كان ﵀ من المتشددين في الجرح كما نص على ذلك غير واحد من الحفاظ، فقد تقدم قريبا أن سعد بن علي الزنجاني قال: إن لأبي عبد الرحمن النسائي شرطا في الرجال أشد من شرط البخاري ومسلم، وأن الذهبي قال: صدق، فإنه ليَّن جماعة من رجال الصحيحين.
وقد قسم الحافظ أبو الفضل بن طاهر المقدسي أحاديث المجتبى ثلاثة
أقسام، ومثله أبو داود: الأول الصحيح المخرج في الصحيحين، وهو أكثر كتابه. الثاني: صحيح على شرطهما. الثالث: أحاديث أبان عن علتها بما يفهمه أهل المعرفة.
وذكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في مقدمته عن أبي عبد الله بن منده أنه سمع محمد بن سعد الباوردي بمصر يقول: كان من مذهب أبي عبد الرحمن النسائي أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه، قال ابن منده: ومثله أبو داود، وإلى ذلك أشار العراقي في ألفيته حيث قال:
والنَّسَئي يُخْرجُ مَنْ لَمْ يُجْمعُوا … عَلَيْه تَرْكًا مَذْهَب مُتَّسعُ
وقوله مذهب متسع، أي إن لم يرد به إجماعًا خاصًا، وذلك أن الحافظ ابن حجر ﵀ قال: إن ذلك إجماع خاص، وذلك أن كل طبقة من نقاد الرجال لا تخلو من متشدد ومتوسط، فمن الأولى شعبة، والثوري، وشعبة أشدهما، ومن الثانية يحيى القطان، وابن مهدي، ويحيى أشدهما، ومن الثالثة: ابن معين، وأحمد، وابن معين أشدهما، ومن الرابعة أبو حاتم، والبخارى، وأبو حاتم أشدهما. فقال النسائي: لا يترك الرجل عندي حتى يجتمع الجميع على تركه، فهذا وثقه ابن مهدي، وضعفه يحيى القطان مثلا لا يُتْرَكُ لما عُرف من تشدد يحيى، ومَن هو
[ ١ / ٢٣ ]
مثله في النقد؟ وإذا تقرر ذلك ظهر أن الذي يتبادر إلى الذهن من أن مذهب النسائي في الرجال مذهب متسع ليس كذلك، فكم من رجل أخرج له أبو داود، والترمذي تجنب النسائي إخراجَ حديثه، بل تجنب إخراج حديث جماعة من رجال الصحيحين.
قال الجامع عفا الله عنه:
هذا الذي نقله ابن الصلاح عن ابن منده عن محمَّد بن سعد من أن
مذهب النسائي أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه، وتشبيه ابن منده عمله بعمل أبي داود غير صحيح لمخالفته صنيعه في سننه، بل الصحيح ما تقدم عن سعد بن علي الزنجاني، ووافقه عليه الذهبي فإن من تتبع عمله في سننه يظهر له ذلك، فالنسائي أشد انتقاء بخلاف أبي داود. والله أعلم.
وكَتَبَ السيوطي ﵀ في مقدمة شرحه لهذا الكتاب المسمى بزهر الربى على المجتبى، ما نصه:
قال الحافظ أبو الفضل بن طاهر في شروط الأئمة: كتاب أبي داود والنسائي ينقسم على ثلاثة أقسام:
الأول: الصحيح المخرج في الصحيحين.
الثاني: صحيح على شرطهما، وقد حكى أبو عبد الله بن منده: أن شرطهما إخراج أحاديث أقوام لم يجمع على تركهم إذا صح الحديث باتصال الإسناد من غير قطع، ولا إرسال فيكون هذا القسم من الصحيح إلا أنه طريق دون طريق ما أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما، بل طريقه طريق ما ترك البخاري ومسلم من الصحيح لما بينا أنهما تركا كثيرا من الصحيح الذي حفظاه.
