الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شرّه» (قال الله تعالى: ﴿وتعاونوا على البرّ والتقوى﴾) أي ففيه الاجتماع للتعاون على البرّ: أي فعل المأمورات كالجمعة والجماعات وإقامة الشرائع والتعاون على التقوّى عن المنهيات (والآيات في معنى ما ذكرته) أي من طلب الاجتماع لإقامة الشرائع وإبطال المفاسد (كثيرة معلومة) قال الله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ (آل عمران: ١٠٤) وقال تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾ (آل عمران: ١١٠) وقال تعالى: ﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص﴾ (الصف: ٤) .
٧١ - باب التواضع
في «الرسالة القشيرية»: التواضع هو الاستسلام للحق وترك الاعتراض في الحكم، قال الشيخ زكريا: وهو أعم من الخشوع لأنه يستعمل فيما بين العباد وفيما بينهم وبين الرب سبحانه، والخشوع لا يستعمل إلا في الثاني، فلا يقال خشع العبد لمثله ويقال تواضع له اهـ. وفي «فتح الباري»: من الضعة بكسر أوله وهي الذلّ والهوان، والمراد بالتواضع إظهار الذل لمن يراد تعظيمه، وقيل هو تعظيم من فوقه لفضله. وسئل الفضيل عن التواضع فقال: يخضع للحق وينقاد له ويقبله ممن قاله، وكذا قال ابن عطاء: التواضع قبول الحق من كل من قاله. وقيل لأبي يزيد البسطامي متى يكون الرجل متواضعًا؟ قال: إذا لم ير لنفسه مقامًا ولا حالًا، ولا يرى أن في الخلق من هو شرّ منه اهـ. وسيأتي فيه مزيد في الكلام على الأحاديث والمراد (وخفض الجناح) قال أبو حيان في النهر: هو كناية عن التعطف والرفق،
[ ٥ / ٥٠ ]
وأصله أن الطائر إذا ضم الفرخ إليه بسط جناحه ثم قبضه على فرخه، والجناحان من ابن آدم جانباه.
(وقال الله تعالى): (﴿واخفض جناحك للمؤمنين﴾) قال ابن عطية: وهذه استعارة بمعنى لين لهم جانبك ووطىء لهم أكنافك والجناح الجانب والجنب ومنه واضمم يدك إلى جناحك فهو أمر بالميل إليهم، والجنوح الميل اهـ. ولا مخالفة بين كونه كناية واستعارة: أي تمثيلية لاختلاف الاعتبار، قال في «النهر»: وقد كان كثير الشفقة على من بعث إليه، وقد تقدمت الآية مع الكلام عليها في باب ضعفة المسلمين.
(وقال تعالى): (﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه﴾) وقد ارتد قبائل في عهده، وفي خلافة أبي بكر وعمر (﴿فسوف يأتي الله بقوم﴾) بدلهم ومكانهم، وحرف التنفيس لتحقيق الوعد (يحبهم) يهديهم ويثبتهم (ويحبونه) أي يطيعونه وهم أبو بكر وأصحابه أو أهل اليمن أو الأشعريون، قال في النهر في «مستدرك الحاكم» عن أبي موسى الأشعري: لما نزلت أشار إلى أبي موسى وقال: هم هذا. وهذا أصح الأقوال وكان لهم بلاء في الإسلام زمن رسول الله، وعامة فتوح عمر على أيديهم (﴿أذلة على المؤمنين﴾) أي متذللين لهم عاطفين عليهم خافضين عليهم أجنحتهم. وأذلة جمع ذليل لا ذلول الذي هو نقيض الصعب لأنه لا يجمع على أفعلة، بل على ذلل وتعديته بعلى لما أشرنا إليه من تضمينه معنى الحنوّ والعطف (﴿أعزّة على الكافرين﴾) شداد متغلبين عليهم. قال في «النهر»: جاءت هذه الصفة بالاسم الذي فيه المبالغة لأن أذلة وأعزة جمع ذليل وعزيز، وهما من صيغ المبالغة، وجاءت الصفة قبلهما بالفعل في قوله، يحبهم ويحبونه لأنه الاسم يدل على الثبوت، فلما كانت صيغة مبالغة وكانت لا تتجدد، بل هي كالغريزة جاء الوصف بالاسم. ولما كانت الصفة قبل تتجدد لأنها عبارة عن فعل الطاعات والإنابة المرتبة عليها جاء الوصف بالفعل المقتضي للتجدد، ولما كان الوصف الذي يتعلق بالمؤمن آكد ولموصوفه ألزم قدم على الوصف المتعلق بالكافر ولشرف المؤمن أيضًا، ولما كان الوصف الذي بين المؤمن وربه آكد مما بينه وبين المؤمن قدم قوله
يحبهم ويحبونه على قوله أذلة على المؤمنين وفي الآية إبطال قول من ذهب إلى أن الوصف إذا كان بالاسم والفعل لا يتقدم الفعل إلا في ضرورة الشعر، وقرىء شاذًا بنصب أذلة وأعزّة على الحالية من
[ ٥ / ٥١ ]
النكرة لقربها بالوصف من المعرفة.
