كتب المصحح في هذا الموضوع كلامًا حسنًا أيضا، ودونك خلاصة ما كتبه:
قال: بقي الكلام على أبواب وأحاديث في السنن الكبرى حذفها المصنف عن الصغرى، هل كل ذلك لعلة من العلل فيها، أوله أسباب غير ذلك أيضا؟ فجوابه أن نقول: إن وجود العلة فيها، أوفي بعضها هو سبب من الأسباب لحذفها، ولكن ليس ذلك السبب وحده بل هناك أسباب أخرى كما يتبين بعدُ.
وقد تقدم عن ابن الأحمر راوي السنن الكبرى عن النسائي أنه قال:
[ ١ / ٦١ ]
إن كتاب السنن كله صحيح وبعضه معلول، إلا أنه لم يبين علته، والمنتخب المسمى بالمجتبى صحيح كله. اهـ. فهذا الكلام يدل على أن في الكبرى أحاديث معلولة وهي مما أسقطها. فمن الأحاديث المعلولة التي أسقطها من المجتبى على سبيل المثال من كتاب الطهارة أحاديث المتغوطين، تحت ترجمة "النهي للمتغوطين أن يتحدثا" فقد أورد فيه ثلاثة أحاديث: ونصها:
٤٠ - أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل، قال: حدثنا
جدي، قال: حدثنا عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -:"لا يَخْرُج اثنان إلى الغائط، فيجلسان كاشفين عن عورتهما، فإن الله يمقُتُ على ذلك".
٤١ - أخبرنا أحمد بن حرب، قال: حدثنا قاسم، قال: حدثنا سفيان، عن عكرمة، عن يحيى، عن عياض، عن أبي سعيد، قال: نهى رسول الله - ﷺ - المتغوطين أن يتحدثا، فإن الله يمقت ذلك".
٤٢ - أخبرنا عمرو بن علي، عن عبد الرحمن، قال: حدثنا عكرمة ابن عمار، عن يحيى، عن هلال بن عياض، قال: حدثني أبو سعيد، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لا يخرج الرجلان على الغائط كاشفين عن عورتهما، يتحدثان فإن الله يمقت ذلك".
فترك المصنف لهذا الباب للعلة الواردة في حديثه لأنه من رواية عكرمة ابن عمار العجلي عن يحيى بن أبي كثير، قال البخاري فيه مضطرب في حديث يحيى بن أبي كثير، وقال المصنف: ليس به بأس إلا في حديث يحيى بن أبي كثير، وقال أبو داود بعد روايته لهذا الحديث: هذا لم يسنده إلا عكرمة بن عمار، وعكرمة في يحيى ليس بذاك، وفي بعض نسخ أبي داود: قال أبو داود: وهو مرسل عندهم، حدثنا أبو سلمة، حدثنا أبان -بن يزيد العطار- عن يحيى بن أبي كثير، عن النبي - ﷺ -
[ ١ / ٦٢ ]
نحو حديث عكرمة.
والحاصل أن إسناد هذا الحديث فيه اضطراب، فلذا حذفه المصنف من المجتبى، وقد يحذف المصنف لسبب آخر، فمن أمثلة ذلك: حذفه باب رقم ١٠٨ في الكبرى من المجتبى، عنوان هذا الباب هكذا: "ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر المغيرة بن شعبة فيه"، ثم أورد فيه حديث المغيرة من أربعة طرق يوجد في ألفاظها بعض الاختلاف باختلاف الناقلين عن المغيرة، وهم ابنه، عروة بن المغيرة من وجهين، وحمزة بن المغيرة، ووهيب الثقفي ثلاثتهم عن المغيرة.
ذكر المصنف اختلاف ألفاظهم فيه عقيب إيراده لهذا الحديث في باب المسح على الخفين عن قتيبة بن سعيد، عن الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن سعد بن إبراهيم، عن نافع بن جبير، عن عروة بن المغيرة، عن أبيه المغيرة بن شعبة، مختصرا.
ولما حذف المصنف هذه الأحاديث الأربعة من كتابه المجتبى مع حذف الباب من أصله ذكر عوضا عنها حديث المغيرة المذكور في الكبرى في باب المسح على الخفين، فجعله آخر الأحاديث من المجتبى في مثل هذا الباب رقم ٩٦ ثم أضاف فيه قبل هذا الحديث حديثا آخر: يرويه عن علي ابن خَشْرم بإسناده عن مسروق، عن المغيرة بن شعبة، وخص بهذا الحديث المجتبى دون الكبرى، وصنع شيئًا آخر، وهو إضافة باب جديد في المجتبى بعنوان "باب المسح على الخفين في السفر"، باب رقم ٩٧، وأورد فيه حديث المغيرة الطويل الذي يرويه عنه ابنه حمزة، وقد تقدم هذا الحديث في الكبري في "باب المسح على العمامة مع الناصية"، باب رقم ٧٧ حديث ١٢٣.
وبهذا الطريق أصبح المجتبى في غنى عن هذا الباب وأحاديثه، فحذفه
[ ١ / ٦٣ ]
منه. والحاصل أن المصنف يحذف الأحاديث من المجتبى لا لعلة فيها بل لسبب آخر مثل الاستغناء، والاختصار. هذا حاصل ما كتبه المصحح ببعض تغيير وزيادة وحذف.