والكبير من دونهم على فوائد العلم وغرائب الوقائع طلبًا لنفعهم وتيقظهم (قلت: الله ورسوله أعلم) فيه ما كان عليه الصحابة ﵃ من حسن الأدب معه يرد العلم إلى الله وإليه، وأنه ينبغي لمن سئل عما لا يعلم أن يقول ذلك كما تقدمت الإشارة إليه (قال: فإنه جبريل اسم أعجمي سرياني فيه لغات عديدة بينتها ونظمتها وأوردتها في أوائل «شرح الأذكار» . قيل: معناه عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، والفاء في قوله: «فإنه» جواب شرط مقدر: أي أما إنكم حيث لم تسألوا عن الرجل وفوضتم الأمر إلى الله ورسوله فإنه جبريل، على تأويل الإخبار: أي:
[ ١ / ٢٢٨ ]
تفويضكم هو سبب الإخبار لكم بأنه جبريل؛ وقرينة الشرط قوله: «اورسوله أعلم» وظاهر رواية البخاري أنه لم يعرفه إلا في آخر الأمر، وورد «ما جاءني في صورة لم أعرفه إلا في هذه المرة» وفي رواية ابن حبان «والذي نفسي بيده ما شبه عليّ منذ أتاني قبل مرّته هذه وما عرفته حتى ولى» ورواه كذلك ابن خزيمة، وأما رواية النسائي «وإنه لجبريل نزل في صورة دحية الكلبي» فوهم من الراوي وشذوذ مخالف للمحفوظ في باقي الروايات، فإن دحية معروف عندهم، وقال عمر «ما يعرفه منا أحد» . وفيه دليل على أن الله مكن الملك أن يتمثل فيما شاء من الصور البشرية، وقد كان يتمثل جبريل للنبي في صورة دحية، ولم يره على صورته الأصلية غير مرتين كما صح الحديث بذلك (أتاكم يعلمكم) بسبب
سؤاله، وإسناد التعليم إليه مجاز، إذ المعلم بالحقيقة النبي (دينكم) أي: قواعده أو كليات دينكم. وفي رواية ابن حبان «يعلمكم أمر دينكم فخذوا عنه» ففيه أن الدين مجموع الإسلام والإيمان والإحسان، ولا ينافيه أن الإسلام وحده يسمى دينًا كما في آية «إن الدين عند الله الإسلام» لأنه كما يطلق على هذا المجموع يطلق على هذا الفرد بالاشتراك أو بالحقيقة والمجاز أن التواطؤ أو غير ذلك. وحكمة مجيء جبريل لتعليمهم أنهم كانوا أكثروا السؤال على النبيّ، فنهاهم كراهية لما قد يقع من سؤال تعنت أو تجهيل، فألحوا فزجرهم، فخافوا وأحجموا واستسلموا امتثالًا، فلما صدقوا في ذلك أرسل لهم من يكفيهم المهمات، ومن ثم قال لهم: «هذا جبريل أراد أن تعلموا إذ لم تسألوا» (رواه مسلم) فهو من أفراده عن البخاري، فلم يخرج البخاري عن عمر فيه شيئًا، ورواه الأربعة إلا الترمذي وأخرجاه عن أبي هريرة. وهو حديث متفق على عظم موقعه وكثرة أحكامه.
قال القاضي عياض: وقد اشتمل على جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة من عقود الإيمان وأعمال الجوارح وإخلاص السرائر والتحفظ من آفات الأعمال، حتى إن علوم الشريعة كلها راجعة إليه ومتشعبة منه. قال القرطبي: فيصلح هذا الحديث أن يقال فيه إنه أمّ السنة لما تضمنه من جمل علم السنة، كما سميت الفاتحة أمّ القرآن لما تضمنته من جمل معاني القرآن اهـ. ومن ثم: قيل لو لم يكن في السنة كلها غير هذا الحديث لكان وافيًا بأحكام الشريعة لاشتماله على جملها مطابقة وعلى تفصيلها تضمنًا، فهو جامع لها علمًا ومعرفة وأدبًا ولطفًا، ومرجعه من القرآن والسنة كل آية تتضمن ذكر الإسلام أو
[ ١ / ٢٢٩ ]
الإيمان أو الإحسان أو الإخلاص أو المراقبة أو نحو ذلك (ومعنى أن تلد الأمة ربتها) بالمثناة الفوقية (أي سيدتها، ومعناه) أعاده تأكيدًا لطول الكلام بين معنى الذي هو مبتدأ وخبره أعني (أن تكثر السراري) وذلك ناشىء عن الاستيلاء على بلاد الكفار، فيكون الاستيلاء هو العلامة عليها كما تقدم (حتى تلد الأمة السرية) فعلية من السرّ وهو الخفية لخلفاء أمرها بالنسبة إلى الأزواج (بنتًا لسيدها وبنت السيد في معنى السيد، وقيل غير ذلك) من ذلك أنه كناية عن عقوق الأولاد لأمهاتهم، فيعاملونهم معاملة السيدة لأمتها من الإهانة والسبّ ويستأنس له برواية «وأن تلد المرأة» وبحديث «لا تقوم الساعة حتى يكون الولد غليظًا» وقيل: إنه كناية عن كثرة بيع السراري حتى يتزوّج الإنسان أمه وهو لا يدري، وهذا بناء على رواية بعلها أي زوجها وقيل: غير ذلك (والعالة) بتخفيف اللام جمع عائل (الفقراء، وقوله: مليًا) بتشديد الياء (أي زمنًا طويلًا، وكان ذلك) الزمن كما جاء عند أبي داود والترمذي وغيرهما (ثلاثًا) ظاهره من الليالي، ويحتمل أن يكون من الأيام وحذفت التاء لحذف المعدود فهو كحديث «وأتبعه ستًا من شوال» ويؤيده رواية ابن منده السابقة.