(وقال تعالى): (﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى﴾) آدم وحواء فأنتم متساوون في النسب فلا فخر لأحد على أحد بالنسب (﴿وجعلناكم شعوبًا﴾) الشعب بالفتح رأس القبائل والطبقة الأولى والقبائل تشعبت منه (﴿وقبائل﴾) هي دون الشعب كتميم من مضر، وقيل الشعوب في العجم والقبائل في العرب (﴿لتعارفوا﴾) أي ليعرف بعضكم بعضًا لا للتفاخر، وفي الحديث «لتعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم منسأة في الأجل» (﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾) بيان للخصلة التي بها التفاضل.
(وقال تعالى): (﴿فلا تزكوا أنفسكم﴾) أي لا تمدحوها ولا تنسبوها إلى الطهارة ولا تفخروا بأعمالها. قال ابن عطية: ظاهره النهي عن أن يزكي نفسه. ويحتمل أن يكون نهيًا عن تزكية بعض بعضًا، وحينئذ فالمنهي عنه منه ما كان للدنيا أو القطع بالتزكية، وأما تزكية الإمام أو القدوة أحدًا ليؤتمّ به أو ليتمم به الخير فجائزة، فقد زكى بعض أصحابه أبا بكر وغيره (﴿هو أعلم بمن اتقى﴾) فربما ينسبون أحدًا إلى التقوى، والله يعلم أنه ليس كذلك، ولذا ورد في الحديث الصحيح «إذا كان أحدكم مادحا صاحبه لا محالة فليقل أحسب فلانًا والله حسيبه ولا أزكى على الله أحدًا، أحسبه كذا وكذا أن يعلم ذلك» وأفعل التفضيل قيل هو بمعنى عالم، وقال الجمهور: بل هو على بابه: أي هو أعلم بالموجودين جملة (وقال تعالى): (﴿ونادى أصحاب الأعراف﴾) وهو السور المضروب بينهما (﴿رجالًا يعرفونهم بسيماهم﴾) من رؤساء الكفار يقولون يا أبا جهل يا فلان يا فلان (﴿قالوا﴾) أي لهم (﴿ما أغنى عنكم﴾) أي لم ينفعكم، ويجوز أن تكون ما استفهامية: أي أيّ شىء نفعكم، بل قال ابن عطية إنه أصوب (﴿جمعكم﴾) أي كثرتكم التي كانت في الدنيا وجمعكم المال (﴿وما كنتم تستكبرون﴾) أي
[ ٥ / ٥٢ ]
واستكباركم عن الحق وعدم انقيادكم له، ويقول أهل الأعراف لأولئك الكفار (﴿أهؤلاء﴾) المشار إليهم ضعفاء أهل الجنة الذين كان الكفار يحقرونهم في الدنيا ويسخرون بهم ويقسمون إنهم لا يدخلون الجنة كما قال (﴿الذين أقسمتم﴾) من القسم: الحلف (﴿لا ينالهم الله برحمة﴾) المراد منها هنا إدخال الجنة مجازًا مرسلًا، وقدمنا عن البدر الدمامينى أنه يتعين في بعض المواضع تأويل الرحمة بالإحسان ولا يجوز تأويلها فيه إرادة ذلك لأن المقام يأباه كما يتعين عكسه في بعض آخر (﴿ادخلوا الجنة لا خوف عليكم﴾) من مكروه يتوقع فأنتم مؤمنون (﴿ولا أنتم تحزنون﴾) على فوات محبوب لكم، وبناء الحكم على الضمير للتأكيد لما فيه من تكرار الإسناد، والمخاطب
بقوله: ادخلوا يحتمل أنه ضعفاء المؤمنين: أي قيل لهم ذلك، أهل الأعراف أي يقال لهم ذلك، أو لما عير أهل الأعراف أهل النار وقال أهل النار: إن دخل هؤلاء الجنة فوالله أنتم لا تدخلونها تعبيرًا لهم، فقالت الملائكة: أهؤلاء؟ يعني أهل الأعراف الذين أقسمتم يا أهل النار إنهم لا ينالهم الله برحمة، ثم قالت الملائكة لهم: أدخلوا الجنة.
