٩ - أَخْبَرَنَا الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الاِخْتِتَانُ، وَالاِسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الإِبْطِ".
[ ١ / ٣١٦ ]
رجال الإسناد: ستة
١ - "الحارث بن مسكين" (د س) بن محمَّد بن يوسف مولى بني أمية، أبو عمرو (^١) المصري قاضيها، ثقة فقيه، من العاشرة، مات سنة ٢٥٠، وله ٩٦ سنة.
وفي (صه) الأموي أبو عمر قاضي مصر، عن ابن عيينة، وابن القاسم. وعنه أبو داود والنسائي وقال: ثقة مأمون، قال الخطيب: كان فقيها على مذهب مالك، سجنه المأمون؛ لأنه لم يملْ إلى القول بخلق القرآن، فلما تولى المتوكل أطلقه.
٢ - "ابن وهب" (ع) هو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم، أبو محمَّد المصري الفقيه، ثقة حافظ عابد من التاسعة، مات سنة ١٩٧، وله ٧٢ سنة (^٢) وفي (صة) أحد الأئمة. عن يونس بن يزيد، وحيوة بن شريح، وأسامة الليثي، ومالك والثوري، وخلق. وعنه الليث شيخه وابن مهدي، وسعيد بن أبي مريم، وسعيد بن منصور، وخلائق. قال أحمد: ما أصح حديثه!. وقال ابن معين: ثقة، وقال ابن حبان: حفظ على أهل مصر والحجاز حديثهم، وقال أحمد بن صالح: حدث بمائة ألف حديث.
٣ - "يونس" (ع) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأيلي بفتح الهمزة وسكون التحتانية بعدها لام، أبو يزيد مولى آل أبي سفيان، ثقة إلا أن في روايته عن الزهري وهما قليلا، وفي غير الزهري خطأ، من كبار السابعة، مات سنة ١٥٩ على الصحيح، وقيل: سنة ١٦٠. وفي (صة) روى عن عكرمة، والقاسم، ونافع، وطائفة. وعنه الأوزاعي، وعمرو بن
_________________
(١) وفي الخلاصة وتهذيب التهذيب: أبو عمر بضم العين، فليحرر.
(٢) وفي (صة) مات سنة ١٩٩، عن ٧٤ سنة.
[ ١ / ٣١٧ ]
الحارث، والليث، وخلق، قال ابن مهدي كتابه صحيح، وقال أحمد ابن صالح: نحن لا نقدم أحدا على يونس في الزهري، ووثقه النسائي وغيره، وقال: ابن سعد ليس بحجة، ربما جاء بالشيء المنكر، قال
البخاري: توفي سنة ١٥٩.
٤ - "ابن شهاب" محمَّد بن مسلم الزهري ثقة حافظ حجة من كبار -٤ - تقدم في ١/ ١.
٥ - "ابن المسيب" (ع) بن حَزْن بن أبي وهب بن عمرو بن عابد بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار من كبار الثانية، اتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل، وقال ابن المديني لا أعلم في التابعين، أوسع علمًا منه، مات بعد التسعين، وقد ناهز الثمانين. وفي (صة) أبو محمَّد المدني الأعور رأس التابعين، وفردهم، وفاضلهم، وفقيههم، ولد سنة خمس عشرة، عن عمر في السنن الأربعة، وأبَيّ، وأبي ذر، وأبي بكرة في ابن ماجه وعلي وعثمان، وسعد في البخاري، ومسلم، وطائفة. وعنه الزهري، وعمرو بن دينار، وقتادة، وبكير بن الأشج، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وخلق، قال ابن عمر: هو والله أحد المفتين. قال: قتادة: ما رأيت أعلم بالحلال والحرام منه، وقال أحمد: مرسلات سعيد صحاح، سمع من عمر، وقال مالك: لم يسمع منه ولكنه أكب على المسألة في شأنه وأمره حتي كأنه رآه، وقال أبو حاتم: هو أثبت التابعين في أبي هريرة، قال: أبو نعيم مات سنة ٩٣، وقال الواقدي سنة أربع.
٦ - "أبو هريرة" الدوسي ﵁. تقدم في ١/ ١.
[ ١ / ٣١٨ ]
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات أجلاء، وأنهم ما بين مصريين: وهما الحارث وابن وهب، وأيلي بفتح الهمزة وسكون الياء، نسبة إلى بلدة على ساحل بحر القلزم، مما يلي ديار مصر، قاله في اللباب وهو يونس، ومدنيينَ: وهم الباقون.
ومنها: أن المصنف التزم فيما ينقله عن الحارث بن مسكين هذه العبارة أخبرنا الحارث بن مسكين قراءة عليه، وأنا أسمع، بل تارة يقتصر على قوله الحارث بن مسكين قراءة وأنا أسمع، فيحذف الصيغة ومثله أبو
داود حيث يقول: قُرىء على الحارث بن مسكين، وأنا شاهد، وسبب ذلك أن الحارث كان يتولي قضاء مصر، وكان بينه وبين النسائي خشونة فلم يمكنه حضور مجلسه، فكان يستتر في موضع، ويسمع حيث لا يراه، فلذا تورع وتحرى في الأداء فعدل عن العبارة المألوفة.
قال الجامع عفا الله عنه: ولعله كان بينه وبين أبي داود مثل ذلك، ولكن لم أر من صرح به. والله أعلم.
ولأجل هذا قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى:
حدثنا وأخبرنا أرفع من سمعت من جهة أنه ليس في سمعت دلالة على أن الشيخ رواه إياه، وخاطبه به بخلافهما. وقد سأل الخطيب شيخه الحافظ أبا بكر البَرْقَاني عن السر في كونه يقول لهم فيما رواه عن أبي القاسم الأنْبَدُونيّ: سمعت، ولا يقول: حدثنا ولا أخبرنا فذكر له أن أبا القاسم كان مع ثقتة وصلاحه عَسرا في الرواية فكان البَرقَاني يجلس بحيث لا يراه أبو القاسم ولا يعلم بحضوره، فيسمع منه ما يحدث به
الشخص الداخل، فلذلك يقول: سمعت، ولا يقول: حدثنا ولا
[ ١ / ٣١٩ ]
أخبرنا لأن قصده كان الرواية للداخل إليه وحده. أفاده الحافظ السخاوي ﵀ في فتح المغيث، والسيوطي في التدريب. وقال السخاوي أيضا بعد ذكر قصة النسائي: وهذا ظاهر فيمن قصد إفراد شخص بعينه، أو جماعة معينين، كما وقع للذي أمر بدَقِّ الهَاوُن (^١) حتى لا يسمع حديثه مَن قَعَدَ على باب داره، ولذا نقل عن المعتمر بن سليمان أنه قال: سمعتُ أسهل علي من حدثنا وأخبرنا، وحدثني وأخبرني؛ لأن الرجل قد يسمَعُ، ولا يُحَدَّث، وقد قال أيوب حدثني بن أبي مليكة، حدثني عقبة بن الحارث، ثم قال: لم يحدثني، ولكن سمعته يقول: تزوجت ابنة لأبي إهاب، فجاءت امرأة سوداء، فقالت: قد أرضعتكما .. الحديث.
وقال أبو نعيم الفضل بن دُكَين: قلت لموسى بن عُلَيّ بمكة: حدثك أبوك؟ قال: حدث القوم، وأنا فيهم، فأنا أقول: سمعت، وكل هذا يوافق صنيع البَرْقَاني، وكذا حكى أبو جعفر محمَّد بن علي بن عبد الله ابن جعفر بن نجيح بن المديني: أنه بينما هو مع أبيه عند الإمام أحمد في عيادته، وكان مريضا، وعنده يحيي بن معين وغيره من المحدثين، إذ دخل أبو عبيد القاسم بن سَلام، فالتمس منه يحيى أن يقرأ عليهم كتاب الغريب له، وأحضر الكتاب، وأخذ يقرأ الأسانيد، ويدع التفسير، فقال له: يا أبا عبيد دعنا من الأسانيد، نحن أحذق بها منك، ففعل، فقال يحيى لعلي دعه يقرؤه على وجهه، فقال أبو عبيد: ما قرأته إلا على المأمون، فإن أحببتم قراءته فاقرؤوه، فقال له علي: إن قرأته علينا، وإلا فلا حاجة لنا فيه، ولم يكن أبو عبيد يعرف عليا، فسأل يحيى عنه؟ فقال هذا علي بن المديني، قال: فالتزمه، وقرأ حينئذ، قال: فمن
_________________
(١) الهاون بفتح الواو الذي يدق فيه أفاده في المصباح، وفي "ق" الهاون يعني بفتح الواو، والهاون -يعني بضمها-، والهاوون بواو مضمومة بعدها واو الذي يدق فيه.
[ ١ / ٣٢٠ ]
حضر ذلك المجلس، فلا يقول: حدثنا، أو نحوها، يعني لكون علي هو المخصوص بالتحديث، وكان أبي، يعني عليا يقول: حدثنا. اهـ فتح المغيث جـ ٢/ ص ٢١.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي: ابن شهاب، عن ابن المسيب.
ومنها: أن ابن المسيب هو أحد الفقهاء السبعة المتقدم ذكرهم.
ومنها: أن أبا هريرة أحد المكثرين السبعة، روى ٥٣٧٤ حديثا كما تقدم في ١/ ١.