٦١٢ - (الثاني عن أبي ذرّ) بتشديد الراء (جندب) بضم الجيم وسكون النون وتثليث الدال المهملة وآخره موحدة (ابن جنادة) بكسر الجيم وبالنون وإهمال الدال، وقيل: برير ابن جندب، وقيل: جندببن عبد الله، وقيل: جندببن السكن، وعلى كل فهو غفاري يجتمع مع النبيّ في كنانة. روي عنه أنه قال: «أنا رابع الإسلام» ويقال «خامس الإسلام» أسلم بمكة قديمًا. وخبر إسلامه في «صحيح مسلم» ثم رجع إلى قومه ثم هاجر إلى المدينة، ووصفه في عدة أحاديث بأنه أصدق الناس لهجة، وهو أوّل من حيا النبيّ بتحية
[ ١ / ٢٣٠ ]
الإسلام، وقال عليّ في حقه «وعاء مليء علمًا، ثم أوكىء عليه فلم يخرج من شيء حتى قبض» روي له عن النبيّ مائتا حديث وأحد وثمانون حديثًا، اتفقا منها على اثني عشر حديثًا، وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بسبعة عشر. مات بالربذة سنة إحدى أو اثنتين وثلاثين (وأبي عبد الرحمن معاذبن جبل) الأنصاري أسلم وعمره ثمان عشرة سنة، وشهد العقبة وبدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ - روي له عن رسول الله - ﷺ - مائة حديث وسبعة وخمسون حديثًا، اتفقا على حديثين منها، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بواحد، وورد أنه قال: «أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذبن جبل» وأنه قال: «يا معاذ إني أحبك، فقال: وأنا أحبك وا يا رسولالله، قال: فلا تدع أن تقول في دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» وأنه قال: «يأتي معاذ يوم القيامة بين يدي العلماء برتوة» أي: رمية بسهم، وقيل: بحجر، وقيل: بميل، وقيل: حد البصر. وفضائله كثيرة وقد ذكرت جملة منها في ترجمته في «شرح الأذكار» . مات بناحية الأردن في طاعون عمواس: بفتح أولية قرية بين الرملة والقدس، نسب إليها لأنه أول ما ظهر منها سنة ثماني عشرة وهو ابن ثلاث وقيل: أربع وقيل ثمان وثلاثين سنة، وقبره بغور بيسان في شرقيه (رضي ا) تعالى (عنهما عن رسول الله - ﷺ - قال:) أي: لكل منهما: لأبي ذر
لما أسلم ولمعاذ لما انطلق إلى اليمن وقد جاء التصريح بذلك (اتق ا) أمر من التقوى وهي امتثال أوامره تعالى واجتناب نواهيه، وهذا على حد قوله تعالى: ﴿اتقوا ا﴾ أي: غضبه، وهو أعظم ما يتقي لما ينشأ عنه من العقاب الدنيوي والأخرويـ ويحذركم الله نفسهـ (حيثما كنت) أي: في أي مكان كنت حيث يراك الناس وحيث لا يرونك اكتفاء بنظره تعالى قال تعالى: ﴿إن الله كان عليكم رقيبا﴾ (
النساء: ١) ومن ثم قال لأبي ذر «أوصيك بتقوى الله في سرائرك وعلانيتك» وهذا من جوامع كلمة، فإن التقوى وإن قلّ لفظها جامعة لحقوقه تعالى، إذ هي اجتناب كل منهيّ عنه وفعل كل مأمور به، فمن فعل ذلك فهو من المتقين الذين شرفهم الله تعالى في كتابه بأنواع من الكمالات يأتي ذكرها أول باب التقوى إن شاء الله تعالى (وأتبع السيئة الحسنة تمحها) وجه مناسبتها لما قبلها أن العبد مأمور بالتقوى في كل حال، ولما كان ربما يفرط إما بترك بعض المأمورات أو فعل بعض المنهيات
[ ١ / ٢٣١ ]
وذلك لا ينافي وصف التقوى كما دل عليه نظم سياقـ أعدت للمتقينـ إلى أن قال في وصفهمـ ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة﴾ (آل عمران: ١٣٥) إلخ. أمره بما يمحو به ما فرّط فيه، وهذا الحديث على حد ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ (هود: ١١٤) وظاهر قوله «تمحها» وقوله تعالى: ﴿يذهبن السيئات﴾ أن الحسنة تمحو السيئة من الصحف. وقيل: عبر به عن ترك المؤاخذة بها فهي موجودة فيها بلا محو إلى يوم القيامة، وهذا تجوّز يحتاج لدليل وإن نقله القرطبي في «تذكرته» . وقال بعض المفسرين: إنه الصحيح عند المحققين. ثم هذا في الصغائر المتعلقة بحق الله تعالى، أما الكبائر فلا يكفرهاـ على الصحيحـ إلا التوبة بشروطها، وحينئذٍ يصح إدخالها في الحديث بأن يراد بالسيئة ما يعمّ الكبيرة، وبالحسنة ما يشمل التوبة منها، وأما التبعات فلا يكفرها إلا إرضاء أصحابها (وخالق الناس بخلق حسن) جماعة ينحصر كما ذكر عن الترمذي وغيره في طلاقة
الوجه لهم وكفّ الأذى عنهم وبذل المعروف إليهم. وقال بعضهم: هو أن تفعل معهم ما تحبّ أن يفعلوه معك، فتجتمع القلوب ويتفق السرّ والعلانية، وحينئذٍ يأمن كيد الكائد، وذلك جماع الخير وملاك الأمر.
وقد جاءت أحاديث كثيرة في مدح الخلق الحسن وسيأتي بعضها (رواه الترمذي وقال: حديث حسن) زاد المصنف في الأربعين وفي بعض النسخ، يعني نسخ الجامع: حسن صحيح. وأشار بهذا إلى اختلاف نسخ الترمذي في «التحسين والتصحيح»، فقد يوجد عقب حديث في بعضها حسن، وفي بعضها صحيح، وفي أخرى حسن صحيح، وفي أخرى حسن غريب، وسبب ذلك اختلاف الرواة عنه والضابطين لكتابه. ثم تحسينه لهذا الحديث مقدم على ترجيح الدارقطني إرساله للقاعدة المقررة أن المسند لزيادة علمه يقدم على المرسل. وأما تصحيحه في تلك النسخة فيوافقه قول الحاكم إنه على شرط الشيخين، لكن وهم بأن ميمونًا أحد رواته لم يخرّج له البخاري شيئًا ولم يصح سماعه من أحد من الصحابة فلم يوجد فيه شرط البخاري فحكمه بأنه على شرط الشيخين من تساهله المعروف.
قال السخاوي: ودونه حكم العراقي عليه في «أماليه» بالصحة. ويؤيد تحسين الترمذي له أنه ورد لهذا الحديث طرق متعددة، فرواه أحمد والبزار والطبراني والحاكم والبيهقي وابن
[ ١ / ٢٣٢ ]
عبد البرّ وغيرهم من طرق يفيد مجموعها الحسن له، ففي «الجامع الصغير» للسيوطي أن الحديث رواه أحمد والترمذي والحاكم والبيهقي عن أبي ذر وأحمد والترمذي والبيهقي عن معاذبن جبل وابن عساكر عن أنس. وذكر السخاوي في «تخريج أحاديث الأربعين» أن الأصح كون الحديث مسند أبي ذّر، وإلى ذلك أشار البيهقي ثم بسط في بيان ذلك.