[ ١ / ٢٤ ]
الثالث: أحاديث أخرجاها من غير قطع منهما بصحتها، وقد أبانا علتها بما يفهمه أهل المعرفة، وإنما أودعا هذا القسم في كتابيهما لأنه رواية قوم لها (^١) واحتجاجهم بها فأورداها وبينا سقمها لتزول الشبهة، وذلك إذا لم يجدا له طريقا غيره لأنه عندهما أقوى من رأي الرجال.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الكلام فيه نظر لأن أوله يدل على أنهما ما أوردا تلك الأحاديث إلا لبيان عللها، وآخره يدل على أنهما أورداها للاحتجاج بها حيث قال: إنها أقوى عندهما من رأي الرجال، وهذا تناقض، وأيضا فإن هذا الكلام لا يستقيم مع عمل النسائي إلا إذا أراد السنن الكبرى.
وقال ابن الصلاح: حكى أبو عبد الله بن منده أنه سمع محمَّد بن سعد الباوردي بمصر يقول: كان من مذهب أبي عبد الرحمن النسائي أن يخرج أحاديث من لم يجمع على تركه. قال الحافظ أبو الفضل العراقي: وهذا مذهب متسع (^٢). قال الحافظ أبو الفضل ابن حجر في نكته على ابن الصلاح: ما حكاه عن الباوردي أن النسائي يخرج أحاديث من لم يجمع على تركه، فإنه أراد بذلك إجماعا خاصا، وذلك أن كل طبقة من نقاد الرجال لا تخلو من متشدد ومتوسط: فمن الأولى شعبة وسفيان إلى آخر ما قدمناه في كلام الحافظ.
وقال أحمد بن محبوب الرملي: سمعت النسائي يقول: لما عزمت على جمع السنن استخرت الله تعالى في الرواية عن شيوخ كان في القلب
_________________
(١) كذا النسخة، ولعل الصواب لأجل رواية قوم .. إلخ.
(٢) قلت: بل هو كما قاله الحافظ من أن المراد إجماع خاص، وليس كما يتبادر إلى الذهن، هذا كله إن صح هذا المذهب منسوبا إلى النسائي، وإلا فعمله في سننه لا يتمشى عليه، ولا سيما المجتبى، بل ما نقل عنه الآتي قريبا ينافيه، فليس مذهبه مذهب تساهل بل هو لا يزال متشددا، ولا سيما في المجتبى، فتنبه.
[ ١ / ٢٥ ]
منهم بعض الشيء فوقعت الخيرة على تركهم فتركت جملة من الحديث كنت أعلو فيها عنهم. قال الحافظ أبو طالب أحمد بن نصر شيخ الدارقطني: مَن يَصبرُ على ما يَصبر عليه النسائي؟ كان عنده حديث ابن لهيعة ترجمة ترجمة فما حدث عنه بشيء. قال الحافظ ابن حجر: وكان عنده عاليا عن قتيبة عنه، ولم يحدث به لا في السنن ولا في غيرها.
وقال أبو جعفر بن الزبير: أولى ما أرشدُ إليه ما اتفق المسلمون على اعتماده: وذلك الكتب الخمسة، والموطأ الذي تقدمها وضعا، ولم يتأخر عنها رتبة، وقد اختلف مقاصدهم فيها، وللصحيحين فيها شفوف، وللبخاري لمن أراد التفقه مقاصد جميلة، ولأبي داود في حصر أحاديث الأحكام واستيعابها ما ليس لغيره، وللترمذي في فنون الصناعة الحديثية ما لم يشاركه غيره، وقد سلك النسائي أغمض تلك
المسالك وأجلها.
وقال الحسن المعافري: إذا نظرت إلى ما يخرجه أهل الحديث فما خرجه النسائي أقرب إلى الصحة مما خرجه غيره. وقال الإمام أبو عبد الله بن رُشَيد: كتاب النسائي أبدع الكتب المصنفة في السنن تصنيفا، وأحسنها ترصيفا، وكان كتابه جامعا بين طريقي البخاري ومسلم، مع حظ كثير من بيان العلل.
وبالجملة فكتاب السنن أقل الكتب بعد الصحيحين حديثًا ضعيفًا، ورجلا مجروحًا (^١) ويقاربه كتاب أبي داود، وكتاب الترمذي، ويقابله من الطرف الآخر كتاب ابن ماجه فإنه تفرد فيه بإخراج أحاديث عن رجال متهمين بالكذب وسرقة الأحاديث، وبعض تلك الأحاديث لا تعرف إلا من جهتهم، مثل حَبيب بن أبي حَبيب كاتب مالك، والعلاء بن زيد،
_________________
(١) وسيأتي في كلام السخاوي، أنه إنما أخروه عن أبي داود والترمذي لتأخره عنهما وفاة.
