كتب المحقق والمصحح في هذا البحث كلاما نفيسا، أبان عن شدة اعتنائهما وتحريهما في هذا الموضوع شكر الله سعيهما، وأنا أنقل خلاصة ما حققاه:
قال المحقق شكر الله سعيه:
تمتاز الكبرى عن الصغرى بعدة أمور، وقد تبين لي ذلك من خلال المقابلة التي أجريتها بين المجتبى المطبوع وبين المجلدين الكبيرين من السنن الكبرى الموجودين في الخزانة الملكية بالرباط تحت رقم ٥٩٥٥، وهي:
١ - أنه يوجد في الكبرى زيادة كتب ليست في المجتبى، منها: كتاب السير، والمناقب، والنعوت، والطب، والفرائض، الوليمة، التعبير، فضائل القرآن، العلم … الخ. ولا تنقص الكبرى عن المجتبى من الكتب سوى الإيمان وشرائعه، والصلح كما تقدم عن نص أبي علي الغساني، وهذا يعطي للكبرى مَيزَة الكبر والاتساع لتلمَّ بجميع الكتب مما يصح أن يطلق معه عليها المصنّف أو الجامع الآتي تفسيرهما.
٢ - أنه يدخل في الكبرى كتب ألِّفَت مستقلة، ثم ضمها إليها مصنفها، ووضعها في المكان المناسب لها، مثل كتاب فضائل القرآن، فقد نص الزركشي (ت ٧٩٤) في كتابه البرهان في علوم القرآن أنه ألفه مستقلا.
أما كتابه خصائص علي: فهو مشهور جدا أنه ألفه مستقلا، وقد تقدم سبب تأليفه، في ترجمته، ثم ضمه إلى الكبرى مع فضائل الصحابة الذي ألفه بعد ذلك.
[ ١ / ٥٥ ]
ومثله كتاب التفسير، فقد نص الذهبي على أنه مستقل، ويقع في مجلد وقد روى مع الكبرى، وأما عمل اليوم والليلة، فقد روى عن طريق أبي محمَّد الباجي عن ابن الأحمر، وابن سيار مع الكبرى، ومن طريق بقية الرواة مستقلا.
٣ - أن الكبرى تزيد على الصغري بعدد الأبواب، ومن ثم بعدد الأحاديث، ولنأخذ على سبيل المثال كتاب الصوم نجد فيه أبوابا كثيرة ليست في المجتبى منها: صيام يوم الأربعاء، تحريم صيام يوم الفطر ويوم النحر، وصيام يوم عرفة، والفضل في ذلك. إفطار يوم عرفة بعرفة، التأكيد في صوم يوم عاشوراء، صيام ستة أيام من شوال، صيام الحي عن الميت، صيام المحرم، صيام شعبان، اغتسال الصائم، والسواك للصائم، والسعوط للصائم، القبلة في شهر رمضان، ما يجب على من يجامع امرأته … الخ، وهكذا تزيد الكبرى عن الصغرى بأربعة وستين بابا، ويبدوا أن هذا الكتاب أكثر الكتب زيادات على المجتبى.
٤ - أن كثرة الأبواب تستتبع زيادة في تعليل الأحاديث، وذلك حين يوردها مبينا ما فيها من العلل والوقف والإرسال، وغير ذلك، وهذا غير قليل في الكبرى، وقد تفنن في هذا تفننا عجيبا، ومع هذا فقد نجد في المجتبى كلمة موضحة أو لفظة زائدة في الإسناد أو في المتن ولا نجدها في الكبرى، وإن كان هذا قليلًا، مع وجود أحاديث في المجتبى ليست في الكبرى.
٥ - أنه يستعمل في مطلع إسناده لفظ أخبرنا، وأحيانا أخبرني، وهذا مما انفرد به عن بقية الستة، فإنهم يستعملون حدثنا وغيرها أيضا.
