"المسألة السادسة": احتج بعضهم بهذه الآية على أن الوضوء لا يجزئ إلا بعد دخول الوقت، والجمهور على جوازه وهو الراجح، وقد رد أبو محمد بن حزم في المحلى على هذا القول وعلى من قال بعدم إجزاء التيمم قبل الوقت بأبلغ رد. وحاصل ما قاله باختصار: واحتج من رأى أنه لا يجزئ إلا بعد دخول الوقت بقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ..﴾ الآية، قال ولا حجة لهم فيه بل هو حجة عليهم لأن الله تعالى لم يقل: إذا قمتم إلى صلاة فرض، ولا إذا دخل وقت فرض فقمتم إليها، بل قال: إذا قمتم إلى الصلاة، فعم ولم يخص، والصلاة تكون فرضا وتكون تطوعا بلا خلاف، وقد أجمع أهل الأرض قاطبة من المسلمين على أن صلاة التطوع لا تجزئ إلا بطهارة من وضوء أو تيمم أو غسلى ولا بد، فوجب بنص الآية ضرورة أن المرء إذا أراد صلاة فرض أو تطوع وقام إليها أن يتوضأ أو يغتسل إن كان جنبا أو يتيمم إن كان من أهل التيمم ثم يصلي فإن ذلك نص الآية بيقين، فإذا أتم المرء غسله أو وضوءه أو تيممه فقد طهر بلا شك، وإذ قد صحت طهارته فجائز له أن يجعل بين طهارته وبين الصلاة التي قام إليها مهلة من مشي أو حديث أو عمل؛ لأن الآية لم توجب اتصال الصلاة بالطهارة لا بنصها ولا بدليل فيها، وإذ جاز أن يكون بين طهارته وبين صلاته مهلة فجائز أن تمتد المهلة ما لم يمنع من تماديها قرآن أو سنة، وذلك يمتد إلى آخر أوقات الفرض، وأما في التطوع فما شاء فصح بنص الآية جواز التطهر بالغسل والوضوء والتيمم قبل دخول الوقت، وإنما وجب بنص الآية أن لا يكون شيء من ذلك: إلا بنية التطهر للصلاة فقط ولا مزيد.
[ ١ / ١٩١ ]
ودليل آخر وهو أن الصلاة جائزة بلا خلاف في أول وقتها، فهذا كان كذلك فلا يكون ذلك البتة إلا وقد صحت الطهارة لها قبل ذلك، وهذا ينتج جواز التطهر قبل الوقت.
ثم ذكر أبو محمَّد بسنده دليلًا آخر وهو ما أخرجه النسائي بسنده عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة وراح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر".
فهذا نص جلي على جواز الوضوء للصلاة والتيمم لها قبل دخول وقتها؛ لأن الإمام يوم الجمعة لا بد ضرورة من أن يخرج قبل الوقت أو بعد دخول الوقت، وأي الأمرين كان فتطهر هذا الرائح من أول النهار كان قبل دخول وقت الجمعة بلا شك، وقد علم رسول الله - ﷺ - أن في الرائحين إلى الجمعة المتيمم في السفر والمتوضيء. اهـ خلاصة ما قاله ابن حزم في المحلى جـ ١ ص ٧٥، ٧٦.
قال الجامع عفا الله عنه: وما قاله رحمه الله تعالى حسن جدًا، والله أعلم.
[ ١ / ١٩٢ ]
١ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: "إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي وَضُوئِهِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ".
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - "قتيبة بن سعيد" (ع) بن جميل بفتح الجيم بن طريف الثقفي أبو رجاء البغلاني بفتح الموحدة، وسكون المعجمة، يقال: اسمه يحيى، وقيل: علي، ثقة ثبت، من العاشرة مات سنة ٢٤٠ عن تسعين سنة. اهـ/ ت. وفي (صه) أحد أئمة الحديث عن مالك، والليث، وإسماعيل ابن جعفر. وعنه (خ م ت س)، ومن أقرانه أحمد، والحميدي، وثقه ابن معين، وأبو حاتم. اهـ.
٢ - "سفيان" (ع) بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي مولاهم أبو محمَّد الكوفي ثم المكي، ثقة، حافظ، فقيه، إمام، حجة، إلا أنه تغير حفظه بأخرة (^١). وكان ربما دلس، لكن عن الثقات، من رؤوس الطبقة الثامنة، وكان أثبت الناس في عمرو بن دينار. اهـ ت.
وفي (صة) أبو محمَّد الأعور أحد أئمة الإسلام، عن عمرو بن دينار، والزهري، وزيد بن أسلم وصفوان بن سليم، وخلق كثير.