١٦٠٢ - (وعن عياض) بكسر العين المهملة وتخفيف التحتية والضاد (ابن حمار) بكسر المهملة وتخفيف الميم على لفظ الحمار: الدابة المعروفة ابن أبي حمار بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد بن مناة بن تميم التميمي المجاشعي (﵁) وقيل في نسبه غير هذا، نزل عياض البصرة وهو معدود من أهلها، روي له عن رسول الله - ﷺ - ثلاثون حديثًا، روى منها مسلم حديثين كذا في «التهذيب» للمصنف (قال: قال رسول الله: إن الله أوحى إليّ) قال ابن رسلان: لعله وحي إلهام أو برسالة (أن تواضعوا) أن فيه مفسرة فالموحى هو الأمر بالتواضع، قال الحسن: التواضع أن تخرج من بيتك فلا تلقى مسلمًا إلا رأيت له عليك فضلًا. وقال أبو زيد: ما دام العبد يظن أن في الخلق من هو شرّ منه فهو متكبر، وقيل التواضع الإنكسار والتذلل، ونقيضه التكبر والترفع، وقيل غير ذلك مما تقدم بعضه في الكلام على الترجمة. وقال القرطبى: التواضع الإنكسار والتذلل وهو يقتضي متواضعًا له:
[ ٥ / ٥٣ ]
هو الله تعالى، ومن أمر الله بالتواضع له كالرسول والإمام والحاكم والعالم والوالد، فهذا التواضع الواجب المحمود الذي يرفع الله به صاحبه في الدارين، وأما التواضع لسائر الخلق فالأصل فيه أنه محمود ومندوب إليه ومرغب فيه إذا قصد به وجه الله تعالى، ومن كان كذلك رفع الله قدره في القلوب وطيب ذكره في الأفواه ورفع درجته في الآخرة. وأما التواضع لأهل الدنيا ولأهل الظلم فذاك الذل الذي لا
عزّ معه، والخيبة التي لا رفعة معها، بل يترتب عليه ذل الآخرة وكل صفقة خاسرة، وقد ورد «من تواضع لغني لغناه ذهب ثلثا دينه» (حتى) غاية للتذلل وكسر النفس وعدم النظر إليها: أي افعلوا ذلك إلى أن (لا يفخر) بفتح الخاء المعجمة ومصدره الفخر والاسم منه الفخار كسلام، قال في «المصباح»: هو المباهاة بالمكارم والمناقب من حسب ونسب وغير ذلك سواء كان فيه أو في آبائه، أي لا يباهي (أحد) مستعليًا بفخره (على أحد) ليس كذلك فالخلق من أصل واحد والنظر إلى العرض الحاضر الزائل ليس من شأن العاقل (ولا يبغي) بالنصب عطف على يفخر: أي وحتى لا يظلم ولا يتعدى (أحد على أحد) وذلك أن من انكسر وتذلل امتثالًا لأمر الله ﷿ حال ذلك بينه وبين الفساد والوقوع في الظلم والاعتداد والعناد (رواه مسلم) ورواه أبو داود وابن ماجه من حديث عياض أيضًا.
٢٦٠٣ - (وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله قال: ما نقصت صدقة من مال) قيل هو عائد إلى الدنيا بالبركة فيه ودفع المفسدات عنه: أي ما ينقص منه بالصدقة يتدارك بما يحصل فيه من النماء ببركتها. وقيل إلى الآخرة بالثواب والتضعيف (وما زاد الله عبدًا يعفو) عمن جنى عليه في نفس أو عرض أو مال أو نحو ذلك (إلا عزًّا) قيل في الدنيا، وقيل في الآخرة (وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله) فيه القولان فيما قبله، قال المصنف: ويجوز إرادة الوجهين معًا في الأمور الثلاثة (رواه مسلم) والحديث سبق مع
[ ٥ / ٥٤ ]
الكلام عليه وعلى من خرّجه في باب الكرم والجود.