٦٢٣ - (الثالث عن) عبد الله (بن عباس ﵄ قال: كنت خلف النبيّ) أي: على دابته كما جاء في رواية، ففيه جواز الإرداف على الدابة إن أطاقته. وقد تتبعت الذين أردفهم النبي معه على دابته فبلغت بهم فوق الأربعين وجمعتهم في جزء سميته (تحفة الأشراف بمعرفة الإرداف) . وقد نظمت اسم جماعة منهم وأوردته آخر ذلك الجزء وها هو:
لقد أردف المختار طه جماعة
فسنّ لنا الإرداف إن طاق مركب
أبو بكر عثمان عليّ أسامة
سهيل سويد جبرئيل المقرب
صفية والسبطان ثم ابن جعفر
معاذ وقيس والشريد المهذ
وآمنة مع خولة وابن أكوع
وزيد أبو ذر سما ذاك جندب
معاوية زيد وخوّات ثابت
كذاك أبو الدرداء في العدّ يكتب
وأبناء عباس وابن أسامة
صديّبن عجلان حذيفة صاحب
كذلك جافيهم أبو هرّ من روى
ألوفًا من الأخبار تروي وتكتب
وعد من الإرداف ياذا أسامة
هو ابن عمير ثم عقبة يحسب
وأردف غلمانًا ثلاثًا كذا أبو
إياس وأنثى من غفار تقرب
وأردف شخصًا ثم أردف ثانيًا
وما سميا فيما روى يا مهذب
أولئك أقوام بقرب نبيهم
لقد شرفوا طوبى لهم يا مقرب
(يومًا) أي: في ساعة منه كما يدل عليه تنكيره (فقال: يا غلام) بضم الميم لأنه نكرة مقصودة، وتقدم أنه هو الصبيّ من حين يفطم إلى البلوغ، وسنه إذ ذاك كان نحو عشر سنين (إني أعلمك كلمات) ينفعك الله بهن كما في رواية أخرى وذكره ذلك ليتنبه السامع فيشتد شوقه ويلقي سمعه فيقع في نفسه فيكمل نفعه. وجاء بها بصيغة القلة ليؤذنه بأنها قلية اللفظ فيسهل حفظها، ومنونة إيذانا بعظم خطرها ورفعة حملها، وتأهيله لهذه الوصايا الرفيعة
[ ١ / ٢٣٣ ]
المقدار الجامعة من العلوم والمعارف ما يفوق الحصر دليل على أنه علم ما يؤول إليه أمر ابن عباس من العلم والمعرفة وكمال الأخلاق وحسن الأحوال (احفظ ا) بملازمة تقواه، واجتناب نواهيه، وما لا يرضاه (يحفظك) يالجزم، في نفسك وأهلك، ودنياك ودينك لاسيما عند الموت، إذ الجزاء من جنس العمل، ومنه ﴿وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم﴾ (البقرة: ٤٠) وهذا من جوامع كلمه فقد جمعت سائر أحكام الشريعة قليلها وكثيرها (احفظ ا) بما ذكر (تجده تجاهك) أي: تجده معك بالحفظ والإحاطة والتأييد والإعانة حيثما كنت فتأنس به وتغنى به عن خلقه، فهو كالتأكيد لما قبله، وهو من المجاز البليغ لاستحالة الجهة التي هي مدلول «تجاه» عليه تعالى، وتجاه بضم التاء وأصله وجاه بضم الواو وكسرها فأبدلت فوقية كما في تراث: ومعناه أمام كما جاء في ذلك الرواية الآتية: أي: تجده معك بالحفظ فهو نظير ﴿إن الله مع المتقين﴾ (التوبة: ٣٦) ونحوه، إذ هي معية معنوية لا ظرفية، وخص الإمام من بين باقي الجهات الستّ بالذكر إشعارًا بشرف المقصد وبأن الإنسان مسافر إلى الآخرة والمسافر إنما يطلب أمامه لا غير، فكأنّ المعنى: تجده حيثما توجهت وتيممت من أمر الدنيا والآخرة (إذا سألت) أي: أردت السؤال (فاسأل ا) أن يعطيك مطلوبك قال تعالى: ﴿واسئلوا الله من فضله﴾ (النساء: ٣٢) ولا تسأل غيره فإن خزائن الوجود بيده تعالى وأزمتها إليه * إذ لا قادر ولا معطي ولا متفضل غيره * فهو حق أن يقصد
ويسأل، ولا فائدة في سؤال الخلق إذ لا يملكون نفعًا ولا ضرًا لأنفسهم فضلًا عن غيرهم، وما أحسن قول الأستاذ أبي الحسن الشاذلي: أيست من نفع نفسي لنفسي؟ فكيف لا أيأس من نفع غيري لنفسي، ورجوت الله لغيري، فكيف لا أرجوه لنفسي، وإنما يميل القلب إلى المخلوق ويركن إليه لضعف يقينه ووقوعه في الغفلة عن حقائق الأشياء، وبقدر بعده من مولاه يكون ركونه لمن سواه.
ولما نجا من تلك الهوة وتيقظ من تلك الغفلة أصحاب التوكل واليقين أعرضوا عن السوري، وأنزلوا جميع حوائجهم بباب كرم وجود المولى، لأنه المتكفل لكل متوكل بما يحب ويتمنى، قال تعالى: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ (الطلاق: ٣) (وإذا استعنت) أي: طلبت الإعانة على أمر من أمور الدارين (فاستعن با) لأنه القادر على كل
[ ١ / ٢٣٤ ]
شيء وغيره عاجز عن كل شيء، فمن أعانه تعالى فهو المعان ومن خذله فهو المخذول، ومن ثم كانت «لا حول ولا قوّة إلا با» كنزًا من كنوز الجنة لتضمنها براءة النفس من حولها وقوتها، إلى حوله وقوّته. وكتب الحسن إلى عمربن عبد الغزيز: لا تستعن بغيره تعالى يكلك الله إليه. (واعلم أن الأمة) المراد بها هنا سائر المخلوقين كما صرحت به رواية أحمد «فلو أن الخلق جميعًا أرادوك الخ» . وأما مدلولها وضعًا فالجماعة وأتباع الأنبياء، والرجل الجامع للخير المقتدي به. والدين والملة نحو ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة﴾ (الزخرف: ٢٣) والزمان نحو ﴿وادكر بعد أمة﴾ (يوسف: ٤٥) والرجل المنفرد بدينه الذي لم يشركه فيه أحد كقوله: «يبعث زيدبن عمرو بن نفيل أمة وحده» فالأمة لفظ مشترك ومن جملة معانيه الأم كهذه أمة زيد أي أم زيد (لو اجتمعت) لو هنا بمعنى إن، إذ المعنى على الاستقبال، ونكتة العدول أن اجتماعهم على الإمداد من المستحيلات بخلاف اجتماعهم على الأذى فإنه ممكن (على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن) عبر بها بدل لو تفننا في التعيير (اجتمعوا على أن
يضرّوك بشيء لم يضرّوك إلا بشيء قد كتبه الله عليك) كما يشهد له قوله تعالى: ﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو، وإن يردك بخير فلا رادّ لفضله﴾ (يونس: ١٠٧) والمعنى: وحد الله في لحوق الضرّ والنفع، فهو الضار النافع ليس معه أحد في ذلك لما تقرّر أنه القادر لا سواه، فأزمة المخلوقات بيده يتصرف فيها بما يشاء، فهذا تقرير وتأكيد لما قبله من توحيد الله تعالى في لحوق النفع والضرّ على أبلغ برهان وأوضح بيان، وحثّ على التوكل والاعتماد على الله ﷾ في جميع الأمور، وعلى شهود أنه الفاعل المختار النافع الضار. وغيره ليس له من ذلك شيء، وعلى الإعراض عما سواه. وفي بعض الكتب الإلهية «وعزّتي وجلالي لأقطعن أمل من يؤمل غيري، ولألبسنه ثوب المذلة عند الناس، ولأحجبنه عن قربي، ولأبعدنه عن وصلي، ولأجعلنه متفكرًا حيران، يؤمل غيري في الشدائد، والشدائد بيدي وأنا الحيّ القيوم، ويطرق بالفكر أبواب غيري وبيدي مفاتيح الأبواب، وهي مغلقة وبابي مفتوح لمن دعاني» (رفعت الأقلام) أي: تركت الكتابة بها لفراغ
[ ١ / ٢٣٥ ]
الأمر وانبرامه (وجفت) بالجيم بالبناء للمفعول (الصحف) التي فيها تقادير الكائنات كاللوح المحفوظ، أي فرغ من الأمر وجفت كتابته فلم يمكن أن يكتب فيها بعد ذلك تبديل أو نسخ لما كتب من ذلك واستقرّ، لأنها أمور ثابتة لا تبدّل ولا تغير عما هي عليه، فذلك كناية عن تقدم كتابة المقادير كلها والفراغ منها من أمد بعيد، وهذا من أحسن الكنايات وأبلغها، وقد دل الكتاب والسنة على ذلك، فمن علم ذلك وشهده بعين بصيرته هان عليه التوكل على خالقه والإعراض عما سواه (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح) .