شرح الحديث
"عن أبي هريرة" الدَّوسي عبد الله بن عمرو على الأصح، أو عبد الرحمن بن صخر على المشهور ﵁. "عن رسول الله - ﷺ -" أنه "قال: الفطرة" بكسر الفاء، مبتدأ، قال السندي: بمعنى الخلقة، والمراد بها هنا السنة القديمة التي اختارها الله تعالى للأنبياء فكأنها أمر جبلّي فُطرُوا عليها.
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي ذكر اختلاف العلماء في معنى الفطرة في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى. "خمس" خبر المبتدإ، وليس المراد الحصر، فقد صح عشر من الفطرة، فالحديث من أدلة من يقول: إن مفهوم العدد غير معتبر، أفاده السندي. "الاختتان" افتعال من الختن، وهو قطع القُلفَة التي تغطي الحَشَفَة من الرجل، وقطع بعض الجلدة التي في أعلى فرج المرأة، ويسمى ختانُ الرجل إعْذارا، بالعين المهملة، والذال المعجمة، والراء، وختانُ المرأة خَفْضا بالخاء المعجمة، والفاء، والضاد المعجمة. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٧٥.
[ ١ / ٣٢١ ]
وقال الحافظ ﵀: الختان بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف المثناة
مصدر خَتَنَ، أي قطع، والخَتْن بفتح فسكون قطع بعض مخصوص من عضو مخصوص، والختان اسم لفعل الخاتن ولموضع الختن أيضا، كما
في حديث عائشة "إذا التقى الختانان".
وقال أيضا: قال أبو عبيد: عذرت الجارية والغلام، وأعذرتهما: ختنتهما وأختنتهما وزنا ومعني، قال الجوهري: وأكثرون: خفضت الجارية، قال: وتزعم العرب أن الغلام إذا ولد في القمر فسخت قُلْفَتُهُ،
أي اتسعت، فصاركالمختون اهـ: فتح بتصرف جـ ٢٢/ ص ١٠٦.
وسيأتي تمام البحث في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى.
"والاستحداد" استفعال من استعمال الحديد في حلق العانة. اهـ طرح، وقال في النيل: هو حلق العانة، سمي استحدادا لاستعمال الحديدة، وهي المُوسَي. اهـ. "وقص الشارب" أي قطع الشعر الثابت على الشفة العليا، يقال: قَصَصت الشعر قَصًا من باب قتل: قطعته، والشارب: هو الشعر الثابت على الشفة العليا. اهـ المنهل جـ ١/ ص ١٨٥. وقال في (ق) وشرحه: والشوارب ما سال على الفم من الشعر، قال اللحياني: وقالوا: إنه لَعَظيمُ الشوارب قال: وهو من الواحد فُرِّقَ، فجعل كل جزء منه شاربا، ثم جمع على هذا، وقد طَرَّ شارب الغلام، وهُمَا شاربان. انتهى، وقيل: إنما هو الشارب، والتثنية خطأ، وقال أبو علي الفارسي: لا يكاد الشارب يثنى، ومثله قول أبي حاتم، قال أبو عبيدة: قال الكلابيون: شاربان باعتبار الطرفين، والجمع شوارب. اهـ (ق وتاج). "وتقليم الأظفار" أي تقطيع ما طال منها، وهو مبالغة القَلْم، يقال: قلمته قَلْما من باب ضرب: قطعته، وقلمت الظفر: أخذت ما طال منه، وقَلَّمت بالتشديد مبالغة، وتكثير. أفاده في المصباح.
[ ١ / ٣٢٢ ]
والأظفار: جمع ظفر، قال الفيومي: والظفر للإنسان (^١) مذكر، وفيه لغات: أفصحها بضمتين، وبها قرأ السبعة في قوله تعالى: ﴿حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] الثانية: الإسكان للتخفيف، وقرأ بها الحسن البصري، والجمع أظفار، وربما جمع على أظفُر، مثل ركن وأركُن، والثالثة: بكسر الظاء وزان حمْل، والرابعة: بكسرتين للإتباع، وقرىء بهما في الشواذ، والخامسةَ: أظفُور، والجمع أظافير، مثل أسبوع وأسابيع. اهـ المصباح. "ونتف الإبط" أي نزع شعرها، يقال: نتفت الشعر نتفا من باب ضرب: نزعته. اهـ المصباح. والإبط ما تحت الجَنَاح، يذكر ويؤنث، فيقال: هو الإبط، وهي الإبط، والجمع آباط، مثل حمل، وأحْمَال، ويزعم بعض المتأخرين: أن كسر الباء
لغة، وهو غير ثابت. اهـ المصباح.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"المسألة الأولى" في درجته: هذا الحديث متفق عليه.
"المسألة الثانية" في بيان موضعه عند المصنف:
أخرجه المصنف هنا ٩/ ٩ المجتبى، و٩/ ١٠ الكبرى عن الحارث بن مسكين، عن ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁. وسيأتي برقم ١٠، ١١، ٥٠٤٣، ٥٠٤٤، ٥٢٣٥ المجتبى.
"تنبيه" ذكر المصنف أحاديث الفطرة وهي أربعة في السنن الكبري في محل واحد تحت عنوان ٩ "ذكر عدد الفطرة" فجعل الحديث الأول ٩ طريق محمَّد بن عبد الله بن يزيد الذي جعله هنا تحت ترجمة ١١ "نتف الإبط"، وجعل الثاني ١٠ طريق الحارث بن مسكين الذي ذكره هنا
_________________
(١) ولم يخص في (ق) الظفر بالإنسان.
[ ١ / ٣٢٣ ]
في هذه الترجمة ٩ "الاختتان"، وجعل الثالث ١١ طريق محمَّد بن عبد الأعلى الذي ذكره هنا تحت ترجمة ١٠ "تقليم الأظفار"، وجعل الرابع وهو ١٢ طريق الحارث بن مسكين الذي ذكره هنا تحت ترجمة ١٢ "حلق العانة" والله أعلم.
"المسألة الثالثة" فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول وغيرهم:
أخرجه من طريق يونس (م) في الطهارة ١٦/ ٢ عن أبي الطاهر بن السرح، وحرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري الخ، أفاده المزي. وقال بعض المحققين: والحديث يعني حديث الفطرة لا بخصوص طريق يونس رواه البخاري في صحيحه ١٠/ ٢٧٦، ١١/ ٧٤ ومسلم ٣/ ١٤٦ نووي بنحو طريق المصنف هنا، ومن طريق آخر عن ابن عيينة، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة مرفوعا، فذكره، وفيه: "الفطرة خمس، أو خمس من الفطرة"، وأبو داود ١١/ ٢٥٢ عون من طريق سفيان، عن الزهري به، والترمذي ٨/ ٣٣ تحفة من طريق معمر، عن الزهري، وقال حسن صحيح. ورواه ابن ماجه ١/ ١٢٥ سندي عن سفيان عن الزهري، ومالك في الموطأ ٣/ ١٠٧ تنوير من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة به.
وأبو عوانة في صحيحه ١/ ١٩٠ والبخاري في الأدب المفرد ص ٣٦٥ من طريق محمَّد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، غير أنه جعل مكان الاختتان السواك. وأحمد في مسنده ٢/ ٢٢٩، ٢/ ٢٨٣، و٤١٠، و٤٨٩ عن معمر عن الزهري، وكذا رواه ٢/ ٢٣٩ عن سفيان عن الزهري. اهـ ما أفاده بعض المحققين.
"المسألة الرابعة" في بيان اختلاف العلماء في معنى الفطرة:
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اختلف العلماء في معنى
[ ١ / ٣٢٤ ]
الفطرة المذكورة في هذا الحديث: فقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في الخلاف، والماوردي في الحاوي وغيرهما من أصحابنا: هي الدين، وقال الإمام أبو سليمان الخطابي: فسرها أكثر العلماء في هذا الحديث بالسنة، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: هذا فيه إشكال لبعد معنى السنة عن معني الفطرة في اللغة، قال: فلعل وجهه أن أصله سنة الفطرة أو أدب الفطرة فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
قال النووي: تفسير الفطرة هنا بالسنة هو الصواب ففي صحيح البخاري عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال "من السنة قص الشارب، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار" وأصح ما فسر به غريب الحديث تفسيره بما جاء في رواية أخرى، لا سيما في صحيح البخاري. اهـ كلام النووي المجموع جـ ١/ ص ٢٨٤.
وقال الحافظ السيوطي ﵀: وقال أبو شامة: أصل الفطرة: الخلقة المبتدأة، والمراد بها هنا أن هذه الأشياء إذا فُعلت اتصف فاعلها بالفطرة التي فطر الله العباد عليها، وحثهم عليها، واستحبها لهم ليكونوا على أكمل الصفات وأشرفها صورة، وقال الحافظ في الفتح: وقد رد البيضاوي الفطرة في هذا الحديث إلى مجموع ما ورد في معناها، وهو الاختراع، والجبلَّةُ، والسن، والسنة، فقال: هي السنة القديمة التي اختارها الأنبياء، واتفقت عليها الشرائع، فكأنها أمر جبلي فطروا عليها اهـ زهر الربى، ١/ ١٤، ١٦.
وقال الحافظ العراقي ﵀: اختلف في المراد بالفطرة في هذا الحديث: فقيل المراد بها السنة، حكاه الخطابي عن أكثر أهل العلم، ويدل عليه رواية أبي عوانة في المستخرج في حديث عائشة: "عشر من السنة"، وعلى هذا فالمراد بالسنة الطريقة، أي أن ذلك من سنن الأنبياء،
[ ١ / ٣٢٥ ]
وطريقتهم؛ لأن بعضها واجب كما سيأتي على الخلاف، ومن لا يرى وجوب شيء منها يحملها على السنة التي تقابل الواجب، قيل: المراد بالفطرة هنا الدين.