٣٦٠٤ - (وعن أنس ﵁ إنه) بدل من أنس على تقدير مضاف: أي وعن قصة أنس أنه (مرّ على صبيان) بكسر المهملة، وضمها وسكون الموحدة بعدها تحتية جمع كثرة ويجمع في القلة على صبية بكسر المهملة أي على جماعة مميزين منهم (فسلم عليهم وقال: كان النبيّ يفعله) أي تواضعًا وكسرًا للنفس، فإن من طبعها الترفع عن خطابهم فضلًا عن مؤانستهم بالسلام. قال ابن بطال: وفيه تدريبهم على آداب الشريعة وطرح رداء الكبر وتناول التواضع ولين الجانب وظاهر «كان» تكرر ذلك فإنها تفيده كما أشار إليه ابن الحاجب لكن عرفًا كما قيد ابن دقيق العيد: أي في مقام تقبله كما قال بعضهم، لكن نقل المصنف في «شرح مسلم» عن المحققين والأكثر من الأصوليين أنها لا تفيده (متفق عليه) رواه البخاري في كتاب الاستئذان من «صحيحه» كما قال الحافظ في «الفتح» . وأخرج النسائي حديث الباب بلفظ «كان رسول الله - ﷺ - يزور الأنصار فيسلم على صبيانهم ويمسح رؤوسهم ويدعو لهم» وهو مشعر بوقوع ذلك منه غير مرة، بخلاف سياق الباب حيث قال «مرّ على صبيان فسلم عليهم» فإنها تدل على أنها واقعة حال، قلت: قول أنس «كان النبيّ» يشعر بما تشعر به رواية النسائي، وقول ثابت «إنه مر الخ» لا ينافي ذلك لأن أنسًا أشار إلى أن حكمة تسليمه عليهم الاتباع لكونه رآه كان يفعل ذلك، والله أعلم. قال: وأخرجه مسلم والنسائي وأبو داود بلفظ غلمان بدل صبيان. ووقع لابن السني وأبي نعيم في «اليوم والليلة» بلفظ «فقال: السلام عليكم يا صبيان» وعثمان بن مطر الراوي له عن ثابت رواه. ولأبي داود من طريق حميد عن أنس «انتهى إلينا النبي وأنا غلام في الغلمان فسلم علينا» الحديث.
٤٦٠٥ - (وعنه قال: إن) مخففة من الثقيلة: أي إنه (كانت الأمة) بفتح أوليه ولامه واو محذوفة أي الجارية (من إماء) بكسر الهمزة والمد بوزن كتاب: أي جواري أهل (المدينة) علم بالغلبة على دار هجرته (لتأخذ بيد النبيّ) اللام فيه فارقة بين المخففة والنافية
[ ٥ / ٥٥ ]
(فتنطلق به حيث شاءت) ففيه مزيد تواضعه من وجوه: الأول أنها أمة وليست من وجوه الناس. الثاني أنها تأخذ بيده وذلك يدل على مزيد الانقياد. الثالث أنها تذهب به لحاجتها أيّ مكان كانت قريبة أو بعيدة، ففيه منه التحريض على ذلك والحث على سلوكه (رواه البخاري) في الأدب من «صحيحه» .
