قال العلامة بدر الدين العيني رحمه الله تعالى: ظاهر الآية يقتضي
_________________
(١) فيه نظر فإن عاصما مع الأولين، والصواب أن الذي قرأ بالفتح مع أهل المدينة هو ابن عامر الشامي كما في النشر لابن الجزري جـ ٢ ص ٣١٠.
[ ١ / ١٨٣ ]
وجوب الطهارة بعد القيام الي الصلاة لأنه جعل القيام إليها شرطا لفعل الطهارة وحكم الجزاء أن يتأخر عن الشرط ألا ترى أن من قال لأمرأته إن دخلت الدار فأنت طالق إنما يقع الطلاق بعد الدخول، وهذا لا خلاف فيه بين أهل اللغة أنه مقتضى اللفظ وحقيقته، وإلى هذا ذهب أهل الظاهر فقالوا: الوضوء سببه القيام إلى الصلاة فكل من قام إليها فعليه أن يتوضأ. والجواب عن هذا أن معنى الآية إذا قمتم إلى الصلاة من مضاجعكم فاغسلوا الخ، أو إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون فاغسلوا، والدليل على ذلك من السنة:
ما رواه مسلم في صحيحه عن سليمان بن بريدة، عن أبيه أن النبي - ﷺ - صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال له عمر ﵁: لقد صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه، فقال: "عمدا صنعته يا عمر". ورواه النسائي والترمذي والطحاوي. فدل هذا الحديث على أن القيام إلى الصلاة غير موجب للطهارة إذ لم يجدد النبي - ﷺ - الطهارة لكل صلاة فثبت بذلك أن في الآية مقدرا يتعلق به إيجاب الوضوء، وهو إذا قمتم إلى الصلاة من مضاجعكم. وروى الطحاوي في معاني الآثار، وأبو بكر الرازي في الأحكام، والطبراني في الكبير من طريق جابر عن عبد الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم، عن عبد الله بن علقمة بن الفَغْواء، عن أبيه: "كان رسول الله - ﷺ - إذا أجنب أو أُهراق الماء إنما نكلمه فلا يكلمنا، ونسلم عليه فلا يرد علينا حتى نزلت ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة﴾، فدل هذا الحديث على أن الآية نزلت في إيجاب الوضوء من الحدث عند القيام إلى الصلاة، وأن التقدير في الآية إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون، ولكن في سند هذا الحديث جابر الجعفي ضعيف رافضي. (^١)
_________________
(١) وعبارة العيني: وفيه كلام مشهور.
[ ١ / ١٨٤ ]
وروى أيضا عن جماعة من الصحابة ﵃: فرَوَى البخاري بسنده عن أنس ﵁ قال: "كان رسول الله - ﷺ - يتوضأ عندكم صلاة، قلت: كيف كنتم تصنعون؟ قال: يجزى أحدنا الوضوء ما لم يحدث".
وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن سعد، قال: إذا توضأت فصل بوضوئك ذلك ما لم تحدث.
وروى الطحاوي بسنده عن عكرمة أن سعدا كان يصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم يحدث. ورجاله ثقات.
وروى عبد الرزاق في مصنفه بسنده عن عطاء بن عبد الله الرقاشي
قال: "كنا مع أبي موسى الأشعري في جيش على ساحل دجلة، إذ حضرت الصلاة فنادى مناديه للظهر فقام الناس إلى الوَضُوء، فتوضأ ثم صلى بهم، ثم جلسوا حلقا، فلما حضرت العصر نادى منادي العصر، فهبَّ الناس للوضوء أيضا فأمر مناديه ألا لا وضوء إلا على من أحدث، قال: أوشك العلم أن يذهب، ويظهر الجهل حتى يضرب الرجل أمه بالسيف من الجهل".
وروى أيضا ذلك عن جماعة من التابعين:
فروى الطحاوي بسند صحيح أن شُرَيْحا كان يصلي الصلوات كلها بوضوء واحد.
وروى ابن أبي شيبة بسنده عن الحسن قال: يصلي الرجل الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم يحدث، وكذلك التيمم.
وأخرج الطحاوي نحوا منه. وقال أيضا: حدثنا حفص، عن ليث، عن عطاء، وطاوس، ومجاهد أنهم كانوا يصلون الصلوات كلها بوضوء واحد.
[ ١ / ١٨٥ ]
وروى عبد الرزاق في مصنفه قال: حدثنا يحيى بن العلاء، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير قال: كان الأسود بن يزيد يتوضأ بقدح قَدْرَ ريِّ الرجل (^١) ثم يصلي بذلك الوضود الصلوات كلها ما لم يحدث. اهـ عمدة جـ ٢ ص ٢٣٠ - ٢٣١. باختصار وتغيير يسير.
وقال القرطبي في تفسيره: واختلف العلماء في المعني المراد بقوله: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ على أقوال:
فقالت طائفة: هذا لفظ عام في كل قيام إلى الصلاة، سواء كان القائم متطهرا أو محدثا، فإنه ينبغي له إذا قام إلى الصلاة أن يتوضأ، وكان علي يفعله، ويتلو هذه الآية، ذكره أبو محمَّد الدارمي في مسنده.
