المسماة "بغية الراغب المتمني، في ختم النسائي برواية ابن السني" اعلم أنه بعد كتابتي لمقدمة هذا الشرح بمدة مَنَّ الله تعالى عليَّ برسالة الحافظ شمس الدين محمَّد بن عبد الرحمن السخاوي (^١)، وقد حققها بعض الأفاضل (^٢) جزاه الله خيرا، فأحببت إيرادها هنا بنصها لما تضمنته من التحقيقات المنيفة، والنكات الظريفة، مما يكمل ما سبق لنا البحث عنه. وهذا نصها:
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمَّد وسلم
الحمد لله الذي جعل أصول هذا الدين، وفصول عقول الموحِّدين في الكتاب والسنة، وتفضل بمن شاء في حسن النظر لذلك وتحقيقه، والتفنن بالاستنباط المعتبر، من مفهومه ومنطوقه، فكافأ ذلك أعظم
منَّة، وتكفّل بحراسته من الطغيان، ووقايته من البهتان، من الإنس والجنَّة.
فهو لقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: آية ٩]، مضبوط مصون بأكمل جُنّة.
_________________
(١) وهو الحافظ شمس الدين محمَّد بن عبد الرحمن بن محمَّد بن أبي بكر بن عثمان بن محمَّد السخاوي الأصل القاهري، ولد في ربيع الأول سنة -٨٣١ - وتوفي يوم الأحد ٢٨ شعبان سنة -٩٠٢ - هـ بالمدينة المنورة.
(٢) وهو الدكتور عبد العزيز بن محمَّد بن إبراهيم العبد اللطيف الأستاذ المساعد بكلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية بالمدينة المنورة.
[ ١ / ٧٦ ]
ومن جملة حفظ كتابه هتك من لم يقتف في نقل الآثار طريق أئمة أربابه، بل تعمّد الكذب، أو أفحش بالخطأ الموجب للتهمة والظنِّة. فإنها المبيّنة للكتاب، والمعينة لفهم الخطاب، ودفع كل بلية ومحنة. إذ هو - ﷺ - لا ينطق عن الهوى، وإنما نطقه وحيٌ يُوحى، علّمه شديد القوى، فناهيك بما أوضحه وسَنّه؛ ولأجل ذا قام الجهابذة الذين خصَّهم الله بقوة البصر والبصيرة، وأتحفهم بكل نفيسة وذخيرة، ممن أتقن كل منهم الفنون وفنّه. بإبعاد الغَثِّ عن سمينها، والمُزَلزَل عن مَكينها، فارتقوا بذلك لأعلى قصور الجنة.
ولكنهم بعد تلك الكثرة الظاهرة، والخبرة الباهرة، والأنفس الزكية المطمئنة، أخذوا في التناقص من ذلك، بحيث انفرد الوالج في هذه المسالك الدّال لها بالمئنة. وصار وحيدًا غريبًا، حزينا لذلك كئيبا، لا يُبْدي (^١) سنة، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، ونعلم أنّ ما قَدَّر يكون، فنرضى ونُسَلِّم من غير صياح ولا رَنَّة، ولكن نرجوا استمرار حفظها، واستقرار الضبط لمعناها ولفظها، تمسكا بالاندراج في حديث الطائفة المظهرة لما أبرزه المسيء وأكنه. سيما مع العلم بأنها بحمد الله تعالى مُدَوَّنَةٌ مصونة في كتب على الأبواب أو المسانيد، أو الأنواع أو حروف الكلمات الميمونة أو غيرها مما قصد كل منهم به الانتفاع، أو ظنه، بحيث انضبطت السنن كلها، وهبطت البدع وأهلها، والحقُّ نقيٌّ لم يَتَسَنّه، غير أنه انقطع المتصدي لمسمياتها مع أسمائها فضلا عن روايتها ونقلها، والمهتدي للكشف من جُلِّها، ولم يطمع المجتري المعتدي في حلها، وفصل مردودها من مقبولها، وإن أجرى على لسانه صحيحه وحَسَنَه.
وإن من التصانيف الجليلة، المشتملة على التصاريف النبيلة، المدرج في كتب الإسلام، ونُخَب الدواوين العظام، الكتاب الحسن الواضح
_________________
(١) هنا كلمة غير واضحة في صورة المخطوطة كما قال محقق الرسالة. فلتحرر.
[ ١ / ٧٧ ]
الجلي، الملقب بـ (السنن) للنسائي.
فإنه لكونه زاحم إمام الصنعة أبا عبد الله البخاري في (تدقيق الاستنباط والتبويب لما يستنبطه) بدون إسقاط بحيث:
* يكرر لذلك المتون، ويُصَوّر كونه القصد الأعظم من الفنون ومنه:
- قصة عائشة ﵂ في اتباعها سرًا النبي - ﷺ - لمَّا خرج من عندها ليلًا إلى البقيع. فإنه ذكرها في:
- (الأمر بالاستغفار للمؤمنين) من الجنائز ١/ ٩٣ (^١).
- وأعادها في (المغيرة من النكاح) بسندها ومتنها سواء، ولكن:
- بزيادة في نسب شيخه فقط ٧/ ٧٣ - ٧٥.
- وباختصار يسير من آخر المتن.
- مع زيادة طريقين للحديث، شيخ ابن جريج في أحدهما غير شيخه في المذكور فيهما.
- وكذا ترجم في:
- الصيد والذبائح لـ (أكل العصافير) ٧/ ٢٠٧.
- وفي آخر الضحايا (مَن قتل عصفورا بغير حقها) ٧/ ٢٠٦ - ٢٠٧.
وذكر فيهما معا حديث صهيب، عن ابن عمرو بن العاص من وجهين، زاد في ثاني الموضعين حديث الشَّريد في ذلك.
*حتى أنه ربما تتجاوز بغير مَيْن، الترجمة بكل من الحكمين، ولا يكون فارقا بين تكرير الحديث إلا الباب، ولذا لا يأتي به إلا من
_________________
(١) الترقيم للجزء والصفحات بنسخة شرح السيوطي والسندي، فالرقم الأول للجزء والثاني للصفحة.
[ ١ / ٧٨ ]
الطريق السابق، ولو لم يكن إلا في شيخه فقط، قصدا لمزيد الفائدة في الانتخاب، ومن أمثلة ذلك:
- أنه وَالى في الضحايا بين ترجمة لـ (العوراء، ثم للعرجاء، ثم للعَجْفَاء)، وذكر في كل ترجمة طريقا لحديث واحد، فاستُفيدَ مع الأحكام طرق ثلاثة له ٧/ ٢١٤ - ٢١٦.
- وأردفها بالتوالي بين أربع تراجم فيها حديث أورده في كل ترجمة من طريق ٧/ ٢١٦ - ٢١٧.
- وكذا والى بين ثلاثة:
- (حكم الحاكم بعلمه).
- و(السَّعة له في قوله لما لا يفعله: "أفعل كذا" ليَسْتَبين به الحق).
- (ونقضه حكم غيره ممن هو مثله أو أجلَّ منه).
ولم يزد في كل ترجمة على قصة الكبرى والصغرى المتحاكمتين لسليمان بعد تحاكمهما لأبيه داود ﵉ في ولد ادَّعته كلٌ منهما، وقضى به للكبرى، فقضى بموته، ثم للصغرى بعد أن أوهمهما أنه يشقُّه بينهما لكونها امتنعت وقالت: هو لها).
ولكنه أوردها في كل ترجمة من طريق سوى الذي ذكره في الأخريين.
*وقد يقع له تكرير الباب مع حديثه سواء مما لم يظهر لي الأمر فيه على الاستواء، وقد يكون بين الترجمتين في الجملة تفاوت يسير، ولا يأتي في حديثهما بزيادة حسبما إليه يشير، كترجمته:
- في المياه بـ (ماء البحر).
[ ١ / ٧٩ ]
- وفي الطهارة بـ (الوضوء بماء البحر) (^١).
وحديثهما واحد سندًا، ومتنا.
* وربما يزيد في أحد الموضعين مُكَمِّلا تعيين ما أهمله من رواة السنَّد أوّلا ١/ ٥٤.
* وقد يُوردُ في كل منهما للحديث الواحد طريقا؛ ليزداد الناظر له في المتن تحقيقا، ومنه:
- عقده لـ (الوضوء بالثلج) ١/ ٥٠ ولـ (الوضوء بماء الثلج) ١/ ٥١ ترجمتين، وذكر في كل منهما طريقا لحديث واحد، ثم إنه في الطهارة عقد ترجمة واحدة لـ (الوضوء بماء الثلج والبرد) ١/ ١٧٦ وذكر فيها الحديث من الطريقين معا.
- وكذا ترجم في الطهارة بـ (ترك التوقيت في الماء) ١/ ٤٧، وفي المياه بـ (التوقيت في الماء) ١/ ١٧٥ وذكر فيهما معا حديثين لأنس، وأبي هريرة زاد في أولهما طريقين لحديث أنس، وفي ثانيهما
حديثًا لابن عمر.
- وفي الطهارة بـ (الماء الدائم) وفي المياه (النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم) وذكر فيهما حديث أبي هريرة من ثلاثة طرق بثلاثة ألفاظ، فطريقان في أولهما، والثالث في الآخر.
- وترجم فيهما معًا بـ (سؤر الكلب) وساق حديث أبي هريرة من طرق لم يتكرر طريق منها أيضا.
*وقد يكرر الباب خاصة دون متنه، وهذا أسهل مما سبق بين أهل فَنِّه.
_________________
(١) لعل نسخة المجتبى عند السخاوي هكذا، وإلا فالنسخة التي عندنا بالعكس، ففي المياه "باب الوضوء بماء البحر" ١/ ١٧٦"، وفي الطهارة "باب ماء البحر ١/ ٥٠". فليتنبه.
[ ١ / ٨٠ ]
*ومن أمثلة ما دَقّق فيه الاستنباط:
- أنه ترجم للطلاق:
- بـ (الإشارة المفهمة) وذكر حديث أنس في جار النبي - ﷺ - الذي كان طيب المَرَقَة، "وأنه ذات يوم والنبي - ﷺ - هو وعائشة، أومأ إليه أن تعال، وأومأ النبي - ﷺ - إلى عائشة، أي: وهذه؟، فأومأ إليه الآخر بيده: أن لا. مرتين أو ثلاثًا" ٦/ ١٥٨ زاد غيره "أنه - ﷺ - امتنع حتى أذن لها".
- وبـ (الإبانة والإفصاح بالكلمة الملفوظ بها، وأنه إذا قُصدَ بها ما لا يحتمله معناها لم توجب شيئًا ولم تُثبت حكمًا) وذكر حديث أبي هريرة مرفوعًا: "انظروا كيف يصرف الله عني شتم قريش ولَعنَهم، إنهم يشتمون مُذَمَمًا ويلعنون مُذمَمًا، وأنا محمَّد - ﷺ" ٦/ ١٥٩.
- وبـ (الكلام إذا قُصدَ به ما يحتمل معناه) وذكر حديث "الأعمال بالنية" ٦/ ١٥٨.
كل هذه التراجم في الطلاق.
- وبـ (الرخصة في الصُّفْرَة عند التزويج) ٦/ ١٢٨ - ١٢٩ وذكر حديث عبد الرحمن ابن عوف. وهو نحوٌ مما ترجم به البخاري، بحيث لم يكن ذلك منافيًا للنهي عن التَّزَعْفُر للرجال.
- وكذا ترجم (ترك الزينة للحادّة المسلمة دون اليهودية والنصرانية) وذكر حديث: "لا يَحلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تَحدُّ على مَيِّت .. " ٦/ ٢٠١ - ٢٠٢.
وهو نحو استثناء البُلقيني من قولهم: "الكفار مخاطبون بفروع
[ ١ / ٨١ ]
الشريعة لما أتى بـ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ونحوها.
- و(لتجنب الحاكم القضاء وهو غضبان) ٨/ ٣٣٧ - ٣٣٨ ثم عقد لـ (الرخصة فيه للحاكم الأمين) ٨/ ٢٣٨ - ٢٣٩ وذكر قصة الأنصاري الذي خاصم الزبير في شرَاج الحرّة. ولم يمش على الاختصاص.
- ولـ (الحكم باتفاق أهل العلم) وذكر قول ابن مسعود: "من عَرَض له منكم قضاء، فليقض بما في كتاب الله، ثم بما قضى به نبيه - ﷺ -، ثم بما قضى به الصالحون، ثم ليجتهد رأيه، ولا يقول: فإني أخاف فإن الحلال بيّن، والحرام بيَّن، وبين ذلك أمور مشتبهات، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك".
وقال عَقبَه: هذا الحديث جَيِّد جَيِّد ٨/ ٢٣٠.
- ولـ (النهي عن حكم النّساء) وذكر فيه "لن يفلح قوم وَلوا أمرهم امرأة" ٨/ ٢٢٧.
وكذا زاحمه -أي البخاري- في:
* التقلل من الإتيان بحاء للفصل بين السندين، بل هي عنده قليلة جدًا.
* ووافقه على جواز الرواية بالمعنى. ومنه:
روايته من جهة ابن عُلية، عن أيوب، وابن عون، وسلمة بن علقمة، وهشام بن حسّان، دخل حديث بعضهم في بعض، كلهم عن محمَّد بن سيرين.
قال سلمة -فقط- في روايته: نُبئتُ عن أبي العجفاء.
وقال الباقون: عنه. بلا واسطة ٦/ ١١٧.
[ ١ / ٨٢ ]
* وفيما ذهب إليه من المسمى بأصح الأسانيد، وإن خالفه في نفس التراجم، فقال: إن أصح الأسانيد: ما رواه ابن شهاب، عن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده ٣/ ٢٠٥ - ٢٠٦.
وأيوب السختياني، عن محمَّد بن سيرين، عن عَبيدَة السَّلماني، عن علي.
وذكر تمام أربع تراجم.
وزاحم مسلمًا في كثير مما اعتنى به معهما.
* كالإشارة لصاحب اللفظ ممن يُورد المتن عنهم، أو عنهما ١/ ٤٤.
وربما يقول: لفظ فلان كذا، ولفظ الآخر كذا. ومنه:
ما رواه من طريق حجاج، ورَوْح كلاهما عن ابن جريج، وساق حديث "من شكّ في صلاته فليسجد سجدتين" قال حجاج: "بعد ما يُسَلّم" وقال رَوْح: "وهو جالس" ٣/ ٣٠.
* وكذا في الصيغة. كقوله: "أخبرني الحسن بن إسماعيل، وأيوب بن محمَّد قالا: حدثنا حجاج بن محمَّد"، قال أيوب: حدثنا، وقال حسن: أخبرني شُعبة" ١/ ٢٨٣.
* وكون ما اقتصر عليه بعضَ متن ما كمّله كأنّه للخروج من عهدة المخالف في المسألة بقوله: "مختصر" ١/ ١١٠، أو نحو ذلك.
وقد يقول -مع ذلك إذا كان عن جماعة-: "وبعضهم يزيد على بعض في الحديث" ٣/ ٦٥.
* وبيان ما عند الراويين من (النبي) و(الرسول):
كروايته لحديث عن إبراهيم بن الحسن، وعبد الرحمن بن محمَّد
[ ١ / ٨٣ ]
ابن سَلام (^١) ..
قال فيه أولهما: أن النبي - ﷺ -. وثانيهما: عن رسول الله - ﷺ -.