٥٦٠٦ - (وعن الأسود بن يزيد) بفتح التحتية الأولى وسكون الثانية وكسر الزاي وهو أبو عمرو، ويقال أبو عبد الرحمن الأسود بن يزيد بن قيس بن عبد الله بن مالك بن علقمة ابن سلامان بن كهيل النخعي الكوفي التابعي الجليل. قال أحمد بن حنبل: هو ثقة من أهل الخير، واتفقوا على توثيقه وجلالته، روينا عن ميمون بن حمزة قال: سافر الأسود ثمانين حجة وعمرة لم يجمع بينهما اهـ ملخصًا من «التهذيب» (قال: سألت عائشة ﵂ ما كان النبيّ يصنع) هو أخص من الفعل كما قاله البيضاوي في سورة المائدة (في بيته) أي منزله (قالت: يكون في مهنة أهله) قال في «المصباح»: المهنة أخص من المهن كالضربة والضرب، وقيل المهنة بالكسر لغة، وأنكرها الأصمعي وقال: الكلام في الفتح وهو في مهنة أهله: أي في خدمتهم، وفي «النهاية» الرواية بفتح الميم الخدمة وقد تكسر. وقال الزمخشري: وهو عند الإثبات خطأ، قال الأصمعي: المهنة بفتح الميم الخدمة ولا يقال المهنة بالكسر، وكان القياس لو قيل مثل جلسة وخدمة إلا أنه جاء على فعلة واحدة اهـ. وفي بعض «حواشي الشفاء»: المهنة الخدمة بفتح الميم، وكسرها خطأ، قاله سمرة، وقال غيره: فيه الكسر وأنكر الفتح. وفي «شرح ابن أقبرس»: قيل الفتح أفصح وأنكره البعض، وقيل الكسر أفصح، وأنكره البعض الآخر ووجه لغة الكسر على وزن خدمة اهـ (تعني) أي عائشة بقولها في مهنة أهله (في خدمة أهله) وقد فسرت المهنة بما رواه عياض في الشفاء والحسن وأبو سعيد وغيرهم في صفته قال وبعضهم يزيد على بعض «كان في بيته في مهنة أهله يفلي ثوبه ويحلب شاته ويرقع ثوبه ويخصف نعله ويخدم نفسه ويعلف ناضحه ويقمّ البيت ويعقل البعير ويأكل مع الخادم ويعجن معها ويحمل بضاعته من السوق»
[ ٥ / ٥٦ ]
الله. هـ، وظاهر عبارة المصنف أن تعني الخ قول الأسود، ويحتمل أن تكون قول من دونه، وهذا التفسير لم أجده في أصلين مصححين من البخاري، وبه يظهر أنه من صنيع المؤلف فيكون مخالفًا لعادته في
مثله من تأخيره عن سوق الحديث بجملته، ثم بيان مخرجه ثم غريبه، وكونه يباشر خدمة أهله من مزيد فضله وكمال تواضعه، إذ سيد القوم خادمهم، وظاهر أن المراد من قوله كان كذلك في بيته إذا انفرد بهم ولم يكن ثم ما هو أهم منه وإلا اشتغل بالأهم (فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة) أي مبادرًا لأدائها تحريضًا على فعلها أول وقتها الذي جاء في الصحيح أنه أفضل الأعمال (رواه البخاري) في الصلاة وفي النفقات في الأدب من «صحيحه»، ورواه الترمذي في الزهد من «جامعه» وقال: حسن صحيح.
٦٦٠٧ - (وعن أبي رفاعة) بكسر الراء وخفة الفاء وإهمال العين (تميم) بفتح الفوقية وكسر الميم الأولى بينهما تحتية ساكنة (ابن أسيد) قال الحافظ العسقلاني في «تبصير المنتبه» اختلف فيه هل هو بضم الهمزة مصغرًا أو أسد بفتح أوليه مكبرًا، ابن عبد العزّى بن جعونة بن عمرو بن العين بن رزاح بن عمرو بن سعد بن كعب بن عمرو الخزاعي (﵁) قال في «أسد الغابة»: أسلم وولاه النبيّ تجديد أنصاب الحرم وإعادتها، نزل مكة قاله ابن سعد اهـ. روي له عن رسول الله - ﷺ - ثمانية عشر حديثًا فيما يؤخذ من كلام ابن الجوزي في «المستخرج المليح» . أخرج له مسلم هذا الحديث الواحد ولم يخرّج عنه البخاري شيئًا (قال: انتهيت إلى النبيّ وهو يخطب) أي خطبة الجمعة (فقلت: يا رسول الله رجل غريب جاء يسأل عن دينه) كل من الجملتين الفعليتين محتمل لكونه صفة رجل من الوصف بالجملة بعد المفرد كقوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ (الأنبياء: ٥٠) ومحتمل لكونه حالًا، إما كلاهما من رجل لتخصيصه بالوصف فيكونان مترادفين أو الأول منه كذلك، والثاني من المستكنّ في جاء فيكونان متداخلين، والمراد يسأل عما يلزمه عمله حالًا من الأحكام الدينية (لا يدري ما دينه) أي ما هو، وجملة الاستفهام معلقة للفعل قبلها عنها. قال المصنف: وفي
[ ٥ / ٥٧ ]
قوله رجل غريب إلى قوله ما دينه استحباب تلطف السائل (فأقبل على رسول الله - ﷺ - وترك خطبته حتى انتهى إليّ فأتى) بالبناء للمفعول (بكرسي) بضم الكاف وفتحها والضم أشهر وتشديد الياء (فقعد عليه رسول الله) أي ليسمع باقي الناس الحاضرين كلامه ويروا شخصه الكريم (وجعل) أي شرع (يعلمني مما علمه الله) أي من الدخول في الإسلام والإيمان وما يجب الإيمان به (ثم أتى خطبته فأتم آخرها) قال المصنف: فيه كمال تواضعه ورفقه بالمسلمين وكمال شفقته عليهم وخفض جناحه لهم. وفيه المبادرة إلى جواب المستفتي وتقديم أهم الأمور فأهمها،
ولعله كان يسأل عن الإيمان وقواعده المهمة.t وقد اتفق العلماء على أن من جاء يسأل عن الإيمان وكيفية الدخول في الإسلام وجبت إجابته وتعليمه على الفور، ويحتمل أن هذه الخطبة التي كان النبيّ فيها خطبة أمر غير الجمعة فلذا قطعها بهذا الفصل الطويل، أو كان كلامه لهذا الغريب متعلقًا بالخطبة فيكون منها ولا يضرّ المشي في أثنائها (رواه مسلم) في أبواب الجمعة من «صحيحه»، ورواه النسائي في «سننه» .
