كتب المحقق في هذا الموضوع بحثًا نفيسًا، أنقل خلاصته هنا فأقول: قال: لم ينقل عن النسائي اسم الكتابه على عادة أغلب المؤلفين في ذلك العصر يقولون: كتاب فلان. وقد اشتهر كتاب النسائي باسم السنن، والسنن في عرف المحدثين هو الكتاب الذي يوضع مرتبا على أبواب الفقه، من الإيمان، والطهارة، والصلاة، والزكاة، وهكذا، وقيل: السنن الكبرى، والصغرى، وقد قيل في الكبرى مصنف الإمام النسائي، والمصنّف: مأخوذ من التصنيف، أي أن الكاتب جعل كتابه أصنافا، وميز بعضها عن بعض، وكلا الإسمين ينطبق على كتاب النسائي الكبير إلا أن السنن الكبرى من ناحية الاصطلاح هي إلى اسم الجامع أقرب، لأن الجامع في اصطلاحهم هي ما يوجد فيه جميع أقسام الحديث.
قال الجامع عفا الله عنه: هي المجموعة في قولي (من الرجز):
الجامعُ الذي حَوَى مَنَاقبًا … وسيَرًاوفتَنًا، وأدَبَا
تفسيرًا الشُّرُوط، والعَقَائدا … والثَّامنُ الأحكامُ خُذْ نلتَ الهُدى
قال المحقق: وهذا الوصف يتحقق في السنن الكبرى، ولا يتحقق في الصغرى، ولم أجد أحدا وصف السنن الكبرى بالجامع لكنهم قالوا: مصنف النسائي.
وقد سُمِّيت الكبرى بديوان النسائي كما جاء في بعض نسخ الكبرى، في آخره ما نصه:
كمل السطر (^١) الثالث، وبتمامه كمل ديوان النسائي رحمه الله تعالى.
_________________
(١) هكذا النسخة للمحقق، ولعل الصواب السفر بالفاء فليحرر.
[ ١ / ٦٦ ]
والديوان هو مجتمع الصحف المكتوبة، والكتاب يكتب فيه أهل الجيش، وأهل العطية، وقال في المصباح المنير: جريدة الحساب، ثم أطلق على الحساب، ثم أطلق علي موضع الحساب وهو فارسي معرب، وهذه التسمية صحيحة، ودقيقة، فهذا المصنف مجتمع هذه الصحف التي كتبها الإمام النسائي، فهي ديوان.
أما الصغرى: فقد سميت المجتبى بالباء، وبعضهم قال: المجتنى بالنون. والمجتبى معناه: المجموع على جهة الاصطفاء كما قال الله تعالى: ﴿فاجتباه ربه﴾ [القلم: آية ٥٠] واجتباء الله تخصيصه إياه بنعم من غير كسب، وهذه التسمية للسنن الصغرى صحيحة لأنه اصطفاه من كتابه الكبير، وخص به أمير الرملة دون تعب منه ولا جهد.
قال الجامع: هذا على تقدير صحة هذه القصة، وقد عرفت ما فيها.
وأما المجتنى بالنون: فهو مأخوذ من جنى إذا اجتنى الثمرة واقتطفها، وجرها إليه. والمجنى مختص بالثمر والعسل، وأكثر ما يستعمل فيما كان غَضّا، كما قال تعالى: ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: ٢٥]،
ويصح إطلاق هذا الاسم على الصغرى لأنه اقتطفها من رياض السنن الكبرى.
قال المحقق: ولم يظهر لي حتى الآن من الذي أطلق هذا الاسم على الصغرى إلا أن التسمية قديمة جدًا بالتأكيد، وهي كذلك دليل على اصطفاء مؤلفها من ديوانه الكبير. اهـ خلاصة ما كتبه المحقق شكر الله سعيه.
[ ١ / ٦٧ ]