وأما أصل الفطرة: فابتداء الخلق واختراعه من قوله تعالى: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١] وعن ابن عباس: قال: "ما كنت أدري معنى هذه الآية حتى احتكم إليَّ أعرابيان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي ابتدأت حفرها. ومنه بعير فاطر إذا ابتدأ خروج نابه، وقيل: المراد به الجبلَّة التي جبل عليها ابن آدم، ومنه قول علي في خطبته: "وجبار القلوب على فطرتها"، أي على خلقتها، وجبلتها، وهو أحد الأقوال في قوله: "كل مولود يولد على الفطرة" وقيل: الفطرة الإسلام، ومنه قول حذيفة: "لو مت على هذا مت على غير فطرة محمَّد - ﷺ- "، وهو أحد الأقوال أيضا في قوله: "كل مولود يولد على الفطرة"، وعليه حمل قول جبريل للنبي - ﷺ - لما أخذ اللبن ليلة الإسراء: "أصبت الفطرة". اهـ طرح جـ ٢/ ص ٧٣.
وقد ذكر العلامة أبو عبد الله محمَّد بن أحمد الأنصاري القرطبي في تفسيره النفيس المسمى بالجامع لأحكام القرآن في اختلاف العلماء في معنى الفطرة كلامًا مستوعبا حسنا جدا أسوقه هنا، وإن كان بعضه تقدم لكونه أوضح وأشمل وأغزر، قال رحمه الله تعالى: ما نصه:
واختلف العلماء في معنى الفطرة المذكورة في الكتاب والسنة على أقوال متعددة منها:
الإسلام، قاله أبو هريرة، وابن شهاب، وغيرهما، قالوا: وهو المعروف عند عامة السلف من أهل التأويل، واحتجوا بالآية يعني آية ﴿فطرة الله﴾ [الروم: ٣٠] وحديث أبي هريرة يعني حديث "ما من
[ ١ / ٣٢٦ ]
مولود إلا يولد على الفطرة" الحديث، وعضدوا ذلك بحديث (^١) عياض بن حمار المجاشعي، أن رسول الله - ﷺ - قال للناس يوما: "ألا أحدثكم بما حدثني الله في كتابه إن الله خلق آدم وبنيه حنفاء مسلمين وأعطاهم المال حلالا لا حرام فيه، فجعلوا مما أعطاهم الله حلالًا وحراما" .. الحديث، وبقوله - ﷺ -: "خمس من الفطرة"، فذكر منها قص الشارب، وهو من سنن الإسلام، وعلى هذا التأويل فيكون معني الحديث: أن الطفل خلق سليما من الكفر على الميثاق الذي أخذه الله على ذرية آدم حين أخرجهم من صلبه، وأنهم إذا ماتوا قبل أن يدركوا في الجنة أولاد المسلمين كانوا أو أولاد كفار.
وقال آخرون: الفطرة: هي البداءة التي ابتدأهم الله عليها، أي على ما فطر الله عليه خلقه من أنه ابتدأهم للحياة والموت والسعادة والشقاوة، وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ، قالوا: والفطرة في كلام العرب: البدأة، والفاطر المبتدىء، واحتجوا بما روى ابن عباس أنه قال: لم أكن أدري ما فاطر السموات والأرض حتى أتي أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي ابتدأتها، قال المروزي: كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا القول، ثم تركه، قال أبو عمر في كتاب التمهيد له: ما رسمه مالك في موطئه، وذكر في باب القدر فيه من الآثار يدل على أن مذهبه في ذلك نحو هذا، والله أعلم.
ومما احتجوا به ما روي عن كعب القُرَظي في قوله تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠] قال: من ابتدأ الله خلقه للضلالة صيره إلى الضلالة، وإن عمل بأعمال الهُدَى، ومن ابتدأ الله خلقه على الهدى صيره إلى الهدى وإن عمل بأعمال الضلالة، ابتدأ الله
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ١٦٢ عن يحيى بن سعيد، عن هشام، عن قتادة عن مطرف عن عياض بن حمار رحمه الله تعالى.
[ ١ / ٣٢٧ ]
خلق إبليس على الضلالة، وعمل بأعمال السعادة مع الملائكة، ثم رده الله إلى ما ابتدأ عليه خلقه، قال: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤] قال القرطبي: وجاء معنى قول كعب هذا مرفوعا من حديث عائشة ﵂ قالت: "دعي رسول الله - ﷺ - إلى جنازة غلام من الأنصار فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه، قال: أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلا، وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم"، أخرجه ابن ماجه في السنن، وأخرج أبو عيسى الترمذي عن عبد الله بن عمرو قال: "خرج علينا رسول الله - ﷺ - وفي يده كتابان، فقال أتدرون ما هذان الكتابان؛ فقلنا: لا يا رسول الله إلا أن تخبرنا، فقال: للذي في يده اليمنى هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجْملَ على آخرهم، فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا، ثم قال للذي في شماله: هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا" … وذكر الحديث وقال فيه حديث حسن.
وقالت فرقة: ليس المراد بقوله تعالى ﴿فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، ولا قوله ﵇: "كل مولود يولد على الفطرة" … العموم، وإنما المراد بالناس: المؤمنون إذا لو فَطَر الجميع على الإسلام لما كفر أحد، وقد ثبت أنه خلق أقواما للنار كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، وأخرج الذرية من صلب آدم سوداء وبيضاء، وقال في الغلام الذي قتله الخضر: "طبع يوم طبع كافرًا"، وروى أبو سعيد الخدري قال "صلى بنا رسول الله - ﷺ - العصر بنهار، وفيه وكان فيما حفظنا أن قال: "ألا إن بني آدم خلقوا طبقات
[ ١ / ٣٢٨ ]
شتى، فمنهم من يولد كافرا ويَحيَا كافرًا، ويموت كافرا، ومنهم من يولد مؤمنا ويحيا مؤمنا ويموت كافرا، ومنهم من يولد كافرا ويحيى كافرًا ويموت مؤمنًا، ومنهم حسن القضاء حسن الطلب"، وذكره حماد بن سلمة في مسند الطيالسي قال: حدثنا علي بن زيد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قالوا: والعموم بمعنى الخصوص كثير في لسان العرب، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] ولم تدمر السموات والأرض، وقوله: "فتحنا عليهم أبواب كل شىء"، ولم تفتح عليهم أبواب الرحمة، وقال إسحاق بن راهويه الحنظلي: تم الكلام عند قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم: ٣٠] ثم قال: ﴿فطرت الله﴾ [الروم: ٣٠]، أي فطر الله الخلق فطرة، ولهذا قال: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠].
قال شيخنا أبو العباس: من قال: هي سابقة السعادة والشقاوة فهذا إنما يليق بالفطرة المذكورة في القرآن لأن الله تعالى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] وأما في الحديث: فلا لأنه قد أخبر في بقية الحديث بأنها تبدل وتغير.
وقال طائف: من أهل الفقه والنظر: الفطرة هي الخلقة التي خلق عليها المولود في المعرفة بربه فكأنه قال: كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة يريد خلقة مخالفة البهائم التي لا تصل بخلقتها إلى معرفته، واحتجوا على أن الفطرة الخلقة، والفاطر الخالق بقول الله ﷿: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ﴾ [فاطر: ١]، يعني خالقهن، وبقوله: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: ٢٢]، يعني خلقني، وبقوله: ﴿الذي فطرهن﴾ [الأنبياء: ٥٦] يعني خلقهن قالوا: فالفطرة: الخلقة، والفاطر الخالق، وأنكروا أن يكون المولود يفطر على كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار، قالوا: وإنما المولود على السلامة في الأغلب خلقة وطبعا وبنية ليس معها إيمان ولا كفر، ولا إنكار، ولا
[ ١ / ٣٢٩ ]
معرفة، ثم يعتادون الكفر والإيمان بعد البلوغ إذا ميزوا، واحتجوا بقوله في الحديث: "كما تُنتَجُ البهيمةُ بهيمةً جمعاء" يعني سالمة "هل تحسون فيها من جدعاء" يعني مقطوعة الأذن، فمثل قلوب بني آدم بالبهائم لأنها تولد كاملة الخلق ليس فيها نقصان ثم تقطع آذانها بعدُ، وأنوفها، فيقال: هذه بحائر وهذه سوائب، يقول: فكذلك قلوب الأطفال في حين ولادتهم ليس لهم كفر ولا إيمان ولا معرفة ولا إنكار كالبهائم السائمة، فلما بلغوا استهوتهم الشياطين فكفر أكثرهم، وعصم الله أقلهم، قالوا: ولو كان الأطفال قد فطروا على شيء من الكفر والإيمان في أولية أمورهم ما انتقلوا عنه أبدا، وقد نجدهم يؤمنون ثم يكفرون، قالوا ويستحيل في المعقول أن يكون الطفل في حين ولادته يعقل كفرا أو إيمانا؛ لأن الله أخرجهم في حال لا يفقهون معها شيئًا، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]، فمن لا يعلم شيئًا استحال منه كفر، أو إيمان، أو معرفة، أو إنكار.