٧٦٠٨ - (وعن أنس ﵁ أن رسول الله - ﷺ - كان إذا أكل طعامًا) أي ملوّثًا كالمائعات (لعق) بكسر المهملة وبالقاف (أصابعه الثلاث) الإبهام والمسبحة والوسطى يبدأ بالوسطى لأنها أكثر تلويثًا إذ هي أطول فيبقى فيها من الطعام أكثر من غيرها، ولأنها لطولها أول ما ينزل في الطعام ثم السبابة ثم التي تليها لخبر الطبراني في «الأوسط» «ثم رأيته يلعق أصابعه الثلاث قبل أن يمسحها، الوسطى ثم التي تليها ثم الإبهام» واعترض ذلك بأن نسبة الثلاث للفم سواء غفلة عن الخبر والمعنى المذكورين. وفيه رد على من كره لعق الأصابع استقذارًا. قال الخطابي: عاب قوم أفسد قلوبهم الترفه لعقها وزعموا أنه مستقبح كأنهم لم يعلموا أن الطعام الذي علق بالأصابع جزء ما أكلوه، وإذا لم يستقذر كله فلا يستقذر بعضه، وليس فيه أكثر من مصها بباطن الشفة، ولا يشك عاقل أن لا بأس بذلك، وقد
[ ٥ / ٥٨ ]
يدخل إنسان أصبعه في فيه ويدلكه ولم يستقذر ذلك أحد اهـ. ويؤيده أن الاستقذار إنما يتوهم في اللعق أثناء الأكل لأنه يعيدها في الطعام وعليها آثار ريقه وذلك غير سنة. وظاهر أن الكلام فيمن استقذر ذلك من حيث هو لا مع نسبته للنبي إذ من استقذر شيئًا من أحواله كفر، قاله في أشرف الوسائل (قال) أي أنس (وقال) أي النبيّ (إذ سقطت لقمة) بضم اللام (أحدكم فليمط) بضم التحتية: أي يزل (عنها الأذى) الذي لابسها عند سقوطها (وليأكلها) كسرًا لنفسه في إبائها بحسب الطبع واستنكافها من تناولها بعد ملاقاتها ما سقطت عليه (ولا يدعها) بالجزم عطف طلبي على مثله: أي لا يتركها (للشيطان وأمر) عطف على قال (أن تسلت) بضم الفوقية: أي تلعق (القصعة) بفتح القاف وجمعها قصع بكسر ففتح وهي التي يأكل عليها عشرة أنفس كما في «مهذب الأسماء»، والصحفة هي التي يأكل عليها خمسة أنفس على ما في «الصحاح» و«المهذب»، وقيل هما واحدة، والمراد بالقصعة هنا مطلق الإناء الذي فيه الأدم المائع (قال: فإنكم لا
تدرون) أي لا تعلمون (في أيّ طعامكم البركة) أي هي في المأكول أم في الباقي بالأصابع والقصعة أو في الساقط. قال المصنف في شرح «مسلم»: معنى قوله فإنكم لا تدرون الخ: أن الطعام الذي يحضر الإنسان فيه بركة، فلا يدري أهي فيما أكل أو فيما سقط أو فيما بقي على أصابعه أو فيما بقي بأسفل الصحفة؟ فينبغي أن يحافظ على هذا كله لتحصيل البركة. وأصل البركة: الزيادة وثبوت الخير والانتفاع به، والمراد هنا - والله أعلم - ما يحصل به التغذية وتسلم عاقبته من أذى ويقوّي على طاعة الله وغير ذلك اهـ (رواه مسلم) في الأطعمة من «صحيحه» ورواه أبو داود في الأطعمة من «سننه» والنسائي في الوليمة من «سننه» ومداره عندهم على حماد بن أسامة عن ثابت عن أنس، وقد تقدم الحديث في باب الأمر بالمحافظة على السنة من حديث جابر.