وكذا في حديث رواه عن قُتَيبة، وهَنّاد بن السَّري.
قال أولهما: كان النبي - ﷺ -، وقال الآخر: كان رسول الله - ﷺ -.
* وكإرداف العام بالمخصص ٥/ ٩٩ - ١٠٠، والمجمل بالمبيّن المنصِّص ٦/ ١١٠ - ١١٢، والمنسوخ بالناسخ له ١/ ١٠٥ - ١٠٧، إلى غيرها من النفائس المكمّلة.
* كالفرق بين "حدثنا" و"أخبرنا" حيث جَوّزَ إطلاق "أخبرنا" في العرض دون "حدثنا". وذلك عن النسائي بخصوصه فيما حكاه محمَّد بن الحسن الجوهري عنه (^٢)، دون حكايته ما هو المشهور عنه من منع إطلاقهما معا فيه.
ولي فيهما نظر، فإن أكثر ما روى في سننه عن شيوخه بصيغة "أخبرنا" وروايته فيها بـ"حدثنا" قليلة، بل ربما يروي عن شيخه الواحد كقُتَيبة، وإسحاق بن راهويه، وهَنّاد بالصيغتين، ومعلوم أن أخذه عن شيوخه غير منحصر في أحد التحملين، بل هو دائر بين التحديث والعرض.
وإذا كان كذلك فهو ماش على مذهب المجوّزين إطلاقهما فيهما، وعدم الفرق بين الصيغتين، وهو مذهب البخاري.
_________________
(١) وقع في المخطوطة هنا لفظ مشتبه لا يهتدى لمعرفته، كما أشار إليه محقق الرسالة.
(٢) رواية النسائي عن هؤلاء الشيوخ بصيغة "أخبرنا" كثيرة جدًا، أما روايته عنهم بصيغة "حدثنا" ففي مواضع يسيرة، فقد قال: حدثنا قتيبة في ٧/ ٢٧١ - ٢٧٩ - ٣٠٩ و٨/ ١٤٨ - ١٤٩ - ١٩٠ - ٢١٠. وقال: حدثنا إسحاق في ٢/ ٤٢ و٦/ ١٤٨. وقال: حدثنا هناد في ١/ ٢٠٣.
[ ١ / ٨٤ ]
وصنف فيه الإمام أبو جعفر الطحاوي، وناقضه الجوهري المذكور وصنّف في الفرق.
ويمكن أن الذي مشى عليه في سننه اختياره، وما عداه تغير اجتهاده فيه، والله أعلم.
على أنه ربما يقول: أخبرنا فلان قراءة عليه ١/ ١٣.
ووافقهما معا في:
* ما يُكثر مسلم منه من كنايته عن الضعيف إذا قُرنَ في الرواية بثقة؛ كروايته في غير موضع عن محمَّد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، عن أبيه، عن حيوة، وذكر آخر كلاهما عن شُرحبيل بن شَريْك، ٦/ ٦٩ فإن المبهم هنا هو ابن لَهيْعَة، كما صرحت به رواية لأحمد في مسنده.
في أمثلة لذلك عن ابن لهيْعَة، وغيره مما يحتمل في بعضه أن يكون من صَنيع مَنْ فوقه، وأن يكون لا لضعف كحديث ابن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب، وذكر آخر قبله، عن عُمارة بن غَزيّة ٦/ ٢٩.
ولابن وهب أيضًا: أخبرني مالك، وعمرو بن الحارث، وذكر آخر قبلهما، أن أبا النضر ٤/ ١٩٩.
وله أيضا: أخبرني عمرو بن الحارث، والليث بن سعد، وذكر آخر، وقدّمه، أن سليمان بن عبد الرحمن حدثهم ٧/ ٢١٥.
وله أيضا: أخبرني سعيد بن أبي أيوب وذكر آخرين عن عَيّاش ٧/ ٢١٢.
ولشُعيب بن أبي حمزة، وابن عُيينة، وذكر آخر عن الزهري
[ ١ / ٨٥ ]
٦/ ٦ و٧/ ٧٨.
ولأولهما فقط عن محمَّد بن المنكدر، وذكر آخر قبله، كلاهما عن الأعرج ٢/ ١٩٢.
ولمحمد بن آدم، عن عبد الرحيم، عن عبيد الله بن عمر، وذكر آخر عن أبي الزبير، عن جابر ٥/ ٢٧٤.
ولهُشَيم أخبرنا مُغيرة، وذكر آخر كلاهما عن الشَّعبي ٣/ ٧١.
ولهُشَيم أيضًا: عن سَيَّار، وحُصين ومُغيرة، وداود بن أبي هند، وإسماعيل بن أبي خالد، وذكر آخرين عن الشَّعبي ٦/ ٢٠٨.
والظاهر من حاله في التثبت أنه عرف أن لفظهما، أو معناهما سواء، وفائدة ذلك:
- الإشعار بضعف المبهم.
- وكونه ليس من شرطه.
- وكثرة الطرق ليترجح بها الخبر عند المعارضة.
* ومن ابتدائه بالنازل ثم إردافه بالعالي وعكسه وهو أكثر للمتقدمين وأعلى ما وقع فيه ما بينه وبين الشارع - ﷺ - فيه أربع وسائط.
ولذا التقطها القاسم بن علي الأنصاري.
ومنه: قُتيبة، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر ١/ ٢٧٧ و١/ ٢٨٩.
وأنزل ما عنده أيضًا مما هو في (الصلاة)، وكذا في (عمل اليوم والليلة) من الكبرى، خاصة ما بينه وبينه فيه عشرةُ وسائط:
[ ١ / ٨٦ ]
- قال هو، وكذا الترمذي: أخبرنا محمَّد بن بَشَّار (بُنْدار) زاد الترمذي: وقُتيبة قالا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ٢/ ١٧١ - ١٧٢.
ورواه النسائي أيضًا: عن أحمد بن سليمان، عن حسين بن علي الجُعفي، كلاهما عن زائدة.
ورواه النسائي أيضًا: عن أبي بكر بن علي، عن عبيد الله بن عمر القَواريري، ويوسف بن مروان، كلاهما عن فُضيل بن عياض، كلاهما عن منصور بن المُعْتَمر، عن هلال بن يساف، عن الربيع ابن خُثيم، عن عمرو بن ميمون.
وقدّمه على الذي قبله في رواية فُضيل، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن امرأة من الأنصار، عن أبي أيوب، عن النبي - ﷺ - قال: (﴿قل هو الله أحد﴾) تعدل ثلث القرآن).
وقال النسائي عَقبَه من سننه الكبرى خاصة: لا أعرف في الحديث الصحيح إسنادًا أطول من هذا ٢/ ١٧٢.
- وعند النسائي أيضًا في جمعه حديث مالك: عن زكريا بن يحيى (خَيَّاط السُّنَّة)، عن إبراهيم بن عبد الله الهَرَوي، عن سعيد بن محبوب، عن عَبْثَر بن القاسم، عن سفيان الثوري، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبد الله والحسن ابني محمَّد بن علي، عن أبيهما، عن علي في "نهي النبي - ﷺ - عن نكاح المُتْعَة".
قلت: وقد ساويت النسائي في مطلق العدد، فكما بينه وبين النبي - ﷺ - في هذين عشرة، كذلك بيني وبينه في أحاديث سواهما عشرة. فلله الحمد.
[ ١ / ٨٧ ]
وعنده في (العدَد) من المجتبى أيضا حديث تُساعي.
رواه عن محمَّد بن وهب الحَرَّاني، عن محمَّد بن سَلَمة، عن أبي عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أُنَيْسة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن الزهري، أنّه كتب إليه يذكر أن عبيد الله بن عبد الله حدّثه، أن زُفَرَ بن أوس بن الحَدَثَان النَّصْري حدثه أن أبا السنابل بن بعكك قال لسبيعة الأسلمية: لا تحلين حتى يمر عليك أربعة أشهر وعشرا أقصى الأجلين، فأتت رسول الله - ﷺ - فسألته عن ذلك ..
الحديث" ٦/ ١٩٥ - ١٩٦.
ومن ثُمانياته:
عمرو بن منصور، عن الحكم بن موسى، عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو ابن حزم، عن أبيه، عن جده ٨/ ٥٧ - ٥٨.
ومن سُباعياته:
محمَّد بن المثنى، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن النَّضر بن أنس، عن بَشير بن نَهيك، عن أبي هريرة ٨/ ٦١.
ومن سُداسياتة:
محمَّد بن مُصعب، عن محمَّد بن المبارك، عن عبد العزيز بن محمَّد، عن صفوان بن سُليم، عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد ٨/ ٦١.
ومن خُماسياته:
يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن حنظلة، عن نافع، عن ابن عمر ٨/ ٧٦.
[ ١ / ٨٨ ]
* ولذا قال أبو عبد الله بن رُشَيْد: "إنه أبدع الكتب المصنفة في السنن تصنيفًا، وأحسنها ترْصيفًا، وهو جامع بين طريقي البخاري ومسلم مع حظ كبير من بيان العلل التي كأنها كهانة من المتكلم".
وهذا الكلام أشبه من تفضيل بعض المغاربة له على كتاب البخاري مُعلَّلًا مقاله بـ (أن مَنْ شَرَطَ الصحة فقد جعل لمن لم يَستكمل في الإدراك سببًا إلى الطعن علي ما لم يُدْخلْ) ولم يُبرهن بما لعله يندفع به الجدال فيما أدخل، بل هو كلام ساقط حكمًا وتعليلا وإن اعتمده المجد البرماوي فيما بلغني عنه.
ولكن قد أشعر بموافقته في الحكم بعض المكيين من شيوخ ابن الأحمر حيث قال: إنه أشرف المصنفات كلها، وما وُضع في الإسلام مثله.
ولا يُعتذر عنه بأن (أشرف) لا يقتضي الترجيح في الأصحية.
لأنّا نقول: قد صرحّ شيخنا تبعًا لشيخه -رحمهما الله تعالى- بأن صيغة "أفعل" و"أجود، وأحسن، وأشرف" سواء، نعم: صحيح وجيد وحسن وشريف متفاوتة.
ويمكن أن يقال: التعبير بـ (أشرف) وإن شارك التعبير بغيره لا يقتضي الأفضلية من كل وجه، ويكون هنا بالنسبة إلى الوضع والإفصاح خاصّة.
وإن رجّح كل من الذهبي والتقي السبكي، كما سيأتي الإمامَ النسائيَّ على الإمام مسلم، فترجيح العالم وإن كان ظاهرًا في ترجيح مُصَنَّفه فذلك في الغالب، وإلا فربّ مرجوح يكون مُصَنَّفُه أرجح.
* وأحسن من هذا كله قول الحافظ أبي عبد الله بن مَنْده، كما سيأتي
[ ١ / ٨٩ ]
أيضًا: الذين خَرّجوا الصحيح، وميّزوا الثابت من المعلول، والخطأ من الصواب أربعة: البخاري، ومسلم، وبعدهما أبو داود والنسائي.
ثم إنه لم ينفرد بتسميته صحيحًا، فقد سماه كذلك الدارقطني، فقال تلميذه أبو بكر البَرْقاني كما سيأتي أيضا: ذكرت له أبا عبيد ابن حَرْبويه، فذكر من جلالته وفضله، وقال: حدّث عنه النسائي في الصحيح. ولعله مات قبله بعشرين سنة.
ولما أورد أبو الفضل ابن طاهر كلا المقالتين قال: قد سمّى الدارقطني كتاب "السنن" صحيحًا مع فضله وتحقيقه في هذا الشأن. انتهى.
وكذا سمّاه صحيحًا جماعة من الحفّاظ كأبوي علي النيسابوري، وابن السكن، فإنه سمى كتابه المشتمل على الصحيحين، والنسائي، وأبي داود بالصحيح، وأبي أحمد ابن عَدي، وأبي بكر الخطيب، وأبي طاهر السلفي، وكذا الذهبي في ترجمته من الكاشف، وأسلفتُ في ختم الترمذي القول في تأويل مقالهم.
* وكذا في إدراج محي السنة البَغَوي له في الحسان بما أغنى الآن عن إعادته.
* ولكنا نقول هنا: قد روى السنن عن مصنفها جماعة من الحفاظ وغيرهم، منهم:
- ابنه أبو موسى عبد الكريم.
- وأبو بكر أحمد بن محمَّد بن إسحاق الدِّيْنَوْري ابن السُّنّي.
- وأبو الحسن أحمد بن محمَّد بن أبي التمام.
[ ١ / ٩٠ ]
- وأبو بكر أحمد بن محمَّد بن المهندس.
- وأبو علي الحسن بن الخضر بن عبد الله الأسيوطي.
- وأبو محمَّد الحسن بن رَشيق العسكري.
- وأبو القاسم حمزة بن محمَّد بن علي بن العباس الكناني.
- وعلي بن أبي جعفر أحمد بن محمَّد بن سلامة الطحاوي.
- وأبو الحسن محمَّد بن عبد الله بن زكريا بن حَيّوية النيسابوري.
- ومحمد بن القاسم بن محمَّد بن سيّار القرطبي.
- وأبو بكر محمَّد بن معاوية القرشي الأندلسي ابن الأحمر.
* واتصل بنا من طريق غير واحد منهم كابن الأحمر، وابن السنُّي.
وفي بعض الأصول التصريح -في بعض كتبه كالإيمان والبيعة- أنه سمعه من لفظه ٨/ ٩٣ و٧/ ١٣٧.
وفي بعض كتبه أنه قرأه عليه وهو يسمع بمصر ٧/ ١٧٩.
بل في بعض ما وقع التصريح بأنه لفظًا التصريح بأنه ليس من السنن كقوله: ما في كتاب القصاص من المجتبى مما ليس في السنن ٨/ ٦٢.
* وكان سماعه له بمصر في سنة اثنتين وثلاثمائة.
وممن صرح بذلك الحافظ أبو بكر ابن نُقْطة، فقال في ترجمة ابن السُّني من تقييده: إنه حدث بالسنن عن النسائي، وقد كان سمعها منه بمصر في سنة اثنتين وثلاثمائة. انتهى، فالله أعلم.
* وبين رواياتهم اختلاف في: اللفظ، والتقديم، والتأخير، والزيادة، والنقص.
[ ١ / ٩١ ]
وأكبرها وأتمها رواية ابن الأحمر.
وقد بيّنتُ التفاوت بينها في جزء سميته (القول المعتبر في ختم سنن النسائي رواية ابن الأحمر) حدّثت به قريبًا من سنة ستين، ولكنه غاب الآن عني.
وسأل بعض الأمراء المصنف -كما حكاه المجد أبو السعادات ابن الأثير في مقدمة (جامع الأصول) له- عن كتابه السنن، أكُلُّه صحيح؟ فقال: لا. قال: فاكتب لنا الصحيح منه مجردًا.
فصنع المجتبى من السنن ترك كل حديث أورده في السنن مما تُكُلم في إسناده بالتعليل. انتهى.
وهو أصح مما قاله غيره: إن المجَرِّدَ هو أحد رواته، الحافظ أبو بكر ابن السُّني.