قال أبو عمر بن عبد البر: هذا أصح ما قيل: في معنى الفطرة التي يولد الناس عليها ومن الحجة أيضا في هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦]، و﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]، ومن لم يبلغ وقت العمل لم يرتهن بشيء، وقال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ولما أجمعوا على دفع القود، والقصاص، والحدود، والآثام عنهم في دار الدنيا كانت الآخرة أولى بذلك، ويستحيل أن تكون الفطرة المذكورة الإسلام كما قال ابن شهاب لأن الإسلام والإيمان قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح، وهذا معدوم من الطفل لا يجهل ذلك ذو عقل، وأما قول الأوزاعي سألت الزهري عن رجل عليه رقبة أيجزي عنه الصبي أن يعتقه وهو رضيع؟ قال: نعم لأنه ولد على الفطرة يعني الإسلام فإنما أجزأ عتقه عند من أجازه لأن حكمه حكمُ أبويه.
[ ١ / ٣٣٠ ]
وخالفهم آخرون، فقالوا: لا يجزىء في الرقاب الواجبة إلا من صام وصلى، وليس في قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، ولا في أن يختم الله للعبد بما قضاه له وقدَّره عليه دليل على أن الطفل يولد حين يولد مؤمنا، أو كافرا، لما شهدت له العقول أنه في ذلك الوقت ليس ممن يعقل إيمانا ولا كفرا، والحديث الذي جاء فيه أن الناس خُلقُوا على طبقات .. ليس من الأحاديث التي لا مطعن فيها؛ لأنه انفرد به علي بن زيد بن جُدعان، وقد كان شعبة يتكلم فيه، على أنه يحتمل قوله: "يولد مؤمِنا"، أي يولد ليكون مؤمنا، ويولد ليكون كافرا على سابق علم الله فيه، وليس في قوله في الحديث: "خلقت هؤلاء للجنة، وهؤلاء للنار أكثر من مراعات ما يختم به لهم، لا أنهم في حيث طفولتهم ممن يستحق جنة أو نارًا، أو يعقل كفرًا أو إيمانًا.
قال القرطبي: قلت: وإلى ما اختاره أبو عمر، واحتج له ذهب غير واحد من المحققين: منهم ابن عطية في تفسيره في معنى الفطرة، وشيخنا أبو العباس، قال ابن عطية: والذي يُعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة أنها الخلقة والهَيْئَة التي في نفس الطفل التي هي مُعَدَّة ومهيَّأة لأن يميز بها مصنوعات الله تعالى، ويستدل بها على ربه، ويعرف شرائعه، ويؤمن به، فكأنه تعالى قال: أقم وجهك للدين الذي هو الحنيف، وهو فطرة الله الذي على الإعداد له فطر البشر، لكن تعرضهم العوارض ومنه: قول النبي - ﷺ -: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه" … فذكر الأبوين إنما هو مثال للعوارض التي هي كثيرة.
وقال شيخنا في عباراته: إن الله تعالى خلق قلوب بني آدم مُؤَهَّلة لقبول الحق كما خلق أعينهم وأسماعهم قابلة للمرئيات والمسموعات، فما دامت باقية على ذلك القبول، وعلى تلك الأهلية أدركت الحق ودين الإسلام، وهو الدين الحق، وقد دل على صحة هذا المعنى قوله: "كما
[ ١ / ٣٣١ ]
تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء" يعني أن البهيمة تلد ولدها كامل الخلق سليما من الآفات، فلو ترك على أصل تلك الخلقة لبقي كاملا بريئا من العيوب، لكن يُتَصرَّف فيه فيُجدَع أذنه، ويُوسَم وجهه، فتطرأ عليه الآفات والنقائص، فيخرج عن الأصل، وكذلك الإنسان، وهو تشبيه واقع، ووجهه واضح.
قال القرطبي: وهذا القول مع القول الأول موافق له في المعنى، وأن ذلك بعد الإدراك حين عقلوا أمر الدنيا، وتأكدت حجة الله عليهم بما نصب من الآيات الظاهرة من خلق السموات، والأرض، والشمس، والقمر، والبر، والبحر، واختلاف الليل والنهار، فلما عملت أهواؤهم فيهم أتتهم الشياطين فدعتهم إلى اليهودية والنصرانية، فذهبت بأهوائهم يمينا وشمالا، وأنهم إن ماتوا صغارا فهم في الجنة، أعني جميع الأطفال لأن الله تعالى لما أخرج ذرية آدم من صلبه في صورة الذر أقروا له بالربوبية، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢]، ثم أعادهم في صلب آدم بعد أن أقرُّوا له بالربوبية وأنه الله لا إله غيره، ثم يكتب العبد في بطن أمه شقيا أو سعيدا على الكتاب الأول فمن كان في الكتاب الأول شقيا عمر حتى يجري عليه القلم فينقض الميثاق الذي أخذ عليه في صلب آدم بالشرك، ومن كان في الكتاب الأول سعيدا عمر حتى يجري عليه القلم فهم مع آبائهم في الجنة، ومن كان من أولاد المشركين فمات قبل أن يجري عليه القلم فليس يكونون مع آبائهم؛ لأنهم ماتوا على الميثاق الأول الذي أخذ عليهم في صلب آدم ولم ينقض الميثاق ذهب إلى هذا جماعة من أهل التأويل، وهو يَجمعُ بين الأحاديث، ويكون معني قوله - ﷺ - لما سئل عن أولاد المشركين فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" يعني لو بلغوا.
[ ١ / ٣٣٢ ]
ودل على هذا التأويل أيضا حديث البخاري عن سَمُرة بن جُنْدَب، عن النبي - ﷺ - الحديث الطويل حديث الرؤيا، وفيه قوله ﵇: "وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإبراهيم ﵇، وأما الولدان حوله فكل مولود يولد على الفطرة، قال: فقيل: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله - ﷺ -: وأولاد المشركين" وهذا نص يرفع الخلاف وهو أصح شيء روي في هذا الباب، وغيره من الأحاديث فيها علل، وليست من أحاديث الأئمة الفقهاء، قاله أبو عمر ابن عبد البر، وقد روي من حديث أنس: قال: سئل رسول الله - ﷺ - عن أولاد المشركين؟ فقال: "لم تكن لهم حسنات فيجزوا بها، فيكونوا من ملوك الجنة، ولم تكن لهم سيآت فيعاقبوا عليها، فيكونوا من أهل النار، فهم خَدَم أهل الجنة ذكره يحيى بن سلام في التفسير له. اهـ كلام القرطبي في الجامع لأحكام القرآن جـ ١٤/ ص ٣٠.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث أنس الذي فيه أن أولاد المشركين خدم أهل الجنة قال الحافظ في الفتح: حديث ضعيف أخرجه أبو داود الطيالسي، وأبو يعلى، قال وللطبراني والبزار من حديث سمرة
مرفوعًا: "أولاد المشركين خدم أهل الجنة" وإسناده ضعيف. اهـ جـ ٣/ ص ٢٩٠.
وهذا الذي صححه الحافظ ابن عبد البر هو المذهب الصحيح المختار الذي عليه المحققون كما قاله النووي ﵀ انظر الفتح جـ ٣/ ص ٢٩١. وذكر الحافظ رحمه الله تعالى في هذه المسألة عشرة أقوال انظر الصفحة السابقة، وليس هذا محل ذكرها بالاستيفاء وإنما ذكرت هذا القدر بسبب تفسير الفطرة الواردة في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، وستكون لي عودة في شرح الباب ٦٠ من كتاب الجنائز رقم الحديث ١٩٤٩، و١٩٥٠، و١٩٥١، و١٩٥٢. إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ٣٣٣ ]
"المسألة الخامسة" في مناسبة تسمية هذه الخصال فطرة، قال صاحب المفهم: في هذه الخصال مما فطره (^١) على حسن الهيئة والنظافة، وكلاهما يحصل به البقاء على أصل كمال الخلقة التي خلق الإنسان عليها، وبقاء هذه الأمور وترك إزالتها يشوه الإنسان، ويقبحه بحيث يُستقذر، ويجتنب، فيخرج عما تقتضيه الفطرة الأولى، فسميت هذه الخصال فطرة لهذا المعنى. قاله الحافظ العراقي. طرح جـ ٢/ ص ٧٣.
"المسألة السادسة": قال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى: ذكر صاحب المفهم عن ابن عباس أن هذه الخصال هي التي ابتلى الله بها إبراهيم، فأتمهن فجعله الله إماما. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٧٣.
وقال الحافظ رحمه الله تعالى: أخرج عبد الرازق في تفسيره،
والطبري من طريقه بسند صحيح عن طاوس عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: آية ١٢٤]
قال: ابتلاه الله بالطهارة، خمس في الرأس، وخمس في الجسد .. الحديث اهـ فتح جـ ٢٢/ ص ٣٧٧.
وفي مختصر تفسير ابن كثير للعلامة أحمد محمَّد شاكر ﵀: ما حاصله باختصار: وقد اختلف في تعيين الكلمات التي اختبر الله بها إبراهيم الخليل ﵇: فروي عن ابن عباس في ذلك روايات: فروى عنه: ابتلاه الله بالمناسك. وروي عنه: ابتلاه بالطهارة، خمس في الرأس وخمس في الجسد، في الرأس: قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس، وفي الجسد: تقليم الأظافر، وحلق العانة، والختان، ونتف الابط، وغسل أثر الغائط والبول بالماء. قال ابن شاكر: رواه الطبري ١٩١٠، والحاكم في
_________________
(١) العبارة: ليست واضحة، ولعل العبارة الصحيحة هكذا: في هذه الخصال مناسبة فطره على حسن الهيئة والنظافة. الخ، فتأمل.