٨٦٠٩ - (وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي قال: ما بعث) أي نبأ أو أرسل (الله نبيا إلا رعى الغنم) ليتدرب برعايتها إلى رعاية أمته الذين يدعوهم إلى ما أوحي إليه من الشرائع (قال أصحابه: وأنت) أي وأنت رعيتها أخذًا بعموم «نبيًا» المذكور من نكارته في سياق النفي أو
[ ٥ / ٥٩ ]
لست كذلك، والمراد من عداك لأن المتكلم لا يدخل في عموم كلامه فيكون عامًا: أي أريد به خاص فيكون مجازًا (قال: نعم) أي أنا منهم في ذلك، وبين ما قد يكتفي بدلالة نعم عليه بقوله (كنت أرعاها) زيادة في الإيضاح وتنبيهًا على التواضع وأن تعاطي الكامل ما فيه كسر النفس وعدم النظر إليها لا يخلّ من كمالها ما لم يكن فيه إخلال بمروءة أو وقوع في منهيّ عنه (على قراريط) اسم مكان بمكة وقيل جزء من الدرهم والديناري (لأهل مكة) متعلق بأرعاها ففيه أن الكسب لا يخل بالكمال، ويحتمل كونه ظرفًا مستقرًا لقرار بناء على أنه اسم مكان بمكة (رواه البخاري) وتقدم مع شرحه وتخريجه في باب استحباب العزلة.
٩٦١٠ - (وعنه عن النبي قال: لو دعيت إلى كراع) بضم الكاف وتخفيف الراء آخره عين مهملة: وهو من الدابة ما بين الركبتين إلى الساق، وقيل هو اسم مكان، ولا يثبت. ويرده حديث أنس عند الترمذي بلفظ «لو أهدي إليّ كراع لقبلت» وللطبراني في حديث أم حكيم الخزاعية «قلت: يا رسول الله، يكره ردّ الظلف؟ قال: ماأقبحه، لو أهدي إليّ كراع لقبلت» الحديث (أو ذراع) قال الحافظ: خص الذراع والكراع بالذكر ليجمع بين الخطير والحقير، لأن الذراع كانت أحبّ إليه من غيرها، والكراع لا قيمة له، وفي المثل: أعط العبد كراعًا يطلب ذراعًا (لأجبت ولو أهدي إليّ ذراع أو كراع لقبلت) قال ابن بطال: أشار إلى الحض على قبول الهدية، وإن قلت لئلا يمتنع الباعث من الهدية لاحتقار الشيء فحض على ذلك لما فيه من التآلف، وفي الحديث إجابة الداعي وإن قلّ المدعو إليه، وفي ذلك كله تحريض على التواضع وحث على تعاطي ما يبعث على التآلف ويغرس الوداد (رواه البخاري) في الهبة وفي النكاح من «صحيحه»، ورواه النسائي في الوليمة من «سننه» .