_________________
(١) قوله: أخَرَة: بوزن دَرَجَة، ويجوز فيه آخره بوزن فاعل مضافا إلى الضمير وعلى كل فهو بمعنى آخر عمره. وفي (ق) وجاء أخرة وبأخرة محركتين، وقد يضم أولهما وأخيرا وأخرا بضمتين وأخريا بالكسر والضم وأخريا بكسرتين وآخريا، أي آخر كل شيء اهـ.
[ ١ / ١٩٣ ]
وعنه شعبة ومسعر من شيوخه، وابن المبارك من أقرانه، وأحمد وإسحاق، وابن معين، وابن المديني، وأمم.
قال العجلي: هو أثبتهم في الزهري، كان حديثه نحو سبعة آلاف.
وقال ابن عيينة: سمعت من عمرو بن دينار ما لبث نوح في قومه.
وقال ابن وهب: ما رأيت أعلم بكتاب الله من ابن عيينة.
وقال الشافعي: لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز.
مات سنة ١٩٨ عن ٩١ سنة، ومولده سنة ١٠٧.
٣ - "الزهري" (ع) هو الإمام الحجة أبو بكر الفقيه الحافظ المتفق على جلالته وإتقانه، محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، القرشي الزهري المدني، من رؤوس الطبقة الرابعة. اهـ ت.
وفي (صة) أحد الأئمة الأعلام، وعالم الحجاز والشام، عن ابن عمر، وسهل بن سعد، وأنس ومحمود بن الربيع وابن المسيب، وخلق.
وعنه أبان بن صالح، وأيوب، وإبراهيم بن أبي عبلة، وجعفر بن بُرْقان، وابن عيينة، وابن جريج، والليث، ومالك، وأمم.
قال ابن المديني: له نحو ألفي حديث. قال ابن شهاب. وقال أيوب: ما رأيت أعلم من الزهري. وقال مالك: كان ابن شهاب من أسخى الناس، وتَقيًا، ما له في الناس نظير. مات سنة ١٢٥. وقيل: قبل ذلك بسنة، أو بسنتين. اهـ.
٤ - "أبو سلمة" (ع) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقة مكثر، من الثالثة.
وفي (صة) هو الإمام الحافظ الحجة أحد الأعلام. قال عمرو بن
[ ١ / ١٩٤ ]
علي: ليس له اسم، وقيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل. وقال مالك بن أنس: كان عندنا رجال من أهل العلم اسم أحدهم كنيته منهم أبو سلمة بن عبد الرحمن.
عن أبيه وأسامة بن زيد وأبي أيوب. وخلق. وعنه ابنه عمر، وعروة، والأعرج، والشعبي، والزهري، وخلق. قال ابن سعد: كان ثقة فقيها كثير الحديث. ونقل الحاكم أبو عبد الله: أنه أحد الفقهاء السبعة عند أكثر أهل الأخبار. مات سنة ٩٤. وقال الفلاس: سنة ١٠٤ ومولده سنة بضع وعشرين.
٥ - "أبو هريرة" (ع) الصحابي الجليل أحفظُ الصحابة، اختلف في اسمه واسم أبيه، قيل: عبد الرحمن بن صخر، وقيل: ابن غَنْم، وقيل: عبد الله بن عائذ، وقيل: ابن عامر وقيل: ابن عمرو، وقيل: سُكَين بن رزْمَة، وقيل: ابن هانئ، وقيل: ثُرْمُل، وقيل: ابن صخر، وقيل: عامر بن عبد شمس، وقيل: ابن عمير، وقيل يزيد بن عَشْرَقَة، وقيل: عبد نَهم، وقيل: عبد شمس، وقيل: عثم، وقيل: عبيد بن غنم، وقيل: عمرو بن غَنْم، وقيل: ابن عامر، وقيل: سعيد ابن الحارث.
قال الحافظ: هذا الذي وقفنا عليه من الاختلاف في ذلك، ويقطع بأن عبد شمس وعبد نهم غُيِّرَا بعد أن أسلم. واختلف في أيها أرجح: فذهب الأكثرون إلى الأول، وذهب جمع من النسابين إلى عمرو بن
عامر. مات سنة سبع، وقيل: سنة ثمان، وقيل: سنة تسع وخمسين، وهو ابن ثمان وسبعين سنة.
وفي (صة) الحافظ الدوسي، له خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثا، اتفقا على ثلاثمائة وخمسة وعشرين، وانفرد (خ) بتسعة وسبعين، و(م) بثلاثة وتسعين، روى عنه ثمانمائة نفس ثقات،
[ ١ / ١٩٥ ]
وكان يسبح كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات أجلاء.
ومنها: أنهم ممن اتفق أصحاب الأصول في إخراج أحاديثهم.
ومنها: أنهم ما بين بغلاني بفتح فسكون نسبة إلى بَغلان، وهي كما في اللباب ج ١ ص ١٦٤: بلدة بنواحي بَلخ وهو شيخه، ومكي، وهو سفيان فإنه كوفي الأصل نزيل مكة، ومدنيين: وهم الباقون.