[ ١ / ٣٣٤ ]
المستدرك جـ ٢/ ص ٢٦٦، وقال صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه كان يقول: في تفسير هذه الآية، قال: عشر، ست في الإنسان، وأربع في المشاعر، فأما التي في الإنسان: فحلق العانة، ونتف الإبط، والختان، وكان ابن هبيرة يقول: هؤلاء الثلاثة واحدة، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، والسواك وغسل يوم الجمعة، والأربعة التي في المشاعر: الطواف، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، والإفاضة. قال ابن شاكر: إسناد ابن أبي حاتم في هذا لابن عباس إسناد صحيح. إلى آخر ما ذكره من الأقوال هناك. انظر مختصر ابن كثير للعلامة ابن شاكر رحمه الله تعالى جـ ١/ ص ٢٣١ - ٢٣٢.
"المسألة السابعة" قوله: "الفطرة خمس". هكذا في رواية المصنف ومسلم من طريق يونس، عن الزهري بدون شك، ووقع في رواية البخاري، ومسلم، وأبي داود من طريق سفيان: "الفطرة خمس" أو "خمس من الفطرة" بالشك، وهو من سفيان، ووقع في رواية أحمد "خمس من الفطرة"، ولم يشك، وكذا في رواية معمر، عن الزهرى عند الترمذي، والرواية الأولى محمولة على هذه، قال ابن دقيق العيد: دلالة "منْ" على التبعيض فيه أظهر من دلالة هذه الرواية يعني رواية الفطرة خمس على الحصر، وقد ثبت في أحاديث أخرى زيادة على ذلك فدل على أن الحصر فيها غير مراد، واختلف في النكتة في الإتيان بهذه الصيغة فقيل: ليعلم أن مفهوم العدد ليس بحجة، وقيل: بل كان أعلم أولا بالخمس، ثم أعلم بالزيادة، وقيل: بل الاختلاف في ذلك بحسب المقام فذكر في كل موضع اللائق بالمخاطبين، وقيل: أريد بالحصر المبالغة لتأكيد أمر الخمس المذكورة كما حمل عليه "الدين النصيحة"،
[ ١ / ٣٣٥ ]
و"الحج عرفة"، ونحو ذلك، ويدل على التأكيد ما أخرجه الترمذي والنسائي من حديث زيد بن أرقم مرفوعا: "من لم يأخذ شاربه فليس منا"، وسنده قوي، وأخرج أحمد من طريق يزيد بن عمرو المعافري
نحوه، وزاد فيه حلق العانة، وتقليم الأظفار.
وذكر ابن العربي: أن خصال الفطرة تبلغ ثلاثين خصلة، قال الحافظ ﵀: فإن أراد خصوص ما ورد بلفظ الفطرة فليس كذلك، وإن أراد أعم من ذلك فلا ينحصر في الثلاثين، بل تزيد كثيرا، وأقل ما ورد في خصال الفطرة حديث ابن عمر: من الفطرة: "حلق العانة، وتقليم الأظفار، وقص الشارب،" رواه البخاري.
وأخرج الإسماعيلي في رواية له بلفظ "ثلاث من الفطرة" …، وأخرجه في رواية أخرى بلفظ من الفطرة، فذكر الثلاث، وزاد الختان، ولمسلم من حديث عائشة: "عشر من الفطرة" … فذكر الخمسة التي في حديث أبي هريرة: إلا الختان، وزاد إعفاء اللحية، والسواك، والمضمضة، والاستنشاق، وغسل البراجم، والاستنجاء. أخرجه من رواية مصعب بن شيبة عن طلق بن حبيب عن عبد الله بن الزبير عنها، لكن قال في آخره: إن الراوي نسي العاشرة إلا أن تكون المضمضة. وقد أخرجه أبو عوانة في مستخرجه بلفظ: "عشرة من السنة"، وذكر الاستنثار بدل الاستنشاق، وأخرج النسائي من طريق سليمان التيمي قال: سمعت طلق بن حبيب يذكر: "عشرة من الفطرة" فذكر مثله، إلا أنه قال: وشككت في المضمضمة وأخرجه أيضا من طريق أبي بشر عن طلق قال: من السنة عشر، فذكر مثله إلا أنه ذكر الختان بدل غسل البراجم، ورجح النسائي الرواية المقطوعة على الموصولة المرفوعة.
[ ١ / ٣٣٦ ]
قال الحافظ: والذي يظهر لي أنها ليست بعلة قادحة فإن راويها مصعب بن شيبة وثقه ابن معين، والعجلي، وغيرهما، ولينه أحمد، وأبو حاتم، وغيرهما، فحديثه حسن، وله شواهد في حديث أبي هريرة، وغيره، فالحكم بصحته من هذه الحيثية سائغ، وقول سليمان التيمي: سمعت طلق بن حبيب يذكر عشرا من الفطرة: يحتمل أن يريد أنه سمعه يذكرها من قبل نفسه على ظاهر ما فهمه النسائي، ويحتمل أن يريد أنه سمعه يذكرها، وسندها، فحذف سليمان السند، وقد أخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، من حديث عمار بن ياسر مرفوعًا نحو حديث عائشة قال: "من الفطرة: المضمضة، والاستنشاق، والسواك، وغسل البراجم، والانتضاح"، وذكر الخمس التي في حديث أبي هريرة، ساقه ابن ماجه، وأما أبو داود: فأحال به على حديث عائشة، ثم قال: وروي نحوه عن ابن عباس، وقال: "خمس في الرأس"، وذكر منها الفَرْق، ولم يذكر إعفاء اللحية، قال الحافظ: كأنه يشير إلى ما أخرجه عبد الرزاق في تفسيره، والطبري من طريقه بسند صحيح عن طاوس، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] قال: ابتلاه الله بالطهارة: خمس في الرأس، وخمس في
الجسد، قال الحافظ: فذكر مثل حديث عائشة، كما في الرواية التي قدمتها عن أبي عوانة سواء، ولم يشك في المضمضة وذكر أيضًا الفرق بدل إعفاء اللحية، وأخرجه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس فذكر غسل الجمعة بدل الاستنجاء، فصار مجموع الخصال التي وردت في هذه
الأحاديث خمس عشرة خصلة، اقتصر أبو شامة في كتاب السواك وما أشبه ذلك منها على اثنى عشر، وزاد النووي واحدة في شرح مسلم.
ثم ذكر الحافظ شرح العشر الزائدة على الخمس المتفق عليها، وأنا ألخص ما ذكره هنا تتميما للفائدة، فأقول:
[ ١ / ٣٣٧ ]
فأما الوضوء، والاستنشاق، والاستنثار، والاستنجاء، وغسل الجمعة، فسيأتي شرحها في أبوابها، وأما إعفاء اللحية فسيأتي في ١٥/ ١٥ وأما السواك فقد مضى في ٢/ ٢.
وأما الفرق: فقد أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄، قال: كان النبي - ﷺ - يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، وكان أهل الكتاب يُسْدلُون أشعارهم، وكان المشركون يفرُقُون رؤوسهم، فسدل النبي - ﷺ - ناصيته، ثم فَرَقَ بعدُ.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: الفَرْق بفتح الفاء، وسكون الراء بعدها قاف: قسمة شعر الرأس في المفرق، وهو وسط الرأس، يقال: فَرَقَ شعره فَرْقا بالسكون، وأصله من الفرق بين الشيئين، والمفرق مكان انقسام الشعر من الجبين إلى دارة وسط الرأس، وهو بفتح الميم وبكسرها، وكذلك الراء تكسر، وتفتح.
وقوله: كان المشركون يَفْرُقون: قال الحافظ: هو بسكون الفاء وضم الراء وقد شددها بعضهم، حكاه عياض، قال: والتخفيف أشهر وكذا في قوله: ثم فرق الأشهر فيه التخفيف. قال عياض: سَدْل الشعر إرساله، يقال: سَدَل شعره، وأسدله إذا أرسله ولم يضم جوانبه وكذا الثوب. والفرق تفريق الشعر بعضه من بعض وكشفه عن الجبين، قال: والفرق سنة لأنه الذي استقر عليه الحال، والذي يظهر أن ذلك وقع بوحي لقول الراوى في أول الحديث أنه كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشىء، فالظاهر أنه فرق بأمر من الله حتى ادعى بعضهم فيه النسخ، ومَنَعَ السدلَ، واتخاذَ الناصية، وحكي ذلك عن عمر بن عبد العزيز، وتعقبه القرطبي بأن الظاهر أن الذي كان - ﷺ - يفعله إنما هو لأجل استئلافهم فلما لم ينجع فيهم أحب مخالفتهم، فكانت مستحبة،
[ ١ / ٣٣٨ ]
لا واجبة، وقول الراوي: فيما لم يؤمر فيه بشيء، أي لم يطلب منه، والطلب يشمل الوجوب والندب، وأما توهم النسخ في هذا فليس بشيء لإمكان الجمع بل يحتمل أن لا يكون الموافقة والمخالفة حكمًا شرعيا إلا من جهة المصلحة، قال: ولو كان السدل منسوخا لصار إليه الصحابة، أو أكثرهم، والمنقول عنهم أن منهم من كان يفرُق، ومنهم من كان يسدل، ولم يعب بعضهم على بعض، وقد صح أنه كانت له - ﷺ - لمَّه فإن انفرقت فرقها، وإلا تركها، فالصحيح أن الفرق مستحب، لا واجب، وهو قول مالك.