قال السخاوي في «تخريج أحاديث الأربعين»: حديث حسن وبين ذلك، ثم قال: وبالجملة فالحديث ثابت من حديث الليلة وغيره ممن قدمناه، ولذا أورده الضياء في المختارة من هذا الوجه بل صححه العراقي في «أمياله» تبعًا للترمذي، وقال ابن منده: إسناده مشهور ورواته ثقات اهـ.g وقد أورده جماعة من طرق عن ابن عباس، وجاء أنه وصاه بذلك، وعن علي وأبي سعيد رواه العسكري في كتاب الأمثال، وسهل ابن سعد رواه ابن مردويه، وعبد ابن جعفر رواه ابن عاصم في السنة. وقد خرّج طرقها كلها السخاوي؛ وقال: قال أبو جعفر العقيل، كل أسانيد هذا الحديث لينة وبعضها أصلح من بعض، وليس هذا بجيد. فحديث ابن عباس حسن جيد، وأصح طرقه رواية حنش كما صرح به ابن منده وغيره وهي التي أخرج الترمذي الحديث من طريقها (وفي رواية غير الترمذي) وهو عبدبن حميد في «مسنده» لكن بإسناد ضعيف، وقد رواه أحمد بإسنادين منقطعين ولفظه أتمّ من حديث عبدبن حميد وقد أوردته في «شرح الأذكار» (احفظ الله تجده أمامك، تعرف) بتشديد الراء: أي: تحب (إلى الله في الرخاء) بالدأب في الطاعات والإنفاق في وجوه القرب والمثوبات حتى تكون متصفًا عنده بذلك معروفًا به (يعرفك في الشدة) بتفريجها عنك وجعله لك من كل ضيق فرجًا ومن كل هم مخرجًا بواسطة ما سلف منك من ذلك التصرف. وقيل: إنه على حذف مضاف: أي تعرف إلى ملائكة الله في الرخاء بالتزام طاعته تعالى والتزام عبوديته يعرفك في الشدة بواسطة شفاعتهم عنده في تفريج كربك وغمك. وتعقب بأنه تكلف فالأول أولى. ومعرفة العبد ربه ضربان: عامة وهي الإقرار بوحدانيته وربوبيته والإيمان به. وخاصة وهي الانقطاع إليه والأنس به والطمأنينة بذكره والحياء منه وشهوده في
[ ١ / ٢٣٦ ]
كل حال. ومعرفة الله تعالى كذلك عامة، وهي علمه بعباده واطلاعه على أعمالهم وخاصة وهي محبته لعبده وتقريبه إليه وإجابة دعائه وإنجاؤه من الشدائد، فلا يظفر بهذه الخاصة إلا من تحلى بتلك الخاصة (واعلم أن ما
أخطأك) من المقادير فلم يصل إليك (لم يكن) مقدرًا عليك (ليصيبك) أي: محال أن يصيبك لأنه بان بأنه أخطأك أنه مقدر على غيرك. وفيه مبالغة من وجوه من حيث دخول اللام المؤكدة للنفي على الخبر وتسليط النفي على الكينونة وسرايته في الخبر (وما أصابك) منها (لم يكن) مقدرًا على غيرك (ليخطئك) وإنما هو مقدر عليك إذ لا يصيب الإنسان إلا ما قدر عليه، ومعنى ذلك أنه فرغ مما أصابك وأخطأك من خير أو شرّ، فما إصابته لك محتومة لا يمكن أن يخطئك، وما أخطأك فسلامتك منه محتومة فلا يمكن أن يصيبك لأنها سهام صائبة وجهت من الأزل فلا بد أن تقع مواقعها، وما أحسن ما قيل:
جرى قلم القضاء بما يكون
فسيان التحرك والسكون
فلم يبق سوى التوكل على الله سبحانه والسكون تحت جري المقادير، وما أحسن ما قيل:
ولما رأيت القضا جاريًا
بلا شك فيه ولا مرية
توكلت حقًا على خالقي
وأسلمت نفسي مع الجرية
ففي الحديث تقرير وحضّ على تفويض الأمور كلها إلى الله ﵎ مع شهود أنه الفاعل لما يشاء، وأن ما قضاه وأبرمه لا يمكن أن يتعدّى حدّه المقدر له، وهذا راجع إلى قوله تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبزأها﴾ (الحديد: ٢٢) ثم مدار هذه الوصية على هذا الأصل إذ ما قبله وما بعده مفرع عليه وراجع إليه، فإن من علم أنه لن يصيبه إلا ما كتب له وأن اجتهاد الخلق كلهم بخلاف المقدور لا يفيد شيئًا البتة علم أن الله وحده هو الضارّ النافع فأفرده بالطاعة وحفظ حدوده وخافه ورجاه وأحبه، وأفرده بالاستعانة والسؤال له والتضرّع إليه والرضا بقضائه في حالة الشدة والرخاء (واعلم) تنبيه على أن شأن هذه الدار لاسيما مع الصالحين الأخيار كثرة الأعراض والأنصاب، فينبغي الصبر للظفر بجزيل الثواب والرضا بالقضاء والقدر (أن النصر) من الله
[ ١ / ٢٣٧ ]
للعبد على جميع أعداء دينه ودنياه كائن (مع الصبر) على طاعة الله وعن معصيته، وقيل: الصبر على نكياتهم وعدم انتصار مثهم لنفسه (وأن الفرج) وهو كما في «الصحاح»: الخروج من الغمّ اهـ حاصل سريعًا (مع الكرب) هو الغم الذي يأخذ بالنفس فلا دوام للكرب، وحينئذٍ فينبغي لمن نزل به ذلك أن يكون صابرًا محتسبًا راجيًا سرعة الفرج مما نزل به حسن الظن بمولاه في جميع أموره، فإنه أرحم به من كل راحم إذ هو أرحم الراحمين (وأن مع العسر يسرا) كما نطق به قوله تعالى: ﴿فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا﴾ (الشرح: ٥، ٦) ومن ثم ورد عنه «لن يغلب عسر يسرين» أي: لأن النكرة إذا كررت كانت الثانية غير الأولى، والمعرفة إذا أعيدت كانت الثانية عين الأولى غالبًا فيهما، وليست الآية من غير الغالب خلافًا لمن فهم ذلك فقال: وفي الآية عسران: أيضًا عسر الدنيا ومعه يسر، وعسر الآخرة ومعه يسر، ولا ينافي وقوع العسر لنا، كما صرحت به هذه الآية عدم وجود وقوعه كما صرح به قوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر
ولا يريد بكم العسر﴾ (البقرة: ١٨٥) لاختلاف المراد بالعسرين، لأن المثبت هو العسر في العوارض الدنيوية التي تطرق العبد بما لا يلائم نفسه كضيق الأرزاق ونحوها، والمنفي هو العسر بالتكليف بالأحكام الشاقة كما قال تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (الحج: ٧٨) ثم اليسر السهولة، ومنه اليسار لأنه تسهل به الأمور، والعسر نقيضه. وفي «الصحاح»: كل ثلاثي أوله مضموم ووسطه ساكن فمن العرب من يثقله ومنهم من يخففه. وما تقرر في «مع» في محالها الثلاث من أنها على بابها هو الظاهر إذ أواخر أوقات الصبر والكرب والعسر هي أول أوقات النصر والفرج واليسر، فقد تحققت المقارنة بينها. ومن لطائف اقتران الفرج بالكرب واليسر بالعسر أن الكرب إذا اشتد وتناهى أيس العبد من جميع المخلوقين وتعلق قلبه با وحده وهذا هو حقيقة التوكل، وقد قال تعالى: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ (الطلاق: ٣) والحديث بطريقيه أصل عظيم في مراقبة الله ومراعاة حقوقه والتفويض لأمره والتوكل عليه وشهود توحيده وتفرده وعجز الخلائق كلهم وافتقارهم إليه.
