اعلم أنه وقع اختلاف بين العلماء في المجتبى هل هي من تصنيف النسائي نفسه، أو من انتخاب ابن السني من السنن الكبرى؟ وقد أشبع الكلام في هذا الموضوع محقق عمل اليوم والليلة، ومصحح السنن الكبرى، بما لا مزيد على تحقيقهما شكر الله سعيهما، وأنا أنقل خلاصة
[ ١ / ٤٧ ]
ذلك، فأقول: قال الأول: ما حاصله: إنه اختلف الناس في هذه المسألة على فريقين: فريق يقول: المجتبى من انتقاء ابن السني، وهو اختصار للسنن الكبرى، وممن قال بهذا الإمام الذهبي، وتبعه على هذا الإمام ابن ناصر الدين، الدمشقي (ت ٧٤٨) يقول الذهبي في ذلك: والذي وقع لنا من سننه هو الكتاب المجتبى من انتخاب أبي بكر بن السني سمعته ملفقا من جماعة سمعوه من ابن باقا بروايته عن أبي زرعة المقدسي سماعا لمعظمه وإجازة لفوت له محدد في الأصل قال: أنبأنا أبو محمَّد عبد الرحمن بن حمد الدُّونيُّ، قال: أنبأنا القاضي أحمد بن الحسين الكسار، أخبرنا: ابن السني، عنه، وكرر نحو هذا الكلام في غير موضع من كتبه. وأما ابن ناصر الدين فقد تابعه على ذلك، ورأيت عبارته في شذرات الذهب لابن العماد في ترجمة ابن السني إذ قال: قال ابن ناصر الدين: اختصر سنن النسائي وسماه المجتبَى.
وتبعه على هذا أيضًا كما قال المصحح عبد الصمد: تلميذه القاضي تاج الدين ابن السبكي (ت ٧٧١) فقال في ترجمة ابن السني من طبقاته ٢/ ٩٦ ما نصه: وصنف في القناعة، وفي عمل اليوم والليلة، واختصر سنن النسائي. اهـ.
قال المصحح: وقد أدى بالسبكي هذا الوهم إلى الظن بفقدان السنن الكبرى من الوجود أصلًا، دون الصغرى، فقد نقل السيوطي عنه في مقدمة زَهْر الرُّبَى قوله: سنن النسائي التي هي إحدى الكتب الستة هي الصغرى لا الكبرى، وهي التي يخرجون عليها الرجال، ويعملون الأطراف، وكأن السيوطي يصدقه في هذا حيث قرره ولم يتعقبه بشيء، فقد غلب على السبكي ما زعمه شيخه الذهبي في سنن النسائي، وغاب عنه ما صنعه شيخه الآخر وهو الحافظ المزي ﵀ حيث عمل أطرافه في تحفة الأشراف على سننن النسائي الكبرى والصغرى معا. اهـ كلام
[ ١ / ٤٨ ]
المصحح بالمعنى. ١/ ٣١.
وأما الفريق الآخر فيرى أن المجتبى من اختصار النسائي نفسه من السنن الكبرى، وليس لابن السني إلا مجرد الرواية، وعلى هذا جُلُّ العلماء الأعلام، وهو المعروف عند الخاص والعام، وهو الذي ارتضاه
المحقق، والمصحح جزاهما الله تعالى.
قال الجامع: لا أرى غيره عند التحقيق، للأدلة الواضحة الرافعة للنِّزَاع والاختصام، التي ذكرها المحقق والمصحح بدقة وانتظام، وأنا أذكر خلاصتها لتكون لهذا الموضوع مسك الختام:
قال المحقق: بعد ذكر نحو ما تقدم من قول الفريق الثاني: ما نصه: وهو الرأي الذي أصوبه، وأرتضيه لدلائل عديدة كما يلي:
منها: أنه لم يقدم لنا الذهبي دليلًا علي هذا الذي جاءنا به، لا نقلا ولا استنباطًا، وان كان هو من الأعلام لكنه خولف، والوهم لا يخلص منه إنسان.