قال الحافظ: وقد جزم الحازمي بأن السدل نسخ بالفرق، واستدل برواية معمر التي أشرت إليها قبلُ، وهو ظاهر، يعني قوله: وكان إذا شك في أمر لم يؤمر فيه بشيء صنع ما يصنع أهل الكتاب، وقال النووي: الصحيح جواز السدل والفرق، قال: واختلفوا في قوله: يحب موافقة أهل الكتاب فقيل: للاستئلاف كما تقدم، وقيل: المراد إنه كان مأمورا باتباع شرائعهم فيما لم يوح إليه بشيء، وما علم أنهم لم يبدلوه، واستدل به بعضهم على أن شرع من قبلنا شرع لنا حتى يَردَ في شرعنا ما يخالفه، وعكس بعضهم فاستدل على أنه ليس بشرع لنا لأنه لو كان كذلك لم يقل يحب بل كان يتحتم الاتباع، والحق أن لا دليل في هذا على المسألة لأن القائل به يقصره على ما ورد في شرعنا أنه شرع لهم لا ما يؤخذ عنهم هم، إذ لا وثوق بنقلهم، والذي جزم به القرطبي أنه كان يوافقهم لمصلحة التأليف محتمل، ويحتمل أيضا، وهو أقرب أن الحالة التي تدور بين الأمرين لا ثالث لهما إذا لم ينزل على النبي - ﷺ - شيء كان يعمل فيه بموافقة أهل الكتاب لأنهم أصحاب شرع بخلاف عَبَدَة الأوثان، فإنهم ليسوا على شريعة، فلما أسلم المشركون انحصرت المخالفة في أهل الكتاب فأمرهم بمخالفتهم.
[ ١ / ٣٣٩ ]
قال الحافظ: وقد جمعت المسائل التي وردت الأحاديث فيها بمخالفة أهل الكتاب فزادت على الثلاثين حكما، وقد أودعتها كتابي الذي سميته "القول المثبت في الصوم يوم السبت"، ويؤخذ من قول ابن عباس في الحديث كان يحب موافقة أهل الكتاب، وقوله: ثم فرق بعدُ نسخ حكم تلك الموافقة كما قررته، ولله الحمد. ويؤخذ منه أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ. اهـ فتح جـ ٢٢/ ص ١٣٢.
قال الجامع: والراجح أن شرع من قبلنا شرع لنا على الوجه المتقدم. والله أعلم.
وأما غسل البراجم: فهو بالموحدة والجيم جمع بُرْجُمَة بضمتين، وهي عقد الأصابع التي في ظهر الكف، قال الخطابي هي المواضع التي تتسخ ويجتمع فيها الوسخ، ولا سيما ممن لا يكون طريّ البدن. وقال الغزالي كانت العرب لا تغسل اليد عَقب الطعام فيجتمع في تلك الغضون وسخ فأمر بغسلها، قال النووي: وهي سنة مستقلة ليست مختصة بالوضوء، يعني أنها يحتاج إلى غسلها في الوضوء والغسل والتنظيف، وقد ألحقَ بها في إزالة ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذن وقعر الصماخ، فإن في بقائها إضرارا بالسمع، وقد أخرج ابن عدي من حديث أنس "أن النبي - ﷺ - أمر بتعاهد البراجم عند الوضوء" لأن الوسخ إليها سريع، وللترمذي الحكيم من حديث عبد الله بن بشْر رفعه: "قُصُّوا أظفاركم، وادفنوا قلاماتكم، ونقوا براجمكم" وفي سنده راو مجهول، ولأحمد من حديث ابن عباس: "أبطأ جبريل على النبي - ﷺ - فقال: ولم لا يُبطىءُ عني وأنتم لا تستنُّون؟ أي لا تستاكون، ولا تقصون شواربكم، ولا تنقون رواجبكم؟ والرواجب جمع راجبة بجيم وموحدة، قال أبو عبيد: البراجم، والرواجب مفاصل الأصابع كلها، وقال ابن سيده: البرجمة المفصل الباطن عند بعضهم،
[ ١ / ٣٤٠ ]
والرواجب بواطن مفاصل أصول الأصابع، وقيل: قصب الأصابع، وقيل: ظهور السلاميات، وقيل: ما بين البراجم من السلاميات، وقال ابن الأعرابي: الراجبة: البقعة الملساء التي بين البراجم، والبراجم المسبحات من مفاصل الأصابع، وفي كل أصبع ثلاث برجمات، إلا الإبهام فلها برجمتان، وقال الجوهري: الرواجب مفاصل الأصابع اللاتي تلي الأنامل، ثم البراجم، ثم الأشاجع اللاتي على الكف وقال أيضا: الرواجب رؤوس السلاميات من ظهر الكف إذا قبض القابض كفه نشزت وارتفعت، والأشاجع: أصول الأصابع التي تتصل بعصب ظاهر الكف واحدها أشجع، وقيل: هي عروق ظاهر الكف.
وأما الانتضاح: فقال أبو عبيد الهروي: هو أن يأخذ قليلا من الماء، فينضح به مذاكيره بعد الوضوء لينفي عنه الوسواس.
قال الجامع: سيأتي تمام البحث فيه في ١٠٢/ ١٣٤، و١٣٥. إن شاء تعالى.
قال الحافظ ﵀: وأما الخصال الواردة في المعنى لكن لم يرد التصريح فيها بلفظ الفطرة فكثيرة:
منها: ما أخرجه الترمذي من حديث أبي أيوب رفعه: "أربع من سنن المرسلين: الحياء، والتعطر، والسواك، والنكاح".
واختلف في ضبط الحياء، فقيل بفتح المهملة والتحتانية الخفيفة، وقد ثبت في الصحيحين أن الحياء من الإيمان، وقيل: هي الحنّاء بكسر المهملة وتشديد النون فعلى الأول خصلة معنوية تتعلق بتحسين الخُلق، وعلى الثاني هي خصلة حسية تتعلق بتحسين البدن. وأخرج البزار، والبغوي في معجم الصحابة، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول من طريق فليح بن عبد الله الخطمي، عن أبيه، عن جده، رفعه "خمس من
[ ١ / ٣٤١ ]
سنن المرسلين" فذكر الأربعة المذكورة إلا النكاح، وزاد "والحلم" والحلم بالمهملة، وسكون اللام، وهو مما يقوي الضبط الأول في حديث أبي أيوب، وإذا تتبع ذلك من الأحاديث أكثر العدد كما أشرت إليه. والله أعلم.
"تتمة"
قال الحافظ رحمه الله تعالى: ويتعلق بهذه الخصال مصالح دينية، ودنيوية، تدرك بالتتبع:
منها: تحسين الهيئة، وتنظيف البدن جملة وتفصيلا. والاحتياط للطهارتين، والإحسان إلى المخالط والمقارن بكف ما يتأذى به من رائحة كريهة، ومخالفة شعار الكفار من المجوس، واليهود، والنصاري، وعباد الأوثان، وامتثال أمر الشارع، والمحافظة على ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [التغابن: ٣]. لما في المحافظة على هذه الخصال من مناسبة ذلك، وكأنه قيل: قد حسنت صوركم فلا تشوهوها بما يقبحها أو حافظوا على ما يستمر به حسنها، وفي المحافظة عليها محافظة على المروءة وعلى التآلف المطلوب؛ لأن الإنسان إذا بدا في الهيئة الجميلة كان أدعى لانبساط النفس إليه فيُقبل قوله، ويُحمد رأيه والعكس بالعكس. اهـ كلام الحافظ فتح جـ ٢٢/ ص ١٠٤.
قال الجامع عفا الله عنه: وقد نظمت الخصال المذكورة في الأحاديث المتقدمة فقلت:
يا أيُّها الطالبُ حُسْنَ السِّيرَةِ … عليكَ دَوْما بخصَالِ الفطْرَةِ
فإنَّهَا تَصُونُ حُسْنَ الصُّورةِ … وتَحْفَظُ الوُدَّ مَعَ العَشيرَةِ
فاخْتَتنَنْ واسْتَكْ وقَلِّمْ وافْرُقِ … واغْسلْ بَراجِمَكَ ثُمَّ اسْتَنْشقِ
[ ١ / ٣٤٢ ]
ومَضْمِضَنْ واستنثرِنْ وانتضحَا … وقُصَّ شَاربكَ واتْركِ اللِّحَا
واسْتَنْجِ وَاحْلِقْ عَانَةً واغْتَسِلِ … لجُمْعَةٍ بنَتْفِ إبْط أكْملِ
فَتلكَ عَشْرٌ معَ خَمْسٍ وَرَدَتْ … في قَوْل خَيْر الخَلق نِعْمَ مَا احتوَتْ
وإِنَّ بعضَهَا بهَا اللهُ ابتلَى … خَلِيلَهُ فَفَازَ نِعْمَ المُبْتَلَى
ونَحنُ مَأمُورُونَ بِاتِّبَاعِهِ … يَا فَوْزَ مَنْ سلكَ نَهْجَ شَرْعِهِ
"المسألة الثامنة" في الحديث أن مفهوم العدد ليس بحجة لأنه اقتصر في حديث أبي هريرة: على خمس، وفي حديث ابن عمر على ثلاث، وفي حديث عائشة على عشر، مع ورود غيرها فأفادنا ذلك أن ذكر العدد لا يقتضي نفي الريادة عليه، وهو قول أكثر أهل الأصول، ولمن قال بحجيته أن يجيب بما تقدم من أن الله أعلمه بالزيادة في خصال الفطرة بعد أن لم يكن علمه لما حَدَّث ببعضها، قاله الحافظ العراقي. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٧٥.