قال الجامع: وسيأتي البحث عن هذه المسألة في هذا الجامع إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ٥٦ ]
وأما في الكبرى: فيتوسع حتى أنه يستعمل أحيانا البلاغات كقوله: بلغني عن ابن وهب عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، قال: سمعت سليمان بن يسار أنه سمع الحكم بن الزرقي يقول: حدثتني أمي "أنهم كانوا مع رسول الله - ﷺ - بمنى، فسمعوا راكبا يصرخ يقول: ألا، لا يصومَنَّ أحد، فإنها أيام أكل وشرب". قال أبو عبد الرحمن: ما علمت أحدا تابع مخرمة على هذا الحديث الحكم الزرقي، والصواب مسعود بن الحكم.
٦ - في المجتبَى زيادة تراجم وأبواب واستنباطات لا توجد في الكبرى كما في ترجمته في كتاب الطهارة في الكبرى: "النهي عن استقبال القبلة واستدبارها عند الحاجة، والأمر باستقبال المشرق والمغرب"، وساق تحته حديثين عن أبي أيوب الأنصاري، وجعل هذه الترجمة في المجتبى ثلاث تراجم: "النهي عن استقبال القبلة عند الحاجة"، "النهي عن استدبار القبلة عند الحاجة"، "الأمر باستقبال المشرق والمغرب عند الحاجة"، وأضاف في المجتبى حديثا ليس في الكبرى، ولهذا نظائر كثيرة مبثوثة في ثنايا المجتبى لاسيما الكتب الأوَلُ من الطهارة، والصلاة، والحج، والصوم …
٧ - أما رجاله ومنهجه في الانتقاء فهو واحد تقريبا في الكتابين، وإن كان في الكبرى بعض رجال ليسوا في المجتبى فهذا تبع لسعة الكتاب وزياداته، ولا يخرجون عن الإطار العام الذي ينتقي به النسائي رجاله، اهـ خلاصة ما كتبه المحقق. وهو بحث نفيس. شكر الله سعيه.
وأما مصحح السنن الكبرى فقد كتب في هذا الموضوع بحثا نفيسا أيضا، وهو قريب مما كتبه المحقق، فنتيجتهما سواء، ولكن هذا عمل تدقيقا عجيبا حيث عمل جدولا للمقابلة بين تراجم الكتابين فأتى بأبدع
[ ١ / ٥٧ ]
مقابلة، جعل تراجم الأبواب من كتاب الطهارة فيهما في جدولين متقابلين مع عد أرقامها فيهما، ووضع عدد الأحاديث الموجودة في كل باب، استنتج من ذلك تنقيح المصنف، وتحسينه في المجتبى حيث إن مَنْ يعيد النظر في تأليفه الأول لا بد من ان يتبين له من المناسبة والتحرير ما لم يظهر له في الأول.
قال في المقدمة في هذا الموضوع: قد اشتمل هذا الجزء على ٤٢١ حديثا بما فيه من أحاديث الكبرى وأحاديث من المجتبى مما لاوجود لها في الكبرى.
وهذا تفصيل الأحاديث: ٢٨٥ حديثًا مشتركًا بينهما، و٣٢ حديثًا تختص بها الكبرى، و١١٣ حديثًا تختص بها الصغرى، فالمجموع ٤٢١ حديثًا.
فقد ظهر من هذا التفصيل أن عدد الأحاديث الموجودة في الكبرى من كتاب الطهارة ٣٠٨ حديثا فقط، انتخب المصنف منها ٢٨٥ حديثًا، وترك منها ٢٣ حديثًا، ولكننا نجد بإزاء ذلك أن المصنف قد أضاف ١١٣ حديثًا إلى ما اجتباه من أصل مصنفه حين صنف المجتبى، ونجد كذلك إضافة زائدة على عدد تراجم الأبواب الموجودة في الكبرى، فعددها في الكبرى ١٨٤ بابًا، وفي المجتبى ٢٧٥ بابًا أي بزيادة ٩١ بابًا.
ونستنبط من هذه الزيادات أن كتاب المجتبى ليس محدودا على انتخاب من السنن الكبرى فحسب، بل فيه شيء كثير زيد عليها عند الانتخاب، فقد زاد فيه على الأصل كما قد نقص منه.
[ ١ / ٥٨ ]