[ ١ / ٢٣٨ ]
٦٣٤ - (الرابع: عن أنس ﵁ قال): مخاطبًا للمتساهلين في الأعمال (إنكم لتعملون أعمالًا) تستهونونها لعدم نظركم إلى عظم المعصي بها (هي) لذلك (أدقّ في أعينكم من الشعر) استخفافًا بها (كنا نعدها) لكمال الخشية الناشئة عن كمال المعرفة با الحاصلة بحلول نظر النبيّ (على عهد) زمن (رسول الله - ﷺ - من الموبقات) وهذا كما جاء في الخبر الآخر «لا تنظر إلى صغر الخطيئة وانظر إلى عظم من عصيت» وفي الخبر الآخر «المؤمن يرى ذنبه كأنه صخرة يخاف أن تقع عليه، والكافر يرى ذنبه كأنه ذباب يمر على أنفه» . وفي الحديث كمال مراقبة القوم تعالى وكمال استحيائهم منه، حتى إنهم يرون تلك الأمور التي استهون غيرهم الوقوع فيها مهلكات لهم لعظم شهودهم جلال الله تعالى وعظمته. أحيا الله قلوبنا من موت الغفلة بمنته (رواه البخاري، وقال) أي: البخاري (الموبقات) بضم الميم (المهلكات) وفيه أن الإنسان ينبغي له أن يحذر من صغار الذنوب فلعلها تكون المهلكة له في دينه، كما يحترز من يسير السموم خشية أن يكون فيها حتفه.
٦٤٥ - (الخامس: عن أبي هريرة ﵁ عن النبيّ قال: إن الله تعالى يغار، وغيرة الله أن يأتي المرء ما حرّم الله عليه) أي: منعه أن يأتي ذلك (متفق عليه) ورواه أحمد والترمذي كلهم بزيادة «والمؤمن يغار» ورواه بإسقاطها البخاري (والغيرة بفتح الغين) المعجمة وسكون التحتية بعدها راء مهملة (وأصلها) في وضع اللغة (الأنفة) بفتح أولية، أي الامتناع من الضيم ونحوه، وفي «شرح مسلم» «أصلها المنع» والرجل غيور على أهله يمنعهم من التعلق بأجنبيّ بنظر أو غيرة، ومعنى غيره الله تعالى: منعه الناس من الفواحش:
[ ١ / ٢٣٩ ]
أي: وسائر المحرمات كما في حديث الباب، لكن الغيرة في حق الناس يقارنها تغير حال الإنسان وانزعاجه، وهذا مستحيل في حق الله تعالى اهـ.
٦٥٦ - (السادس: عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع) كلام (النبيّ يقول): تقدم أن جملة يقول بدل اشتمال من مفعول سمع، أو جملة حالية من المفعول المحذوف الذي قدرته وأتي به مضارعًا بعد سمع الماضي، إما حكاية لحال وقت السماع أو لإحضار ذلك في ذهن السامع (إن ثلاثة من بني إسرائيل) أي: أولاد يعقوببن إسحاقبن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليهم (أبرص) أي: به وضح، وهو بالنصب بدل من ثلاثة وخبر إن محذوف: أي: أقصّ عليكم شأنهم، ولو روي بالرفع لكان على القطع، والفاء في «فأراد ا» لتعقيب المفسر للمجمل، ويصح عند من جوّز دخول الفاء في خبر إن أن يكون الخبر الجملة بعدها وكذا على حذفها كما في نسخه (وأقرع) أي: من ذهب شعر رأسه من آفة (وأعمى) العمى عدم البصر عما من شأنه أن يكون بصيرًا (فأراد الله أن يبتليهم) أي: يعاملهم معاملة المبتلي المختبر، وإلا فعلمه أزليّ شامل للموجود والمعدوم قبل وجوده (فبعث) أرسل (إليهم ملكًا) بفتح اللام في صورة إنسان (فأتى) الملك (الأبرص) بدأ به ثم بالأقرع اهتمامًا بالتسجيل عليهما وتعجيلًا للانتقام، وقدم الأبرص لأن داءه أقبح وأشنع ولونه أعظم (فقال) له (أي شيء أحبّ إليك؟ قال: لون حسن) بالتنوين على الوصف (و) كذا (جلد حسن) لم يقتصر على طلب اللون الحسن، لأن جلد البرص يحصل له من التقلص والتشنج والخشونة ما يزيد به قبح صاحبه وعاره، فلم يكف طلب حسن اللون عن طلب حسن الجلد (ويذهب) عطف على ما قبله بتقدير أن (عني) الداء (الذي قد قذرني) بكسر الذال: أي تباعد عني وكرهني (الناس) أي: بسببه، والعائد محذوف: أي به.
قال الكرماني: وفي نسخة «قذروني» على لغة أكلوني البراغيث قال: (فمسحه) الملك أي أمرّ يده عليه (فذهب عنه قذره) أي: سبب قذره وهو البرص الذي كان به (وأعطى لونًا حسنًا وجلدًا حسنًا، قال) الملك له (فأي المال) معروف وتصغيره مويل
[ ١ / ٢٤٠ ]
والعامة تقول مويل بتشديد الياء كذا في «الصحاح» (أحبّ إليك؟ قال: الإبل) بكسرتين وتسكن الموحدة تخفيفًا، أي الجمال: اسم يقع على الواحد والجمع وليس بجمع ولا اسم جمع، كذا قال ابن سيده. وقال الجوهري: ليس لها واحد من لفظها، وهي مؤنثة لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين فالتأنيث لها لازم، وإذا صغرتها أدخلتها التاء فقلت أبيلة وغنيمة ونحو ذلك (أو قال البقر. شك الراوي) اسمه إسحاقبن عبد الله، أي شك هل سمع الإبل أو البقر، والمرجح الإبل لكونه اقتصر عليها في قوله: «فأعطي ناقة عشراء» ويؤيده الاقتصار في الأقرع على البقر لا غير فتعين الإبل للأبرص. وكذا قيل. لكن في رواية للبخاري في أبواب بني إسرائيل: هو شك في ذلك أن الأبرص والأقرع قال أحدهما الإبل وقال الآخر البقر اهـ. وبها يعلم أن الاقتصار في الأقرع على البقر من الراوي وإلا فالشك فيه كما قبله، ويؤيد أنها الإبل أيضًا سؤال الملك له بعيرًا وهذا كله بعد الشك (قال فأعطى) بالبناء للمفعول (ناقة عشراء فقال بارك ا) أي: أوقع (لك) البركة، وهو يحتمل أن يكون دعاء منه له بذلك، وأن يكون إخبارًا به (فيها) أي في هذه الناقة (قال فأتى الأقرع) أي: عقب تمام ما يتعلق بالأبرص كما تشعر به الفاء (فقال: أيّ شيء أحبّ إليك؟ قال: شعر حسن) بالتنوين على الوصف (ويذهب عني هذا) الداء أي القرع (الذي قد قذرني الناس) أي: بسببه (قال: فمسحه) الملك، يحتمل أن يكون مسح محل الداء فقط وهو الأقرب، وأن يكون مسح جميع بدنه لتعمه بركته (فذهب عنه) القرع (وأعطى شعرًا حسنًا قال) الملك له (فأيّ المال أحب إليك؟) أي: من جميع الأموال، أي: أيها تحب
