بضم الجيم الكرم: بذل ما ينبغي من المال فيما ينبغي، وفي «الشفاء» للقاضي عياض:
[ ٤ / ٥٢٦ ]
الكرم والجود والسخاء والسماحة معانيها متقاربة، وفرق بعضهم بينها بفروق فجعل الكلام الإنفاق يطيب النفس فيما يعظم خطره ونفعه، وسموه أيضًا حرية وهو ضد النذالة. والسماحة: التجافي عما يستحقه المرء عند غيره بطيب نفس وهو ضد الشكاية، والسخاء: سهولة الإنفاق وتجنب اكتساب ما لا يحمد وهو الجود، وهو ضد التقتير اهـ. قال في «المصباح»: يقال: جاد الرجل يجود جودًا بالضمّ، تكرّم (والإنفاق في وجوه الخير) من صدقة وصلة رحم وقرىء ضيف ووقف على جهة خير ونحو ذلك (ثقة با تعالى) أي بوعده الذي لا يخلف من حسن الجزاء على ذلك في دار القرار، قال الله تعالى: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرّة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرًا عظيمًا﴾ (النساء: ٤٠) وقال تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله خير منها﴾ (النمل: ٨٩) وقال: «والصدقة برهان» أي علامة على تصدق باذلها بوعد الله تعالى: (قال الله تعالى): (﴿وما أنفقتم من شيء﴾) أي في رضى الله تعالى: (﴿فهو يخلفه﴾) يعوضه في الدارين أو في أحدهما وقد تقدمت مع الكلام عليها في باب الإنفاق على العيال.
(وقال تعالى): (﴿وما تنفقوا من خير فلأنفسكم﴾) أي وأيّ إنفاق منكم لمرضاة الله تعالى فلأنفسكم ثوابه فلا تمنوا به على أحد (﴿وما تنفقوا إلا ابتغاء وجه ا﴾) الواو للحال أو عطف، يعني أن المؤمن لا ينفق إلا لمرضاة الله تعالى، وقيل: نفي في معنى النهي. قال عطاء الخراساني: معناه إذا أعطيت لوجه الله فلا عليك ما كان عمله فإنك مثاب لنفسك، كان السائل مستحقًا أو غيره برًّا أو فاجرًا (﴿وما تنفقوا من خير يوفّ إليكم وأنتم لا تظلمون﴾) فلا ينقص ثواب صدقاتكم.
(وقال تعالى): (﴿وما تنفقوا من خير﴾) أي مريدين به مرضاته سبحانه (﴿فإن الله به عليم﴾) أي فيجازيكم بقدره، وفيه ترغيب في الإنفاق لذلك.
١ - (وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي قال: لا حسد) أي لا غبطة كما
[ ٤ / ٥٢٧ ]
يأتي فتجوز به عنها بجامع تمني مثل النعمة إلا أنها تزيد على الحسد بتمني زوالها عن صاحبها (إلا في اثنتين) أي من الخصال (رجل) بالرفع على القطع بإضمار مبتدأ أو مضاف وتقديرهما خصلتا رجل، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وارتفع ارتفاعه ورأيته في أصل مصحح من مسلم بجر رجل، ويخرج على أنه بدل من اثنتين بتقدير مضاف قبله: أي إلا في اثنتين رجل الخ، ثم رأيت الحافظ في «فتح الباري» ذكر فيه وجوه الإعراب الثلاثة وصدر بالجرّ ولم يذكر وجهه قال: والرفع على الاستئناف والنصب بإضمار أعني اهـ (آتاه) بالمد والفوقية: أي أعطاه (امالًا) التنوين فيه للتعميم فيشمل القليل والكثير لكن في إنفاق الأوّل تفصيل مذكور في كتب الفقه (فسلطه على هلكته) بفتح أوائله وهو مصدر هلك يهلك من باب ضرب يضرب هلكًا وهلاكًا وهلوكًا ومهلكًا بفتح الميم وتثليث اللام: أي إنفاقه (في الحق) خلاف الباطل: أي في القرب والطاعات، وفيه إيماء إلى أن إذهابه في خلاف ذلك في إتلاف المال بالباطل (ورجل آتاه الله حكمة) أي علمًا. قال الحافظ: المراد به القرآن كما ورد في حديث ابن عمرو، أو أعم من ذلك وضابطها ما منع من الجهل وزجر عن القبيح اهـ. (فهو يقضي بها) بين المتنازعين إليه (ويعلمها) الطالب لها (متفق عليه) قال السيوطي في «الجامع الكبير»: ورواه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه وابن حبان من حديث ابن عمر بلفظ: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالًا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار» ورواه أحمد والبخاري من حديث أبي هريرة بلفظ: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت ما يعمل» ورواه ابن عدي والبيهقي والخطيب من حديث أبي هريرة بلفظ:
«لا حسد ولا ملق إلا في طلب العلم» ورواه ابن نصر في كتاب الصلاة من حديث ابن عمر بلفظ: «لا حسد إلا على اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فصرفه في سبيل الخير، ورجل آتاه الله علمًا فعلمه وعمل به» اهـ (ومعناه: ينبغي ألا يغبط أحد) على حال هو فيه كائنًا ما كان (إلا على
[ ٤ / ٥٢٨ ]
إحدى هاتين الخصلتين) لعظم نفعهما وحسن وقعهما وإذا كان يغبط على أحدهما فجملتهما بالأولى.
٢ - (وعنه قال: قال رسول الله: أيكم مال وارثه أحبّ إليه من ماله) قال في «الفتح»: أي إن الذي يخلفه الإنسان من المال وإن كان حالًا منسوبًا إليه فإنه مجازيه ومن بعد حقيقة (قالوا: يا رسول الله ما منا أحد) التقديم للخبر الظرفي على المبتدأ للاهتمام بجانبه (إلا ماله أحبّ إليه) جملة وصفية لأحد، ويصح كونها في محل الحال لتخصيصه بتقديم الخبر، وحذف المفضل عليه وهو قوله من مال وارثه اكتفاء بذكره في كلام السائل (قال: فإن ماله ما قدم) بأن تصدق أو أكل أو ليس كما في الحديث السابق: «ليس لك من دنياك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت» أو كما قال، فهذا هو الذي يضاف إليه حيًا وميتًا بخلاف ما يخلفه من المال. قال ابن بطال: فيه التحريض على ما يمكن تقديمه من المال في وجوه البرّ والقرب لينتفع به في الآخرة، فإن كل ما يخلفه يصير ملكًا للوارث كما قال: (ومال وارثه ما أخر) فإن عمل فيه بطاعة الله اختص بثوابه عن الميت وإن كان عمل فيه بمعصية الله تعالى فذلك أبعد لمالكه الأول من الانتفاع إن سلم من تبعته، ولا يعارض حديث سعد بن أبي وقاص: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة» لأن ذلك فيمن تصدّق بماله كله أو معظمه في مرضه، وهذا الحديث فيمن تصدق حال صحته (رواه البخاري) في الرقاق في «صحيحه»، ورواه النسائي في الوصايا من «سننه» .
٣ - (وعن عديّ بن حاتم ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «اتقوا النار») أي اتخذوا
[ ٤ / ٥٢٩ ]
بينكم وبينها وقاية من صالح الأعمال جل أو قل (ولو بشق) بكسر المعجمة أي نصف (تمرة. متفق عليه) وقدم مع الكلام عليه في آخر الحديث الطويل في باب الخوف.