[ ١ / ٢٦ ]
وداود بن المحبر، وعبد الوهاب بن الضحاك، وإسماعيل بن زياد السكوني، وعبد السلام بن يحيى أبي الجنوب، وغيرهم.
وأما ما حكاه ابن طاهر عن أبي زرعة الرازي أنه نظر فيه فقال: لعله لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثا مما فيه ضعف فهي حكاية لا تصح، لانقطاع سندها، وإن كانت محفوظة فلعله أراد ما فيه من الأحاديث الساقطة إلى الغاية، أو كأنه ما رأى من الكتاب إلا جزاء منه فيه هذا القدر، وقد حكم أبو زرعة على أحاديث كثيرة منه بكونها باطلة أو ساقطة، أو منكرة، وذلك محكي في كتاب العلل لابن أبي حاتم.
وقال محمَّد بن معاوية الأحمر -الراوي عن النسائي- قال النسائي: كتاب السنن كله صحيح، وبعضه معلول، إلا أنه لم يبين علتة، والمتتخب المسمى بالمجتبى صحيح كله. وذكر بعضهم أن النسائي لما صنف السنن الكبرى أهداه إلى أمير الرملة، فقال له الأمير: أَكُلُّ ما في هذا صحيح؟ قال: لا، قال: فجرد الصحيح منه فصنف المجتبى، وهو بالباء الموحدة، قال الزركشي في تخريج الرافعي: ويقال: بالنون أيضا، وقال القاضي تاج الدين السبكي: سنن النسائي التي هي إحدى الكتب الستة هي الصغرى، لا الكبرى وهي التي يخرجون عليها الرجال، ويعملون الأطراف.
قال الجامع عفا الله عنه: في هذا الكلام نظر، فإن العلماء أدخلوا الكبرى في الأطراف أيضا، كما فعل أبو الحجاج المزي وغيره، وسيأتي مزيد بسط لذلك إن شاء الله تعالى.
وقال الحافظ أبو الفضل ابن حجر: قد أطلق اسم الصحة على كتاب النسائي أبو علي النيسابوري، وأبو أحمد بن عدي، وأبو الحسن الدارقطني، وأبو عبد الله الحاكم، وابن منده، وعبد الغني بن سعيد،
[ ١ / ٢٧ ]
وأبو يعلى الخليلي، وأبو علي بن السكن، وأبو بكر الخطيب وغيرهم.
وقال الخليلي في الإرشاد في ترجمة بعض الرواة الدينوريين: سمع من أبي بكر بن السني صحيح أبي عبد الرحمن النسائي.
وقال أبو عبد الله بن منده: الذين خرجوا الصحيح أربعة: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
وقال السلفي: الكتب الخمسة اتفق على صحتهما علماء المشرق والمغرب.
قال النووي: مراده أن معظم كتب الثلاثة سوى الصحيحين يحتج به.
وقال الزركشي في نكته عَلى ابن الصلاح تسمية الكتب الثلاثة صحاحا: إما باعتبار الأغلب لأن غالبها الصحاح والحسان، وهي ملحقة بالصحاح، والضعيف منها ربما التحق بالحسن، فإطلاق الصحة عليها من باب التغليب. اهـ ما كتبه السيوطي في مقدمة شرحه. جـ ١/ ص ٦.
وكتب محقق عمل اليوم والليلة للمصنف في دراساته فوائد حسنة أحببت إيرادها هنا وإن كان فيها طول لحسنها. قال بَعْدَ نقل ما تقدم عن الحافظ وغيره: فبهذا يظهر أن النسائي أخرج أحاديث الثقات فقط، والآخرون نص على ضعفهم كما يظهر من خلال سننه، فهذا تتبعناها وجدنا أنه يتوخى إخراج أقوى ما في الباب من الأحاديث ويعتمد العدالة والضبط في الحديث بقطع النظر عن المعتقد والاتجاه المذهبي، فقد روى عن الجُوزَجَاني مثلا، وفيه انحراف عن علي وأهل الكوفة، وهو -يعني النسائي- ميال إلى التشيع كما تقدم، وأخرج عن عمر بن سعد بن أبي وقاص المدني، وهو الذي كان أميرًا على الجيش الذي قتل الحسين ابن علي ﵄، وكذلك وثق أسد بن وداعة، وهو ناصبي شديد النصب، كما روى عن الأجلح في اليوم والليلة، وكان مسرفا في
[ ١ / ٢٨ ]
التشيع، وروى عن شمر بن عطية الأسدي في اليوم والليلة، وكان عثمانيا، وروايته عن الشيعة الحفاظ الضابطين، ولو كانوا مسرفين فكثيرة خصوصا في مسند علي كما يتبين لنا من خلال كتب الرجال؛ لأنّ المسند لم نره.