ومنها: وجود مثبتات على ذلك منها ما نقله ابن خير الإشبيلي (ت ٥٧٥) بسنده عن أبي محمَّد بن يربوع قال: قال لي أبو علي الغساني ﵀: كتاب الإيمان والصلح ليسا من المصنَّف إنما هما من المجتبى له -بالباء- في السنن المسندة لأبي عبد الرحمن النسائي اختصره من كتابه الكبير المصنَّف، وذلك أن أحد الأمراء سأله عن كتابه في السنن كله صحيح؟ فقال: لا، قال: فاكتب لنا الصحيح مجردا فصنع المجتبى، فهو المجتبى من السنن ترك كل حديث أورده في السنن مما تكلم في إسناده بالتعليل، روى هذا الكتاب عن أبي عبد الرحمن ابنه عبد الكريم بن
[ ١ / ٤٩ ]
أحمد، ووليد بن القاسم الصوفي، ورواه عن أبي موسى عبد الكريم من أهل الأندلس أيوبُ بنُ الحسن قاضي الثغر، وغيره .. انتهى كلام ابن خير. قال المحقق: وهذا نص ظاهرٌ في الموضوع، وأبو علي الغساني حافظ ثبت قال فيه الذهبي: كان من جهابذة الحفاظ البُصَراء بصيرا بالعربية واللغة، والشعر والأنساب صنف في ذلك كله، ورحل الناس إليه، وعوَّلوا في النقل عليه، وتصدر بجامع قرطبة، وأخذ عنه الأعلام، ووصفوه بالجلالة، والحفظ، والنباهة، والتواضع والصيانة، ولد في المحرم سنة ٤٢٧، وتوفي في ليلة الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شعبان سنة ٤٩٨. اهـ. تذكرة الحفاظ ٤/ ١٢٣٣.
قال الجامع عفا الله عنه: وقصة النسائي مع الأمير الذي سأله تجريد الصحيح من غيره قد أنكرها مصحح السنن الكبرى، كما أن الذهبي أنكرها وإن اختلف وجه إنكارهما وسيأتي الكلام علي ذلك، إن شاء الله تعالى.
قال المحقق: كما أني وجدت مجلدين من المجتبى قديمين جدا كُتبت عليهما سماعات بين سنة ٥٣٠ وسنة ٥٦١ فيهما نص ظاهر أنها من تأليف النسائي، وقد جاء في صدر أحدهما: الجزء الحادي والعشرون من السنن المأثورة عن رسول الله - ﷺ - تأليف أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن بحر النسائي، رواية أبي بكر أحمد بن إسحاق بن السني، عنه. رواية القاضي أبي نصر أحمد بن الحسين بن الكسار عنه. رواية الشيخ أبي محمَّد عبد الرحمن بن محمَّد الدُّوني (^١) عنه. رواية أبي
_________________
(١) نسبة إلى دون قرية من أعمال دينور وهو من آخر من حدث في الدنيا بكتاب النسائي وإليه كانت الرحلة وتوفي سنة ٥٠١ ووصفه في معجم البلدان بأنه رَاويَةُ كتب ابن السني.
[ ١ / ٥٠ ]
الحسن سعد الخير بن محمَّد بن سهل الأنصاري عنه. رواية الشيخ الإمام زين الدين أبي الحسن علي ابن إبراهيم بن نجاد الحنبلي الواعظ.
وفيهما نص ظاهر علي أنها من تأليف النسائي، وابن السني مجرد راوية لها، وإن كان أحد المجلدين قد أكلت أكثره الأرضة فالأخر ما يزال أكثره صالحا واضحًا بخط مشرقي جيد يحمل رقم ٥٦٣٧ بالخزانة الملكية بالرباط وعلى ظهر هذه النسخة كتب بخط قديم، قَدُمَهَا: (قال الطبني: أخبرنى أبو إسحاق الحَبَّال سأل سائل أبا عبد الرحمن … (^١) بعض الأمراء عن كتابه السنن أصحيح كله فقال: لا قال: فاكتب لنا الصحيح مجردا فصنع المجتبي "بالباء" من السنن الكبرى ترك كل حديث أورده في السنن مما تكلم في إسناده بالتعليل وأبو إسحاق الحبال الذي ينقل عنه الطبني هو الحافظ الإمام المتفنن محدث مصر إبراهيم بن سعيد بن عبد الله التجيبي كان من المتشددين في السماع والإجازة يكتب السماع على الأصول، ورعا ثبتا خيرا، وكان يتعاطى التجارة في الكتب، وحصل عنده من الأصول والأجزاء ما ليس عند غيره، وما لايوصف كثرة، ولد سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة، وتوفي سنة ٤٨٢، وقد أطال الذهبي في تذكرة الحفاظ في ترجمته، والثناء عليه، ومثله السيوطي في حسن المحاضرة.