أن يكون لك منها؟ (قال: البقر) اسم جنس يقال على الذكر والأنثى، وإنما دخلته الهاء للفرق بين الواحدة والجمّع، والباقر جماعة البقر مع رعاتها، وأهل اليمن يسمون البقرة باقورا (فأعطي بقرة حاملًا) لم يقل حاملة لاختصاص هذا الوصف بالمؤنث كحائض وطالق وإنما يحتاج إليها للفرق في نحو قائم وقائمة (وقال: بارك الله لك فيها) أي: في هذه البقرة (قال: فأتى الأعمى فقال: أيّ شيء أحبّ إليك؟ قال: أن يرد الله إليّ
[ ١ / ٢٤١ ]
بصري) أي: القوّة المودعة في العينين التي بها تدرك المبصرات (فأبصر) بضم الهمزة (به الناس) أي: أراهم ببصري، أي بعيني رأسي (قال: فمسحه) أي: أمرّ يده على عينيه، ويحتمل على جميع بدنه، والأول أقرب كما تقدم في «نظيره» (فردّ الله إليه بصره) أي: القوّة المدركة المذكورة (قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم) أي: أحبه إليّ، فهو مبتدأ محذوف الخبر، أو الأحبّ إليّ الغنم فيكون خبر مبتدأ محذوف. وفي «الصحاح»: الغنم اسم مؤنث موضوع للجنس يقع على الذكور والإناث، وإذا صغرتها ألحقتها التاء فقلت غنيمة، لأن أسماء الجموعـ إلى آخر ما تقدم يقال خمس من الغنم ذكور فيؤنث العدد وإن عنيت الكباش، لأن العدد يجري في تذكيره وتأنيثه على اللفظ لا على المعنى، والإبل كالغنم في جميع ما ذكرناه، كذا نقله عنه الدميري في حياة الحيوان (فأعطي) بالبناء للمجهول (شاة) المفعول الثاني لأعطى ومفعوله الأول نائب الفعل المضمر في الفاعل (والدًا) أي: ذات ولد، وقيل حاملًا. وفي «جامع الأصول»: هي التي قد عرف منها كثرة الولد والنتاج (فأنتج هذان) سيأتي أنه بالبناء للفاعل لكن في «الصحاح»: للعرب أحرف لا يتكلمون بها إلا على سبيل المفعول وإن كان بمعنى الفاعل مثل قولهم: زهى الرجل وعنى بالأمر ونتجت الناقة والشاة وأشباهها اهـ والمشار إليهما صاحبا الإبل والبقر (وولد) بتشديد اللام (هذا) أي: صاحب الغنم (فكان لهذا واد) أي: ملؤه (من الإبل، ولهذا واد من البقر) من
عطف معمولين على معمولي عامل واحد وهو جائز اتفاقًا، وقوله من الإبل في محل الصفة لواد، ويجوز أن يكون حالًا لتخصيصه بتقديم الخبر (ولهذا واد من الغنم قال: ثم إنه) أي: الملك (أتى الأبرص) متصورًا (في صورته) أي: التي كان عليها (وهيئته) من رذالة الملبس، وقيل: الضمير في صورته وهيئته يرجعان للملك: أي: جاءه بعد أن صار معافى غنيًا في الصورة التي قد جاءه فيها وهو بضد ذلك فدعا له فذهب عنه (فقال رجل مسكين) بكسر الميم من المسكنة: الحاجة خبر مبتدإ محذوف أي أنا رجل محتاج (قد انقطعت بي) الباء للتعدية (الحبال) الرواية المشهورة بالمهملة والموحدة كما سيأتي في الأصل واحده
[ ١ / ٢٤٢ ]
حبل: وهو المستطيل من الرمل. وقيل الأسباب في طلب الرزق.
قال القرطبي: وهذا أوقع التفسيرين. وفي رواية لمسلم «الحيال» بالتحتية من الحيلة، ومن رواه بالجيم والموحدة كبعض رواة البخاري ففيه بعد، بل قال بعضهم: إنه قد صحف (في سفري) ظرف لغو متعلق بانقطعت، أو ظرف مستقرّ حال من الضمير المجرور (فلا بلاغ لي) البلاغ: ما يتبلغ ويتوصل به إلى الشيء المطلوب: أي لا وصول لي لما أريده (اليوم إلا با) أي: إيجاده وتيسيره (ثم بك) لكونك مظهرًا للخير يجري على يديك، وثم هي هنا للترتيب في التنزل، ولم يقل وبك دفعًا لإيهام التشريك، ولذا كان الإتيان بثم هو الأدب المتأكد كما يأتي، وهذا من الملك من المعاريض التي يقصد بها التوصل إلى إفهام المقصود من غير أن يراد حقيقتها كما في قول إبراهيم صلى الله على نبينا وعليه وسلم: هذا ربي، وهذه أختي (أسألك) أي: أقسم عليك مستعطفًا (بـ) ا (الذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن) بفتح المهملتين، أي بعد الابتلاء في اللون والجلد (والمال) أي: بعد الابتلاء بالفقر (بعيرًا) هو اسم يقع على الذكر والأنثى، وهو من الإبل بمنزلة الإنسان من الناس، والجمل بمنزلة الرجل، والناقة بمنزلة المرأة والقعود بمنزلة الفتى، والقلوص بمنزلة الجارية، وإنما يقال له بعير إذا أجذع والجمع أبعرة وأباعر وبعران (أتبلغ) بتشديد اللام: أي من البلغة: وهي الكفاية (به) كذا رواية الكشميهني في البخاري وعند غيره في «عليه» أي بعيرًا أكتفى به أو حال كوني عليه (في سفري فقال) الأبرص (الحقوق كثيرة) أي: علىّ فلا فاضل عن الحاجة لأعطيك إياه فانظر غيري (فقال) الملك (إنه) أي الشأن (كأني) بتشديد النون (أعرفك) الظاهر أن كأنّ فيه للتحقيق وهو معنى أثبته الكوفيون وذكره ابن هشام في «المغني»، قال العلوي: وهو التحقيق، وأنشدوا عليه:
وأصبح بطن مكة مقشعرًا
كأن الأرض ليس بها هشام
أي: لأن الأرض؛ وقال ابن السيد في «شر شواهد الجمل»: جرت عادة النحويين أن
[ ١ / ٢٤٣ ]
يجعلوا كأن للتشبيه حيث وقعت، وليس ذلك بصحيح إنما تكون تشبيهًا محضًا إذا وقع في الخبر اسم ممثل به اسمها ويكون الخبر أرفع من الاسم أو أحط منه نحو: كأن زيدًا ملك، أو كأن عمرًا حمار. أما إذا كان خبرها فعلًا أو ظرفًا أو مجرورًا أو صفة من صفات اسمها فإنها يدخلها حينئذٍ معنى الظن والحسبان نحو: كأن زيدًا قائم أو في الدار، فلست تشبه زيدًا بشيء هاهنا، وإنما تظن أنه قائم أو في الدار انتهى بلفظه. لكن الذي صححه ابن مالك وأبو حيان والرضي وغيرهم ما ذهب إليه الجمهور من أن التشبيه لا يفارقها، وأن ما أوهم خلافه مؤول (ألم) استفهام تقريري (تكن أبرص تقذرك) بفتح الذال المعجمة: أي: تكرهك (الناس) أي: فعافاك الله (فقيرًا) أي: محتاجًا (فأعطاك ا؟ فقال إنما ورثت) بتشديد الراء مبني للمفعول وبتخفيفها مبني للفاعل (هذا المال كابرًا عن كابر) أي: كبيرًا عن كبير في العزّ والشرف: أي: ورثته عن أبي وجدي.