٤ - (وعن جابر ﵁ قال: ما سئل رسول الله - ﷺ - شيئًا قط) لتأكيد استغراق الأزمنة وتنكير شيئًا ليعم جلالة المسؤول وقلته ووجدانه له وفقده (فقال: لا) بل إن كان عنده أعطاه، أو يقول له ميسورًا من القول فيعده أو يدعو له، فكان إن وجد جاد وإلا وعد ولم يخلف الميعاد، فليس المراد أنه يعطي ما طلب منه جزمًا، بل إنه لا ينطق بالرد، فإن كان عنده المسؤول وساغ الإعطاء أعطى وإلا وعد، وقوله للإشعريين: وا لا أحملكم، أجيب أنه تأديب لهم لسؤالهم منه ما ليس عنده مع تحققهم ذلك، ومن ثمة حلف حسمًا لطمعهم في تحصيله بنحو استدانة (متفق عليه) رواه البخاري في الأدب من «صحيحه»، ومسلم في فضائل النبي والترمذي في «الشمائل» .
٥ - (وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: «ما من) مزيدة للتنصيص على العموم والاستغراق» في قوله (يوم) جاء في حديث أبي الدرداء «ما من يوم طلعت فيه الشمس إلا وبجنبيها ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم إن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ولا غربت شمسه إلا وبجنبها ملكان يناديان» فذكر مثل حديث أبي هريرة (يصبح العباد فيه) هذا ظاهر في أن المراد من اليوم ضد الليل (إلا ملكان) في حديث أبي الدرداء إلا وبجنبيها ملكان. والجنب بسكون النون الناحية (ينزلان) والجملة حال من العباد (فيقول) بالرفع عطف على الفعل المرفوع (أحدهما: اللهم أعط منفقًا) قال الأبي: أي النفقة في الواجب لأن في المال حقوقًا متعينة والنفقة في
[ ٤ / ٥٣٠ ]
المندوب لكن بالمعروف، وقال القرطبي: هو يعم الواجبات والمندوبات لكن الممسك عن المندوبات لا يستحق الدعاء إلا أن يغلب عليه البخل المذموم بحيث لا تطيب نفسه بإخراج الحق الذي عليه ولو أخرجه اهـ (خلفًا) يحتمل أن يكون في الدنيا ويحتمل أن يكون في الآخرة، وفيه الحض على الإنفاق ورجاء قبول دعوة الملك، وبشهد لهذا قوله تعالى: ﴿وما أنفقتم من شيء فهو بخلفه﴾ (سبأ: ٣٩) وفي اعتبار المعروف قوله تعالى: ﴿ولا تبسطها كل البسط﴾ (الإسراء: ٤) (ويقول الآخر) بفتح المعجمة (اللهم أعط ممسكًا) أي عن الإنفاق الواجب والمندوب (تلفًا) قال الحافظ في «الفتح»: التعبير بالعطية في هذا للمشاكلة لأن التلف ليس عطية، والتلف يحتمل أن يراد تلف ذلك المال بعينه أو تلف نفس صاحب المال والمراد به فوت أعمال البر بالتشاغل بغيرها، وأفاد هذا الحديث توزيع الكلام بينهما فنسب إليهما في حديث أبي الدرداء نسبة المجموع إلى المجموع. قال المصنف: الإنفاق الممدوح ما كان في الطاعات وعلى العيال والضيفان والتطوعات (متفق عليه) أخرجاه في الزكاة من «صحيحهما»، وأخرجه النسائي في عشرة النساء وفي التفسير من
«سننه» . والحديث قد تقدم مع شرحه في باب النفقة على العيال.
٦ - (وعنه أن رسول الله - ﷺ - قال: قال الله تعالى) أي فهو من الأحاديث القدسية (أنفق) أي أيها الصالح للخطاب من سائر المؤمنين: أي أنفق المال في وجوه القرب بالطريق المأذون فيه شرعًا إيمانًا واحتسابًا (ينفق عليك) بالبناء للمفعول وحذف الفاعل للعلم به سبحانه وهو مجزوم جواب شرط مقدر: أي إن تنفق ينفق: أي يوسع عليك ويخلف عوض ما تنفقه، فعبر عنه بالإنفاق على سبيل المشاكلة (متفق عليه) .
[ ٤ / ٥٣١ ]
٧ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص) بحذف الياء إما على لغة من يقف على المنقوص المعرف بالسكون، وإما على أنه من الأجوف: أي من العيص لكن الأفصح على كونه من المنقوص الوقف عليه بالياء وقد تقدم ذلك (﵄ أن رجلًا) في «صحيح مسلم» عن أبي موسى قال: قلت: يا رسولالله، وجاء في طريق أخرى عنه: سألنا رسول الله - ﷺ - فهذا ظاهر في أنه هو (سأل رسول الله) وقوله: (أيّ الإسلام خير) على تقدير القول: أي قائلًا أي الإسلام: أيّ خصاله أو أي ذويه فعل الثاني يقدر قبل قوله: (قال تطعم) بالرفع (الطعام) وما بعده مضاف: أي ذو إطعام الطعام لأن المراد من الفعل فيه المصدر: إما على تقدير أن المصدرية قبله، أو على تنزيل الفعل منزلته والوجهان مذكوران في نحو: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، واقتصر البدر الدماميني في «مصابيحه» على الأول وقال فيه حذفها في غير مواضعها المشهور كالمثال المذكور قال: على أن بعضهم جعل حذفها على الإطلاق مقيسًا قال: والظاهر أن المراد الإطعام على وجه الصدقة والهدية والضيافة ونحو ذلك لأنه ذكر بصيغة العموم (وتقرأ السلام) مفتوح الفوقية والراء لأنه من قرأ. قال الزركشي ويجوز ضم أوله وكسر ثالثه. قال الدماميني: هي لغة سوء. قال القاضي عياض: لا يقال: أقرئه السلام إلا في لغة سوء إلا إذا كان مكتوبًا إليه فتقول ذلك: أي اجعله يقرؤه كما يقال: اقرىء الكتاب اهـ. أي ولا يتأتى هذا الأخير هنا اهـ. أي لأن المراد إفشاء السلام على من لقيت (على من عرفت ومن لم تعرف) وفي بذل الطعام كما ذكرنا وقرأ السلام على من ذكر استئلاف للقلوب استجلاب لودها فلا جرم وقع الحض عليهما (متفق عليه) أخرجه البخاري ومسلم في الإيمان، وابن ماجه في الأطعمة.