وكذلك نجد أن ابن الأثير الذي جرد الأصول الخمسة، وضم إليها الموطأ جرد المجتبى، وليس السنن الكبرى، وساق إسناده بالمجتبى، وفيه النص الواضح على أن المجتبى من تأليف النسائي ذاته يقول ابن الأثير: إنه قرأه سنة ٥٨٦ على أبي القاسم يعيش بن صدقة الفراتي إمام مدينة السلام الذي قرأه علي أبي الحسن. علي بن أحمد بن الحسن بن
_________________
(١) هكذا في هذا الموضع سقط منه ما لا يتم الكلام إلا به
[ ١ / ٥١ ]
محموية اليزيدي سنة ٥٥١ الذي قرأه على أبي محمَّد عبد الرحمن بن حمد بن الحسن الصوفي الدوني سنة ٥٠٠ في شهر صفر، الذي قرأه على أبي نصر أحمد بن الحسين الكسار بخانكاه "دُونَ" سنة ٤٣٣، الذي قرأه على ابن السني بالدينور سنة ٣٦٣، الذي قال:
حدثنا الإمام الحافظ أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي رحمه الله تعالى بكتاب السنن جمعيه …
وهذا نص واضح قبل الذهبي بما يزيد على قرن ونصف من الزمن، ونص أبي على الغساني أسبق من هذا كذلك. ولو كان المجتبى من صنع ابن السني لاقتضى الأمر من ابن الأثير أن ينص عليه وأن ينسبه إليه، وقد ذكر هو قصة أمير الرَّملة عندما سأل النسائي عن المصنف أصحيح كله؟ قال: لا، قال: فجرد لنا منه الصحيح فصنع المجتبى.
كما أن ابن السني ذاته نص أنه سمع المجتبى من مصنفه بمصر في أكثر من موضع منه، انظر المطبوع ج ٧ ص ١٧١ صدر كتاب الصيد والذبائح، وقد وجدت نسخا مخطوطة ينص على سماعها من النسائي بمصر في صدر المجتبى منها نسخة في الخزانة العامة بالرباَط تحت رقم -١٨٧٧ - ك و-٢٤٠٨ - ك ونجد كذلك الزيلعي، وهو من معاصري الذهبي ينص في غير موضع من كتابه نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية، وفي تخريج أحاديث الكشاف أن السنن الصغرى والكبرى للنسائي، بل أصرح من هذا ما قاله رفيقه في الطلب الحافظ الكبير عماد الدين بن كثير الدمشقي المتوفى سنة -٧٧٤ - في ترجمة النسائي، وقد جمع السنن الكبير وانتخب ما هو أقل حجمًا منه بمرات، وقد وقع لي سماعهما.
وكذلك الحافظ الكبير أبو الفضل العراقي يَرَى صحة إهدائها لأمير الرملة في القصة المتقدمة، قال السيوطي: ورأيت بخط الحافظ
[ ١ / ٥٢ ]
أبي الفضل العراقي أن النسائي لما صنف الكبرى أهداها لأمير الرملة، فقال: كل ما فيها صحيح؟ فقال: لا، قال: مَيِّزْ الصحيح من غيره، فصنف له الصغرى.
إلا أن المجتبى لم ينتشر إلا من طريق ابن السني، وعنه القاضي أبو الحسن بن الكسار، وعنه الدُّوني، أما الكبرى فقد انتشرف عن الأندلسيين؛ لأنهم رووا عن النسائي في أخريات أيامه. اهـ خلاصة ما كتبه محقق عمل اليوم والليلة. هـ ٦٠، ٧٣.