وحاصله إنكار تلك الحال ودعوى أنه نشأ في تلك الأحوال فهي غير متجددة عليه، وهذا من إنكار النعم وكفر المنعم، حمله عليه البخل، وحق العبد ألا يزال لنعم مولاه شاكرًا ولأحواله التي كان عليها وآل إليها ذاكرًا. وفي الحوض المورود للشيخ عبد الوهاب الشعراني: أخذ علينا العهود إذا حصل لنا ضخامة وقيام ناموس بين الناس ألا ننسى صفتنا التي كنا عليها قبل من الثياب الخلقة وخدمة الناس وضيق المعيشة ونحو ذلك، وذلك لنعرف الله بالنعم، فإن من نسي حاله أيام صغره قلّ شكره، وربما قال: نحن بحمد الله نشأنا في الضخامة أبًا عن جدّ ليوهم من لم يعرفه أن حاله لم يزل كذلك. وقد دخل شخص على معنبن زائدة فقال له:
أتذكر إذ قميصك جلد شاة
وإذ نعلاك من جلد البعير
فقال معن: أذكر والحمد رب العالمين. فقال:
Y
فقد جلّ الذي أعطاك ملكًا
وعلمك الجلوس على السرير
فقال: جل ربي وعز. فقال:
فجد لي يابن ناقصة بمال
فإني قد عزمت على المسير
فأمر له بمال جزيل وشكر له تذكيره الحالة التي لعله نسيها اهـ. وقال القرطبي: حمل هذا القائل بخله على نسيان منة الله تعالى وجحد نعمه وعلى الكذب، ثم أورثه ذلك سخطه
[ ١ / ٢٤٤ ]
الدائم وذلك بشؤم البخل، واعتبر بحال الأعمى لما اعترف بشكر النعم، وسخت نفسه بما ثبتها الله عليه وشكر فعله ﵁ كما يأتي (فقال) الملك (إن كنت كاذبًا في دعواك) وأتى بأن الموضوعة للشك في الشرط مع أنه جازم به مماشاة ومساجلة، أو أنّ «إن» فيه بمعنى إذ (فصيرك ا) بتشديد الياء التحتية (إلى ما كنت) قال (وأتى الأقرع في صورته) التي يقذرها الناس (وهيئته) التي يحقرونها لرثاثتها، وسقطت هذه المعطوفة عند صاحب المشكاة في روايته المعزوّة للصحيحين. قال شارحهما ابن حجر: لم يقل هنا وهيئته اختصارًا أو إشارة إلى شدة لؤم الأبرص وغباوته، فإنه مع كونه أتى له في صورته وهيئته التي أتاه عليها أولًا وحصل له منه ما حصل من الشفاء والغنى أنكر معرفته وتجاهل به وتفاخر عليه بأنه إنما جاءه المال من أبيه، فضم إلى كذبه قبائح تنبىء عن أنه انتهى في اللؤم والحمق إلى غاية لم يصلها غيره (فقال له) الملك (مثل ما قال لهذا) الأبرص (وردّ) الأقرع (عليه مثل ما ردّ هذا) الأبرص (فقال) الملك (إن كنت كاذبًا فصيرك الله إلى ما كنت) عليه من القرع والفقر: قال (وأتى الأعمى) متشكلًا (في صورته) أي: في صورة آدمي أعمى (وهيئته فقال) الملك (رجل) أي: صورة، إذ الملائكة لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة (مسكين وابن سبيل) أي: مسافر سمي به لملازمته السبيل كما سمي القاطع ابن الطريّق، ويحتمل أنه أراد أنه ضيف وسمي به لأن السبيل تظهر به (انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا با ثم بك، أسألك بالذي ردّ عليك بصرك) أي: القوة الباصرة المدرك بها المبصرات (شاة أتبلغ بها في سفري، فقال) ذلك الرجل متذكرًا نعم الله تعالى
عليه وحسن حاله بعد بؤسه (قد كنت أعمى فردّ الله إليّ) بتشديد الياء وفي نسخة «عليّ» (بصري فخذ ما شئت) أي: من المال (ودع ما شئت) منه (فوا لا أجهدك) بفتح الهاء وهذه رواية مسلم (اليوم بشيء) أي: في ردّ شيء (أخذته) علة لعدم الإجهاد: أي: لا أشق عليك الله أو للأخذ، وشتان ما بين هذا وقول ذينك «الحقوقـ أي الموانع من
[ ١ / ٢٤٥ ]
الإعطاءـ كثيرة» فلا يمكن أن أعطيك شيئًا وإن قل (فقال) الملك (أمسك مالك فإنما ابتليتم) أي: امتحنتم: أي: عاملكم الله العالم بجميع الأمور معاملة المبتلى المختبر ليترتب على عملكم أثره إذ الجزاء إنما جعله الله مرتبًا على ما يبدو في عالم الشهادة لا على ما سبق في علمه (فقد رضي عنك وسخط) بالبناء للمجهول (على صاحبيك) والرضا والسخط المراد بهما في حقه تعالى لازمهما مجازًا مرسلًا إما عن إرادة الإثابة والتعذيب فيكونان صفتي ذات، أو التعذيب والإثابة نفسهما فيكونان صفتي فعل (متفق عليه) وانفرد به الشيخان عن باقي أصحاب الكتب الستة (والناقة العشراء بضم العين) المهملة (وفتح الشين) المعجمة (وبالمد: هي الحامل) كذا أطلقه وهو قول، وقيل: الحامل التي أتي عليها من حملها عشرة أشهر من يوم طرقها الفحل وهي من أنفس الإبل. وفي «مختصر القاموس»: والعشراء من النوق التي مضى لحملها عشرة أشهر أو ثمانية، وهي كالنفساء من النساء جمعه عشروات وعشار اهـ.
(
قول أنتج بالبناء للفاعل) هو شاذ قليل لأنه لم يسمع من هذه المادة إلا نتج مبني للمفعول، والنتاج: الأولاد، والنتج والإنتاج: تولى الولادة (وفي رواية فنتج) بالبناء للفاعل كذلك و(معناه تولى نتاجها) الأقرب أن معناه ولد الإبل والبقر، ومعنى ولد الغنم: أي: صيرها والدة أي منسوبة للولادة نحو فسقت الرجل نسبته للفسق، والناتج للناقة كالقابلة للمرأة. وقوله: ولد هذا هو بتشديد اللام: أي: تولى ولادتها وهو بمعنى أنتج في الناقة (فالمولد والناتج والقابلة بمعنى) وهي المتولية للولادة (لكن) في عرف الاستعمال (خص هذا) أي: الناتج (للحيوان) هو الإبل والبقر (وذاك) أي: المولد (لغيره) أي: الغنم والقابلة لبني آدم (قوله انقطعت بي الحبال، هو بالحاء المهملة والباء الموحدة) أي: الأسباب (قوله لا أجهدك) بالجيم والهاء وهي رواية مسلم (معناه لا أشق عليك في ردّ شيء) فهو على حذف مضاف (تأخذه) بأن أنزعه منك (أو تطلبه من
[ ١ / ٢٤٦ ]
مالي) بأن أمنعه.
قال القرطبي: قال صاحب «الأفعال»: جهدته وأجهدته: بالغت في مشقته وقيل معنى أجهدك: لا أقلل لك فيما تأخذه. والجهد ما يعيش به المقل، ومنه: ﴿والذين لا يجدون إلا جهدهم﴾ (التوبة: ٧٩) (وفي رواية البخاري) وهي عند ابن ماهان كما قال القرطبي (لا أحمدك بالحاء المهملة والميم) وبلا النافية (ومعناه لا أحمدك بترك شيء تحتاج إليه) فهو على تقدير المضاف وذلك لطيب نفسي بما تأخذه (كما قال) أي: الشاعر:
ليس على طول الحياة ندم
أي: على فوات طولها.