٨ - (وعنه قال: قال رسول الله: أربعون خصلة) جاز الابتداء بأربعون مع نكارته لتخصيصه بالعمل في تمييزه لأن الأصح عند النحاة أن العامل في التمييز عن مبهم هو ذلك الاسم المفسر، قال الحافظ في «الفتح»: وعند أحمد أربعون حسنة (أعلاها منيحة العنز) قال
[ ٤ / ٥٣٢ ]
أبو عبيدة: المنيحة عند العرب على وجهين. أولهما إعطاء الرجل صاحبه نحو شاة صلة. ثانيهما أن يعطيه شاة أو ناقة ينتفع بحلبها ثم يردها وهذا هو المراد هنا (ما من عامل يعمل بخصلة) أي بواحدة (منها رجاء ثوابها) مفعول له، ويصح كونه منصوبًا على الحال: أي راجيًا ثوابها وفيه إيماء إلى أن ترتب الثواب على صالح العمل ليس على سبيل اللزوم، بل على سبيل الفضل من المولى سبحانه (وتصديق موعودها) الإضافة لأدنى ملابسة أي الموعود به فيها (إلا أدخله الله تعالى بها الجنة) قال الحافظ ابن حجر نقلًا عن ابن بطال: قد كان النبي عالمًا بالأربعين المذكورة، وإنما لم يذكرها لمعنى هو أنفع من ذكرها، وذلك خشية أن يكون التعيين لها مزهدًا في غيرها من أبواب البرّ. قال الحافظ بعد أن نقل عن ابن بطال عن بعضهم تعيين تلك الخصال وتعقب ابن المنير له في كون بعضها أعلى من المنيحة ما لفظه: وأنا موافق لابن بطال في إمكان تتبع أربعين خصلة من خصال الخير أدناها منيحة العنز وموافق لابن المنير في رد كثير مما قال ابن بطال، مما هو ظاهر أنه فوق المنيحة والله أعلم (رواه البخاري) في أواخر الهبة من «صحيحه»، ورواه أبو داود في كتاب الزكاة من «سننه» (وقد سبق بيان هذا الحديث) أي يذكر معنى المنيحة (في باب بيان كثرة طرق الخير) .
٩ - (وعن أبي أمامة) بضم الهمزة وتخفيف الميمين (صدى) بضم ففتح فتشديد التحتية (ابن عجلان ﵁ قال: قال رسول الله: يا ابن آدم إنك أن تبذل الفضل) بفتح همزة أن المصدرية وهي ومدخولها في تأويل مصدر منصوب بدل اشتمال من اسم إن: أي بذلك الفضل، وبكسرها على أنها شرطية، والفضل ما زاد على ما تدعو إليه حاجة الإنسان لنفسه ولمن يمونه (خير لك) خبر أن على الأول وخبر محذوف مع الفاء على الثاني: أي فهو خير لك وبه يتبين ترجيح الفتح لأن الأصل عدم الحذف (وأن تمسكه) بفتح الهمزة: أي وإمساكك إياه (شر لك) لأنك تحاسب عليه ولا تلقاه بين يديك عند حاجتك إليه (ولا تلام) أي ولا يلحقك لوم من الشرع (على كفاف) أي إمساك ما تكف به الحاجة
[ ٤ / ٥٣٣ ]
(وابدأ بمن تعول) من زوجة وقريب وعبد ودابة لأن حقهم واجب وهو أفضل من المندوب بسبعين ضعفًا (واليد العليا) المنفقة، وقيل: المتعففة عن السؤال (خير من اليد السفلى) أي الآخذة، وقيل: السائلة، والحديث تقدم مع الكلام عليه في باب فضل الجوع (رواه مسلم) .
١٠ - (وعن أنس ﵁ قال: ما سئل رسول الله - ﷺ - على الإسلام) على فيه تعليلية: أي لأجل الإسلام (شيئًا) من الدنيا جل أو قل وهو ثاني مفعولي سئل (إلا أعطاه) ترغيبًا في الإسلام وإنقاذًا لذلك من النار للرحمة التي طبع عليها (ولقد جاءه رجل) لم يتعرض المصنف في «شرح مسلم» لبيانه ولعله كان من المؤلفة (فأعطاه غنمًا بين جبلين) أي كثيرة كأنها تملأ ما بين الجبلين، وهذا الإعطاء منه يحتمل أن يكون عن سؤال من ذلك الرجل، ويحتمل أن يكون ابتداء زيادة لترغيبه في الإسلام إن لم يكن أسلم، أو لدوامه عليه إن أسلم ونيته ضعيفة فيه. قال المصنف: يجوز أن يعطي المسلم من المؤلفة من الزكاة ومن بيت المال ولا يجوز أن يعطي مؤلفة الكفار من الزكاة، وفي إعطائهم من غيرها خلاف، الأصح عندنا لا يعطون منه الآن لأن الله قد أعزّ الإسلام وكثرهم بخلاف أوّل الإسلام، وقد قل المسلمون اهـ (فرجع إلى قومه) داعيًا لهم إلى الإسلام (فقال: يا قوم أسلموا) أي لتغنموا الدنيا لأنه لم يكشف له أنوار اليقين إلى حينئذ كما يدل عليه قوله (فإن محمدًا يعطي عطاء) مفعول مطلق جوز الهمذاني في مثله من قوله تعالى: ﴿وا أنبتكم من الأرض نباتًا﴾ (نوح: ١٧) أن يكون مصدرًا مؤكدًا لفعله وفعله محذوف يدل عليه أنبت والتقدير: أنبتكم فنبتم نباتًا وأن يكون مؤكدًا لعين أنبت على حذف الهمزة من أوله، وله نظائر في كلام العرب نظمًا ونثرًا اهـ. واقتصر ابن هشام في «الجامع» على كونه مؤكدًا لعامله، قال شارحه: فنبات مصدر لفعل عين أنبت ووقع في التوضيح ما يقتضي التمثيل به لاسم العين النائب عن المصدر قال قرينه: وهو مخالف لكلام النحويين اهـ. وقيد العطاء إنما يدل على المبالغة فيه بقوله:
[ ٤ / ٥٣٤ ]
(من لا يخشى) يخاف (الفقر) لشدة معرفته بهبات ربه وسعة خزائن فضله، وقوله: (وإن) مخففة من الثقيلة: أي وإنه (كان الرجل ليسلم) أي يدخل في الإسلام وينتظم في عدادهم (ما يريد)
بإسلامه (إلا الدنيا) لما يرى من مزيد بذله تأليفًا على الإسلام وترغيبًا (فما يلبث) بفتح التحتية والموحدة وسكون اللام بينهما: أي يمكث (إلا) زمنًا (يسيرًا) تشرق في قلبه أشعة أنوار الإيمان وتخالط بشاشته قلبه فيتمكن منه (حتى يكون الإسلام أحبّ إليه من الدنيا وما عليها) فهذا من كمال رحمته ومزيد معرفته، أن دواء كل داء بما يقطع مادته من أصلها لتقلب تلك الأمراض إلى ضدها، فصلى الله وسلم عليه وزاده فضلًا وشرفًا لديه. وفيه عناية الله بأولئك الذين أهلهم لمعاملة نبيه المصطفى إياهم بتلك المعاملة لينالوا الدرجات العلية (رواه مسلم) في فضائل الأنبياء من «صحيحه» .
١١ - (وعن عمر) بن الخطاب (﵁ قال: قسم رسول الله - ﷺ - قسمًا) أي ما يقسم من ماله الغنائم أو الخراج أو نحو ذلك (فقلت) معطوف على مقدر دل عليه الكلام فأعطى أناسًا وترك آخرين (يا رسول الله لغير هؤلاء) أي المعطين (كانوا أحق) أي أولى (به) أي بالعطاء (منهم) أي من هؤلاء وآكد باللام المؤذنة بالقسم المقدر وإسمية الجملة لما فهمه من ترك النبي إعطاءهم من أن غيرهم أحق بذلك منهم، قال الأبي: وهذا التنبيه لظنه أن الإيثار بالعطاء بحسب الفضيلة والسابقة في الدين، فبين له سببه بقوله: (قال: إنهم خيروني) قال الأبي: الأظهر أنه بلسان الحال: أي وكلوا الخيرة إلى (بين أن يسألوني بالفحش فأعطيهم) أو أن (يبخلوني) معناه كما قال المصنف أنهم ألحوا عليّ في السؤال لضعف إيمانهم وألجئوني بمقتضى حالهم إلى السؤال بالفحش أو بنسبتي إلى البخل (ولست بباخل) ولا ينبغي احتمال أحد الأمرين، وقال الأبي نقلًا عن عياض: المعنى أنهم أشطوا عليه في السؤال على وجه يقتضي أنه إن أجابهم إليه حاباهم، وإن منعهم آذوه وبخلوه، فاختار أن يعطي إذ ليس البخل من خلقه مداراة وتألفًا كما قال: «شرّ الناس من اتقاه
[ ٤ / ٥٣٥ ]
الناس اتقاء لشرّه» .g وكما أمر بإعطاء المؤلفة ففيه ما كان عليه من عظيم الخلق والصبر والحلم والإعراض عن الجاهلين كما أمر (رواه مسلم) في الزكاة من «صحيحه» وقد انفرد به عن باقي الستة.
١٢ - (وعن) أبي محمد، ويقال: أبو عدي (جبير) بضم الجيم وفتح الموحدة وسكون التحتية (ابن مطعم) بصيغة اسم الفاعل ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي القرشي النوفلي المدني (﵁) أسلم يوم الفتح وقيل: قبله وحسن إسلامه، وكان سيدًا حكيمًا وقورًا بشأنه رئيسًا كاتبًا، روي له عن رسول الله - ﷺ - كما قال ابن الجوزي نحو ثلاثين حديثًا، اتفق الشيخان على ستة منها وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بواحد وخرج عنه الأربعة، مات بالمدينة سنة ثمان أو تسع بتقديم الفوقية (أنه قال بينما) ما مزيدة لكفّ بين عن الإضافة، فالجملة الإسمية بعدها مستأنفة (هو يسير مع النبي مقفله) منصوب على الظرفية الزمانية: أي زمن رجوعه (من حنين) بضم المهملة وتخفيف النونين بينهما تحتية ساكنة في السنة الثامنة بعد الفتح في شوال (فعلق) بفتح العين وتخفيف اللام وبالقاف من أفعال الشروع بوزن طفق ومعناه: وقد جاء بدله في رواية الكشميهني ثم هو في البخاري بالتاء الممدودة بالتأنيث لإسناده إلى (الأعراب) وهو اسم جمع لعرب كما قال سيبويه لأنه خواص بسكان البوادي والعرب تعمهم والحاضرين، ورأيت في أصل مصحح فعلقه بهاء الضمير والظاهر أنها تاء التأنيث وربطت في الرسم من تحريف الكتاب وقوله: (يسألونه) جملة في محل الخبر المعلق (حتى اضطروه) أي ألجأوه (إلى سمرة) بفتح المهملة وضم الميم: شجرة طويلة متفرقة الرأس قليلة الظل صغيرة الورق والشوك صلبة الخشب قاله ابن التين، وقال الداودي: السمرة هي العضاه، وقال الخطابي: ورق السمر أثبت وظلها أكثف، ويقال: هي شجرة الطلح (فخطفت) بكسر الطاء المهملة (رداءه) قال في «المصباح»: خطفه من باب سمع استله بسرعة، وخطف من باب ضرب لغة فيفه، وعند ابن شبة في كتاب
[ ٤ / ٥٣٦ ]
مكة: حتى عدلوا ناقته عن الطريق فمرّ بسمرات فانتهش ظهره وانتزعن رداءه، والباقي بنحو حديث جبير (فوقف النبيّ) أي بإمساك خطام الناقة الذي بيده (فقال: أعطوني
ردائي) قال في «المصباح»: الرداء بكسر الراء وبالمد ما يرتدي به مذكر لا يجوز تأنيثه. قال ابن الأنباري: وتثنيته رداءان، وربما قلبوا الهمزة فقالوا: رداوان والجمع أردية بالياء كسلاح وأسلحة (فلوكان لي عدد هذه العضاه) بالرفع اسم كان وخبرها (نعمًا) بالنصب ويجوز على التمييز كما في «الفتح» للحافظ زاد الدماميني ولي خبر كان.
وفي رواية أبي ذرّ بالرفع على أنه اسم كان مؤخرًا، وعدد بالنصب خبر مقدم (لقسمته بينكم) قال ابن المنير: وهذا تنبيه بطريق الأولى لأنه إذا سمح بمال نفسه فلأن يسمح بقسم غنائمهم عليهم أولى (ثم لا تجدوني بخيلًا ولا كذابًا ولا جبانًا) أي لا تجدوني ذا بخل ولا ذا كذب ولا ذات جبن، فالمراد نفي الوصف من أصله لا نفي المبالغة المدلول عليها بالصيغة: قال ابن المنير: في جمعه بين هذه الصفات لطيفة، وذلك أنها متلازمة وكذا أضدادها وأصل المعنى هنا الشجاعة، فإن الشجاع واثق من نفسه بالخلف من كسبه فبالضرورة لا يبخل، وإذا أمهل عليه العطاء لا يكذب بالخلف في الوعد، لأن الخلف إنما ينشأ من البخل، واستعمال ثم هنا ليس مخالفًا لمقتضاها وإن كان الكرم يتقدم العطاء، لكن علم الناس بكرم الكريم إنما يكون بعد العطاء، وليس المراد هنا بثم الدلالة على تراخي العلم بالكرم، عن العطاء إنما التراخي هنا لعلو رتبة الوصف كأن يقول: وأعلى من العطاء بما لا يتقارب أن يكون العطاء عن كرم، فقد يكون عطاء بلا كرم كعطاء البخيل قهرًا أو نحو ذلك، قاله الدماميني في «المصابيح» . وفي «الفتح» للحافظ: في الحديث ذم الخصال المنفية، وأن إمام المسلمين لا ينبغي أن يكون فيه خصلة منها، وفيه ما كان عليه من الحلم وحسن الخلق وسعة الجود والصبر على جفاة الأعراب، وفيه جواز وصف المرء نفسه بالخصال الحميدة عند الحاجة لخوف ظن أهل الجهل به خلاف ذلك ولا يكون ذلك من الفخر المذموم اهـ ملخصًا (رواه البخاري) في الجهاد وفي الخمس
من «صحيحه» منفردًا به عن باقي الستة (مقفلة) بفتح أوله وثالثه وسكون ثانيه (أي في حال) أحسن منه زمان (رجوعه) لما قدمناه وبذلك عبر الحافظ في الفتح (السمرة شجرة) تقدم بيانها (العضاه) بكسر العين المهملة وبالضاد المعجمة (شجر له شوك)
[ ٤ / ٥٣٧ ]
قال الحافظ في «الفتح»: واختلف في واحدها فقيل عضة بفتح أوليه كشفه وشفاه والأصل عضهه فحذفت الهاء وقيل: عضاهة.
١٣
_________________
(١) (وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: ما نقصت صدقة) هي المخرج من المال تقربًا إلى الله (من مال) قال المصنف: ذكروا فيه وجهين: أحدهما أنه يبارك فيه ويدفع عنه المفسدات فيجبر النقص الصوري بالبركة الخفية وهذا مدرك بالحس والعادة، وثانيهما أنه وإن نقصت صورته لكن ثوابه المعد له في الآخرة جابر لنقصه (وما زاد الله عبدًا بعفوا إلا عزًا) فيه وجهان: أيضًا أحدهما أنه على ظاهره أن من عرف بالعفو والصفح ساد وعظم في القلوب وزاد عزة وكرامة، والثاني أن المراد أجره في الآخرة وعزه هناك (وما تواضع أحد ألا رفعه الله ﷿) ويجوز أن يكون في الدنيا بأن يرفعه ويثبت له في القلوب بتواضعه منزلة يرفعه بها الناس ويجلوا مكانه، ويحتمل أي يكون ذلك في الآخرة فيثبته الله في الجنة بتواضعه في الدنيا، وقد يكون المراد فيهما جميعًا اهـ ملخصًا (رواه مسلم) في البر والصلة من «صحيحه»، ووقع في «الأطراف» للمزي في الأدب منه، والذي رأيته في الأصول من مسلم كما ذكرته.
(٢) (وعن أبي كبشة) بفتح الكاف وسكون الموحدة وبالشين المعجمة كنية (عمر) بضم ففتح (ابن سعد الأنماري) بفتح الهمزة وسكون النون وبعد الألف راء نسبة إلى أنمار بطن من العرب، وقد اختلف في اسمه (﵁) فقيل كما ذكره المصنف «عمر»، وقيل سعد بن عمر، وقيل: عمرو بن سعد سماه يحيى بن يونس وسعيد القرشي هكذا، وقيل: اسمه عمرو بن سعد. قال ابن الأثير: وهو الأشهر أخرجه أبو موسى يعد في الشاميين، روى له عن رسول الله - ﷺ - أحاديث ذكر منها المزي في «الأطراف» أربعين وليس منها شيء في «الصحيح» (أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: ثلاثة) من الخصال أو خصال ثلاثة، وجاز إتيان
[ ٤ / ٥٣٨ ]
التاء في عدد المؤنث لحذف المعدود (أقسم عليهن) تأكيدًا لها في الأذهان للسامعين قبولهم لها ويشتد حرصهم على العمل بها وأكد ذلك بقوله: (وأحدثكم حديثًا) أي في ذلك (فاحفظوه) والجملتان معترضتان لذلك، وجعل العاقولي من باب التقديم والتأخير فقال: أي أحدثكم في معنى من خصال الخير وأقسم على ثلاث خصال منها، فقدم قوله ثلاث أقسم عليهن للاهتمام بها اهـ. وما سلكته أولى لأن الأصل عدم التقديم والتأخير (ما نقص مال عبد من صدقة) أي بل البركة النازلة فيه أو الثواب المعد لباذله وذلك يجبر ما نقص منه حسًا، أو ما نقص ثوابه بل يضاعف يوم القيامة أضعافًا كثيرة، وفي «أمالي» العز بن عبد السلام معنى الحديث أن ابن آدم لا يضيع به شيء وما لم ينتفع به في دنياه انتفع به في عقباه، فإن الإنسان إذا كان له داران فحول ماله من إحداهما إلى الأخرى لا يقال في ذلك المحول إنه نقص من ماله، وكان بعض السلف إذا رأى السائل يقول: مرحبًا بمن جاء يحول مال دنيانا إلى أخرانا قال: هذا معنى الحديث، وليس معناه أنه لا ينقص في الحس ولا أن الله يخلف عليه فإن ذلك معنى مستأنف اهـ (ولا ظلم عبد مظلمة) بفتح الميم وكسر اللام اسم مصدر ظلم ظلمًا بالفتح من باب ضرب، وفي «فتح
الباري» في كتاب المظالم: المظلمة بكسر اللام على المشهور. وحكى ابن قتيبة وابن التين والجوهري فتحها، وأنكره ابن القوطية، ورأيت بخط مغلطاي أن الفراء حكى الضم، قال في «المصابيح»: هي ما يطلبه عند الظالم وهي ما أخذ منك وحذف الفاعل ليعم ظلم القويّ والضعيف ونكر مظلمة في سياق النفي ليعمّ الظلم في النفس والمال والعرض وقوله: (صبر عليها) أي حبس نفسه على ألمها ولم ينتقم من ظالمه بشيء من الانتقام، ويحتمل أن يعم ويدخل من ترك بعض حقه من الظلامة وانتصف في البعض فيثاب فيما تركه احتسابًا (إلا زاده ا) في الدنيا وفي الآخرة أو فيهما (عزًا) وذلك من باب قولهم: كما تدين تدان، ومن حديث: «اعمل ما شئت فإنك مجزيّ به» وفي تفسير سورة فصلت من «صحيح البخاري» قال ابن عباس:
﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾ الصبر عند الغضب والعفو عند الإساءة فإذا فعلوا عصمهم الله وخضع لهم عدوهم كأنه وليّ حميم اهـ. وهذا يؤيد ظهور أثر العفو في الدنيا (ولا فتح عبد باب مسألة) لينال بذلك الغنى تكثرًا من أموال الناس (إلا فتح الله عليه باب فقر) معاملة بنقيض قصده، وفي هذه الأخيرة استعارة مكنية تتبعها استعارة تخييلية في الموضعين (أو) شك من الراوي: أي قال:
[ ٤ / ٥٣٩ ]
فتح الله عليه باب فقر أو قال: (كلمة نحوها) في إفادة ذلك (وأحدثكم حديثًا فاحفظوه) ظاهر أنه مزيد على الثلاث ولعله استطرد مما أقسم عليه من الخصال إلى ذلك لمناسبة بينه وبين ما انتقل عنه، إذ كل فيه ترغيب في إنفاق المال في التقرب إلى الله وتحذير من الحرص على جمع المال، ويحتمل أن تكون هذه الجملة من كلام أبي كبشة لما حدثهم بما تقدم، ذكر هذا الحديث بجامع ما ذكرناه فذكره وقال: هذه الجملة قبله ليقبلوا عليه، ويؤيد هذا قوله: (قال) أي النبي (إنما الدنيا لأربعة نفر) بفتح أوليه هو لغة ما بين الثلاثة إلى العشرة، وهو هنا تمييز أربعة وجاز مع أن تمييزها لا يكون إلا جمعًا كسبع ليال وثمانية أيام اعتبارًا بالمعنى لأنه كذلك البعد (عبد) يجوز فيه وفي أمثاله من مفصل لمجمل استوفى العدة الجر على الإبدال مما قبله بدل كل من كل بتقدير سبق العطف على الإبدال، والقطع بالرفع بإضمار مبتدأ محذوف وجوبًا، وبالنصب بإضمار نحو أعني محذوف كذلك (رزقه الله مالًا وعلمًا) فيه أن العلم من الرزق (فهو يتقي فيه ربه) أي لا يصرفه في معصية بل يجتنب ما لا يرضيه (ويصل فيه رحمه ويعلم الله فيه حقًا) سواء كان ذلك واجبًا عينيًا من زكاة أو كفارة لمقتضاها أو نذر، أو كفائيًا ككفاية مضطر من جائع بسدّ جوعته وعار بكسوته، أو مندوبًا كالتقرّب إلى الله سبحانه بأنواع الطاعات المالية (فهذا بأفضل المنازل) من الجنة لأنه علم وعمل وأدى الواجب والمندوب واجتنب الحرام والمحظور، وعلمه هداه إلى الإخلاص في
ذلك وجعل معاملته في ذلك مع الله سبحانه (وعبد رزقه الله علمًا) أي بالأحكام المتعلقة بالمال من حيث جمعه وإنفاقه وما يتعلق بذلك، ويحتمل أن يراد ما يعم علم ذلك وغيره، ويؤيده التنكير إذ الأصل فيه التعميم (ولم يرزقه مالًا فهو) لعلمه النافع له (صادق النية) أي القصد في طلب ثواب الله فيعزم على العمل المالي لو قدر عليه ليثاب به (يقول) ناويًا لذلك (لو أن لي مالًا لعملت) أي فيه (بعمل فلان) الجامع بين المال والعلم من طلب ما رضي الله به (فهو نيته) قال العاقولي مبتدأ وخبر أي فهو سني النية وبها أجره. قلت: ويجوز أن يكون نيته مبتدأ وخبره محذوف: أي ألحقته بمن قبله، وبالجملة خبر هو يدل على ذلك قوله: (فأجرهما سواء) أي من حيث النية وصحة القصد. ويزيد ذلك بثواب نفقة المال التي زاد على صاحبه (وعبد رزقه الله مالًا ولم يرزقه علمًا) (يعرف به وجوه
[ ٤ / ٥٤٠ ]
التصرف المأذون فيها شرعًا والممنوع منها كذلك (فهو يخبط) بكسر الموحدة (في مال الله بغير علم) وقوله: (لا يتقي فيه ربه) بترك إتلافه في المحارم ويبذله في المآثم (ولا يصل فيه رحمه) وفي الإتيان بفي هنا وفيما قبله تجريد كقوله تعالى:
﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (الأحزاب: ٢١) لأن المال نفس الصلة لا أنها فيه، كما أنه نفس القدوة لا أنها فيه (ولا يعلم فيه حقًا) لجهله به فلا يؤدي حق المال واجبًا كان أو مندوبًا لجهله وحرصه على جمعه وإتلافه في مستلذات نفسه (فهذا بأخبث المنازل) لماله من المآثم التي ارتكبها بمال الذي أتلفه مع جهله وعدم علمه (وعبد لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا فهو) أي العبد الفاقد لهما لجهله (يقول: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان) أي بصرفه في الملابس الفاخرة واستماع الملاهي وأكل المستلذات المحرمة وعير ذلك (فهو نيته) إعرابه كما تقدم أي فيجد إثم نيته قصد الفصاد (فوزرهما سواء) باعتبار العزم على المحرم وإن زاد الفاعل بإثم الفعل (رواه الترمذي) في أبواب الزهد من «جامعه» (وقال: حديث حسن صحيح) .
١٥ - (وعن عائشة ﵃ أنها) أي ذوي عائشة أو أهل بيت النبيّ (ذبحوا شاة) أي فتصدقوا بها ما عدا كتفها (فقال النبي) بعد أن عاد لمنزلها لداع دعا للسؤال عما بقي من لحمها وقد علم أنهم تصدقوا ببعضها (ما بقي منها) أي عندك (قالت: ما بقي منها) أي عندنا (إلا كتفها) بفتح الكاف وكسر الفوقية على الأفصح أي أنفقنا الجميع وتصدقنا به ما عدا ذلك (قال: بقي كلها) أي ثواب كلها لأنه تصدّق به تقرّبًا إلى الله تعالى فهو يخلفه ويجزي عليه (غير كتفها) أي فإنه يفنى بأكله. ومثله لا ثواب فيه إن لم يقارنه قصد صحيح، وهذا تحريض على الصدقة والاهتمام بها، وأن لا يستكثر المرء ما أنفقه فيها، فإنه
[ ٤ / ٥٤١ ]
وإن فني صورة فهو باق حقيقة لصاحبه عند الله يرى ثوابه مضاعفًا عند حاجته ومزيد فاقته، ففيه أعظم تحريض عليها من كل م يأكله الإنسان، لأن من استحضر أن ما يأكله لا ثواب له فيه حيث لا غرض صحيح معه، وأن ما يتصدق به بقي له عند مولاه حمله ذلك على التصدق منه ولو بلقمة (رواه الترمذي وقال: حديث صحيح ومعناه) أي الحديث من حيث الجملة (تصدقوا بها إلا كتفها، فقال: بقيت لنا في الآخرة إلا كتفها) وذلك لأن ما بقي منها يفنى بأكله وما تصدق به باقيًا عند الله سبحانه.
١٦ - (وعن أسماء) بسكون المهملة بعدها ميم ألف ممدودة (بنت أبي بكر الصديق ﵄) تقدمت ترجمتها في باب برّ الوالدين (قالت: قال لي رسول الله: لا توكي) قال في «النهاية»: أي لا تدخري وتشدي ما عندك وتمنعي ما في يدك (فيوكي) بالنصب: أي فيقطع (اعليك) مادة الرزق، والجزاء من جنس العمل وهذا مفهوم قوله تعالى: ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه﴾ (سبأ: ٣٩) .
(وفي رواية) هي لمسلم في الزكاة من «صحيحه» (أنفقي أو) شك من الراوي (انفحي أو انضحي) قال المصنف: بكسر الضاد المعجمة، والمعنى: أعطي النضح والنفح العطاء، ويطلق النضح على الصبّ فلعله المراد هنا ويكون أبلغ من النفح (ولا تحصي) أي تمسكي المال وتدخريه من غير إنفاق منه (فيحصى) كذا هو في نسخ الرياض بالمبنى للمجهول وفي الزكاة من البخاري ومسلم فيحصي الله (عليك) بذكر الفاعل ولعل حذفه من نسخ الرياض إن لم يكن من سبق القلم من المصنف من تحريف الكتاب: أي يمسك عنك مادة الرزق والبركة فيه ويناقشك الحساب في الموقف، إذ أصل الإحاطة بالشيء جملة وتفصيلًا، وهذا فيه تلف أيّ تلف، فيكون مطابقًا لأعط كل ممسك تلفًا، ويستفاد منه أن الممسك يعاقب بتلف ما عنده وحبس مادة رزقه والبركة فيه ومناقشة الحساب، وقد قال: «من نوقش الحساب عذّب» وهذا أبلغ وأليق بمقام التنفير والتغليظ (ولا توعي) أي لا تمنعي ما فضل عنك عمن هو محتاج إليه (فيوعي)
[ ٤ / ٥٤٢ ]
بالنصب (اعليك) أي يصيبك على أعمالك بالتشديد عليك في الحساب أو يمنع عنك فضله وجوده، وبهذا يعلم أن هذه بمعنى ما قبلها وأن القصد مزيد التأكيد والحث على الإنفاق (متفق عليه) رواه مسلم بجملته وإن اقتصر المصنف على عزو قوله وفي رواية إليه، والبخاري روى عنها في حديث أن النبي قال لها: «لا توكي فيوكى عليك» وعند بعض رواته قال: «لا تحصي فيحصي الله عليك» وفي حديث آخر عنها أن النبي قال لها: «لا توعي فيوعي الله عليك انضحي ما استطعت» (وانفحي) بسكون النون وفتح الفاء (وبالحاء المهملة وهو بمعنى أنفقي وكذلك) أي ككون انفحي بمعنى أنفقي (أنضحي) فانفحي المشار إليه مشبه به وانضحي مشبه، قال في «شرح مسلم»: معنى انفحي وانضحي: أعطي النفح، والنضح: العطاء.
١٧ - (وعن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: مثل) بفتح أوليه: أي صفة (البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان) بالموحدة أو النون كما قاله غير واحد، وقول بعضهم: إنه لا شك ولا خلاف أنه بالنون رده بعض المحققين أنه بالنون تصحيف، قيل: ومما يرجح النون أن الدرع لا يسمى جبة بالباء بل النون (من حديد) حكمة إيثاره الإعلام بأن القبض والشحّ من جبلة الإنسان، ولذا أضيف إليه في ﴿ومن يوق شحّ نفسه﴾ (الحشر: ٩) وأن السخاوة من عطاء الله وتوفيقه يمنحها من شاء من عباده وإيثار الجنة على الغلّ لأنه يأتى فيه الانقباض والانبساط المشار بهما إلى ما يأتي (من ثديهما) قال المصنف: بضم الثاء المثلثة: أي وكسر الدال وتشديد التحتية على الجمع، كذا في معظم نسخ مسلم جمع ثدي بوزن فلس، وفيه رد على من قال: إنه خاص بالمرأة، ويقال في مثله من الرجل «تندوة» بضم الفوقية والدال المهملة وسكون النون بينهما ومن فيه ابتدائية (إلى تراقيهما) جمع ترقوة بضم الفوقية والقاف وسكون الراء وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق من الجانبين. قال بعضهم: ولا يكون لغير الإنسان من باقي الحيوان (فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت) أي
[ ٤ / ٥٤٣ ]
امتدت وكملت (أو) شك من الراوي (وفرت) بتخفيف الفاء (على جلده حتى تخفى بنانه) مفاصل الأصبع بالموحدة ونونين، ومن قاله بالمثلثة والتحتية والموحدة فقد صحف (وتعفو أثره) أي تغطي أثره حتى لا يبدو، وتعفو منصوب عطفًا على تخفي وكلاهما مسند إلى ضمير الجنة أو الجبة، وعفا يستعمل لازمًا ومتعديًا، تقول عفت الديار: أي درست، وعفاها الريح: إذا طمسها، وهو في الحديث متعد. قال الحافظ في «الفتح»: والمعنى أن الصدقة تستر خطاياه كما يغطي الثوب الذي يجرّ على الأرض أثر صاحبه إذا مشى بمرور الذيل عليه وسيأتي فيه مزيد (وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئًا إلا لزقت) في رواية مسلم انقبضت، وفي رواية لهما عضت (كل حلقة)
بسكون اللام (مكانها) والمفاد واحد إلا أن الأولى نظر فيها إلى صورة الضيق والأخرى إلى سببه (فهو يوسعها) أي يريد توسيعها بالبذل فتشح نفسه ولا تطاوعه (فلا تتسع) وفي هذا وعد للمتصدق بالبركة وستر العورة والصيانة من البلاء، فإن جبة الحديد لا تعد للستر فقط بل له وللصون من الآفات، وهذا كما ورد «إن الصدقة تدفع البلاء» وفي البخيل على الضد فهي معدة لهتك عورته وكونه هدفًا لسهام البلاء والعياذ با تعالى، كذا في «مصابيح الجامع» . قال الخطابي وغيره: هذا مثل ضربه النبي للبخيل والمتصدق، فشبههما برجلين أراد كل واحد منهما لبس درع يستتر به من سلاح الإنسان يديه في كميها، فجعل المنفق كمن لبس درعًا سابغة فاسترسلت عليه حتى سترت جميع بدنه، وجعل للبخيل كمثل رجل غلت يداه إلى عنقه فكلما أراد لبسها اجتمعت في عنقه فلزمت ترقوته، وهو معنى قلصت: أي تضامت واجتمعت، والمراد أن الجواد إذا هم بالصدقة انفسح لها صدره وطابت نفسه وتوسعت في الإنفاق، والبخيل إذا حدثها بها شحت بها فضاق صدره وانقبضت يداه
﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ (الحشر: ٩) وقال المهلب: المراد أن الله يستر المنفق في الدارين، بخلاف البخيل فإنه يفضحه، ومعنى يعفو أثره يمحو خطاياه. وتعقبه عياض بأن الخبر جاء على التمثيل لا على الإخبار عن كائن. وقيل: هو تمثيل لنماء المال بالصدقة، والبخيل بضده اهـ (متفق عليه) واللفظ للبخاري في كتاب الزكاة وهو عند مسلم بنحوه فيها من طرق (والجنة) في النسخ بالنون وهو ما صوّبه في «شرح مسلم»، وقال لوروده كذلك في رواية بلا شك، وتقدم تعقب بعض المحققين له في ذلك
[ ٤ / ٥٤٤ ]
(الدرع) بكسر الدال وبالراء والعين المهملات، وهي الثوب المنسوج من الحديد وهي مؤنثة في الأكثر (ومعناه: أن المنفق كلما أنفق سبغت وطالت حتى تجرّ وراءه وتخفي رجليه وأثر مشيه وخطوته) أي كما هو شأن الثوب الرافل، هذا بيان لمعاد الضمائر باعتبار ظاهر اللفظ، أما المعنى المراد فسكت عن بيانه هنا.
١٨ - (وعنه قال: قال رسول الله: من تصدق بعدل تمرة) قال الحافظ في «الفتح»: أي بقيمتها لأنه بالفتح المثل، وبالكسر الحمل بكسر المهملة هذا قول الجمهور. وقال الفراء بالفتح: المثل من غير جنسه، وبالكسر من جنسه، وقيل: بالفتح مثله في القيمة وبالكسر الشطر، وأنكر البصريون هذه التفرقة، وقال «الكشاف»: هما بمعنى، كما أن لفظ المثل لا يختلف، وضبط في هذه الرواية الأكثر بالفتح والتمرة بالمثناة، ولفظ مسلم: «ما تصدق أحد بصدقة» (من كسب طيب) أي خلال خال عن الغشّ والخديعة، وقوله: (ولا يقبل الله إلا الطيب) جملة معترضة بين الشرط والجزاء لتقرير ما قبله، وفي رواية سليمان ابن بلال التي أشار إليها البخاري: «ولا يصعد إلى الله إلا الطيب» قال القرطبي: وإنما لم يقبل الله الصدقة بالحرام لأنه غير مملوك للمتصدق، وهو ممنوع من التصرف فيه والتصدق به تصرف فيه، فلو قبل لزم أن يكون الشيء مأمورًا ومنهيًا من وجه واحد وهو محال (فإن الله يقبلها بيمينه) وفي رواية لمسلم: «إلا أخذها الله بيمينه» وعند مسلم أيضًا في رواية: «إلا أخذها الرحمن» قال الحفاظ في «الفتح»: وفي رواية لمسلم: «فيقبضها» وفي حديث عائشة عند البزار: «فتلقاه الرحمن بيده (ثم يريبها) في مسلم فيريبها (كما يربي أحدكم فلوه) جاء في رواية: «كما يربي أحدكم مهره» وفي أخرى عند البزار: مهره أو وصيفه أو فصيله (حتى تكون) أي المتصدق به القليل بالتنمية (مثل الجبل) وفي رواية عند الترمذي حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد» قال الحافظ: والظاهر أن المراد بعظمها أن عينها تعظم لتثقل في الميزان، ويحتمل أن يكون ذلك معبرًا به عن ثوابها، ومثله في كلام المصنف في «شرح مسلم» نقلًا عن عياض
[ ٤ / ٥٤٥ ]
وسيأتي حكمة ضرب المثل بالفلو، قال المازري: وهذا الحديث وشبهه إنما عبر به على ما اعتادوا في خطابهم ليفهموا عنه، فكنى عن قبول الصدقة باليمين وعن تضعيف أجرها بالتربية. وقال عياض: لما كان الشيء الذي يرتضي
يتلقى باليمين ويؤخذ استعمل في مثل هذا واستعير اليمين للقبول، وليس المراد به الجارحة، وقيل: عبر باليمين عن جهة القبول إذ الشمال بضده، وقيل: المراد يمين الدافع إليه الصدقة وإضافتها إلى الله تعالى إضافة ملك واختصاص لوضع هذه الصدقة في يمين الآخذ تعالى، وقيل: المراد سرعة القبول وقيل: حسنة. وقال الزين ابن المنير: الكناية عن الترضي والقبول بالتلقي باليمين لتثبيت المعاني المعقولة في الأذهان وتحقيقها في النفوس تحقيق المحسوسات: أي لا تشكك في القبول كما لا يتشكك من عاين التلقي الشيء باليمين، لا أن التناول كالتناول المعهود ولا أن المتناول به جارحة. وقال الترمذي في «جامعه»: قال أهل العلم من أهل السنة والجماعة: نؤمن بهذه الأحاديث ولا نتوهم فيها تشبيهًا، ولا نقول كيف، هكذا روى عن مالك وابن عيينة وابن المبارك وغيرهم. وأنكرت الجهمية هذه الروايات اهـ (متفق عليه) روياه في الزكاة من «صحيحهما» واللفظ للبخاري (الفلو) فيه لغتان أقصحهما وأشهرهما (بفتح الفاء وشم اللام وتشديد الواو) وثانيهما أشار إليه بقوله: (ويقال أيضًا بكسر الفاء وإسكان اللام وتخفيف الواو وهو المهر) قال أبو زيد: إذا فتحت الفاء شددت الواو وإذا كسرتها سكنت اللام كجرىء، وقال في «شرح مسلم»: سمي به لأنه فلى على أمه: أي فصل وعزل، وقال الحافظ: وقيل: هو كل فطيم من ذات حافر وضرب به المثل لأنه يزيد زيادة بينة. ولأن الصدقة نتاج العمل وأحوج ما يكون النتاج إلى التربية إذا كان فطيمًا، وإذا أحسن العناية به انتهى إلى حد الكمال، وكذا عمل ابن آدم ولا سيما الصدقة، فإن العبد إذا تصدق من كسب طيب لا يزال نظر الله يكسبها الكمال حتى تنتهي بالتضعيف إلى نصاب تقع المناسبة بينه وبين ما قدم نسبة ما بين التمرة إلى الجمل.
١٩ - (وعنه ﵁ عن النبي قال: بينما) ما مزيدة لكفّ بين عن الإضافة فالجملة بعده مستأنفة (رجل بفلاة) هي الأرض التي لا ماء فيها وجمعها فلا مثل حصاة
[ ٤ / ٥٤٦ ]
وحصى وجمع الجمع أفلاء كسبب وأسباب كذا في «المصباح»، ويؤخذ منه أن قوله: (من الأرض) تصريح بما فهم مما قبله (فسمع صوتًا) لعله صوت الملك الموكل بالسحاب وهو الرعد (في سحابة) واحدة السحاب سمي به لانسحابه في الهواء وجمع السحاب سحب بضمتين (اسق حديقة فلان) لم أقف على من سماه. والحديقة البستان يكون عليه حائط فعيلة بمعنى مفعولة لأن الحائط أحدق بها: أي أحاط ثم توسعوا حتى أطلقوا الحديقة على البستان وإن كان بغير حائط والجمع حوائط (فتنحي ذلك السحاب) أتى بما يشار به للبعيد مع أن المشار إليه قريب إما تعظيمًا له فيكون كقوله تعالى: ﴿ذلك الكتاب﴾ وإما لأنه لما كان اللفظ عرضًا لا يوجد التالي به إلا بعد انعدام ما قبله صار ما قبل كالبعيد فيشار إليه بما يشار به إليه، وهذا محتمل لكون السحاب أوتي فهمًا فامتثل ما أمر، ولأن يكون باقيًا على جماديته، وقوله: اسق أمر تكويني، وقوله: فتنحي بيان لترتب أثر الأمر الإلهي عليه حالًا من غير توان ولا تراخ، قال تعالى: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ (النحل: ٤٠) وعلى الثاني فيكون في قوله: (فأفرغ) أي صب (ماءه) أي الذي فيه والإضافة لأدنى ملابسة (في حرة) إسناده مجازي إن كان الفعل للمعلوم وفاعله ضمير يعود إلى السحاب كما هو كذلك في أصل مصحح وإن كانت الرواية ببنائه للمجهول فلا (فإذا شرجه من تلك الشراج) أي مسيل من تلك المسايل (قد استوعبت ذلك الماء كله فتتبع) أي الرجل السامع الصوت (الماء، فإذا رجل قائم في حديقته) الظرف خبر بعد خبر، ويصح كونه حالًا من ضمير الخبر فيكون مستقرًا، ويجوز أن يكون لغوًا متعلقًا بقائم (يحول الماء بمسحاته فقال له: يا عبد ا) ناداه بالوصف القائم حقيقة بكل إنسان ﴿إن كل من في السموات
والأرض إلا آتى الرحمن عبدًا﴾ (مريم: ٩٣) (ما اسمك) أي العلم عليك ويحتمل أن يراد مطلق ما يعرف به من علم أو صفة أو غيره (قال فلان) خبر لمحذوف دل عليه ذكره في السؤال وفلان كما تقدم كناية عن المبهم من الإنسان (للاسم) في محل الحال من فلان: أي موافقًا للاسم (الذي سمع) العائد محذوف: أي سمعه (في السحابة فقال) أي بعد بيانه اسمه (له يا عبد الله ولم تسألني) الواو عاطفة على مقدر: أي أجبتك عن مسألتك وأسألك (عن) سبب سؤالك عن
[ ٤ / ٥٤٧ ]
(اسمي) واللام جارة لما الاستفهامية حذفت ألفها كقوله تعالى:
﴿عم يتساءلون﴾ (النبأ: ١) وقوله: ﴿بم يرجع المرسلون﴾ (النمل: ٣٥) (فقال: إني سمعت صوتًا في السحاب) أل فيه للعهد الذهني بقرينة قوله: (الذي هذا ماؤه) ويحتمل كونها للجنس (يقول) جملة في محل الحال من الصوت على حذف مضاف: أي ذا صوت قائلًا (اسق) بوصل الهمزة في الأصح ويجوز قطعها، يقال: ما أنتج له من العناية الإلهية حسن هذه الثمرة بالتخصيص (فقال: أما) بفتح الهمزة وتشديد الميم حرف للتأكيد متضمن معنى الشرط (إذا قلت هذا) أي أخبرت بما سمعت مما دعاك للسؤال (فإني) أبين لك عمل الذي نتج عنه بفضل الله سبحانه ذلك وهو أني (أنظر إلى ما يخرج منها) أي من الأرض من حب أو ثمر (فأتصدق بثلثه) بضم أوليه في الأفصح، ويجوز تسكين ثانيه تخفيفًا زيادة في التقرب إلى الله ﷾، وإلا فالواجب في شريعتنا في النصاب من ذلك العشر تارة ونصفه أخرى (وآكل أنا وعيالي) أي أعولهم من أهل وولد وزوجة وخادم وغير ذلك (ثلثًا وأرد فيها ثلثه) أي ثلث الخارج (رواه مسلم) في «صحيحه» في أبواب الزهد (الحرة) بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء وبالتاء (الأرض الملبسة حجارة سودا) أي التي علاها ذلك وغلب عليها فكأنها لبست، وقال في «المصباح»: والجمع حرار كلكبة وكلاب (والشرجة بفتح الشين المعجمة وإسكان الراء وبالجيم) وسكت المصنف عن التاء آخره، قال في «المصباح»: وبعضهم يحذف فيقول: شرج هي (مسيل الماء) وجمعها شراج ككلبة وكلاب.