وأما مصحح السنن الكبرى الأستاذ عبد الصمد شرف الدين، فقال في مقدمة تصحيحه في الكلام في الفرق بين الكبرى والصغرى: ما حاصله: وقبل أن نبحث عن الفرق بينهما يحسن بنا التنبيه على ما وقع فيه بعض الأئمة من الغلط في هذين الكتابين:
فقد نقل الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة النسائي عن مجد
الدين ابن الأثير الجزري صاحب جامع الأصول (ت ٦٠٦) حكايته لما اشتهر عن النسائي بأن بعض الأمراء سأله عن كتابه السنن كله صحيح؛ فقال: لا، قال: فاكتب لنا الصحيح منه مجردا، فصنع المجتبى، فهو المجتبى من السنن، ترك كل حديث أورده في السنن مما تكلم في إسناده بالتعليل. انظر "جامع الأصول ١/ ١١٦".
هكذا ذكر ابن الأثير هذه الواقعة المزعومة بين أمير مجهول وبين إمام حفاظ الحديث النبوي وحامليه في عصره بدون أي إسناد في إثباتها، وبفرض ثبوتها لم نعهد في التاريخ بأمير من أمراء القوم له هذا الشغف العظيم بصحيح الأحاديث من معلولها، كما لم نعهد بحامل من حملة السنة النبوية يأتمر بأمر من جهلاء الحكام في ترتيب ما يصنفه فيها (^١).
وأغرب من ذلك رد الذهبي قول ابن الأثير هذا لا لشدة غرابته، بل لما
_________________
(١) في هذا الكلام نظر لا يخفى. فإن كثيرا من الخلفاء والأمراء في ذلك العصر وقبله كان لهم عناية وشغف بالحديث فلا يستبعد ما ذكر للنسائي، فكتب التاريخ مملوءة بمثل ذلك، كتدوين الزهري للحديث بأمر عمر بن عبد العزيز، وكطلب أبي جعفر المنصور من الإمام مالك أن يصنف في الحديث، فصنف الموطأ. بل أولى ما يعترض به على هذه القصة عدم سند صحيح لها. فتأمل
[ ١ / ٥٣ ]
يعتقده من كون المجتبى ليس من صنع مصنفه، بل من تأليف تلميذ له، فقال بعد سرده رواية ابن الأثير: قلت: هذا لم يصح، بل المجتبى اختيار ابن السني.
وللذهبي نوع عذر في هذا الاعتقاد، إذ أنه لم يطلع قط في عمره على كتاب السنن الكبير للنسائي دون مختصره المجتبى، ومن جهل شيئًا تخرّص فيه. فقد اعترف بهذا بآخر ترجمة النسائي المذكور، فقال: والذي وقع لنا من سننه هو الكتاب المجتبى منه انتخاب أبي بكر بن السني اهـ، ثم ذكر إسناد سماعه إلى ابن السني، ولكنه ختم هذا الإسناد بقوله … أنا أبو محمَّد عبد الرحمن بن حمد الدّوني، قال: أنا القاضي أحمد بن الحسين الكسار، نا ابن السني، عنه. وهذه الخاتمة نفسها تدل على أن الكتاب ليس من تأليف ابن السني، بل من تأليف النسائي، فإنه قال: نا ابن السني، عنه. أي عن النسائي.
وأصرح من ذلك إسناد ابن الأثير لسماعه المجتبى سماعا واحدا كالذهبي، ولم يسمع هو الكبرى أيضا مثل الذهبي، فقال في آخر إسناده: عن أبي محمَّد عبد الرحمن بن حمد الدوني (ت ٥٠١) عن القاضي أبي نصر أحمد بن الحسين الكسار الدينوري (ت ٤٣٢) عن الحافظ أبي بكر أحمد بن محمَّد ابن السني انظر جامع الأصول ١/ ١٢١ - ١٢٢. وختمه فقال: عن ابن السني قال: حدثنا الإمام الحافظ أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي ﵀ بكتاب السنن جميعه، فلا شك في أن ابن السني حدث بكتاب السنن، وهو المجتبى عن الإمام أبي عبد الرحمن النسائي، لا من قبل نفسه. فإذن هو تأليف النسائي، لا تأليف ابن السني، وهو الراوي عن النسائي كتابه الصغير. والحاصل أن الحافظ ابن السني هو الراوي عن النسائي لسننه المجتبى عن السنن الكبرى، ومن طريقه تلقاه المحدثون، أما كونه هو الذي تولى اختصاره بنفسه فمما لا يصح.
هذا خلاصة ما كتبه المصحح في هذا البحث، وهو بحث نفيس جدًا.
[ ١ / ٥٤ ]