١٠٦١١ - (وعن أنس ﵁ قال: كانت ناقة رسول الله - ﷺ - العضباء) بفتح المهملة
[ ٥ / ٦٠ ]
وسكون المعجمة بعدها باء موحدة فألف ممدودة. قال المصنف في «شرح مسلم»: قال ابن قتيبة: كانت للنبي نوق: القصوى، والجدعاء والعضباء، قال أبو عبيدة: العضباء اسم لناقة النبي، ولم تسم بذلك لشىء أصابها. قلت: وفي «تحفة القاري» للشيخ زكريا: ناقته لم تكن عضباء ولا قصوى، وإنما كان ذلك نعتًا لها، قاله الجوهري اهـ. وهو موافق لأبي عبيدة، ثم نقل عن القاضي أحاديث فيها ذكر الناقة قال: فهذا كله يدل على أنها ناقة واحدة خلاف ما قاله ابن قتيبة، وأن هذا كان اسمها أو وصفها بهذا الذي بها خلاف ما قاله أبو عبيدة، لكن يأتي أن القصوى غير العضباء. قال الحربيّ: العضب والجدع: الخرم والقصوى والخضرمة في الأذن. قال ابن الأعرابي: القصوى التي قطع طرف أذنها، والجدع أكبر منه. وقال الأصمعي في القصوى مثله، قال: وكل قطع في الأذن جدع، فإن جاوز الربع فهي عضباء، والمخضرمة المستأصلة، والعضباء المقطوعة النصف فما فوقه. وقال الخليل: المخضرمة مقطوعة الأذن، والعضباء مشقوقة الأذن. قال الحربي: والحديث يدل على أن العضباء اسم لها وإن كانت عضباء الأذن فقد جعل اسمها، هذا كلام القاضي. وقال إبراهيم بن محمد التيمي التابعي وغيره: العضباء والقصوى والجدعاء اسم لناقة واحدة كانت لرسول الله - ﷺ - اهـ. وفي «فتح الباري» اختلف هل العضباء هي القصوى أو غيرها؟ فجزم الحربي بالأول وقال: تسمى العضباء والقصوى والجدعاء، وروى ذلك ابن سعد عن الواقدي، وقال بالثاني غير وقال: الجدعاء كانت شهباء، وكان لا يحمله عند نزول الوحي غيرها، وذكر له عدة غير هذه جمعها من اعتنى بجميع سيره (لا تسبق أو) شك من حميد الراوي عن أنس كما صرّح به البخاري في كتاب الجهاد من «صحيحه» فقال حميد أو (لا تكاد) تقارب (تسبق) وهو في باقي الروايات «لا تسبق» بغير شك (فجاء أعرابي)
هو ساكن البادية. قال الحافظ: لم أقف على اسم هذا الأعرابي بعد التتبع الشديد (على قعود له) بفتح القاف: هو ما استحق الركوب من الإبل، قال الجوهري: هو البكر حتى يركب، وأقل ذلك أن يكون ابن سنتين إلى أن يدخل في السادسة فيسمى جملًا. وقال الأزهري: لا يقال إلا للذكر، ولا يقال للأنثى قعود إنما يقال لها قلوص، قال: وقد حكى الكسائي في النوادر قعودة للقلوص وكلام الأكثر على غيره. وقال الخليل: القعود ما يعتقده الراعي يحمل متاعه والهاء فيه للمبالغة (فسبقها فشق ذلك) أي سبقها (على المسلمين حتى عرفه) أي عرف النبيّ شق السبق عليهم. وفي الرقاق من البخاري: فلما رأى ما في وجوههم
[ ٥ / ٦١ ]
وقالوا: أي سبقت العضباء (فقال) النبيّ من حسن خلقه إذهابًا لذلك الغضب من نفوسهم: إن هذا السبق لهذه من جنس ما جرت به الأقضية الإلهية من ضعة المرتفع من الدنيا فيها كائنًا ما كان (حق) أي واجب (على الله) تعالى لقضائه به على ذاته (ألاّ يرتف شيء من الدنيا) من مال أو جاه أو غيرها ذلك من زهرات الدنيا وما ينظر إليه منها (إلا وضعه) ففيه التزهيد في الدنيا وإغماض الطرف عن زهراتها، فإنها تتناهى في مكان من النظر الفائق إذا بها صارت بأدنى حال ما لم تنظر إليها العيون. قال ابن بطال: فيه هوان الدنيا على الله والتنبيه على ترك المباهاة والمفاخرة، وفيه الحث على التواضع وطرح رداء التكبر والإعلام بأن أمور الدنيا ناقصة غير كاملة، وفيه ما كان عليه لحسن خلقه من إذهاب ما يشق على أصحابه عنهم وما كان قصد به من الدنيا التقرّب إلى الله تعالى فليس منها إنما هو فيها فلا يدخل تحت هذا الخبر، بل لا يزال مرفوعًا دنيا وأخرى، وفيه تواضعه إذ سابق أعرابيًا (رواه البخاري) في الجهاد وفي الرقاق من «صحيحه»، ورواه أبو داود في الجهاد من «سننه» .