وروى مثله عنه عكرمة. وقال ابن سيرين: كان الخلفاء يتوضئون لكل صلاة. قال القرطبي: فالآية على هذا محكمة لا نسخ فيها.
وقالت طائفة: الخطاب خاص بالنبي - ﷺ -، قال عبد الله بن حنظلة ابن أبي عامر الغسيل: إن النبي - ﷺ - أمر بالوضوء عند كل صلاة فشق ذلك عليه فأمر بالسواك ورفع عنه الوضوء إلا من حدث. وقال علقمة بن الفغواء، عن أبيه، وهو من الصحابة، وكان دليلَ رسول الله - ﷺ - إلى تبوك: نزلت هذه الآية رخصة لرسول الله - ﷺ - لأنه كان لا يعمل عملا إلا وهو على وضوء، ولا يكلّم أحدا ولا يردّ سلاما إلى غير ذلك، فأعلمه الله بهذه الآية أن الوضوء إنما هو للقيام إلى الصلاة فقط دون سائر الأعمال.
وقالت طائفة: المراد بالأية الوضوء لكل صلاة طلبا للفضل، وحملوا الأمر على الندب، وكان كثير من الصحابة: منهم ابن عمر يتوضئون لكل صلاة طلبا للفضل، وكان ﵊ يفعل ذلك إلى أنْ جَمَعَ يومَ الفتح بين الصلوات الخمس بوضوء واحد إرادةَ
_________________
(١) ري: بكسر الراء وتشديد الياء أي مقدار ما يروى الرجل من العطش.
[ ١ / ١٨٦ ]
البيان لأمته - ﷺ -.
قال القرطبي: وظاهر هذا القول أن الوضوء لكل صلاة قبل ورود الناسخ كان مستحبا لا إيجابا، وليس كذلك، فإن الأمر إذا ورد مقتضاه الوجوب، لا سيما عند الصحابة رضوان الله عليهم على ما هو معروف من سيرتهم.
وقال آخرون: إن الفرض في كل وضوء كان لكل صلاة ثم نسخ في فتح مكة.
وهذا غلط لحديث أنس قال: "كان النبي - ﷺ - يتوضأ لكل صلاة" وأن أمته كانت على خلاف ذلك. وسيأتي.
ولحديث سويد بن النعمان أن النبي - ﷺ - صلى وهو بالصَّهبَاء العصرَ والمغربَ بوضوء واحد، وذلك في غزوة خيبر، وهي سنة ست، وقيل: سنة سبع، وفتح مكة كان في سنة ثمان، وهو حديث صحيح رواه مالك في موطئه. وأخرجه البخاري ومسلم.
فبان بهذين الحديثين أن الفرض لم يكن قبل الفتح لكل صلاة.
فإن قيل: فقد روى مسلم عن بريدة بن الحصيب أن رسول الله - ﷺ - كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال عمر ﵁: لقد صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه، فقال: "عمدا صنعته يا عمر" فلم سأله عمر واستفهمه؟ قيل: إنما سأله لمخالفته عادته منذ صلاته بخيبر.
قال الجامع: والذي قاله غيره: إن عمر إنما سأله عما يعلمه من حاله، فإنه لم يكن يعرف قبل هذا منه إلا الوضوء لكل صلاة. والله أعلم.
[ ١ / ١٨٧ ]
وروى الترمذي عن أنس أن النبي - ﷺ - كان يتوضأ لكل صلاة طاهرا وغير طاهر، قال حميد قلت لأنس: وكيف كنتم تصنعون أنتم؟ قال: كنا نتوضأ وضوءا واحدا. وقال: حديث صحيح.
وروي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "الوضوء على الوضوء نور" (^١) فكان ﵇ يتوضأ مجددا لكل صلاة، وقد سَلَّمَ عليه رجل وهو يبول فلم يرد عليه حتى تيمم، ثم رد عليه، وقال: "إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر" رواه أبو داود بإسناد صحيح.
وقال السدي وزيد بن أسلم: معنى الآية إذا قمتم إلى الصلاة يريد من المضاجع يعني النوم، والقصد بهذا التأويل أن يعم الأحداث بالذكر، ولا سيما النوم الذي هو مختلف فيه هل هو حدث في نفسه أم لا؟، وفي الآية على هذا التأويل تقديم وتأخير، التقدير: "يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة من النوم، أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء يعني الملامسة الصغرى فاغسلوا، فتمت أحكام المحدث حدثا أصغر، ثم قال: وإن كنتم جنبا فاطهروا فهذا حكم نوع آخر، ثم قال للنوعين جميعًا: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾ وقال بهذا التأويل محمَّد بن سلمة من أصحاب مالك ﵀ وغيره.
وقال جمهور أهل العلم: معنى الآية إذا قمتم إلى الصلاة محدثين، وليس في الآية على هذا تقديم وتأخير، بل ترتب في الآية حكم واجد الماء إلى قوله: فاطهروا، ودخلت الملامسة الصغرى في قوله: محدثين، ثم ذكر بعد قوله: وإن كنتم جنبا فاطهروا، حكم عادم الماء من النوعين جميعًا وكانت الملامسة هي الجماع، ولا بد أن يذكر الجنب
_________________
(١) حديث ضعيف.
[ ١ / ١٨٨ ]