وما حكاه أبو عبد الله محمَّد بن مَنْدَه مما سمعه من محمَّد بن سعد البارودي في: "كون شرط النسائي التخريج لكل من لم يُجْمَعْ على تركه، حتى يخرج للمجهول حالا وعينًا للاختلاف فيهم" هو مذهب متسع إن حُملَ على ظاهره، لاقتضائه التخريج لجُلِّ الضعفاء، وليس الواقع كذلك، بل الحق إرادته إجماعًا خاصًا.
وذلك أن كل طبقة من المتكلمين في الجرح والتعديل لا تخلو من متشدد ومتوسط، فمتى اتفق الفريقان على ترك واحد تَجَنّبه النسائي، بخلاف ما إذا ضعّفه المتشدد ووثّقه الآخر.
ومن ثَمَّ خرَّج لعبد الله بن عثمان بن خُثيم، وقال: إن يحيى بن سعيد القَطَّان، وعبد الرحمن بن مهدي لم يتركاه، وقال علي بن المديني: إنه منكر الحديث، وكأن علي بن المديني خُلق للحديث ٥/ ٢٤٨.
[ ١ / ٩٢ ]
وحينئذ فقول ابن مَنْدَة: وكذلك أبو داود يأخذ مأخذ النسائي. يعني: في عدم التقيُّد بالثقة، والتخريج لمن ضُعِّف في الجملة، وإن اختلف صنيعهما.
وقول المُنْذري في (مختصر السنن لأبي داود) حكايته عن ابن منده: "إن شرط أبي داود والنسائي أخراج حديث قوم لم يُجْمَعْ على تركهم إذا صح الإسناد من غير قطع ولا إرسال". محمول على هذا، وإلا فكم من رجل أخرج له أبو داود، والترمذي، تجنب النسائي إخراج حديثه بل تجنب النسائي إخراج حديث جماعة من رجال الشيخين، كما ستراه قريبا.
* وقد سمعه أبو الحسن أحمد بن محبوب الرَّمْلي يقول: "لما عزمت على تصنيف (السنن) استخرت الله تعالى في الرواية عن شيوخ كان في القلب منهم بعض الشيء، فوقعت الخيْرةُ على تركهم، ونزلت لذلك في جملة من الحديث كنت أعلو فيها عنهم، فوقعت الخيرة على تركهم" (^١) رواه أبو الفضل ابن طاهر، وسمعه الحاكم أبو عبد الله بمكة من ابن محبوب.
ونحوه قول ابن طاهر: سألت الإمام أبا القاسم سعد بن علي الزِّنْجَاني بمكة عن رجل من الرواة فوثّقه، فقلت له: إن النسائي ضعفّه، فقال: "يا بني إن له في الرجال شرطًا أشد من شرط البخاري ومسلم" انتهى.
* بل قد يَعْتَذرعن تخريجه للضعيف، كقوله:"سعيد بن سلمة شيخ ضعيف، وإنما أخرجناه للزيادة في الحديث" ٨/ ٢٥٨.
قلت: ومع ذلك و:
_________________
(١) هكذا "فوقعت الخيرة على تركهم" مكررة، والظاهر إسقاط الثانية، والله أعلم.
[ ١ / ٩٣ ]
* شدة تحريه:
- كقوله وقد ساق حديثًا من طريق الزهري عن ابن المسيِّب، وأبي سلمة، كلاهما عن أبي هريرة: (لم أفهم "ابن المسيب" كما أردت) ٤/ ٧٠.
- وحديث علقمة: كنت مع ابن مسعود عند عثمان، فقال عثمان: خرج رسول الله - ﷺ - على -يعني- فتْية- قال النسائي: (فلم أفهم "فتية" كما أردت) وذكر الحديث في (الحث على النكاح) ٦/ ٥٦.
- وحديث الذي آتاه الله من أصناف المال وقوله حين سُئل: (ما تركتُ من سبيل تُحبُّ. قال النسائي: ولم أفهم "تُحبُّ" كما أردت) ٦/ ٢٤.
- وكذا روى عن قُتيْبَة، عن سفيان، عن عبد الله -يعني ابن أبي بكر-: ولم أُتْقنْهُ- عن عروة بن بُسْرة ١/ ٢١٦.
- وروى حديثًا طويلًا في قيام الليل ثم قال: (هكذا وقع في كتابي، ولا أدري ممن الخطأ في موضع وتْره - ﷺ -).
* بل ينبه على ما لعله يقع لشيوخه من الاختلاف:
كروايته عن قتيبة، عن الليث حديثا، وقال: (إنه حدّث به مرة أخرى فنقص عن تحديثه الأول منه رجلًا) ١/ ١١٩.
إلى غير ذلك من:
* مزيد تَثَبُّته كقوله -أحيانًا- عقب تعليل، أورَدٍّ، ونحو ذلك مما يجتهد فيه: (والله أعلم) ١/ ٤٥ - ٤٦ و١٢٣.
* فقد ردّوا تجريحه لأبي جعفر أحمد بن صالح المصري، المعروف بـ
[ ١ / ٩٤ ]
(ابن الطبري) فإنه -مع تخريج الشيخين له، بل واحتج به سائر الأئمة- ذكره في كتابه الضعفاء، وقال: إنه ليس بثقة.
زاد في رواية: "ولا مأمون، تركه محمَّد بن يحيى، ورماه ابن معين بالكذب، فقال: كذاب يتفلسف". وفي لفظ: "رأيته كذابًا يَخْطُرُ في جامع مصر".
وقال غير واحد في سبب تجريحه إياه مما حكاه مَسْلَمَة بن القاسم: إن أحمد بن صالح كان لا يُحدِّثُ أحدًا حتى يشهد عنده رجلان من المسلمين أنه من أهل الخير والعدالة، وحينئذ يحدثه ويبذل له علمه، وكان يذهب في ذلك مذهب زائدة بن قُدامة، فلما جاء النسائي ليسمع منه دخل عليه بغير إذن، ولم يأت بمن يشهد له بالعدالة، فأنكر أحمد بن صالح ذلك، وأمر بإخراجه. فضَعَّفَه لهذا، بل كان يطلق لسانه فيه.
قال الخطيب: (وليس الأمر على ما ذكره النسائي، ولكن يقال: كانت آفة أحمد بن صالح الكبرُ وشراسة الخلق، ونال النسائي منه جفاء في مجلسه ففسد الحال بينهما).
ونحوه قول أبي سعيد بن يونس.
قلت: والظاهر من حال النسائي أنه غير موافق له على مذهبه، ويرى ذلك وسيلة لكتم العلم سيما حيث فهم أن التعاظم والكبر موجبه.
ونحوه قول الخطيب -وقد حُكي عن بُندار- أنه قال: "كتبت لأحمد بن صالح بخمسين ألف حديث إجازة، وسألته أن يجيز لي، أو يكتب لي بحديث مَخرَمَة بن بُكير فلم يكن عنده من المروءة ما يكتب بذاك إليّ إنما حمله عليه سوء الخُلق".
[ ١ / ٩٥ ]
قال: ولقد بلغني أنه لم يكن يُحَدِّث أمرد، فلما جاءه أبو داود صاحب السنن بولده، وكان إذ ذاك أمرد. أنكر عليه إحضاره ابنه مجلسه، فقال: إنه وإن كان أمرد أحفظ من أصحاب اللحى فامتحنه بما أردت، ففعل، ثم حدّثه، ولم يُحدِّث أمرد سواه.
نعم: قيل: إن الذي جرحه ابن معين آخر غير هذا، ولكنه التبس على النسائي.
وعلى تقدير كونه هو فتوقَّف فيه بعضهم، وقال: لعل ابن معين لا يدري ما الفلسفة.
وبالجملة مع ما أبديناه في توجيه تجريحه فالنسائي إمام حجة من أهل الاجتهاد والنقد، لا نلتزم عصمته من الخطأ سيما:
وَعَيْنُ الرَّضَا عن كُلِّ عَيْب كَليْلَةٌ … كَمَا أنَّ عَيْن السُّخْط تُبدي المَسَاويَا (^١)
ووراء هذا أنه حصل بكلام النسائي فيه المكافأة له على تحامله بالتكَلم في حَرمَلة صاحب الشافعي كما بينته في محل آخر (^٢)، إذ الجزاء من جنس العمل.
* وقد سئل شيخنا -رحمه الله تعالى- عن ذكر النسائي لبعض الأئمة في ضعفائه، فأجاب بقوله: (النسائي من أئمة الحديث، والذي قاله إنما هو بحسب ما ظهر له وأدّاه إليه اجتهاده، وليس كلّ أحد يؤخذ بجميع قوله سيما وقد وافق النسائي في مطلق القول جماعة.
ولعمري فكتابه بديع لمن تدبره، وتفهم موضوعه وكرره، وكم
_________________
(١) البيت لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (من الطويل).
(٢) انظر فتح المغيث ٤/ ٣٦٧.
[ ١ / ٩٦ ]
جواهر اشتمل عليها، وأزاهر انتعشت الأرواح بالدخول إليها، وذلك:
* أنه يفسر الغريب أحيانًا:
- كقوله في حديث الأعرابي الذي بال: "لا تَزْرمُوه" يعني: لا تقطعوا عليه، ومرة: لا تقطعوه ١/ ٤٧.
- وفي حديث "هذه ركسٌ": الركس طعام الجن ١/ ٤١.
- وفي حديث اللعان "قَضئ العينين" هو: طويل شعر العين ليس بمفتوح العينين، ولا جاحظهما ٦/ ١٧٣.
- وفي حديث "كان يكره الشِّكال": الشكال من الخيل: أن تكون ثلاث قوائم مُحَجَّلة، وواحدة مُطلَقةٌ، أو عكسه، ولا يكون إلا في الرِّجل دون اليد ٦/ ٢١٩.
- وقريب من هذا قوله في قسم الفيء: قوله تعالى في آية ﴿.. أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ ..﴾:
(لله: ابتداء الكلام؛ لأن الأشياء كلها لله تعالى ﷿، ولعله إنما استفتح الكلام في الفيء والخمُس بذكر نفسه لأنها أشرف الكسب، ولم ينسب الصدقة إلى نفسه ﷿ لأنها أوساخ الناس، والله أعلم.
قال: وقد قيل: بل يُؤخذ من الغنيمة شيء فيُجعل في الكعبة.
وهو السهم الذي لله ﷿، وسهمُ النبي - ﷺ - إلى الإمام يشتري منه الكُراع والسلاح، ويعطي منه من رأى ممن فيه غَناء ومنفعة لأهل الإسلام، ومن أهل الحديث والعلم والفقه والقرآن.
وسهمُ ذوي القربى وهم بنو هاشم وبنو المطلب، يُقسَم بينهم
[ ١ / ٩٧ ]
الغني منهم والفقير، وقد قيل: للفقير منهم خاصة كاليتامى، وابن السبيل، وهو أشبه القولين بالصواب عندي، والله أعلم. والصغير والكبير، والذكر والأنثى سواء؛ لأن الله تعالى جعل ذلك لهم، وقسمه رسول الله - ﷺ - فيهم وليس في الحديث أنه فضّل بعضهم على بعض، ولا خلاف نعلمه بين العلماء في رجل أوصى بثلث ماله لبني فلان أنه بينهم، وأن الذكر والأنثى فيه سواء، إذا كانوا يُحْصَون، فهكذا كل شيء صُيّر لبني فلان أنه بينهم بالسَّوية إلا أن يُبيِّن ذلك الآمر به، والله تعالى ولي التوفيق.
وسهمٌ لليتامى من المسلمين، وسهمٌ للمساكين من المسلمين، وسهمٌ لابن السبيل من المسلمين، ولا يُعطى أحدٌ منهم سهمَ مسكين، وسهمَ ابن السبيل، وقيل له: خذ أيهما شئت.
والأربعة الأخماس يقسمها الإمام بين مَنْ حضر القتال من المسلمين البالغين ٧/ ١٣٤.
- ولما ذكر حديث أبي هريرة في مجيئه للنبي - ﷺ - عند فطره بنَبيذ صنعه له في دُبّاء، فوجده يَنشُّ (^١)، فقال: "اضرب بهذا الحائط، فإنه شراب من لا يؤمن بالله واليوم الآخر".
قال: فيه دليل على تحريم المسكر قليله وكثيره، وليس كما يقول المخادعون لأنفسهم بتحريم آخر الشربة، وتحليلهم ما تقدمها الذي يُشرب في الفَرَق قبلها، ولا خلاف بين أهل العلم أن السُّكْر بكليته لا يحدث على الشربة الأخيرة دون الأولى والثانية بعدها ٨/ ٣٠١.
وسيأتي قول الحاكم: "أما كلامه على فقه الحديث فأكثر من أن
_________________
(١) يغلي.
[ ١ / ٩٨ ]
يُذكر في هذا الموضع، وإنه من نظر في سننه تحيّر في حسن كلامه" والله الموفق.
* ويُعَيِّن المُهْمَل:
- كقوله فيما رواه من جهة بكر: وهو ابن مُضَر ٣/ ٤٩.
- وفيما رواه من جهة عبيد الله: وهو ابن القبْطيَّة ٣/ ٦٤.
* قد يذكره -أي المُهْمَل- مع الشّكّ:
- كقوله عقب حديث ليونس عن ابن المسيب، عن عائشة في فضل يوم عرفة: (يشبه أن يكون يونس بن يوسف الذي روى عنه مالك) ٥/ ٢٥٢.
- ونحوه قوله تلْوَ حديث لمغيرة عن أبي وائل، عن عبد الله مرفوعًا "الولد للفراش": ولا أحسب هذا عبد الله بن مسعود) ٦/ ١٨١.
* ويسمي المُبْهَم في أصل السند:
- كإيراده حديث محمَّد بن عبد الرحمن، عن رجل، عن جابر رفعه "ليس من البر الصيام في السفر" ثم ساقه من طريق محمَّد -أيضا- فقال: (عن محمَّد بن عمرو بن حسن، عن جابر) ٤/ ١٧٦ - ١٧٧.
- ونحوه ما رواه من جهة ابن أبي غَنيَّة: واسمه يحيى بن عبد الملك ٣/ ١٩.
- وكذا في المتن:
- كقوله في حديث ذي اليدين: فقام إليه رجل يقال له: الخرْباق.
بل أورده كذلك في موضع آخر مُسمى في أصل رواية أخرى ٣/ ٦٦.
[ ١ / ٩٩ ]
- وكإيراده في العتق حديث الذي دَبَّر عبدًا له بغير تسمية لهما، ثم أورده بتسمية المدبِّر بأبي مذكور، والمدبِّر يعقوب ٧/ ٣٠٤.
* والمكنّي. كقوله فيما رواه:
- من جهة أبي مُعَيد: هو حفص بن غيلان ١/ ١١٨.
- ومن جهة أبي هشام: هو المغيرة بن سلمة ٣/ ١٢٤.
- ومن جهة أبي رشدين: هو كُريب ٢/ ٢١٨.
- ومن جهة أبي غَلاب: هو يونس بن جُبير ٢/ ٢٤٢.
- ومن جهة أبي عمار: هو عَريْب بن حُميد ٥/ ٤٩.
* ويكني المسمَّى حيث كان مشهورا بكنيته:
- كقوله: أخبرنا زكريا بن يحيى، هو أبو كامل (^١) وعمرو بن شُرحبيل معنى أبا ميسرة.
وذَكْوان: أبو صالح ٦/ ٣٢.
وذَكْوان: أبو عمرو ٦/ ٨٥.
* ويشير للمتفق والمفترق، ومنه:
- آخر الأمثلة في الذي قبله.