وإننا لنلاحظ أن القسم الثالث من الأحاديث التي أخرجها، وفيها ضعف كان يخرجها لأنه لم يجد غيرها، أو ذكرها لزيادة فيها على الأحاديث الصحيحة كما بين ذلك ﵀.
فانظر مثلا قوله: أخبرنا أبو حاتم السجستاني، قال: حدثنا عبد الله ابن رجاء، قال: حدثني سعيد بن سلمة، قال حدثني عمرو بن عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن عبد المطلب، عن أنس بن مالك: أن رسول الله - ﷺ - كان إذا دعا قال: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز، والكسل، والبخل، والجبن، وضلع الدين، وغلبة الرجال".
قال أبو عبد الرحمن: سعيد بن سلمة شيخ ضعيف، وإنما أخرجناه للزيادة في الحديث، وكان قد أخرجه بإسناد آخر من غير طريق سعيد بن سلمة. انظر المجتبى، ٨/ ٢٥٨.
وكما في حديث الخطبة قبل يوم التروية الذي رواه جابر بن عبد الله، وفيه إرسال علي ﵁ إلى الموسم، وقراءة سورة براءة، وأبو بكر أمير الموسم، فعقب ذلك بقوله: قال أبو عبد الرحمن: ابن خثيم عبد الله بن عثمان بن خثيم ليس بالقوي في الحديث، وإنما أخرجت هذا لئلا يجعل ابن جريج عن أبي الزبير، وما كتبناه إلا عن إسحاق بن إبراهيم، ويحيى بنُ سعيد القطانُ لم يترك ابنَ خثيم ولا عبدُ الرحمن، إلا أن علي بن المديني قال: ابنُ خثيم منكرُ الحديث، وكان علي بن المديني خُلقَ للحديث.
[ ١ / ٢٩ ]
ومن هذا النص يتبين لنا صواب وجهة النظر التي تبناها ابن حجر في الإخراج عمن لم يجمع على تركه أوّلًا، ثم ميل النسائي إلى التشدد ثانيًا، وهذا يدعونا إلى التأكد بأنه في تعليله للأحاديث وتنويعها لا يخرج عن شرطه الذي رسمه لنفسه فلا يرتضى تعليل حديث برجل واه، أو متروك، فإن كان ضعيفًا بينه ويختار الترجيح على طريقة الأحفظ والأكثر، حتى إن العلامة محمَّد بن إسماعيل الأمير في توضيح الأفكار ١/ ٢٢١، يقول: لا يخفى أنه قال أئمة هذا الشأن في سنن النسائي الكبرى بقولين: الأول: أن شرطه فيها أشد من شرط الشيخين.
الثاني: أن شرطه فيها شرط سنن أبي داود، وهو إخراج حديث من لم يجمع على تركه.
والرأي الثاني هو الصواب والحق، وإن كان في الكبرى قد أخرج عن رجال لم يخرج لهم في المجتبى لكنهم في واقع الأمر على شرطه، وهو في الغالب لا يسكت عن الضعيف بل يبينه بما يستحق، وأظهر في هذا الجانب براعة فائقة وبصيرة نافذة، ومن تتبع كلامه في هذا الجانب تحير من حسن كلامه، كما قال الحاكم النيسابوري، فانظر مثلا قوله في عمرو بن أبي عمرو: ليس بالقوي في الحديث، وإن كان قد روى عنه مالك تجده في غاية اللطافة، وقوله: سفيان في الزهري ليس بالقوي، وهو سفيان بن حسين، وقوله في محمد بن الزبير الحنظلي: ضعيف لا تقوم بمثله حجة، وقد اختلف عليه في هذا الحديث ثم بدأ يسوق اختلاف رواياته التي اضطرب بها مبررا دليله على ذلك، انظر المجتبى ٧/ ٢٨.