"المسألة التاسعة" في اختلاف العلماء في حكم الختان:
قال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى: واختلف العلماء هل هو واجب؟ فذهب أكثر العلماء إلى أنه سنة، وليس بواجب، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وبعض أصحاب الشافعي، وذهب الشافعي إلى وجوبه، وهو مقتضى قول سحنون من المالكية، وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أنه واجب في حق الرجال، سنة في حق النساء، واحتج من قال: إنه سنة بحديث أبي الملَيح بن أسامة، عن أبيه أن النبي - ﷺ - قال: "الختان سنة للرجال، مكرمة للنساء". رواه أحمد في مسنده، والبيهقي، ورواه البيهقي من رواية أبي أيوب، وابن عباس، قال ابن عبد البر: إنه يدور على الحجاج بن أرطاة، وليس ممن يحتج به، قال
[ ١ / ٣٤٣ ]
العراقي: قلت: قد رواه الطبراني في مسند الشاميين من غير طريق الحجاج من رواية سعيد بن بشر بن قتادة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، وأجاب من أوجبه بأنه ليس المراد بالسنة خلاف الواجب، بل المراد به الطريقة، واحتجوا على وجوبه بقوله تعالى: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: آية ١٢٣]، وثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "اختتن إبراهيمُ النبي - ﷺ -، وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم"، وبما روى أبو داود من قوله - ﷺ - للرجل الذي أسلم: "ألق عنك شعرَ الكُفْر، واختتن، واستدل ابن سريج على وجوبه بالإجماع على تحريم النظر إلى العورة فلولا أن الختان فرض لما أبيح النظر إليها من المختون، ونقضه ابن عبد البر بجواز نظر الطبيب، وليس الطب واجبا إجماعا، واحتج القفال لوجوبه بأن بقاء القُلْفَة تحبس النجاسة، وتمنع صحة الصلاة فتجب إزالتها، وشبهه بالنجاسة في باطن الفم، وقاسه بعض الشافعية على وجوب القطع في السرقة، فقال: هو قطع جزء من البدن لا يستخلف تعبدا فوجب كالقطع، واحترز بعدم الاستخلاف عن الشعر والظفر، وبالتعبد عن القطع للآكله، فإنه لا يجب. اهـ كلام العراقي في طرح التثريب جـ ٢/ ص ٧٥.
وقال الحافظ رحمه الله تعالى: وقد ذهب إلى وجوب الختان دون باقي الخصال الخمس المذكورة في الباب: الشافعيّ وجمهورُ أصحابه، وقال به من القدماء عطاء حتى قال: لو أسلم الكبير لم يتم إسلامه حتى يختتن، وعن أحمد وبعض المالكية: يجب، وعن أبي حنيفة واجب، وليس بفرض، وعنه سنة يأثم بتركه، وفي وجه للشافعية لا يجب في حق النساء، وهو الذي أورده صاحب المغني عن أحمد، وذهب أكثر العلماء، وبعضى الشافعية إلى أنه ليس بواجب، ومن حجتهم حديث
[ ١ / ٣٤٤ ]
شداد (^١) بن أوس رفعه: "الختان سنة للرجال، مكرمة للنساء"، وهذا لا حجة فيه لما تقرر أن لفظ السنة إذا ورد في الحديث لا يراد به التي تقابل الواجب، لكن لما وقعت التفرقة بين الرجال والنساء في ذلك دل على أن المراد افتراق الحكم، وتعقب بأنه لم ينحصر في الوجوب فقد يكون في حق النساء للإباحة على أن الحديث لا يثبت لأنه من رواية حجاج بن أرطاة، ولا يحتج به، أخرجه أحمد، والبيهقي، لكن له شاهد أخرجه الطبراني في مسند الشاميين من طريق سعيد بن بشر، عن قتادة، عن
جابر بن زيد عن ابن عباس، وسعيد مختلف فيه، وأخرجه أبو الشيخ، والبيهقي من وجه آخر عن ابن عباس، وأخرجه البيهقي أيضا من حديث أبي أيوب.
واحتجوا أيضا بأن الخصال المنتظمة مع الختان ليست بواجبة إلا عند بعض من شَذَّ فلا يكون الختان واجبًا، وأجيب بأنه لا مانع أن يراد بالفطرة، وبالسنة في الحديث القدر المشترك الذي يجمع الوجوب والندب، والطلب المؤكد فلا يدل ذلك على عدم الوجوب، ولا ثبوته، فيطلب الدليل من غيره، وأيضا فلا مانع من جمع مختلفي الحكم بلفظ أمر واحد كما في قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] فإيتاء الحق واجب، والأكل مباح هكذا تمسك به جماعة وتعقبه الفكهاني في شرح العمدة، فقال: الفرق بين الآية، والحديث أن الحديث تضمن لفظة واحدة استعملت في الجميع فتعين أن يحمل على أحد الأمرين: الوجوب أو الندب بخلاف الآية، فإن صيغة الأمر تكررت فيها، والظاهر الوجوب فصرف في أحد الأمرين بدليل، وفي الآخر على الأصل، وهذا التعقب إنما يتم على طريقة من يمنع استعمال اللفظ الواحد في معنيين، وأما من يجيزه كالشافعية فلا يرد عليهم.
_________________
(١) هكذا في الفتح: شداد بن أوس والذي تقدم عن العراقي أنه من رواية أبي المليح عن أبيه وهو الذي في مسند أحمد ٥/ ٧٥. فتنبه.
[ ١ / ٣٤٥ ]
واستدل من أوجب الاختتان بأدلة:
الأول: أن القُلْفَةَ تحبس النجاسة فتمنع صحة الصلاة كمن أمسك نجاسة في فمه، وتعقب بأن الفم في حكم الظاهر بدليل أن وضع المأكول فيه لا يفطر به الصائم بخلاف داخل القلفة فإنه في حكم الباطن، وقد صرح أبو الطيب الطبري بأن هذا القدر عندنا مغتفر.
الثاني: ما أخرجه أبو داود من حديث كليب جد عثيم بن كثير أن النبي - ﷺ - قال له: "ألق عنك شعر الكفر، واختتن"، مع ما تقرر أن خطابه للواحد يشمل غيره حتى يقوم دليل الخصوصية، وتعقب بأن سند الحديث ضعيف، وقد قال ابن المنذر: لا يثبت فيه شيء.
الثالث: جواز كشف العورة من المختون، وسيأتي أنه إنما شرع لمن بلغ أو شارف البلوغ وجوازُ النظر للخاتن إليها، وكلاهما حرام، فلو لم يجب لما أبيح ذلك، وأقدَمُ مَن نُقل عنه الاحتجاجُ بهذا أبو العباس بن سريج نقله عنه الخطابي وغيره، وذكر النووي أنه رآه في كتاب الودائع المنسوب لابن سريج قال: ولا أظنه يثبت عنه، قال أبو شامة: وقد عبر عنه جماعة من المصنفين بعده بعبارات مختلفة، كالشيخ أبي حامد، والقاضي الحسين، وأبي الفرج السرخسي، والشيخ في المهذب، وتعقبه عياض بأن كشف العورة مباح لمصلحة الجسم والنظر إليها يباح للمداواة، وليس ذلك واجبا إجماعا، وإذا جاز في المصلحة الدنيوية كان في المصلحة الدينية أولى، وقد استشعر القاضي حسين هذا، فقال: فإن قيل: قد يترك الواجب لغير الواجب كترك الإنصات للخطبة بالتشاغل بركعتي التحية، وكترك القيام في الصلاة لسجود التلاوة، وكشف العورة للمداواة مثلا، وأجاب عن الأولين، ولم يجب عن الثالث، وأجاب النووي بأن كشف العورة لا يجوز لكل مداواة فلا يتم المراد،
[ ١ / ٣٤٦ ]
وقَوَّى أبو شامة الإيراد بأنهم جوزوا لغاسل الميت أن يحلق عانة الميت، ولا يتأتى ذلك للغاسل إلا بالنظر واللمس، وهما حرامان، وقد أجيزا لأمر مستحب.
الرابع: احتج أبو حامد وأتباعه كالماوردي بأنه قطع عضو لا يستخلف من الجسد تعبدا فيكون واجبا كقطع اليد في السرقة، وتعقب بأن قطع اليد إنما أبيح في مقابلة جُرْم عظيم، فلم يتم القياس.
الخامس: قال الماوردي في الختان إدخال ألم عظيم على النفس، وهو لا يشرع إلا في إحدى ثلاث خصال: لمصلحة أو عقوبة أو وجوب، وقد انتفى الأولان، فثبت الثالث، وتعقبه أبو شامة بأن في الختان عدة مصالح، كمزيد الطهارة والنظافة فإن القلفة من المستقذرات عند العرب، وقد أكثر، ذم الأقلف في أشعارهم، وكان للختان عندهم قدر، وله وليمة خاصة به، وأقر الإسلام ذلك.
السادس: قال الخطابي محتجا بأن الختان واجب بأنه من شعار الدين، وبه يعرف المسلم من الكافر حتى لو وجد مختونا بين جماعة قتلى غير مختونين صُلي عليه، ودفن في مقابر المسلمين، وتعقبه أبو شامة بأن شعائر الدين ليست كلها واجبة، وما ادعاه في المقتول مردود؛ لأن اليهود، وكثير من النصاري يختتنون فليقيد ما ذكر بالقرينة.