- وكقوله في حديث عبد الله بن زيد في الاستسقاء، وقد وصفه ابن عيينة بأنه الذي أريَ النداء: "هذا غلط من ابن عيينة، فالذي
_________________
(١) ظاهره أن زكريا هو أبو كامل، وليس كذلك، بل أبو كامل شيخ لزكريا، وهو أبو كامل الجحدري، انظر تحفة الأشراف ج ٩ ص ٢٩٦. وهو أيضا في السنن هكذا أخبرنا زكريا، قال: حدثنا أبو كامل .. انظر ج ٤ ص ٢٠٤ و٢١٨.
[ ١ / ١٠٠ ]
أريَ النداء اسمُ جدِّه عبدُ ربه، وراوي هذا الحديث اسمُ جَدِّه عاصم" ٣/ ١٥٥ - ١٥٦.
- بل قال عقب حديث لإسماعيل بن مسلم، عن محمَّد بن واسع، عن مُطرِّف بن عبد الله قال: قال عمران: "تمتعنا مع رسول
الله - ﷺ -": إسماعيل بن مسلم ثلاثة:
هذا أحدهم: "لا بأس به، والآخر: يروي عن أبي الطفيل، لا بأس به أيضًا، والثالث: يروي عن الزهري والحسن، متروك الحديث" ٤/ ١٧٢.
- وعقب حديث آخر: "أبو معشر صاحب إبراهيم النخعي، واسمه زياد بن كُليب وهو ثقة، وآخر اسمه نَجيح وهو ضعيف، بل اختلط أيضا".
- وعقب حديث لعبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري:
"عبد الرحمن هذا ليس به بأس، وعبد الرحمن بن إسحاق يروي عنه علي بن مُسهر، وأبو معاوية عبد الواحد بن زياد، عن النعمان بن سعد ليس بثقة" ٦/ ٩.
* ونحوه مما يندفع به تعدد الواحد، "كهارون بن أبي وكيع، وهو هارون بن عنترة" ٧/ ٢٣٧.
* ولما يزول به اللَّبسُ من ذلك فَسَاقَ:
- من طريق ابن المبارك عن أبي جعفر، عن أبي سلمان. وقال: (وليس بأبي جعفر الفَرّاء) ٢/ ١٤.
- ومن طريق سليمان التَّيمي، عن أبي عثمان (وليس بالنَّهْدي) ٨/ ٣٣٣.
[ ١ / ١٠١ ]
* وللإخوة:
- كقوله عقب حديث من طريق عبيد الله بن عبد المجيد أبي علي الحنفي ما معناه: (هم أربعة إخوة: أبو علي، وأبو بكر، وشريك، وآخر) ٧/ ١٦٨.
* ويبيّن المنقطع:
- كقوله من حديث مَخْرَمَة بن بكير عن أبيه: (مَخْرَمَة لم يسمع من أبيه شيئًا) ١/ ٢١٤.
- وفي حديث لأبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود: (إنه لم يسمع من أبيه شيئًا، ولا عبدُ الرحمن بنُ عبد الله، ولا عبدُ الجبار بنُ وائل) ٣/ ١٠٥.
- ونحوه قوله: (الحسن عن سَمُرة كتاب، ولم يسمع منه إلا حديث العقيقة) ٣/ ٩٤.
- وقوله عقب حديث لأيوب عنه، عن أبي هريرة رفعه "المنتزعات، والمختلعات هن المنافقات" وقول الحسن: "لم أسمعه من غير أبي هريرة: (الحسن لم يسمع من أبي هريرة شيئًا) ٦/ ١٦٨ - ١٦٩.
وحينئذ فمقالة الحسن فيها تدليس، وكأنه أراد لم أسمعه من غير حديث أبي هريرة، وإن استدل شيخنا بهذا الحديث على سماعه منه. إذ لولا تأويله بما قلنا ما أردفه النسائي بجزمه بعدم سماعه منه لشيء مع صحة السند.
- وكذا قوله عقب حديث لهشام بن عروة عن أبيه: (هشام لم يسمع من أبيه هذا الحديث) ١/ ٢١٦.
[ ١ / ١٠٢ ]
- وعقب حديث لهشام بن عروة، عن أبيه، عن أم سلمة: (عروة لم يسمع من أم سلمة) ٥/ ٢٢٣.
- وحديث للأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة في استئذانه أن يختصي. وقوله - ﷺ -: "يا أبا هرّ جَفّ القلم .. " الحديث: (الأوزاعي لم يسمعه من الزهري، ولكنه حديث صحيح لرواية يونس عن الزهري) ٦/ ٦٠.
* وربما نبّه ابن السُّني راويه على ما لا يذكره من ذلك:
- كقوله عقب حديث للزهري، عن ابن عمر في صلاة الخوف: (الزهري سمع من ابن عمر حديثين، ولم يسمع منه هذا) ٣/ ١٧٣.
* والمرسل:
- كقوله في حديث لجرير، عن منصور، عن ربعي، عن حذيفة رفعه: "لا تَقدَّموا الشهر": (أرسله الحجاج بن أرْطأة عن منصور بدون حذيفة) ٤/ ١٣٦.
- وفي حديث لزائدة وسفيان، كلاهما عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في مجيء أعرابي برؤية هلال رمضان: (رواه أبو داود الطيالسي، وابن المبارك كلاهما عن سفيان مرسلًا بدون ابن عباس) ٤/ ١٣٢.
- وحديث لمحمد بن بشر، وابن المبارك كلاهما، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن محمَّد بن سعد بن أبي وقّاص عن أبيه رفعه "الشهر هكذا": (رواه يحيى بن سعيد وغيره، عن إسماعيل بدون سعيد مرسلًا) ٤/ ١٣٨.
[ ١ / ١٠٣ ]
- وكذا روى عن سليمان بن يَسَار، أن حمزة بن عمرو قال: "يا رسول الله إني أسْرد الصوم .. " الحديث، وقال: (مرسل).
يعني لكون سليمان لم يدرك سؤال حمزة للنبي - ﷺ - فإنه لو حضر ذلك لكان صحابيًا، لكن سليمان رواه عن حمزة كما في رواية أخرى ٤/ ١٨٥.
* وكثيرا ما يُسمِّي المنقطع مرسلًا:
- كقوله عقب حديث لطلحة بن يزيد الأنصاري، عن حذيفة: (هذا الحديث عندي مرسل، وطلحة لا أعلمه سمع من حذيفة شيئا، وغير العلاء بن المسيب -يعني راويه عن عمرو بن مُرَّة، عن طلحة- قال فيه: عن طلحة، عن رجل، عن حذيفة) ج ٣ ص ٢٢٦.
* وكذا كثيرًا ما يُرجح المرسل على المتصل مع القرينة وغيرها من المرجحات له ج ٦ ص ١٦٨:
* وربما وقع له حديث بزيادة راو في سنده، ويحذفه في طريق آخر مما يكون الأمر فيه مترددا بين الإرسال الخفي والمزيد في متصل الإسناد، فيميل لثبوتهما معا. كقوله: (يشبه أن يكون الزهري سمع هذا الحديث من عبد الله بن كَعْب، ومن عبد الرحمن بن كَعب عنه) ج ٧ ص ٢٢.
* وقد يرجّح الزائد كحديث لمحمد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، ثم ساقه بإثبات أخيه عَبَّاد بن أبي سعيد بينه وبين أبي هريرة، وصوّبه، وقال: (إن سعيدا لم يسمعه من أبي هريرة) ج ٨ ص ٢٨٤.
[ ١ / ١٠٤ ]
* والضعيف:
- كقوله عقب حديث محمَّد بن الزبير الحنظلي، عن أبيه، عن عمران مرفوعًا: "لا نذر في غضب، وكفارته كفارة يمين": (محمَّد ضعيف، لا يقوم بمثله حُجَّة، وقد اختلفوا عليه فيه) ج ٧ ص ٢٨.
- وفي تزوج الزانية عقب حديث لهارون بن رئاب، وعبد الكريم كلاهما عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن ابن عباس "جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: إن عندي امرأة من أحب الناس إليّ، وهي لا تمنع يد لامس. قال: طلقها. قال: لا أصبر عنها. قال: استمتع بها": (إنه ليس بثابت، وعبد الكريم ليس بالقوي، وهارون ثقة أثبت منه، وقد أرسل الحديث -يعني بدون ابن عباس- وحديثه أولى بالصواب) ج ٦ ص ٦٧ - ٦٨.
ثم أعاده في الخُلع بنحوه من جهة هارون فقط بذكر ابن عباس، ومن جهة عُمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة، عن ابن عباس، وقال: (إنه خطأ، والصواب مرسل) ٦/ ١٧٠.
- وعقب حديث لربيعة بن سيف المعَافري، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلّى، عن عبد الله بن عمرو في رؤية النبي - ﷺ - ابنته فاطمة ﵂. وقولها له: إنها كانت تعزّي أهل ميت، وقال لها: "لعلك بلغت معهم الكُدَى .. " الحديث: (ربيعة ضعيف) ٤/ ٢٨.
- وحديث لمسعود في موقف الإمام إذا كان معه اثنان: (بُريدة بن سفيان بن فَرْوَة الأسلمي -يعني راويه عن مسعود وحفيد مولاه- ليس بقوي في الحديث) انتهى ٢/ ٨٥.
[ ١ / ١٠٥ ]
وقد عزاه شيخنا في الإصابة لمعجم الصحابة للبغوي، وابن مَنْدَه، ومُطَيَّن، وابن السَّكن وغيرهم، وعجبت من ترك عزوه للمؤلف.
* ولأصح ما في الباب:
- كقوله عقب حديث عبد الله بن عُكيم "كتب إلينا رسول الله - ﷺ -: لا تستمتعوا من الميتة بإهاب ولا عَصَب: (أصح ما في هذا الباب في جلود الميتة إذا دُبغت حديث الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة: "ألا دبغتم إهابها فاستمتعتم به؟ ") ٧/ ١٧٥.
* ولما يُشعر بتحرّز بعض الأئمة في الرواة:
- كقوله: (عمرو بن أبي عمرو ليس بالقوي في الحديث، وإن روى عنه مالك) ٥/ ١٨٧.
* والمنكر. فإنه حكم بذلك في:
- حديث لحماد بن زيد، قال: قلت لأيوب: هل علمت أن أحدًا قال: "في أمرك بيدك" أنها ثلاث غير الحسن؟ فقال: لا، ثم قال: اللهم غَفْرًا إلا ما حدثني به قتادة، عن كثير مولى ابن سَمُرة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: "ثلاث" فلقيت كثيرًا فسألته، فلم يعرفه، فرجعت إلى قتادة فأخبرته، فقال: (نسي) ٦/ ١٤٧.
- وكذا في حديث "نهى عن ثمن الكلب والسِّنَّور إلا كلب الصيد" فقال: (هذا منكر) ٧/ ٣٠٩.
[ ١ / ١٠٦ ]
* والغريب:
- إما في لفظه في المتن:
- كقوله "إذا ولَغَ الكلب في إناء أحدكم فليرقه": (لا أعلم أحدًا تابع علي بن مسهر على قوله "فليرقه") ١/ ٥٣.
- وكحديث الذي أحرم بعمرة وهو مُتَضَمِّخ بطيب: (لا أعلم أحدا قال: "ثم أحدث إحرامًا" غير نوح بن حبيب، ولا أحسبه محفوظًا) ٥/ ١٣١.
- أو بكونه مسندًا:
- كقوله عقب حديث الزهري عن عروة، عن عائشة في ضُباعة "محلي حيث تحبسني": (لا أعلم أحدًا أسنده -يعني عائشة- عن الزهري غير معمر) (^١) وهو تفرد نسبي.
- أو في المتن كله:
- كقوله عقب حديث لأبي داود الحَفَري، عن حفص، عن حُميد، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة: "رأيت النبي - ﷺ - يصلي مُتَربِّعًا": (لا أعلم أحدًا رواه غير أبي داود وهو ثقة، ولا أحسبه إلا خطأ) ٣/ ٢٢٤.
- وعقب حديث أيوب، عن محمَّد، عن أبي هريرة مرفوعًا في ساعة الجمعة: (لا نعلم أحدًا حدّث به غير رباح، عن مَعْمَر، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة إلا أيوب بن سُويد فإنه حدّث به عن يونس، عن الزهري، عن سعيد، وأبي سلمة. وأيوب متروك الحديث) (^٢) وهي غَرَابة مُقَيّدة.
_________________
(١) ٥/ ١٦٩.
(٢) ٣/ ١١٦.
[ ١ / ١٠٧ ]
* والموقوف ٢/ ٦٠:
* ولما يعلم منه عدم التلازم بين السند والمتن حيث وصف سندًا بالحُسن ومتنه بالنكارة ٤/ ١٤٢.
* وللمُدْرَج:
- كحديث لعُبادة بن مُسلم الفَزَاري، عن جُبير بن أبي سليمان بن جُبير بن مُطعم، عن ابن عمر: ("اللهم إني أعوذ بك وبعظمتك أن أغْتالَ من تحتي" مختصر).
قال جُبير: وهو الخسف. قال عبادة: فلا أدري أهذا قوله - ﷺ - أم قول جُبير؟ ثم ساقه من وجه آخر عن عُبادة بلفظ (يعني بذلك الخسف) ٨/ ٢٨٢.
* ولما يُدْرجَ في حديث بعض الرواة مما هو عند غيرهم:
- كحديث ابن أبي عدي، عن شعبة، عن الحكم ومنصور، كلاهما عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن يزيد، قال: رمى عبد الله الجمرة بسبع حصيات. قال عقبه: (ما أعلم أحدًا قال في هذا الحديث "منصورًا" غير ابن أبي عدي) ٥/ ٣٧٣.
- وحديث مالك، ويونس، وعمرو بن الحارث، ثلاثتهم عن ابن شهاب، عن عبّاد بن زياد، عن عروة بن المغيرة، عن أبيه: (لم يذكر مالك عروة) ١/ ٦٢.
- وحديث سعيد بن أبي هلال، وبُكير بن الأشج، كلاهما عن أبي بكر بن المنكدر، عن عمرو بن سُلَيم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه مرفوعًا:"الغُسْلُ يوم الجمعة واجب على كل مُحْتَلم": ولم يذكر بُكَيرٌ عبدَ الرحمن. وزاد في الطيب: (ولو
[ ١ / ١٠٨ ]
من طيب المرأة) ٣/ ٩٢.
- وحديث همّام عن سفيان، ومنصور، وزياد، وبكر -هو ابن وائل- كلهم عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أنه "رأى النبي - ﷺ - وأبا بكر، وعمر، وعثمان، يمشون بين يدي الجنازة": (لم يذكر بكرٌ عثمَانَ).
وقال أيضا: (إنه خطأ، والصواب مرسل) ٤/ ٥٦.
* ولما يشير به لنوع من التدليس:
- كقوله عقب رواية لابن جريج (حدثني عبد الله بن عثمان بن خُثيم عن أبي الزبير، عن جابر": (ابن خثيم ليس بالقوي في الحديث وإنما أخرجته لئلا يُجعل "ابن جُريج، عن أبي الزبير") ٥/ ٢٤٨.
- وساق لسفيان، عن أبي الزبير، عن جابر رفعه: "ليس على خائن، ولا مُنتهب، ولا على مُختلس قطع" ثم قال: (لم يسمعه سفيان من أبي الزبير).
ثم ساقه من حديثه، قال: قال أبو الزبير، عن جابر. ومرّةً: قال جابر.
ثم قال: (وقد رواه عن ابن جريج عيسى بن يونس، والفضل بن موسى، وابن وهب، ومحمد بن ربيعة، ومخلد بن يزيد، وسلمة بن سعيد -وهو بصري ثقة، بل قال ابن أبي صفوان: إنه كان خير أهل زمانه- فلم يقل أحد منهم: "حدثني أبو الزبير" ولا أحسبه سمعه منه) ٨/ ٨٩.
* ولما لَعلَّه يقع تصحيفًا:
[ ١ / ١٠٩ ]
- كقوله في حديث لسفيان الثوري عن بَيَان بن بشر: (هذا خطأ ليس من حديث بيان، ولعل سفيان قال: حدثنا اثنان، فسقطت الألف) ٤/ ٢٢٣.
- ونحوه في هذا الحديث بعينه "عن ابن الحَوْتكية قال: قال أبي": (الصواب: عن "أبي ذر" ويشبه أن يكون وقع من الكتاب "ذر" فقيل: "أبي") ٤/ ٢٢٣.
- ومنه قوله: سمعت عبد الصمد البخاري يقول: حفص بن عمر الذي يروي عن ابن مهدي: (لا أعرفه، إلا أن يكون سقطت الواو من أبيه، وهو حينئذ الرَّبالي المشهور بالرواية عن البصريين، وهو ثقة) ٨/ ١٢٥.
* ويشير لما يثبت العلة أو يدفعها:
- فمن الشِّق الثاني: حديث لسفيان عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، تابعه ابن جريج، وحماد بن زيد، من رواية يحيى. فجعله عن جابر، لا ابن عمر. وتابعه محمَّد بن مسلم الطائفي، عن عمرو، وجمع بينهما ابن عيينة، عن عمرو فكانت هذه الرواية جامعة بينهما ٧/ ٤٨.
- ومن الأول: حديث لابن علية، عن أيوب، عن يعلي بن
حكيم، عن سليمان بن يَسار، عن رافع بن خَديج، أعَلَّه برواية لحماد عن أيوب، قال: "كتب إليّ يعلى (^١) "، وإنه تبيّن بها أن أيوب لم يسمعه من يعلى هذا مع صحة الرواية بالمكاتبة والاتصال بها بشرطه.
* وإذا اختلف الرواة في شيء رجَّح بالأثبتية ونحوها:
_________________
(١) ٧/ ٤١ - ٤٢
[ ١ / ١١٠ ]
- كقوله: (والحكم بن عتيبة أثبت من سلمة بن كُهيل) ٥/ ٤٩.
- وكذا في حديث اختلف فيه على سفيان الثوري، قاسم بن يزيد، ومحمد بن عبيد، وأبو نعيم: (أبو نعيم أثبت عندنا من محمَّد ابن عُبيد، وقاسم بن يزيد. وأثبت أصحاب سفيان عندنا يحيى ابن سعيد القطان، ثم ابن المبارك، ثم وكيع، ثم ابن مهدي، ثم أبو نعيم، ثم الأسود. في هذا الحديث) ٣/ ٢٥٠.
* وقد يرجح المرجوح:
- كقوله في حديث النهي عن التَّبَتُّل، وقد رواه من جهة أشعث، عن الحسن، عن سعد بن هشام، عن عائشة، وقتادة عن الحسن، عن سمُرة: (قتادة أثبت وأحفظ من أشعث، ولكن حديث أشعث أشبه بالصواب) ٦/ ٥٩.
* وربما يشير لإيضاح النسبة:
- كقوله: (أخبرنا عمرو بن سَوَّاد بن الأسود، عن عمرو السَّرحي، من ولد عبد الله بن سعد بن أبي سرح) ٢/ ٢١٥.
- (وأخبرنا محمَّد بن عثمان بن أبي صفوان الثقفي، من ولد عثمان ابن أبي العاص) ٨/ ١٧٩.
- (وأخبرنا عيسى بن أحمد العسقلاني -عسقلان بلخ (^١) - احترازا عن عسقلان غيرها).
* ويسرد نسب شيخه أحيانًا:
- كقوله: أخبرنا علي بن حُجر بن إياس بن مُقاتل بن مُشَمْرج بن خالد السعدي ٧/ ١٨٧.
_________________
(١) ٧/ ٢٢٧
[ ١ / ١١١ ]
- وحدثنا قُتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف ١/ ١٩٠.
* وكذا لقبه:
- كعيسى بن حماد زُغْبة ١/ ٣٠٥.
- وعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم ١/ ٨١.
وكلاهما من شيوخه.
* وللمحل الذي سمع من شيخه فيه:
- كقوله: أخبرنا علي بن الحسن اللاني بالكوفة ٤/ ١٨٧.
* ولما يزول به اللبس:
- كقوله: أخبرنا عبد الله بن محمَّد الضعيف -شيخ صالح- والضعيف لقب لكثرة عبادته ٤/ ١٦٥.
- ونحوه: الضال، لكونه ضل الطريق (^١).
* وللثناء على شيخه:
- كقوله: أخبرنا محمَّد بن رافع النيسابوري الثقة المأمون ٧/ ٦٧.
* ولما يُعرف به الراوي، وإن كان نقصًا في الجُملة:
- كوصفه شيخه سريع بن عبد الله الواسطي بالخَصيِّ ٧/ ٨٣.
* ولما يقع من الراوي مما يَجْرحُ به بعض الأئمة:
- كروايته عن شيخه يعقوب بن إبراهيم بن كثير الدورقي الحافظ المتقن صاحب المسند، حديث يحيى بن عتيق، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعًا "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم"
_________________
(١) هذا ليس من رجال الكتب الستة، ولعل السخاوي أراد بذكره هنا التشبيه من جهة خروج اللقب لكلا الرجلين عن الحقيقة العرفية في هذا الفن، فلذا قال: ونحوه. أفاده بعض الأفاضل.
[ ١ / ١١٢ ]
ثم قال: (كان يعقوب لا يُحدث به إلا بدينار) (^١) ثم أكثر التخريج له في كتابه (^٢)، فدَلَّ على أنه لا يرى ذلك جرحًا، أو يَخَصُّ الجرح بمن لم يُعرف بمزيد الإتقان والتثبت، ولذا احتج بالمشار إليه الشيخان أيضا.
إلى غير ما استخرجناه مما لو أمعنا النظر في كتابه لظهر لنا ما لعله يخفى عن كثيرين.
* وقد انفرد عن باقي الكتب الستة بعَقْد:
- كتاب للتَّطبيق، ذكر فيه:
حديث النهي عن وضع اليدين بين الركبتين ٢/ ١٨٤.
وكذا الإمساك بالرُّكب في الركوع ٢/ ١٨٥. ونحو ذلك، وإن كانت الأحاديث مذكورة فيها.
- وكتاب للشروط مما ينتفع به القضاة والموثقون فكتب في الأحباس منه قليلًا ٦/ ٢٣٠، ثم الجملة قُبيل عشرة النساء، ومنه:
صورة ما يكتب في شركة عنان بين ثلاثة، وشركة مفاوضة بين أربعة عند من يجيزها، وتفرقة الشركاء عن شريكهم، والزوجين، وغير ذلك ٧/ ٥٥ - ٦٠.
* وبالجملة فكتاب النسائي أقل الكتب الستة بعد الصحيحين حديثًا ضعيفًا.
ولكن إنما أخّروه عن أبي داود والترمذي فيما يظهر لتأخره عنهما وفاة. بل هو آخر أصحاب الكتب الستة وفاة، وأسنّهم، لم يُعمّر
_________________
(١) ١/ ٤٩.
(٢) أخرج في ١١٠ موضعا كما في سنن النسائي ص ٢٥٥.
[ ١ / ١١٣ ]
منهم أحد كتعميره.
* وقد كتب عليه شرحًا الإمام أبو الحسن علي بن عبد الله بن النّعمَة سماه (الإمعان في شرح مصنف النسائي أبي عبد الرحمن) ما وقفت عليه.
* وشَرَحَ زوائده السَّراج أبو حفص بن المُلَقِّن، وسبيله فيه كسبيله في شرح زوائد غيره.
وقد قال الحافظ عبد الغني بن سعيد: سمعت أبا علي الحسن بن خضر السيوطي -يعني أحد رواة السنن- يقول: رأيت النبي - ﷺ - في النوم، وبين يديه كتب كثيرة فيها "كتاب السنن" لأبي عبد الرحمن، فقال لي - ﷺ -: إلى متى؟ أو: إلى كم؟ هذا يكفي. وأخذ بيده الجزء الأول من كتاب الطهارة من السنن لأبي عبد الرحمن فوقع في روعي أنه يعني أن "كتاب السنن" لأبي عبد الرحمن أحب إليه.
ومما قاله الحافظ الزين أبو الفضل العراقي من النظم فيه في أثناء قصيدة تلو قوله (من البسيط):
[ ١ / ١١٤ ]
وكُلُّهم من رسول الله مَشْربُهُ … من موْرد طَيّب صافي الوُرُود هَني
منهمْ إمامُ نَسَا أحمدٌ الثِّقَةُ الـ … جَوّالُ في طلَب الآثَار والسُّنن
أعظم به من تَقيٍّ قَانت وَرع … إمَام صدْق عَلَى الأخْبَار مُؤْتَمَن
كتَابَهُ السُّنن المشهورُ إنَّ له … في القلب وقعّا على ما صحَّ من سُنن
وكَمْ لَه من تَصَانيف زَكَتْ وَسَمَتْ … أتَى بها باخْترَاع مُبْدَع حَسَن
منهَا الخَصَائصُ فيمَا خُصَّ سيّدُنَا … به عليًا من الألطَاف والمنن
كذاكَ مُسنَدُهُ أيضًا لَهُ وكَذا … حديثُ مَالك العَاري منَ الوَهَن
وجَمْعُهُ لأحاديث الإمَام أبي … بَكْر مُحَمَّد الزُّهريّ ذي اللَّسَن
كَذا كتابُ الكُنى أيضًا لهُ وكذا … تمييزُهُ فَهْوَ من تَأليفه الحَسَن
وتلميذه الحافظ الجمال أبو حامد بن ظُهَيرة القرشي المكي الشافعي، في قصيدة نونية قال فيها (من الكامل):
وَلَكَمْ لَهُ من مُعجزات جَمَّة … مَا للأنَام بحَصْر تلْك يَدَان
بُشْراكمُو يَا سَامعينَ حَديثَهُ … وكَلامَهُ في حَضْرَة المَنَّان
نلتُمْ بذَا أجرًا وأعظَم نعْمَة … فَعَلَيْكُمُو بالحَمْد والشُّكْرَان
واللهَ أسألُ رحمةً من فضله … للحافظ النَّسَئيِّ ذي الإتقَان
فكتابُهُ فيه فوائدُ جمةٌ … يُرْقَى بها في جَنَّة الرِّضْوَان
وقد انْقَضَى إسمَاعُهُ مُتَوَاليًا … بقراءَة صَحَّتْ مَعَ الإعْلان
في مَسْجد الله الحَرَام بمكَّة … وتُجَاهَ ذَات السِّتْر والأرْكَان
إلى أن قال:
قَابلْ إلَهي السَّامعينَ وَقَارئًا … أجْرًا جَزيلًا مَع ثَوَاب دَاني
[ ١ / ١١٥ ]
وفي لفظ بَدَله:
وَأثبْ إلَهي الشَّيْخَ والقَارئَ لهُ … فلقَدْ أنَالا غايةَ الإحْسَان
يارَبّ واجْعَلْهُ لوَجْهكَ خَالصًا … مُتَقَبَّلًا ما فيه منْ خُسْرَان
وارْحَمْ إلَهي جَمْعَنَا وأنلهُمُو … عَفْوًا وغُفْرَانًا وَخَيْرَ أمَان
واجْعَل صَلاتَك والسَّلام على النبيْ … ـي وآله والصَّحْب والأعْوَان
مَا لاحَ بَرْقٌ أو بَدَى نَجمُ السَّمَا … أو غَرّدَ القُمْريُّ في الأغْصَان
والحمدُ لله العَظيم ختامُهَا … مسكٌ يَفُوحُ مُعَطَّرَ الأرْدَان
* وله من التآليف سوى سننه:
- كتاب عمل اليوم والليلة.
- وخصائص علي ﵁، وهما بابان من السنن الكبرى.
- وله مسند علي أيضا.
- بل وجمع فضائل الصحابة. كما سيأتي بعد.
- وكتاب الضعفاء والمتروكين رواه عنه الحسن بن رَشيق العسكري.
- وكتاب الكنى، ولا يذكر غالبًا إلا من عرف اسمه ورتَّبه على ترتيب كأنه ابتكره بَيَّنْتُه في (فتح المغيث) رواه عنه ابنه عبد الكريم.
- وكتاب الإخوة والأخوات.
- وأسماء الرواة والتمييز بينهم.
- ومسند حديث مالك، رواه عنه أبو علي الأسيوطي، وحمزة الكناني.
- وجمع -أيضا- حديث الفضيل بن عياض.
[ ١ / ١١٦ ]
- ومسند منصور بن زاذان.
- وغرائب الزهري، رواه عنه محمَّد بن قاسم.
- والإغراب، جمع فيه ما أغرب به شُعبة على سفيان، وعكسه، رواه عنه ابن حَيَّويه واتصل بنا جُلّه.
- ومجلسان من أماليه، رواية أبيض بن محمَّد بن أبيض عنه، وكان إملاؤه لهما في سنة ثلاثمائة.
- ومَنْسَكٌ، وصفه أبو السعادات بن الأثير -وهو الذي ذكره- بأنّه على مذهب الشافعي (^١). وقال أيضا: وله كتب كثيرة في الحديث والعلل، وغير ذلك.
* وهو الإمام الهُمام، الحافظ اللافظ، الناقد الزاهد، الجهبذ المجتهد، علم الأعلام، بل شيخ مشايخ الإسلام، الذي إليه في علم الحديث ومعرفة رجاله النقض والإبرام، أوحد الفقهاء والقراء، ومعتمد الأغنياء والأمراء، القاضي الماضي، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن سفيان بن بحر بن دينار الخراساني.
* النسائي: بفتح النون والسين المهملة، وبعد الألف همزة: نسبة لمدينة بخُراسان يقال لها: نَسَا. وعن بعضهم: إنها من بحور نيسابور، وقيل: من أرض فارس، وينسب إليها: نَسَوي. وقال الرُّشاطي: إنه القياس.
وتشتبه هذه النسبة بـ (النشَائي) بالمعجمة والمدّ ونون مكسورة، وهو محمَّد بن حرب من شيوخ الشيخين.
_________________
(١) قد تقدم تفنيد هذا القول، وأمثاله من أن أئمة الحديث مقلدون لأهل المذاهب بما فيه كفاية، فراجع المسألة الأولى من المقدمة.
[ ١ / ١١٧ ]
* وأبو عبد الرحمن ممن ذكر في تاريخ مكة، ودمشق، وحلب، ومصر، ونيسابور، وطبقات الحفاظ والقراء، والشافعية، وسير النبلاء.
* ومولده فيما جزم به الذهبي في الحفاظ، وتاريخ الإسلام، وتبعه تلميذه التاج السبكي في الكبرى: سنة خمس عشرة ومائتين.
بل هو منقول عن النسائي نفسه لكن بدون جزم. فقال أبو بكر محمدِ بن موسى بن المأمون: سمعت أبا بكر بن الإمام الدِّمْياطي يقول له: "وُلدتُ في سنة كذا، ففي أي سنة وُلدتَ؟ فقال: يشبه أن يكون في سنة خمس عشرة؛ لأن رحلتي الأولى إلى قتيبة كانت في سنة ثلاثين ومائتين، فأقمت عنده سنة شهرين"
انتهى.
ورأيت بنسخة من تجريد شيخنا للوافي بالوفيات للصَّفَدي: أنه وُلدَ سنة خمس وعشرين، وهو غلط جزمًا إما من الناسخ أو غيره.
* وارتحل -رحمه الله تعالى- الرحلة الواسعة الجامعة، وسافر في الطلب والجمع إلى البلاد الشاسعة، وطاف البلاد لعلو الإسناد، فسمع:
- بخراسان من: قتيبة، كما تقدم، ومن علي بن خَشْرم، وعلي بن حُجر.
- وبنيسابور من: إسحاق بن إبراهيم بن راهويه، والحسين بن منصور السُّلمي، ومحمد بن رافع وأقرانهم.
- وبالبصرة من: عباس بن عبد العظيم العنبري، ومحمد بن المثنى
[ ١ / ١١٨ ]
ومحمد بن بشار (بُندار) وعمرو بن علي الفلاس، وغيرهم.
- وبمصر من: يونس بن عبد الأعلى، وأحمد بن عبد الرحمن بن وهب، وعيسى بن حماد (زُغْبة)، وأبي طاهر بن السرح، وعبد الرحمن ومحمد ابني عبد الله بن عبد الحكم، وآخرين.
- وبالكوفة من: أبي كُريب محمَّد بن العلاء، وهَنّاد بن السَّري، وعلي بن الحسن اللاني، في طائفة.
- وببغداد من: محمَّد بن إسحاق الصَّغَاني، وعباس بن محمَّد الدُّوري، وأحمد بن منيع، ومجاهد بن موسى الخوارزمي، وجماعة.
- وبالحجاز من: محمَّد بن زُنْبُور بمكة.
- وببيت المقدس من: محمَّد بن عبد الله الخَلَنْجي.
- وبدمشق من: هشام بن عمار، ودُحيم، والعباس بن الوليد بن مزيد، وطائفة.
- وبحلب من: أبي العباس الفضل بن العباس بن إبراهيم الحلبي.
- وبالمصيصة من: قاضيها أحمد بن عبد الله بن علي بن أبي المضاء.
- وبالعراق.
- ومرو.
- والجزيرة، وغيرها.
- ورتب ابن الجوزي في المنتظم رحلته هكذا، فقال: كانت أول رحلته إلى نيسابور، ثم خرج إلى بغداد، وانصرف على طريق مرو، ثم توجه إلى العراق، ثم دخل الشام، ومصر.
* ومن شيوخه أيضًا: أبو حاتم، وأبو زرعة الرازيان، ومحمد بن يحيى بن عبد الله الذهلي النيسابوري، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، وأبو داود صاحب السنن، وغيرهم من الحفاظ.
[ ١ / ١١٩ ]
وإبراهيم بن سعيد الجوهري، وحُميد بن مسعدة، والربيع بن سليمان الجيزي، وكذا المرادي، وزياد بن يحيي الحساني، وسُويد بن نصر، وعبد الله بن سعيد الأشج، وعمرو بن زرارة، ومحمد بن معمر القيسي، ومحمد بن النضر المروزي، ومحمود ابن غيلان، ونصر بن علي الجهضمي، وأبو حاتم السجستاني، وأبو مصعب، وأبو يزيد الجرمي، وخلق لا نطيل بهم.
* اشترك مع الشيخين في جماعة منهم كبُندار، وابن المثنى، والفلاس، وأبي كُريب.
* وقد روى في (الفضل والجود في رمضان) من الصيام من سننه قال:
أخبرنا محمَّد بن إسماعيل البخاري، حدثني حفص بن عمر بن الحارث، قال: حدثنا حماد، قال: حدثنا معمر، والنعمان بن راشد كلاهما عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: "ما لعن رسول الله - ﷺ - من لعنة تُذكر، وكان إذا كان قريب عهد بجبريل يُدارسه كان أجود بالخير من الريح المرسلة" وقال عقبة: "إنه خطأ، والصواب حديث يونس بن يزيد، عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس: كان رسول الله - ﷺ - أجود الناس .. الحديث" وأدخل هذا -يعني الذي قبله- حديثًا في حديث" انتهى ٤/ ١٢٥ - ١٢٦.
هكذا وقع منسوبًا عند ابن السني، دون حمزة الكناني، وأبي علي الأسيوطي، وابن حَيّويه. فلم يُزَدْ فيها على (محمَّد بن إسماعيل) نعم، هو في أصل الحافظ أبي عبد الله الصُّوري الذي كتبه بخطه عن أبي محمَّد ابن النحاس، عن حمزة، منسوب.
[ ١ / ١٢٠ ]
قال الحافظ أبو الحجاج المزي: "ولم نجد للنسائي عن البخاري رواية سواه، إن كان ابن السني حفظه عن النسائي، ولم تكن نسبته له من تلقاء نفسه معتقدًا أنه البخاري، وإلا قد روى النسائي الكثيرَ عن محمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم -وهو ابن عُلَيّة- وهو مشارك للبخاري في بعض شيوخه. بل روى في كتابه الكنى عن عبد الله بن أحمد بن عبد السلام الخفّاف، عن البخاري عدّة أحاديث وهي قرينة ظاهرة في أنه لم يلق البخاري، ولم يسمع منه" انتهى.
وكأنه -مع أنه لم يجزم- سَلَفُ الحافظ أبي عبد الله الذهبي في قوله في ترجمة البخاري من الكاشف له: والصحيح أنه ما سمع منه.
وقال في تاريخه: إنه روى عنه، على نزاع فيه، والأصح أنه لم يرو عنه شيئًا.
ونحوه قال شيخنا: أنكر المزي أن يكون النسائي روى عن البخاري. ثم قال: (وقد وقع لي خبر صَرَّحَ فيه النسائي بالرواية عن البخاري. قال أبو عبد الله بن مَنْدَه في كتاب الإيمان له: حدثنا حمزة بن محمَّد الكناني، ومحمد بن سعد الباوردي، قالا: أخبرنا أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن النسائي، حدثنا محمَّد ابن إسماعيل البخاري ..) فذكر خبرا، فهذا يدل على أن ابن السني قد حفظ نسب محمَّد بن إسماعيل في الحديث الماضي، وأنه لم ينسبه من عند نفسه. ثم وجدت رواية ابن الأحمر من السنن عن النسائي، عن البخاري عدة أحاديث).
قلت: واستظهار المزي بروايته له بواسطة لا ينهض، فكم من
[ ١ / ١٢١ ]
حديث رواه هو وكذا غيره من الأئمة عن بعض شيوخهم بالواسطة، وطالما ينبّه المزي نفسُه في تراجم تهذيبه على ذلك، ومنه.
- رواية النسائي عن إسماعيل بن عُبيد بن أبي كريمة في اليوم والليلة، وعن زكريا السجزي، عنه في السنن.
- وكذا روى في غير سننه عن سعيد بن ذُؤيب أبي الحسن المروزي النسائي الأصل، وفي السنن، عن رجل عنه.
- وروى أيضًا عن الحافظ أبي جعفر محمَّد بن عبد الله بن المبارك قاضي حُلوان، وعن أحمد بن علي المروزي عنه.
- وروى عن الحافظ أبي موسى محمَّد بن المثنى (الزَّمن) وعن رجل عنه، في أمثلة كثيرة.
ثم إنه ممن يُسمى من شيوخ النسائي محمَّد بن إسماعيل:
- الأحْمسي لكن اسم جده سَمُرة.
- والترمذي الحافظ، واسم جده يوسف.
- والطبراني، ويكنى أبا بكر. والله الموفق.
* وتخرّج بخلق من حفّاظ شيوخه كالذهلي، وأبي حاتم، وأبي زرعة، وابن راهويه، والفلاس، وأبي داود، بل والبخاري الذي ترجّح أخذه عنه.
وروى الفقه عن: يونس بن عبد الأعلى، والربيعين، وغيرهم من أصحاب الشافعي.
والقراءة عن: أحمد بن نصر النيسابوري، وأبي شعيب صالح ابن زياد السُّوسي.
[ ١ / ١٢٢ ]
وكما أنه أخذ عن أصحاب الشافعي أخذ عن أصحاب أحمد منهم ولده عبد الله، بل عن خلق من أصحاب مالك.
* قال منصور الفقيه، وأبو جعفر الطحاوي فيما سمعه أبو أحمد بن عدي منهما: (هو إمام من أئمة المسلمين).
ونحوه قول القاسم المُطرِّز فيما سمعه من محمَّد بن سعد الباوردي منه: (هو إمام، أو يستحق أن يكون إماما) أو كما قال، رواه ابن عدي عن الباوردي.
وقال أبو علي النيسابوري الحافظ فيما سمعه منه تلميذه أبو عبد الله الحاكم صاحب المستدرك: (كان من أئمة المسلمين).
وفي رواية: (هو الإمام في الحديث بلا مدافعة) وفي أخرى: (إن أبا علي كان يذكر أربعة من أئمة المسلمين رآهم، ويسميهم فيبدأ به) وفي لفظ: (رأيت من أئمة الحديث في وطني وأسفاري أربعة، فاثنان بنيسابور ويسميهما، والنسائي بمصر، وعَبْدان بالأهواز).
وقال أبو القاسم الحسين بن محمَّد بن داود بن مأمون البصري الحافظ فيما سمعه منه جعفر بن محمَّد بن الحارث: خرجنا معه إلى طَرَسُوس سنة الفداء فاجتمع جماعة من مشايخ الإسلام.
واجتمع من الحفاظ: (عبد الله بن أحمد بن حنبل، ومحمد بن إبراهيم مُربَّع، وأبو الآذان -هو عمر بن إبراهيم- وكيْلَجَة -هو محمد بن صالح بن عبد الرحمن- وغيرهم، فتشاوروا فيمن ينتقي لهم على الشيوخ فأجمعوا على النسائي فكتبوا كلهم بانتخابه) رواه الحاكم عن جعفر.
[ ١ / ١٢٣ ]
وشرط الانتخاب: أن ينتخب المنتخب من حديث ذلك الشيخ ما لم يسمعه المنتقي ولا رُفْقَتُهُ، أو يكون فيه فائدة فيما هو عندهم من عُلو أو زيادة، أو نحو ذلك.
وقال الحافظ أبو الحسين محمَّد بن المُظفر مما سمعه منه الحاكم: سمعت مشايخنا بمصر يعترفون له بالتقدم والإمامة، ويصفون من اجتهاده في العبادة بالليل والنهار، ومواظبته على الحج والاجتهاد، وأنه خرج إلى الفداء مع والي مصر، فوُصفَ من شهامته وإقامته السنن المأثورة في فداء المسلمين والمشركين، واحترازه من مجالسة السلطان الذي خرج معه، مع الانبساط -يعني بالمأكول والمشروب- في رَحْله، وأنه لم يزل ذلك دأبه إلى أن استشهد بدمشق من جهة الخوارج.
وقال الدارقطني فيما سمعه الحاكم منه غير مَرّة: (هو مُقَدَّم على كل من يُذكر بهذا العلم من أهل عصره).
ونحوه: (هو أفقه مشايخ مصر في عصره، وأعرفهم بالصحيح والسقيم من الآثار، وأعلمهم بالرجال، فلما بلغ هذا المبلغ حسدوه ..) إلى آخر كلامه الآتي.
وقال الحاكم: (أما كلامه على فقه الحديث فأكثر من أن يذكر في هذا الموضع) وكأنه أشار بذلك إلى تراجمه ودقَّة استنباطه، حسبما أشرنا لشيء منه، فيما تقدم.
قال: "ومن نظر في كتاب "السنن" له تَحَيَّر في حُسن كلامه" قال: "وليس هو بمسموع عندنا".
وقال أبو عبد الرحمن محمَّد بن الحسين السُّلَمي الصوفي: سألت الدارقطني فقلت له: إذا حدّث ابن خُزيمة، والنسائي بحديث-
[ ١ / ١٢٤ ]
يعني وتعارضا- فمن يُقَدَّم منهما؟ قال: النسائي، لأنه أسندُ.
قال: على أني لا أقدِّم عليه أحدًا -يعني مطلقًا- وإن كان ابنُ خُزيمة إمامًا ثبتا معدوم النظير.
وقال أبو طالب أحمد بن نصر الحافظ مما سمعه منه السُّلمي أيضا: (من يصبر على ما يصبر عليه النسائي؟ كان عنده حديث ابن لهيعة ترجمة ترجمة، فما حدّث بها؛ لأنه لم يكن يرى أن يحدث بحديثه). رواهما ابن عساكر من طريق محمَّد بن علي ابن محمَّد الخشاب، وأبي القاسم الفضل بن أبي حرب الجُرجاني كلاهما عنه.
وقال حمزة بن يوسف السَّهمي: وسئل -يعني الدارقطني- فقيل له: (إذا حدّث النسائي، وابن خزيمة بحديث أيهما يُقَدَّم؟ فقال: النسائي، فإنه لم يكن مثله، ولا أقَدِّم عليه أحدا، ولم يكن في الورع مثله، لم يُحدّث بما وقع له من حديث ابن لهيعة، وكان عنده عاليا عن قتيبة) ورواه ابن عساكر أيضا.
* على أنه قد روى من جهة بعض الضعفاء ممن قُرن مع الثقات بدون كناية، كإيراده من جهة سفيان، عن أيوب السختياني، وأيوب بن إسماعيل، وإسماعيل بن أمية، وعبد الله بن عمر، كلهم عن نافع.
* بل أعلى من هذا في الورع أنه إذا وقع له حديث من جهته قُرن فيه معه ثقة غيره يقتصر في إيراده على الثقة، ولكنه يشير إليه كما أسلفتُه.
* ومن ورعه وتحريه أيضا ما حكاه الحافظ أبو بكر بن نُقْطَة في تقييده فقال: نقلت من خطّ عبد الرحيم بن أحمد المهتَرّ النهاوندي،
[ ١ / ١٢٥ ]
قال: رأيت بخط الدُّوني -يعني راوي السنن- أنه سئل عن نُكتة العدول عن الإتيان بصيغة كـ"حدثنا" و"أخبرنا" فيما يرويه عن الحارث بن مسكين بخصوصه، فأجاب بأنه سمع أن الحارث كان يتولى القضاء بمصر، وكان بينه وبين النسائي خشونه، فلم يكن يُمكِّنه حضورَ مجلسه، فكان يجلس في موضع مستترًا منه بحيث يسمع قراءة القاري، ولا يُرى فلذلك عدل عن الإتيان بذلك، واقتصر على قوله: (الحارث بن مسكين قراءة عليه، وأنا أسمع) يعني: إما ورعا وتحريا وهو الظاهر، فإن الشيخ إنما رَوَّى غيره.
وإما لكونه يرى بامتناعه سيما حيث عَلمَ من المحدث توقي إسماعه، كالذي أمر بدَقّ الهَاوَن بجانب بابه حتى لا يسمع حديثه من جلس عنده.
وقد قيل في سبب ذلك: "إن الحارث كان خائفًا في أمور تتعلق بالسلطان، فدخل عليه النسائي في زيٍّ أنكره، قالوا: كان عليه قَباء طويل، وقلنسوة، فأنكر زيه، وخاف أن يكون من بعض جواسيس السلطان، فمنعه من الدخول إليه، فكان يجيء فيقعد خلف الباب، ويسمع ما يقرؤه الناس عليه من خارج" انتهى.
ويمكن اجتماع السببين، ويحتمل أنه كان ينوب عنه في القضاء لوصف غير واحد من الأئمة له بالقاضي، ويكون الجفاء الذي بينهما لأجل شيء من ذلك.
وإن كنت لم أعلم أيّ مكان كان قاضيًا به، وما وقفت الآن على من عيّنه.
ثم إن ما يقع في بعض الأصول من الإتيان بصيغة "حدثنا" ونحوها في بعض ما يرويه عن الحارث، الظاهر أنه غلط من
[ ١ / ١٢٦ ]
النُّساخ.
* وأعلى من هذا أن النسائي رُبما أورد ذاك الحديث الذي سمعه من الحارث عنه، وعن غيره فيبدأ بذاك بالصيغة، ثم يعطف عليه بالحارث:
- كقوله: أخبرنا محمَّد بن سلمة، والحارث بن مسكين قراءة عليه، وأنا أسمع واللفظ له.
- وكقوله: أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح، ويونس بن عبد الأعلى، والحارث بن مسكين قراءة عليه، وأنا أسمع، واللفظ له.
إذ الظاهر من طريقته أنه نوى القطع واستأنف، ولذا أفرد ضميره في قوله: "قراءة عليه" وهو نوع من التدليس حيث يُعلم مذهب فاعله بل ربما يستعمله المدلس فيما لم يسمعه والله الموفق.
وقد روى عن أحمد بن منيع غير حديث، فقال: وفيما قرأ علينا أحمد بن منيع، وذكر ذلك.
* ولمزيد من أوصافه الشريفة قال أبو عبد الرحمن السُّلمي: سمعت الدارقطني يقول: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن محمَّد النَّسوي العدل بمصر يقول: سمعت أبا بكر الحداد وذكره بالفضل، والدين والاجتهاد ويقول: (أخذت نفسي بما رواه الرَّبيع عن الشافعي أنه كان يختم في شهر رمضان ستين ختمة سوى ما يقرأ في الصلاة. وفي غير رمضان يختم ثلاثين ختمة، فأما في شهر رمضان فلم أقدر على تمام الستين، بل أكثر ما قدرت عليه تسع وخمسون ختمة، وأتيت من غير رمضان بثلاثين ختمة).
[ ١ / ١٢٧ ]
قال الدارقطني: وكان ابن الحداد كثير الحديث، ولم يحدث عن أحد غير النسائي، وقال: رضيت به حجة بيني وبين الله تعالى).
وقال أبو الوليد الباجي: "هو مشهور بالحفظ والتقدم" رواهما ابن عساكر.
وأسند ابن طاهر، ومن طريقه ابن نُقْطة إلى أبي عبد الله بن مَنْدَه قال: (الذين أخرجوا الصحيح وميزوا الثابت من المعلول، والخطأ من الصواب أربعة: البخاري، ومسلم، وبعدهما أبو داود، والنسائي).
وإلى أبي بكر البَرْقاني الحافظ قال: ذكرت للدارقطني أبا عبيد بن حَرْبويه فذكر من جلالته وفضله، وقال: حدّث عنه النسائي في الصحيح ولعله مات قبله بعشرين سنة.
وقال أبو سعيد بن يونس في الغرباء من تاريخ المصريين: (قدم مصر قديمًا، وكَتَبَ بها، وكُتبَ عنه، وكان إمامًا في الحديث، ثقة ثبتًا حافظًا، وكان خروجه من مصر في ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثمائة) ثم ذكر ما سيأتي.
وقال الوزير ابن حنْزَابة: قال أبو بكر محمَّد بن موسى بن يعقوب ابن المأمون الهاشمي: كنت يومًا في دهليز الدار التي كان النسائي يسكنها في زقاق القناديل -يعني من مصر- ومعي جماعة ننتظره لينزل، ونمضي إلى الجامع ليقرأ علينا حديث الزهري. فقال بعض من حضر: ما أظنه إلا يشرب النبيذ للنضرة التي في وجهه، والدّم الظاهر مع السن.
- وكذا قال الذهبي: "إنه كان مليح الوجه ظاهر الدم مع كبر السن" انتهى.
[ ١ / ١٢٨ ]
وقال آخر: وليت شعرنا ما يقول في إتيان النساء في أدبارهن؟ فقلت: أنا أسأله عن الأمرين وأخبركم، فلما ركب مشيت إلى جانب حماره، وقلت له: تَمَارَى بعض من حضر في مذهبك في النبيذ. فقال: مذهبي في النبيذ أنه حرام، لحديث أبي سلمة عن عائشة: "كل شراب أسكر فهو حرام" فلا يحل لأحد أن يشرب منه قليلا ولا كثيرا".
قلت: وقد أورد في سننه لحديث أبي سلمة المذكور طرقًا من طريق الزهري عنه. بل أورد ما تولّع به المرخّصون مقرونًا بتعليله وردّه، وترجم عليها "الأخبار التي اعتَلَّ بها من أباح شرب المسكر" وأسلفت في أثناء هذا الجزء شيئًا من كلامه في الردّ فجزاه الله خيرًا.
ولنرجع لتتمة كلام ابن المأمون، قال: قلت له: فما الصحيح من الحديث في إتيان النساء في أدبارهن، فقال: لا يصح عن النبي - ﷺ - في إباحته ولا تحريمه شيء، ولكنَّ محمَّد بن كعب القرظي حدّث عن جدك ابن عباس "اسق حرثك من حيث شئت" فلا ينبغي لأحد أن يتجاوز قوله" انتهى.
وحاشا لله أن يقول النسائي ذلك، والسند في ذلك غير صحيح.
وعجبت ممن يحكيه من الحفاظ من غير بيان، نعم في كلام الذهبي ما لعله يُشعر بذلك، فإنه قال عقبه: "قد ثبت نهي المصطفى - ﷺ - عن أدبار النساء، ولي فيه مصنف".
قلت: وكذا لشيخنا، رحمهم الله تعالى.
ثم قال أبو بكر بن المأمون الهاشمي: وكان النسائي يؤثر لباس البُرود النُّوبيَّة الخُضْر، ويقول: هذا عوض من النظر إلى الخضرة
[ ١ / ١٢٩ ]
من النبات فيما يُراد لقوة البصر.
وقد عقد في سننه بابا لـ (لبس الأخضر من الثياب)، وذكر فيه حديث أبي رمْثَة: "خرج علينا رسول الله - ﷺ - وعليه ثوبان أخضران" ٨/ ٢٠٤.
وبابا لـ (لبس البرود) وذكر فيه حديث خبَّاب "أنه - ﷺ - توسد بُرْدَة في ظل الكعبة"، وحديث سهل بن سعد: "جاءت امرأة ببُرْدَة -وهي الشملة منسوج في حاشيتها- أهدتها له - ﷺ -" الحديث ٨/ ٢٠٤.
وكان يكثر الجماع، مع صوم يوم وإفطار يوم، وله أربع زوجات يقسم لهن، ولا يخلو مع ذلك من جارية واثنتين، يشتري الواحدة بمائة ونحوها، ويقسم لها كما يَقْسم للحرائر.
وكان قُوتُه في كل يوم رطل خبز جيد، يؤخذ له من سُويقة العرافين، لا يأكل غيره صائما كان أو مفطرا.
وكان يكثر أكل الديوك الكبار تشترى له وتسمّن. زاد الذهبي: وتخصى ثم تذبح فيأكلها.
ويرى الرخصة في خصائها كما هو مذهبنا، ويذكر أنه تنفعه في باب الجماع.
وسمعت قوما ينكرون عليه تصنيفه كتاب "الخصائص" لعلي ﵁، وتركه لتصنيف فضائل الشيخين وعثمان ﵃، ولم يكن في ذلك الوقت صَنَّفها، فحكيت له ما سمعت فقال: دخلنا إلى دمشق، والمنحرف عن علي ﵁ بها كثير، فصَنَّفته رجاء أن يهديهم الله تعالى.
[ ١ / ١٣٠ ]
ثم إنه صَنَّف بعد ذلك في "فضائل الصحابة" ﵃، وقرأها على الناس. وقيل له -وأنا حاضر-: ألا تخرج فضائل معاوية ﵁؟ فقال: أي شيء أخرج؟ اللهم لا تشبع بطنه، وسكت، وسكت السائل" رواه ابن عساكر.
ثم نقل عن بعض أهل العلم أنه قال: وهذه أفضل فضيلة لمعاوية لأن النبي - ﷺ - قال: "اللهم إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر، فمن لعنته أو سببته فاجعل ذلك زكاة له ورحمة" (^١)، (وتبعه الذهبي ولكنه قال: لعل هذه منقبة ولفظه في تاريخ الإسلام فضيلة لمعاوية .. إلى آخره. انتهى).
وقد روى النسائي في سننه من حديث المنهال بن عمرو عن سعيد ابن جُبير قال: "كنت مع ابن عباس ﵄ بعرفات، فقال: مالي لا أسمع الناس يلبون؟ قلت: يخافون من معاوية. فخرج ابن عباس من فُسطاطه، فقال: لبيك اللهم لبيك، فإنهم قد تركوا السنة من بغض علي" ﵁ ٥/ ٢٥٣.
وقال قاضي مصر أبو القاسم عبد الله بن محمد بن أبي العوّام السَّعدي: حدثنا النسائي، حدثنا إسحاق بن راهويه، حدثنا محمَّد بن أعين، قال: قلت لابن المبارك: إن فلانا يقول: من زعم أن قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: آية ١٤] مخلوق، فهو كافر، فقال ابن المبارك: صدق. قال النسائي: وبهذا أقول.
* وقال أبو الحسن القابسي الفقيه المالكي، سمعت أبا الحسن محمَّد ابن هاشم المصري- وكان من علماء الناس وخيارهم وممن امتنع
_________________
(١) صحيح مسلم ٤/ ٢٠٠٧.
[ ١ / ١٣١ ]
من الانتصاب للحديث- يقول: "سئل النسائي عن اللحن يوجد في الحديث فقال: فإن كان شيئًا تقوله العرب، (ولو لم يكن في لغة قريش) فلا يُغَيَّر لأن النبي - ﷺ - كان يُكلم الناس بلسانهم، وإن كان مما لا يوجد في لغة العرب فرسول الله - ﷺ - لا يَلحَن" انتهى.
وهو فيما يتحول به المعنى باتفاق. واختلفوا هل يُصْلَح بالأصل، أو يشار إليه ويُنَبَّه على صوابه بالهامش، كلما بُسط في محله.
* والثناء على النسائي سوى ما مضى كثير.
- قال ابن الجوزي -في المنتظم-: (كان إماما في الحديث، ثقة ثبتا حافظا فقيها".
- وقال ابن الأثير -في مختصر الأنساب تبعًا لأصله-: (كان إمام عصره، سكن مصر وانتشرت بها تصانيفه".
- وفي جامع الأصول لأبي السعادات ابن الأثير: "إنه أحد الأئمة الحفاظ العلماء، لقي المشايخ الكبار، وكان ينتحل مذهب الشافعي، وصنف المناسك على مذهبه" انتهى (^١).
واعتمد في كونه شافعيًا الجمال الإسنوي، والتاج ابن السبكي، ثم التقى ابن قاضي شهبة وغيرهم، ولم يذكره العماد ابن كثير ولا المذَيِّل عليه، فالله أعلم.
- وقال ابن خَلِّكان -في تاريخه-: الحافظ إمام عصره في الحديث.
- وقال المزي -في تهذيبه-: "القاضي الحافظ صاحب كتاب السنن وغيره من المصنفات المشهورة، وأحد الأئمة المُبَرِّزين، والحفاظ المتقين، والأعلام المشهورين".
_________________
(١) تقدم الرد على هذا القول في أوائل المقدمة، فلا تغفل.
[ ١ / ١٣٢ ]
- وقال الذهبي -في الحفاظ-: "الحافظ الإمام شيخ الإسلام، برع في هذا الشأن وتفرد بالمعرفة والإتقان، وعلو الإسناد، واستوطن مصر".
- وفي تاريخ الإسلام: "القاضي، مصنف السنن وغيرها من التصانيف، وبقية الأعلام".
- وفي الكاشف: "الحافظ الحجة، صاحب الصحيح، سمع من قتيبة، وطبقة من أصحاب مالك، وحماد بن زيد، انتهى إليه علم الحديث".
- وفي العبر: "الإمام أحد الأعلام، صاحب المصنفات، كان رئيسًا نبيلا، حسن البزَّة، كبير القدر، له أربع زوجات يَقسم لهن، ولا يخلو من سُرِّيَّة لنهمته في التمتع، ومع ذلك كان يصوم صوم داود ويتهجد" ونقل بعضا مما تقدم.
- وفي الدول: "حافظ زمانه أحد الأعلام، ومصنف السنن، كان يقوم الليل، ويصوم يوما ويفطر يوما".
ولم يتيسر لي الآن رؤية تاريخ نيسابور للحاكم، ولا سير النبلاء، وأما طبقات القراء فلم يذكره فيها.
- نعم ذكره فيهم ابن الجزري، ووصفه بـ (الحافظ الكبير) وما أتى الأمير أبو نصر بن ماكولا فيه بكبير.
كما أن العزّ ابن الأثير لم يَزدْ في كامله على قوله: "صاحب السنن".
- وقال ابن نُقطة -في التقييد-: "كان إماما من أئمة هذا الشأن".
ولم أره في تاريخ بغداد للخطيب، والظن عدم خُلو بعض ذيوله
[ ١ / ١٣٣ ]
سيما ابن النجار منه.
- وقال التاج السبكي
- في الكبرى: الإمام الجليل، أحد أئمة الدنيا في الحديث، والمشهور فيه اسمه وكتابه.
- زاد في الوسطى: "وكان من أئمة المسلمين الجامعين بين الفقه والحديث.
- وفيهما معا: "سألت شيخنا الذهبي أيهما أحفظ مسلم أو النسائي؟ فقال: النسائي، ثم ذكرت ذلك لوالدي فوافق عليه".
- وقال الأسنوي في طبقاته: ومن خطه نقلتُ: "المشهور في الحديث اسمه وكتابه الجامع بين الحديث والفقه، سكن مصر، وكان أفقه مشايخها في عصره، وأعلمهم بالحديث، رئيسا كبيرا حسن البزة كثير التهجد والعبادة، ويصوم يوما ويفطر يوما" ولخص بعضا مما تقدم.
- وتبعه ابن قاضي شهبة في جُلِّ ذلك، بل وقد ذكره في الطبقة الثالثة أنه من نظراء أهل التي قبلها، ولكن تأخرت وفاته. وقال: "الإمام الجليل الحافظ، مصنف السنن، وغيرها من التصانيف، وأحد الأعلام".
- وقال المتقي القاضي في تاريخ مكة: "أحد الأئمة الأعلام".
واستيفاء نحو هذا مما حصل الغرض بدونه يطول.
* وقال الحاكم: "حدثني الدارقطني أنه خرج حاجا فامتُحن بدمشق وأدرك الشهادة. قال: احملوني إلى مكة، فحُمل وتوفي بها، وهو مدفون بين الصفا والمروة. وكانت وفاته في شعبان" وتبعه
[ ١ / ١٣٤ ]
في حكايته ابن الجوزي.
قال الحاكم: وسمعت الدارقطني يقول -يعني عقب ما أسلفته عنه-: إن أهل مصر حسدوه، فخرج إلى الرملة، فسئل عن فضائل معاوية، فأمسك عنه. فضربوه في الجامع. فقال: أخرجوني إلى مكة، فأخرجوه إليها وهو عليل فتوفي بها مقتولا شهيدا".
وقال علي بن محمَّد المادراي، وحدثني أهل بيت المقدس قالوا: "قرأ علينا النسائي كتاب "الخصائص" فقلنا له: فأين فضائل معاوية؟ فقال: وما يرضى معاوية أن يُسكتَ عنه.
قالوا: فرجمناه وضغطناه وجعلنا نضرب جنبيه فمات بعد ثلاث".
ثم قال الحاكم: ومع ما جمعه من الفضائل رزق الشهادة في آخر عمره. فحدثني محمَّد بن إسحاق الأصبهاني -وهو ابن منده- قال: سمعت مشايخنا بمصر يذكرون أنه فارق مصر في آخر عمره، وخرج إلى دمشق، فسئل بها عن معاوية، وما رُوي من فضائله، فقال: ألا يرضى معاوية رأسا برأس حتى يُفضّل؟.
قال: وكان يتشيَّع، فما زالوا يدافعون في حضنيه -يعني جنبيه، وفي لفظ "في حضنه" أو قال: "خصييه" حتى أخرج من المسجد ثم حُمل إلى الرملة، ومات بها سنة ثلاث وثلاثمائة، وهو مدفون بالرملة.
ورواه الحافظ أبو نعيم، ومن طريقه ابن عساكر من جهة حمزة العقبي المصري وغيره: "أنه خرج من مصر في آخر عمره إلى دمشق فسئل بها عن معاوية. وذكر نحوه وفيه إنهم داسوه، وإنه
[ ١ / ١٣٥ ]
حُمل إلى الرملة فمات بها".
قال الحافظ أبو نعيم: لما داسوه بدمشق مات بسبب ذلك الدوس وهو مقتول.
قال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: "وهذه الحكاية لا تدل على سوء اعتقاد النسائي في معاوية، وإنما تدل على الكف عن ذكره بكل حال".
ثم روى بإسناده عن أبي الحسن علي بن محمَّد القابسي، سمعت أبا علي الحسن بن هلال يقول: "سئل النسائي عن معاوية صاحب رسول الله - ﷺ -، فقال: إنما الإسلام كدار لها باب، فباب الإسلام الصحابة، فمن آذى الصحابة إنما أراد الإسلام كمن نَقَرَ الباب، إنما يريد دخول الدار، قال: فمن أراد معاوية فإنما أراد الصحابة ﵃" انتهى.
وكذا يُجاب عمن أطلق فيه أنه كان يتشيع كما تقدم، بل نقله اليافعي في تاريخه، عن أصحاب التاريخ، بأن الحامل لإطلاق ذلك تصنيفه في الخصائص وأهل البيت، مع تصريحه هو بالاعتذار بما ينفي عنه التشيع المذموم. فحاشا وكلا، وقد كانت دمشق إذا ذاك مشحونة بالأمراء أهل الشوكة ذي التحامل على علي ﵁.
وأما ما وُجد بخط السلفي مما حكاه ابن العديم في تاريخ حلب بسنده إلى أبي منصور تكين الأمير قال: "قرأ عليَّ النسائي كتاب الخصائص، فقلت له: حدثني بفضائل معاوية، فجاءني بعد جمعة بورقة فيها حديثان، فقلت: أهذه فقط؟ فقال: مع أنها ليست صحيحة، هذه غَرمَ معاوية عليها الدراهم. فقلت له:
[ ١ / ١٣٦ ]
أنت شيخ سوء لا تجاورني. فقال: ولا لي في جوارك حظ. وخرج" انتهى. فهو شيء لا يصح.
* وكان خروجه من مصر ليحج، فامتحن بدمشق وأدرك الشهادة، وذلك كما قاله ابن يونس مما تقدم في ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثمائة.
قال: فتوفي -يعني- بعد أشهر بفلسطين يوم الاثنين لثلاث ليلة خلت من صفر سنة ثلاث.
وكذا قال ابن نقطة: نقلتُ من خط أبي عامر محمَّد بن سعدون العبدري الحافظ: إنه مات بالرملة مدينة فلسطين يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة من صفر، زاد: ودفن ببيت المقدس. وقال أبو علي الغسال: ليلة الاثنين.
وعن أبي جعفر الطحاوي: في صفر بفلسطين.
وعن الشيخ ابن حيان تعيين السنة خاصة قال: وبلغني أنه مات بالرملة، ودُفن ببيت المقدس.
ونقل الذهبي عن الدارقطني حكايته القول بأنه مات بمكة وفي شعبان وقول ابن يونس الماضي، قال: وهو -أي قول ابن يونس- هو الصحيح.
وكذا جزم ابن الجزري بأنه مات بالرملة، ولم يحك سواه.
ونحوه قول ابن قاضي شهبة: توفي بفلسطين.
بل قال الذهبي في الحفاظ عقب القول بأنه حمل إلى مكة فتوفي بها: كذا في هذه الرواية، وصوابه بالرملة. ثم حكى عن الدارقطني ما تقدم ابتداء بحكاية غير واحد كابن الأثير في مختصر
[ ١ / ١٣٧ ]
الأنساب تبعا لأصله، وابن خلكان، ثم قال: وقيل: بالرملة، وكذا حكاه اليافعي.
وبكونها بمكة جزم ابن الأثير في "جامع الأصول" وأنه مدفون بها وأخوه العزُّ أبو الحسن في "كامله" وأنه دُفن بين الصفا والمروة.
وقال ابن السبكي في الكبرى: اختلفوا في مكان موته، فالصحيح أنه أخرج من دمشق لما ذكر فضائل عليّ، ثم حمل إلى الرملة فتوفي بها وقيل: حُمل إلى مكة، فدفن بها بين الصفا والمروة.
قال الذهبي في تهذيبه وغيره من تصانيفه: وعاش ثمانيا وثمانين سنة.
قال شيخنا: "وكأنه بناه على ما تقدم من مولده فهو تقريب هذا، مع كون الذهبي جزم به كلما أسلفته".
* وكما اختُلف في محل موته ودفنه، كذلك اختُلف في شهر موته: فقيل: صفر وهو أكثر، وقيل: شعبان.
ومن ثمَّ حذف غير واحد كابن خلكان تعيين الشهر. والله أعلم.
* وقد رَوَى عنه خلق أثبتُ من وقفت عليه الآن منهم على حروف المعجم، وكل من عليه (س) فهو ممن روى عنه السنن، وإن كنتُ سردتهم فيما مضى:
- أبو إسحاق، إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن يعقوب بن يوسف الإسكندراني.
- وأبو إسحاق، إبراهيم بن محمَّد بن صالح بن سنان القرشي الدمشقي.
[ ١ / ١٣٨ ]
- وأبو العباس، أبيض بن محمَّد بن الحارث بن أبيض القرشي الفهري المصري.
- وأحمد بن إبراهيم بن محمَّد بن أشهب بن عبد العزيز القيسي العامري.
- وأحمد بن الحسن بن إسحاق بن عتبة الرازي.
- وأبو الحسن، أحمد بن سليمان بن أيوب بن حذلم الأسدي الدمشقي.
- وأحمد بن عبد الله بن الحسن العدوي. ويعرف بـ (أبي هريرة بن أبي العصام).
- وأبو الحسن، أحمد بن عمير بن يوسف بن جُوصاء الدمشقي الحافظ.
- وأحمد بن عيسى القمي، نزيل بيروت.
- وأحمد بن القاسم بن عبد الرحمن الحَرَسي، والحَرَس: محلة بمصر، أو قرية.
- وأبو الحسن، أحمد بن محبوب الرملي.
س:- وأبو بكر أحمد بن محمَّد بن إسحاق الدينوري الحافظ، ويعرف بـ (ابن السُّنّيّ).
- وأبو جعفر أحمد بن محمَّد بن إسماعيل بن يونس النحوي، ويعرف بـ (ابن النحاس).
- وأبو سعيد، أحمد بن محمَّد بن زياد الأعرابي.
- وأبو جعفر، أحمد بن محمَّد بن سلامة الطحاوي، وأكثر عنه في تصانيفه.
[ ١ / ١٣٩ ]
س:- وأبو الحسن، أحمد بن محمَّد بن أبي التمام.
س:- وأبو بكر أحمد بن محمَّد بن المهندس.
- وأبو يعقوب، إسحاق بن إبراهيم بن هاشم بن زامل الأذرعي.
- وإسحاق بن عبد الكريم الصواف.
- والأمير أبو منصور تكين.
- وجعفر بن محمَّد بن الحارث الخُزاعي.
س:- وأبو علي، الحسن بن الخضر بن عبد الله السيوطي.
س:- وأبو محمَّد، الحسن بن رشيق العسكري. بل روى عنه القراءة أيضا.
- وأبو علي الحسين بن هارون المُطَّوعي.
- وأبو علي، الحسين بن أبي هلال.
- وأبو علي، الحسين بن علي النيسابوري، الحافظ.
س:- وأبو القاسم، حمزة بن محمَّد بن علي بن محمَّد العباس الكناني الحافظ.
- وأبو القاسم، سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني الحافظ، وأورد عنه في معجمه الأوسط شيئا كثيرا.
- وأبو أحمد، عبد الله بن عدي الجرجاني الحافظ.
- وأبو القاسم، عبد الله بن محمَّد بن أبي العَوَّام السعدي، قاضي مصر.
- وأبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى
[ ١ / ١٤٠ ]
الصدفي صاحب تاريخ المصريين -وأبو عيسى عبد الرحمن بن إسماعيل الخولاني العروضي الخشاب المصري.
- وأبو الميمون عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن راشد البجلي الدمشقي.
س:- وابنه: أبو موسى، عبد الكريم بن النسائي.
- وأبو الفتح، عبيد الله بن جعفر بن أحمد بن عاصم الدمشقي ويعرف بـ (ابن الرواس).
س:- وعلي بن أبي جعفر أحمد الطحاوي، الماضي أبوه.
- وعلي بن محمَّد بن أحمد بن إسماعيل الطبري.
- وأبو القاسم، علي بن يعقوب بن إبراهيم بن أبي العقب الهمداني الدمشقي.
- وأبو طالب، عمر بن الربيع بن سليمان المصري.
- وأبو بشر، محمَّد بن أحمد بن حماد الدولابي، وهو من أقرانه.
- وأبو عبد الله محمَّد بن أحمد بن خالد بن يزيد الأعدالي المصري.
- ومحمد بن أحمد بن قطن الطحاوي، أخذ عنه القراءة.
- وأبو بكر، محمَّد بن أحمد الحداد المصري، الفقيه.
- وأبو الحسن، محمَّد بن أحمد الرافقي.
- ومحمد بن جعفر بن هشام بن ملاس النميري.
- وأبو بكر، محمَّد بن داود بن سليمان الزاهد.
-[ومحمد بن سعد السعدي الباوردي].
[ ١ / ١٤١ ]
س:- وأبو الحسن، محمَّد بن عبد الله بن زكريا بن حيويه النيسابوري.
- وأبو بكر، محمَّد بن علي بن الحسن بن أحمد التنيسي النقاش.
- وأبو جعفر، محمَّد بن عمرو بن موسى بن محمَّد بن حماد العُقيلي المكي الحافظ.
- وأبو الطيب، محمَّد بن الفضل بن العباس.
س:- ومحمد بن القاسم بن محمَّد بن سيار القرطبي الأندلسي.
- وأبو بكر محمَّد بن القاسم بن أحمد المصري الزاهد الصوفي ويعرف بوليد.
- وأبو بكر، محمَّد بن محمَّد بن أحمد بن إبراهيم القرقساني.
- وأبو بكر محمَّد بن معاوية الأندلسي ابن الأحمر.
- وأبو بكر، محمَّد بن موسى بن يعقوب بن المأمون الهاشمي.
- ومحمد بن نصر المروزي.
- وأبو علي، محمَّد بن هارون بن شعيب الأنصاري الدمشقي.
- وأبو الحسن، محمَّد بن هاشم المصري، أحد الخيار من العلماء، وممن امتنع من الانتصاب للتحديث.
- وأبو عبد الله، محمَّد بن يعقوب بن يوسف الشيباني الحافظ، ولعرف بـ (ابن الأخرم).
- ومنصور بن إسماعيل الفقيه المصري.
- وأبو بكر، الوليد وهو محمَّد بن القاسم الماضي.
- وأبو عوانة، يعقوب بن إسحاق الإسفراييني في صحيحه.
[ ١ / ١٤٢ ]
- ويعقوب بن المبارك المصري.
- وأبو القاسم، يوسف بن يعقوب السُّوسي.
* وبالسند الماضي إلى أبي عبد الرحمن النسائي (^١) قال:
أخبرنا واصل بن عبد الأعلى، عن ابن فُضيل، وأخبرنا أحمد بن سليمان، قال: حدثنا مُحاضر، كلاهما -واللفظ للأول- عن عاصم بن سليمان -هو الأحول- عن عبد الله بن الحارث، قال: كان إذا قيل لزيد بن أرقم ﵁: (حدثنا ما سمعت من رسول الله - ﷺ -، يقول: لا أحدثكم إلا ما كان رسول الله - ﷺ - حدثنا به، ويأمر أن نقول: اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والبُخل والجُبْن، والهَرم وعذاب القبر، اللهم آت نفسي تقواها، وزكّها أنت خير مَنْ زكّاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من نفس لا تشبع، ومن قلب لا يخشع، ومن علم لا ينفع، ودعوة لا يستجاب لها).
أخبرنا محمَّد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن -هو ابن مهدي- قال: حدثنا سفيان -هو الثوري- عن منصور، عن الشعبي، عن أم سلمة ﵂، أن النبي - ﷺ - كان إذا خرج من بيته قال: "بسم الله، رب أعوذ بك من أن أزلّ أو أضلَّ، أو أظلمَ أو أُظْلَمَ أو أجهَل أو يُجْهَلَ عَلَيَّ".
نقلته من خط العلامة عبد العزيز بن عمر بن محمَّد بن فهد الهاشمي وفي آخره بخطه: "وانتهى في حادي عشري شوال سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة بمكة المشرفة، مع احتياجي فيه لتتمات،
_________________
(١) لم يسق السخاوي سنده إلى النسائي هنا، بل أحال إلى ما ساقه في أول الكتاب، ولم أجده، فليطلب.
[ ١ / ١٤٣ ]
وإن كان فيه لجمهور الناس أوفر كفاية.
وصلى الله على سيدنا محمَّد وسلم تسليمًا كثيرا آمين".
انتهت رسالة الحافظ السخاوي رحمه الله تعالى بلفظها.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
[ ١ / ١٤٤ ]