وهو في صنيعه هذا قد فاق أصحاب الكتب الستة؛ لأن الإمام البخاري لا يعرج على ذلك، وأما مسلم: فيُعنَي بالأسانيد لزيادات في ألفاظ المتون. وأما أبو داود: فكانت عنايته مُنْصَبَّةً على إخرج أحاديث الأحكام، وكفى.
[ ١ / ٣٠ ]
قال الجامع عفا الله عنه: وفي هذا نظر فإن أبا داود كلامه على الأحاديث المعللة كثر من كلام النسائي فيها، بل الأمر الذي فاق فيه النسائي عليه تشدده في الرجال وانتقاء الأحاديث، فتأمل.
قال: وأما الترمذي: فكتابه فيه الكثير من الصنعة الحديثية، وبعض البيان للعلل مع بيان مذاهب الفقهاء، إلا أنه أخرج عن رجال تحاشى النسائي، وأبو داود الإخراجَ لهم.
وأما النسائي: فيُعنَى بكل ذلك، وَيُبَيِّن العلل، ويُبْرزُ أوهامَ الحفاظ الأعلام، فتجد في كتابه ما لا تجده في غيره من هذا الجانب، والجوانب الأخرى، لا يقصر عنهم فيها، وإليك بعض الأمثلة: يقول: أخبرنا محمَّد بن المثنى، قال: حدثنا الأنصاري، قال: حدثنا محمَّد بن عمرو، عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد، عن زيد بن ثابت، قال: نزلت هذه الآية ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: آية ٩٣] الآية كلها بعد الآية التي نزلت في الفرقان بستة أشهر. قال أبو عبد الرحمن: محمَّد بن عمرو لم يسمعه من أبي الزناد. أخبرنا محمَّد بن بشار عن عبد الوهاب، قال: حدثنا محمَّد بن عمرو، عن موسى بن عقبة، عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد، عن زيد في قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ .. قال نزلت هذه الآية بعد التي في الفرقان بثمانية أشهر ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: آية ٦٨]، قال أبو عبد الرحمن: أدخل أبو الزناد بينه وبين خارجة مجالد بن عوف.
أخبرنا عمرو بن علي، عن مسلم بن إبراهيم فقال: حدثنا حماد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبي الزناد، عن مجالد بن عوف، قال: سمعت خارجة بن زيد بن ثابت يحدث عن أبيه، أنه قال: وساق الحديث.
[ ١ / ٣١ ]
وبيانه للعلل جعله يتكلم كثيرا في الجرح والتعديل الذي تلقفه الأئمة من بعده فاعتمدوه وجعلوه حجة في التعديل أو التجريح، فإذا أخذت كتابا من كتب الرجال، فقلما تجد رجلًا إلا وقد أبدى فيه رأيه، نقلوا ذلك من سننه، ومن كتبه الأخرى، وإنهم ليجعلون تعديله حجة، وتوثيقه معتمدًا، وكذلك جرحه؛ لأنه كان في غاية التحري والدقة، حتى إن قصته مع أحمد بن صالح المصري التي لم يوافقه عليها الجمهور قالوا عن ذلك: إن كلامه حقّ لكنه من باب عين السخط تبدي المساويا، وذلك مغمور في فضائل أحمد بن صالح المصري، وفي هذا يقول أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: قلت: النسائي إمام حجة في الجرح والتعديل، وإذا نسب مثله إلى مثل هذا كان وجهه: أن عين السخط تبدي مساوئ لها في الباطن مخارج صحيحة تَعْمَى عنها بحجاب السخط، لا أن ذلك يقع من مثله تعمدا لقدح يعلم بطلانه، وذلك أن أحمد بن صالح كانت آفته الكبْر وشَراسَة الخلق، قال المحقق المذكور: وأقول: لو كان ذلك بغير حق لكان مغمورا في بحر فضائل أبي عبد الرحمن ﵀؛ لأن الإنسان مهما بلغ لا يمكنه الانسلاخ من بشريته.
قال الجامع: قلت في هذا الكلام نظر، إذ لو تبين أن النسائي جرحه وهو يعلم كونه بغير حق لارتفعت الثقة عنه، إذ لا يؤمن أن يَجرَح كل من غضب عليه بغير ما عليه، وما أبعدَ العلماءَ عن هذا، ولا سيما أهل الحديث، بل الصواب ما أول به أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى. فتأمل. والله أعلم.