قال الشاعر:
أتوب إليك يا مولاي مما
عليّ به تواترت الذنوب
وأما عن هوى ليلى وتركي
زيادتها فإني لا أتوب
أي: وعدم تركي زيارتها. قال الكرماني في «شرح البخاري»: أو أنه من قولهم فلان بتحمد أي يمتن. يقال من أنفق ماله على نفسه فلا يتحمد به على الناس. قال: وروي «لأحمدك» بالام فقط قبل المضارع من الحمد.
٦٦٧ - (السابع عن أبي يعلى) بفتح التحتية وسكون المهملة (شدادبن أوس) بفتح الشين المعجمة وتشديد الدال الأولى (﵁) وأوس بفتح الهمزة وسكون الواو آخره سين مهملة ابن ثابتبن المنذربن حرامبن عمروبن زيدبن مناةبن عديبن عمروبن مالكبن النجار الأنصاري، وهو ابن أخي حسانبن ثابت الجامع بين العلم والعمل والحلم. مات بفلسطين سنة ثمان وخمسين، وهو ابن خمس وسبعين سنة. وقال المصنف في «التهذيب»: مات ببيت المقدس قبره بظاهر باب الرحمة باق إلى الآن اهـ. وروي له عن رسول الله - ﷺ - خمسون حديثًا أخرجا له حديثين انفرد بأحدهما البخاري وبالآخر مسلم (عن النبي قال: الكيس) العاقل (من دان نفسه) أي: حاسبها ومنعها مستلذاتها وشهواتها التي فيها
[ ١ / ٢٤٧ ]
هلاك دينها (وعمل لما بعد الموت) من القبر وما بعده صالح العمل المؤنس له في الوحدة والوحشة، وما أحسن ما قيل:
با يا نفس اسمعي واعقلي
مقالة قد قالها ناصح
لا ينفع الإنسان في قبره
إلا التقى والعمل الصالح
(والعاجز) التارك لما يجب فعله بالتسويف (من أتبع) بإسكان الفوقية (نفسه هواها) أي: جعلها تابعة لما تهواه مؤثرة لشهواتها معرضة عن صالح الأعمال لكونه على خلاف ما تدعو إليه النفس (وتمنى على ا) الفوز في الآخرة. فالحاصل أن الحزم الإتيان بواجب العبودية من أداء الخدمة، ومحاسبة النفس حذر مجاوزة الحدود وعدم الالتفات إلى ذلك بالقلب والركون إليه، بل يكون اعتماده مع ذلك على فضل مولاه سبحانه. وأما ترك أداء مقام العبودية فذلك من رعونات النفس الخفية لاسيما إن أوقعها في ميدان شهواتها الذي فيه هلكها ومحقها (رواه الترمذي) وكذا رواه أحمد وابن ماجه والحاكم (وقال) الترمذي (حديث حسن) ورواه البيهقي من حديث أنس في «الجامع الصغير» (قال الترمذي وغيره) من العلماء (معنى دان نفسه: حاسبها) حكاه في «النهاية» بقيل فسره هو بقوله: أي: أذلها واستعبدها، والحساب من جملة معاني الدين ذكره في «القاموس» . وفي «الكشاف» في قوله تعالى: ﴿إنا لمدينون﴾ (الصافات: ٥٣) أو معناه لمسوسون أي مربوبون من الدين بمعنى السياسة ومنه حديث «الكيس من دان نفسه» اهـ.
٦٧٨ - (الثامن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: من حسن إسلامٍ المرء) «من» فيه تبعيضية أو ابتدائية وتقديم الخبر لكون التركيب من قبيل: على التمرة مثلها
[ ١ / ٢٤٨ ]
زبدا. وحسن الإسلام عبارة عن كماله، وهو أن تستقيم نفسه في الإذعان لأمر الله تعالى والاستسلام لأحكامه، وهو علامة شرح الصدر بنور الرّب (تركه ما لا يعنيه) أي: ما لا يريده ولا يحتاج إليه ولا ضرورة إليه فيه ولا ينفعه بكون عيشه بدونه ممكنًا، وذلك يشمل الأفعال الزائدة والأقوال الفاضلة، فينبغي ألا يشتغل إلا بما فيه صلاحه معاشًا ومعادًا بتحصيل ما لا بد منه في قوام البدن وبقاء النوع الإنساني، ثم بالسعي في الكمالات العلمية والفضائل العلية، التي هي وسيلة لنيل السعادة الأبدية، والفوز بالنعم السرمدية، وأن يعرض عما عدا ذلك: وذلك إنما يكون بالمراقبة ومعرفة أنه فيما يأتيه بمرأى ومسمع من الله ﷾، وأنه لا يخفى عليه شيء من شأنه. قال معروف: علامة مقت الله للعبد أن تراه مشتغلًا بما لا يعنيه، فإنّ من اشتغل بما لا يعنيه فاته ما يعنيه. وقال الغزالي: حدّ ما لا يعنيك في الكلام أن تتكلم بما لو سكت عنه لم تأثم ولا تتضرّر حالًا ولا مآلًا، قال: فإن شغلت بما لا يعنيك فإنك مضيع زمانك ومحاسب على عمل لسانك، إذ تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ولو صرفته في الذكر والدعاء ربما انفتح لك من نفحات الله ما يعظم جدواه، ومن قدر على أن يأخذ كنزًا من كنوز الجنة وأخذ بدله بدرة كان خاسرًا، وما أحسن ما قيل:
اغتنم ركعتين في ظلمة الليـ
ـل إذا كنت فارغًا مستريحًا
وإذا ما هممت بالحوض في البا
طل فاجعل مكانه تسبيحًا
وقول الحافظ أبي إسماعيل البخاري كما عزاه إليه الحاكم في تاريخه.
اغتنم في الفراع فضل ركوع
فعسى أن يكون موتك بغته
كم صحيح تراه من غير سقم
ذهبت نفسه الصحيحة فلته
وقلت في المعنى:
واغتنم في الحياة حسب اقتدار
طاعة الله كي تفوز بقربه
لا تسوّف إلى غد كم صحيح
مات في الحال من تقلب قلبه
(حديث حسن رواه الترمذي وغيره) فرواه ابن ماجه وابن حبان في «صحيحه»
[ ١ / ٢٤٩ ]
والقضاعي في «مسند الشهاب» . وعن أبي داود قال: أقمت بطرسوس فاجتهدت في «المسند» فإذا هو أربعة آلاف حديث، ثم نظرت فإذا مدارها على أربعة وذكر هذا منها اهـ.
٦٨٩ - (التاسع: عن عمر ﵁ عن النبيّ قال: لا يسأل) بالبناء للمجهول (الرجل فيم) بحذف ألف ما الاستفهامية لجرها بفي، أي: بأيّ سبب (ضرب امرأته) لاحتمال أن يكون السبب مما يستحيا من ذكره كالامتناع من التمكين، بل يترك ذلك إليه وإلى مراقبته لولاه إلا إن احتاج الأمر إلى جريان الأحكام والرفع إلى الحكام فتبين الأمور (رواه أبو داود وغيره) فرواه الإمام أحمد، والحديث صحيح كما صرّح به ابن حجر الهيثمي في كتابه (تنبيه الأخيار) .
ولما كانت نتيجة مراقبة العبد لمولاه في سائر الأحوال وأنه بمرأى منه لا يخفى عليه شيء، من شأنه امتثال الأوامر واجتناب النواهي وذلك هو التقوى، عقبها بها فقال: