أي ما جاء في ذلك، والشاكر: هو القائم بما أمر الله تعالى به في المال فعلًا وتركًا كما قال المصنف: (وهو من أخذ المال من وجهه) أي طريقه المأذون بأخذه منه شرعًا كالمعاوضة المستجمعة لشروط الصحة السالمة من غش وخديعة، وكالإرث والوصية والاكتسابات المأذون فيها من احتطاب ونحوه (وصرفه) الأولى وإنفاقه لقوله: (في وجوهه) أي طرقه (المأمور بها) شرعًا واجبًا عينيًا كأداء الزكوات والكفارات والنذور، أو كفائيًا كالقيام بحاجة المحتاج من طعام وكسوة، أو مندوبًا كالتطوعات.
(قال الله تعالى): (﴿فأما من أعطى﴾) أي أنفق ماله لوجه الله (﴿واتقى﴾) محارمه (﴿وصدق بالحسنى﴾) المجازاة وأيقن أن الله سيخلفه عليه، أو بالكلمة الحسنى وهي كلمة التوحيد (﴿فسنيسره﴾) نهيئه في الدنيا (﴿لليسرى﴾) للخلة التي توصله إلى اليسرى والزلفى في الدار الآخرة يعني الأعمال الصالحة والآية بعدها
[ ٤ / ٥٦١ ]
في ضدّ ذلك تقدمت مع الكلام على ما يتعلق بها في باب النهي عن البخل.
(وقال تعالى): (﴿وسيجنبها﴾) أي النار (﴿الأتقى﴾) أي الذي اتقى الشرك والمعصية فلا يدخلها أصلًا، وأما من اتقى الشرك فقط فيمكن أن يدخلها لكن لا يصلاها ولا يلزمها (﴿الذي يؤتي ماله﴾) يعطيه وينفقه في طاعة الله (﴿يتزكى﴾) أي يطلب تزكية نفسه وماله فصله الذي بدل أو حال فلا محل له على الأول (﴿وما لأحد عنده من نعمة تجزى﴾) فيقصد إتيانه مجازاتها (﴿إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى﴾) أي لكن يؤتى طلبًا لمرضاة الله سبحانه، والجمهور على نصب ابتغاء وأنه على الاستثناء المنقطع، وإلا بمعنى لكن كما تقرر فهو في الحقيقة مفعول له، قاله الهمذاني، وانظر ابن عطية في كون الاستثناء منقطعًا وجعل الكواشي الاسثناء المنقطع والمفعولية له وجهين متقابلين محمول على المعنى، والتقدير: لم يعط الشيء إلا ابتغاء وجهه سبحانه، والابتغاء: الطلب أي إلا لطلب التوجه إلى ربه الأعلى (ولسوف يرضى) من ربه حين يدخله في رحمته، وعن كثير من السلف أن هذه السورة في الصديق وهو الأتقى فيكون الحصر ادعائيًا لا حقيقيًا، كأن غير هذا الأتقى غير مجتنب بالكلية كذا في «تفسير» السيد معين الدين الصفوي، وفي «تفسير ابن عطية» لم يختلف أهل التأويل أن المراد بالأتقى إلى آخر السورة أبو بكر ثم هي تتناول كل من دخل في هذه الصفات. وقال ابن كثير في «تفسيره»: قد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآي نزلت في أبي بكر ﵁ حتى أن بعضهم حكى الإجماع عن المفسرين على ذلك، ولا شك أنه داخل فيها وأولى الناس بعمومها، وأن لفظها لفظ العموم وهو قوله: ﴿وسيجنبها الأتقى﴾ الخ. ولكنه مقدم الأمة وسابقهم في جميع هذه الأوصاف الحميدة، فإنه كان صديقًا تقيًا كريمًا جوادًا بذالًا لأمواله في طاعة مولاه ونصر رسوله، وفي «تفسير الكواشي»: والمراد بالأتقى أبو بكر الصديق قالوا بإجماع المفسرين، وما ذكره ابن عطية وابن كثير من أن الآية تشمل من دخل في تلك الصفات تعقبه الحافظ السيوطي في
«الإتقان» فقال بعد أن مهد قاعدة: «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب»:
«تنبيه»: قد علمت أن فرض المسألة في لفظ له عموم أما آية نزلت في معين ولا عموم للفظها فإنها تقصر عليه قطعًا كقوله تعالى: ﴿وسيجنبها الأتقى﴾ الخ فإنها نزلت في الصديق إجماعًا وقد استدل بها الفخر الرازي مع قوله: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ على أنه
[ ٤ / ٥٦٢ ]
أفضل الناس بعد رسول الله، ووهم من ظن أن الآية عامة في كل عمله إجراء له على القاعدة، وهذا غلط، فإن هذه الآية ليس فيها صيغة عموم، إذ أل إنما تفيد العموم إذا كانت موصولة أو معرّفة في جمع، زاد قوم أو مفرد بشرط أن لا يكون هناك عهد، واللام في الأتقى ليست موصولة، لأنها لا توصل بأفعل التفضيل إجماعًا، والأتقى ليس جمعًا، بل مفرد، والعهد موجود خصوصًا مع ما يفيد صيغة أفعل من التمييز وقطع المشاركة، فبطل القول بالعموم وتعين القطع بالخصوص والقصر على من نزلت فيه ﵁» اهـ.
(وقال تعالى): (﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي﴾) أي إن أظهرتموها فنعم شيئًا إبداؤها (﴿وإن تخفوها وتؤثرها الفقراء﴾) أي تعطوها مع إخفاء (﴿فهو﴾) أي إخفاؤها (﴿خير لكم﴾) والآية عامة في كل صدقة، لكن عن ابن عباس: السرّ في التطوع أفضل من العلانية يقال: بسبعين ضعفًا، وصدقة الفريضة علانيتها أفضل بخمسة وعشرين ضعفاف (﴿ويكفر عنكم﴾) أي الله أو الإخفاء ففيه إسناد مجازي، ومن قرأ مجزومًا فهو عطف على محل جواب الشرط (﴿من سيئاتكم﴾) من للتبعيض أو لبيان الجنس أي شيئًا هو السيئات (﴿وا بما تعملون خبير﴾) ترغيب في الإخفاء.
(وقال تعالى): (﴿لن تنالوا البرّ﴾) الجنة: أو التقوى، أو كمال الخير (﴿حتى تنفقوا مما تحبون﴾) أي بعضه، والمراد منه أداء الزكاة أو صدقة السنة، ويدل على الثاني أن كثيرًا من الصحابة تصدقوا بأراضيهم وأعتقوا جواريهم حين أنزلت، والمعنى: لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا وأنتم أصحاء أشحاء (﴿وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم﴾) فيجازي بحسبه (والآيات) الكائنة أو كائنة (في فضل الإنفاق في الطاعات) هي ما تقرب بها إلى المولى (كثيرة معلومة) وفيما ذكر كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد.
١ - (وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله: لا حسد) أي
[ ٤ / ٥٦٣ ]
لاغبطة محمودة (إلا في اثنتين) من الخصال أو في ذي اثنتين منها فعلى الأول يقدر مضاف نحو خصلة قبل قوله رجل وهو في الأصول مرفوع خبر محذوف: أي هما خصلتان رجل ورجل، فحذف المضاف وأقيم رجل مقامه فارتفع (رجل آتاه) أي أعطاه (امالًا) أي بطريق لا تبعة فيه كما يومىء إليه إسناد الإعطاء إلى الله سبحانه، وإلا فالتصدق بالسحت لا غبطة فيه (فسلطه على هلكته) أي إتلاف عينه بإبقائه عند الله بإنفاقه لوجهه ومرضاته (في الحق) متعلق بالمصدر قبله (ورجل آتاه الله حكمة) أي علمًا ويجوز أن يراد بها القرآن لورود كل منهما في رواية، ويجوز أن يراد بها السنة والأول أقرب (فهو يقضي بها) أي عند التحاكم إليه (ويعلمها) ففيه أن شكر المال إنفاقه في وجوه الطاعات ابتغاء مرضاة الله تعالى، وأن شكر العلم العمل به وتعليمه (متفق عليه) (وتقدم شرحه) أي تبيان المراد من قوله لا حسد (قريبًا) نصبه على أنه صفة مصدر: أي تقدمًا قريبًا، أو على الظرفية: أي في مكان قريب من الكتاب وهو باب فضل الكرم والجود.
٢ - (وعن ابن عمر ﵄ عن النبي قال: لا حسد) أي لا ينبغي أن يحسد أي يغبط (إلا في اثنتين) ثوابهما بحسن التصرف من فاعلهما (رجل آتاه الله القرآن) قدم هنا على المال من باب التدلي من الشريف إلى المشروف، وعكس في الحديث قبله من باب الترقي، أو لأن ذلك سبق للحضّ على الاشتغال بالقرآن فقدم في كل ما سبق له الحديث وذكر الآخر بالتبع، أو أن ذلك على وجه التفنن في التعبير، وعبر هنا بالقرآن الذي هو منبع العلوم ومعدنها وأصلها ومكمنها، قال تعالى: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ (الأنعام: ٣٨) وقال تعالى: ﴿والكتاب المبين﴾ (الدخان: ٢) أي لكل شيء محتاج إليه كما يؤذن به حذف
[ ٤ / ٥٦٤ ]
المعمول، لأنه الأصل، وثم بالحكمة المراد بها العلم الشرعي على قوم لعموم حاجة الناس في معاشهم ومعادهم إليه (فهو يقوم به) أي في صلاته (آناء الليل وآناء النهار) منصوب على الظرفية وأعاد المضاف دفعًا لتوهم أن المراد آناء مجموعهما لا كل على الانفراد، ويحتمل أن يراد من القيام المداومة على تلاوته لا يخصوص كونه في صلاة (ورجل آتاه الله مالًا) التنكير فيه للتعظيم كما يدل عليه قوله: (فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار) ويحتمل أن يكون للشيوع فيشمل الجليل منه والحقير، قال تعالى: ﴿لينفق ذو سعة من سعته ومن قد عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها﴾ (الطلاق: ٧) (متفق عليه) تقدم ذكر من خرّجه من حديث ابن عمر في باب فضل الكرم المذكور (الآناء) بالفتح ومد الهمزة قبل النون (الساعات) جمع واحده أني بالكسر والقصر وأناء بالمد والفتح، وإني بوزن قنو، وأنو بوزن دلو، ذكرها الواحدي في «تفسيره» .
٣ - (وعن أبي هريرة ﵁ أن) بالفتح ويجوز كسر الهمزة بتقدير قول قبلها (فقراء المهاجرين) من إضافة الصفة لموصوفها: أي المهاجرين الفقراء (قالوا): على وجه الغبطة والتأسف على عدم تمكنهم من ذلك (يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالدرجات) الباء فيه للتعدية وفيها معنى المصاحبة (العلا) أي الرفيعة، قال ابن عطية في «التفسير»: الدرجات العلا هي القرب من الله تعالى: (والنعيم المقيم) وهو نعيم الجنة الذي لا ينقضي أبدًا (فقال: وما ذاك) استفهام عن الذي لأجله قيل فيهم إنهم فازوا بذلك دنيا وعقبى ولم يتركوا منه للفقراء شيئًا كما يومىء إليه السياق، وأتى باسم الإشارة الموضوع للبعيد فيه مع قربه لفخامة شأنه كقوله تعالى: ﴿تلك آيات الكتاب المبين﴾ (الشعراء: ٢) بناء على أن المشار إليه هو الحروف المقطّعة أوّل السور (فقالوا: يصلون كما نصلي) ما كافة مهيئة للدخول على
[ ٤ / ٥٦٥ ]
الجملة الفعلية، وتفيد تشبيه مضمون الجملة بالجملة أو مصدرية أي مثل صلاتنا، أو موصولة: أي مثل الذي نصليه (ويصومون كما نصوم) أي هم في العبادات البدنية مماثلون لنا مساوون فيها وزائدون علينا بالعبادات المالية المدلول عليها بقولهم (ويتصدقون ولا نتصدق) كذا في النسخ بإظهار الفوقية وتخفيف المهملة الأولى فيهما (ويعتقون) بفتح التحتية وكسر الفوقية فيهما (ولا نعتق) أي فهم يرجحون علينا بذلك، إذ لا مال لنا نصل به إلى مثل ذلك (فقال رسول الله: أفلا أعلمكم) أي أترككم تعابًا من ذلك فلا أعلمكم (شيئًا) أي عظيمًا بقرينة وصفه بقوله: (تدركون به من سبقكم) أي إلى المنازل العلى أو من سبقكم من مؤمني الأمم (وتسبقون) بكسر الموحدة (به من بعدكم) أي في الرتبة: أي دونكم أو في الزمن (ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم) الاستثناء فيه منقطع: أي ولكن من صنع مثل ما صنعتم فلا تسبقونه ولا يفضل عليه أحد كما لا يفضل عليكم (قالوا: بلى يا رسول الله) أي تعليم ذلك مرادنا
لنلحق به من سبق ونجوز به على من بعد فضل السبق، وفي قولهم: يا رسول الله تحريض على الإعلام: أي إن الله رحم بك العباد وتعليم ذلك منها فجد به (قال: تسبحون وتكبرون) بتضعيف الفعلين اعتبارًا بتكرير الفعل (وتحمدون) بفتح الفوقية والميم (دبر) أي خلف (كل صلاة) أي من المكتوبات كما جاء كذلك في رواية، ودبر ظرف تنازعه الأفعال قبله وكذا تنازعت (ثلاثًا وثلاثين) وهو منصوب على المفعولية المطلقة للعامل فيه منها (فرجع) العطف على محذوف دلّ عليه السياق: أي فذهب فقراء المهاجرين بما علمهم رسول الله - ﷺ - فعملوا فعلمه الأغنياء فعملوا به وشاركوها فيه كغيره من العبادات البدنية فرجع (فقراء المهاجرين إلى رسول الله) إذا فاتهم ما استأثروا به عن الأغنياء ليلحقوهم في فضل عملهم المالي بمشاركتهم فيه (فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال) هذا تفسير منهم للدثور المذكور عنهم أول الحديث (بما فعلنا) أي مما ذكرت وما فيه من عظيم الفضل (ففعلوا مثله) فساورنا فيه وازدادوا عليه بالعمل المالي فرجع الأمر بالآخرة إلى ما اشتكوا منه أولًا (فقال رسول الله: ذلك فضل ا) أي
[ ٤ / ٥٦٦ ]
ثوابه (يؤتيه) أي يعطيه (من يشاء) من فقير وغنيّ، والمشار إليه يحتمل أن يكون السبق إلى المنازل العلى المذكور أوّل الخبر: أي أنالهم الله ذلك وقصره عليهم، فلا سبيل لمشاركتهم فيه من غيرهم، ويحتمل أن يكون الثواب المرتب على هذا المذكور أنه فضل الله إن شاء خص به الفقراء فلا يلزم من إتيان الأغنياء به مساواة الفقراء فيه: أي فلا عليكم من مشاركتهم في ذلك صورة، والأول قال به من مال إلى تفضيل الغنيّ الشاكر، والثاني قال به ما قال بتفضيل الفقير الصابر (متفق عليه) رواه البخاري في الدعوات ومسلم (وهذا لفظ رواية مسلم) في كتاب الصلاة وليس في رواية البخاري وصف الدرجات بالعلا، وفيها أن كلًا من التكبير والتسبيح والتحميد عشرًا عشرًا وليس عنده من قوله فرجع فقراء المهاجرين
إلى الآخر، وسبق في باب بيان طرق الخيرات أن حديث أبي ذرّ عند مسلم بنحو حديث الباب، وأن كلًا من التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صدقة وفيه زيادة على ما في حديث الباب ونقص عنه (الدثور) بضم المهملة والمثلثة (الأموال الكثيرة) كما في «النهاية»، وبه يعلم ما في اقتصار الكازروني شارح «الأربعين» على قوله الدثر: المال ولم يقيده بالكثير، وفي باب بيان طرق الخيرات الدثور واحدها دثر، فأفاد ثمة بيان مفرده وهنا بيان معناه. وفي «النهاية»: الدثور جمع دثر: أي كفلس يقع على الواحد والاثنين والجمع اهـ.
[ ٤ / ٥٦٧ ]