قال الحافظ: قد بطل دليله. قال البيهقي: أحسن الحجج أن يحتج بحديث أبي هريرة الذي في الصحيحين مرفوعا: "اختتن إبراهيم وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم" وقد قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل: ١٢٣]، وصح عن ابن عباس: أن الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم فأتمهن هى خصال الفطرة، ومنهن الختان والابتلاء غالبا إنما يقع بما يكون واجبًا، وتعقب بأنه لا يلزم ما ذكر إلا إذا كان
[ ١ / ٣٤٧ ]
إبراهيم ﵇ فعله على سبيل الوجوب فإنه من الجائز أن يكون فعله على سبيل الندب فيحصل امتثال الأمر باتباعه على وفق ما فعل، وقد قال الله تعالى في حق نبيه محمد - ﷺ -: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: آية ١٥٨] وقد تقرر في الأصل أن أفعاله بمجردها لا تدل على الوجوب، وأيضًا فباقي الكلمات العشر ليست واجبة، وقال الماوردي إن إبراهيم ﵇ لا يفعل ذلك في مثل سنه إلا عن أمر من الله. اهـ. وما قاله بحثا قد جاء منقولا، فأخرج أبو الشيخ في العقيقة من طريق موسى بن عُلَيّ بن رَبَاح، عن أبيه: "أن إبراهيم ﵇ أمر أن يختتن وهو حينئذ ابن ثمانين سنة، فعجل، واختتن بالقدوم فاشتد عليه الوجع، فدعا ربه، فأوحى الله إليه أنك عجلت قبل أن نأمرك بآلته، قال: يا رب كرهت أن أؤخر أمرك".
تنبيه: قال الماوردي: القدوم مخففا ومشددا وهو الفاس الذي اختتن به، وذهب غيره إلى أن المراد به مكان يسمى القدوم، قال أبو عبيد الهروي في الغريبين: يقال: هو كان مَقيله، وقيل: اسم قرية بالشام، وقال أبو شامة: هو موضع بالقرب من القرية التي فيها قبره، وقيل: بقرب جبل حلب، وجزم غير واحد أن الآلة بالتخفيف، وصرح ابن السكيت بأن لا يشدد، وأثبت بعضهم الوجهين في كل منهما، ووقع عند أبي الشيخ من طريق أخرى "أن إبراهيم لما اختتن كان ابن مائة وعشرين سنة، وأنه عاش بعد ذلك إلى أن أكمل مائتي سنة، والأول أشهر، وهو أنه اختتن وهو ابن ثمانين، وعاش بعدها أربعين.
والفرض أن الاستدلال بذلك متوقف على أنه كان في حق إبراهيم ﵇ واجبًا، فإن ثبت ذلك استقام الاستدلال به، وإلا فالنظر باق، اهـ كلام الحافظ فتح جـ ٢/ ص ١٠٩ بتغيير يسير.
[ ١ / ٣٤٨ ]
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى: والحق أنه لم يقم دليل صحيح يدل على الوجوب، والمتيقنُ السنيةُ كما في حديث "خمس من الفطرة" ونحوه، والواجب الوقوف على المتيقن إلى أن يقوم ما يوجب الانتقال عنه.، اهـ جـ ١/ ص ١٧٣.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حققه الشوكاني من عدم الوجوب هو الذي لا يتجه عندي غيره، ولا يتضح لي سواه. والله أعلم.
"المسألة العاشرة" في كيفية الختان:
قال الحافظ ﵀: قال الماوردي: ختان الذكر قطع الجلدة التي تغطي الحشفة، والمستحب أن تُستَوعَبَ من أصلها عند أول الحشفة، وأقل ما يجزئ أن لا يبقى منها ما يُغشَى به شيء من الحشفة، وقال إمام الحرمين: المستحق في الرجال قطع القلفة وهي الجلدة التي تغطي الحشفة حتى لا يبقى من الجلدة شيء مُتَدَلٍّ، وقال ابن الصباغ: حتى تنكشف جميع الحشفة، وقال ابن كج فيما نقله الرافعي: يتأدى الواجب بقطع شيء مما فوق الحشفة وإن قل بشرط أن يستوعب القطع تدوير رأسها، قال النووي: وهو شاذ، والأول هو المعتمد، قال الإمام: والمستحق من ختان المرأة ما يطلق عليه الاسم، قال الماوردي: ختانها قطع جلدة تكون في أعلى فرجها فوق مدخل الذكر كالنواة، أو كعُرْف الديك والواجب قطع الجلدة المستعلية منه دون استئصاله.
وقد أخرج أبو داود من حديث أم عطية: "أن امرأة كانت تختن بالمدينة فقال لها النبي - ﷺ -: "لا تنهكي فإن ذلك أحظى للمرأة" وقال: إنه ليس بقوي، قال الحافظ: وله شاهد من حديث أنس، ومن حديث أم أيمن عند أبي الشيخ في كتاب العقيقة، وآخر عن الضحاك بن قيس
[ ١ / ٣٤٩ ]
عند البيهقي.
وقال أيضا: وقد استحب العلماء من الشافعية فيمن ولد مختونا أن يمر المُوسَى على موضع الختان من غير قطع، قال أبو شامة: وغالب من يولد كذلك لا يكون ختانه تاما بل يظهر طرف الحشفة، فإن كان كذلك وجب تكميله.
وأفاد الشيخ أبو عبد الله بن الحاج في المدخل أنه اختلف في النساء هل يخفضن عموما، أو يفرق بين نساء المشرق فيخفضن، ونساء المغرب فلا يخفضن لعدم الفضلة المشروع قطعها منهن بخلاف نساء المشرق، قال: فمن قال: إن من ولد مختونا استحب إمرار المُوسَى على الموضع امتثالا للأمر قال في حق النساء كذلك، ومن لا فلا. اهـ فتح جـ ٢٢/ ص ١٠٦.
"المسألة الحادية عشرة" في اختلاف العلماء في وقت الختان:
قال الحافظ رحمه الله تعالى: اختلف في الوقت الذي يشرع فيه الختان، قال الماوردي: له وقتان وقت وجوب، ووقت استحباب، فوقت الوجوب البلوغ، ووقت الاستحباب قبله، والاختيار في اليوم السابع من بعد الولادة، وقيل من يوم الولادة، وإن أخر ففي الأربعين يوما، فإن أخر ففي السنة السابعة، فإن بلغ وكان نضوا (^١) نحيفا يعلم من حاله أنه إذا اختتن تلف سقط الوجوب، ويستحب أن لا يؤخر عن وقت الاستحباب إلا لعذر، وذكر القاضي أنه لا يجوز أن يختن الصبي حتى يصير ابن عشر سنين لأنه حينئذ يوم ضربه على ترك الصلاة وألم الختان فوق ألم الضرب فيكون أولى بالتأخير، وزيفه النووي في شرح المهذب، وقال إمام الحرمين: لا يجب قبل البلوغ لأن الصبي ليس من أهل العبادة
_________________
(١) النضو: كالحِمْل: المهزول، أفاده في المصباح.
[ ١ / ٣٥٠ ]
المتعلقة بالبدن فكيف مع الألم، قال: ولا يرد وجوب العدة على الصبية لأنه لا يتعلق به تعب بل هو مضي زمان محض، وقال أبو الفرج السرخسي في ختان الصبي وهو صغير مصلحة من جهة أن الجلد بعد التمييز يغلظ ويخشن فمن ثم جوز الأئمة الختان قبل ذلك.
ونقل ابن المنذر عن الحسن، ومالك كراهة الختان يوم السابع لأنه فعل اليهود، وقال مالك: يحسن إذا أثْغَرَ، أي ألقى ثَغْرَه، وهو مقدم أسنانه، وذلك يكون في السبع سنين وما حولها، وعن الليث يستحب
ما بين سبع سنين إلى عشر سنين، وعن أحمد لم أسمع فيه شيئا.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس: قال: "سبع من السنة في الصبي: يسمى في السابع، ويختن" … الحديث، وهو ضعيف، وأخرج أبو الشيخ من طريق الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمَّد، عن ابن المنكدر، أو غيره، عن جابر "أن النبي - ﷺ - ختن حسنا وحسينا لسبعة أياما" قال الوليد فسألت مالكا عنه؟ فقال: لا أدري، ولكن الختان طهرة فكلما قدمها كان أحب إليّ وأخرج البيهقي حديث جابر، وأخرج أيضا من طريق موسى بن عُلَيّ، عن أبيه أن إبراهيم ﵇ ختن إسحاق، وهو ابن سبعة أيام.
قال الحافظ: وقد ذكرت في أبواب الوليمة من كتاب النكاح مشروعية الدعوة في الختان، وما أخرجه أحمد من طريق الحسن، عن عثمان بن أبي العاص أنه دعي إلى ختان، فقال: ما كنا نأتي الختان على عهد رسول الله - ﷺ - ولا نُدعَى له، وأخرجه أبو الشيخ من رواية فبَيَّنَ أنه كان ختان جارية. وقد نقل الشيخ أبو عبد الله بن الحاج في المدخل أن السنة إظهار ختان الرجل وإخفاء ختان الأنثي. اهـ كلام الحافظ. فتح جـ ٢٢/ ١٠٩.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
[ ١ / ٣٥١ ]