وقد قيل: إن النسائي يخرج عن رجال مجهولين حالا أو عينا، وواقع الأمران إخراجه عن هذه الطائفة لا تغض من قيمة مصنفه خصوصا المجهول الحال، وذلك مذهب لعدد من المحدثين أصحاب
[ ١ / ٣٢ ]
الصحاح: منهم ابن حبان في صحيحه، ومذهبه أن الراوي المجهول الحال إذا روى عن ثقة، وروى عنه ثقة، ولم يأت بما ينكر، اعتبر حديثه صحيحا ووثقه، وكتابه الثقات مليء بهؤلاء. وهو مذهب معقول مقبول ارتضاه غير واحد من الأئمة: منهم أمير المؤمنين الحافظ ابن حجر العسقلاني، وعده من قبيل إدخال الحسن في قسم الصحيح، وذلك اصطلاح ولا مشاحة فيه، كما أن شيوخه المجهولي الحال والعين كان ابن حجر العسقلاني يرتضي رواية النسائي عنهم توثيقا، وتعديلا، ورفعا للجهالة عنهم، انظر مثلا ترجمة أحمد بن يحيي بن محمَّد بن كثير الحراني تجده يقول مستدركا على الذهبي في قوله: لا يعرف. قلت: بل يكفي في رفع جهالة عينه رواية النسائي، عنه، وفي التعريف بحاله توثيقه له. وقال في بذل الماعون في فضل الطاعون، عن أبي بلج يحيى الكوفي الكبير: يكفي في تقويته توثيق النسائي، وأبي حاتم مع تشددهما. بل إن الحافظ صلاح الدين العلائي يقول تعليقا على حديث "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود" وفي إسناده عبد الملك بن زيد، وعبد الملك بن زيد هذا قال فيه النسائي: لا بأس به، ووثقه ابن حبان، فالحديث حسن إن شاء الله تعالى، لا سيما مع إخراج النسائي له فإنه لم يخرج في كتابه منكرا ولا واهيا، ولا عن رجل متروك، وفي ميزان الاعتدال في ترجمة أحمد بن عبد الرحمن البسري أبي الوليد، وقد أخرج له الترمذي والنسائي، وابن ماجه. قال الخطيب: وأبو الوليد ليس حاله عندنا ما ذكر الباغندي عن السكري، بل كان من أهل الصدق حدث عنه النسائي وحسبك به. ومن انتقاء النسائي وشدة تحريه استنتج التهانوي نتيجة هامة، حيث قال في كتابه قواعد في علوم الحديث: وكذا من حدث عنه النسائي فهو ثقة، وتقيد هذه القاعدة في حالة عدم تضعيفه هو له. وقال أيضًا: وكذا من أخرج له النسائي في المجتبى، وسكت
[ ١ / ٣٣ ]
عنه فهو حجة.
وبالجملة فالمجتبى، ويلحق به السنن الكبرى أقل الكتب الستة بعد الصحيحين حديثا ضعيفًا، على أنه إذا جردت السنن من الأحاديث التي ضعفها مصنفها لبقيت كلها صحيحة، ولا تنزل عن درجة الصحيحين، وإن كنا لا ننسى أن المجتبى قد عده كثير من العلماء بهذه المرتبة، كما أنه لم ينقل عن أحد من العلماء أنه ذكر حديثا موضوعا في سنن النسائي إلا ما كان من صنيع ابن الجوزي، فإنه ذكر حديثا واحدا، وقد رد عليه، بينما ذكر عدة أحاديث من بقية السنن: أربعة من سنن أبي داود، وثلاثة وعشرين من الترمذي، وستة عشر من ابن ماجه، وحديثًا واحدا من صحيح مسلم، وهو ما رواه من طريق أبي عامر العقدي، عن أفلح بن سعيد، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن طالت بك مدة أوشك أن ترى قوما يغدون في سخط الله، ويروحون في لعنته، في أيديهم مثل أذناب البقر".
ومنها حديث في صحيح البخاري من رواية حماد بن شاكر، وهو حديث عبد الله بن عمر ﵄، "كيف بك يا ابن عمر إذا عمرت بين قوم يخبئون رزق سنتهم".