ومنها: أن شيخه أحد من أكثر الرواية عنه، بل هو أول شيخ بدأ به الرحلة لطلب الحديث كما تقدم في المقدمة.
ومنها: أنه لا يوجد في الكتب الستة من يسمى بقتيبة غيره.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي: الزهري عن أبي سلمة.
ومنها: أن أبا سلمة ممن كان اسمه بصيغة الكنية لا اسم له غيرها. على الصحيح.
ومنها: أنه أحد الفقهاء السبعة الذين اشتهروا بهذا اللقب في تابعي أهل المدينة، وإن كان الفقهاء فيهم كثيرين، وكان الإمام مالك يعتد بإجماعهم كإجماع سائر الناس.
قال الحافظ العراقي في ألفية الحديث:
وفي الكبَارالفقهاءُ السَّبْعَةُ … خَارجَةُ القاسمُ ثمَّ عُروةُ
ثمَّ سُليمانُ عُبيدُ اللهِ … سعيدُ والسَّابعُ ذُو اشْتبَاهِ
إمَّا أبو سَلَمَة أو سَالمُ … أوْ فَأبو بكر خلافٌ قائمٌ
[ ١ / ١٩٦ ]
١ - فخارجة بن زيد بن ثابت أبو زيد الأنصاري ثقة فقيه من الثالثة (ت ١٠٠) وقيل: ٩٩.
٢ - القاسم بن محمَّد بن أبي بكر أبو محمَّد ثقة فقيه من كبار الثالثة (ت ١٠٦).
٣ - عروة بن الزبير بن العوام أبو عبد الله ثقة فقيه مشهور من الثالثة (٣٩ - ٩٤) وقيل غيره.
٤ - سليمان بن يسار مولى ميمونة ﵁ ثقة فاضل من كبار الثالثة (٣٤ - ١٠٧) وفي التقريب مات قبل المائة، وقيل بعدها.
٥ - عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أبو عبد الله الأعمى، ثقة ثبت فقيه من الثالثة (ت ٩٤) وقيل غير ذلك.
٦ - سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب الأعور أبو محمَّد المدني ثقة فقيه مشهور من كبار الثالثة (ت ٩٤) وقيل غير ذلك.
٧ - سالم بن عبد الله بن عمر العدوي ثقة عابد فاضل من كبار الثالثة (ت ١٠٦).
٨ - أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي من الثالثة ثقة فاضل (ت ٩٤).
ولبعضهم في الفقهاء السبعة (من الطويل):
إذَا قيلَ مَنْ في العلْم سَبْعَةُ أبْحُر … مَقَالتُهُم ليْسَت عن الحَقِّ خَارجَه
فقُل هُم عُبيد الله عُروة قاسمٌ … سَعيد أبو بكر سُليمانُ خَارجَه
ومنها: أن أبا هريرة ممن اختلف في اسمه واسم أبيه كما تقدم آنفا، والذي صححه الترمذي تبعا للبخاري أنه عبد الله بن عمرو.
[ ١ / ١٩٧ ]
واختلف أيضًا في صرفه ومنعه، قال القاري في المرقات: جَرُّ هريرة بالكسر هو الأصل، وصوبه جماعة لأنه جزء علم، واختار آخرون منع صرفه كما هو الشائع على ألسنة العلماء من المحدثين وغيرهم؛ لأن الكل صار كالكلمة الواحدة. اهـ. قال المباركفوري: الراجح منعه من الصرف، ويؤيده منع صرف ابن داية علمًا للغراب، قال قيس بن الملوِّح مجنون ليلى (من الطويل):
أقولُ وقد صَاحَ ابنُ دَايَةَ غُدْوَةً … ببُعْد النَّوى لا أخْطَأتْكَ الشَّبَائكُ
قال القاضي البيضاوي في تفسيره: في قوله تعالى: "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن" [البقرة: آية ١٨٥] ما نصه: رمضان مصدر رمض إذا احترق فأضيف إليه شهر، وجعل علما ومنع من الصرف للعلمية والألف والنون كما منع داية في ابن داية علمًا للغراب للعلمية والتأنيث. انتهى. اهـ تحفة الأحوذي باختصار. جـ ١ ص ٣٢.
ومثها: أنه أحد المكثرين السبعة، بل هو رئيسهم، روى (٥٣٧٤)، والمكثرون هم الذين رووا أكثر من ألف حديث، وهم الذين جمعتهم بقولي (من الرجز):
المكثرُونَ في روَايَة الخَبَر … أبو هُريرة يَليه ابْنُ عُمر
فأنسٌ فزوجَةُ النَّبيِّ … فالبَحْرُ جابرٌ مَعَ الخُدْريِّ
ومنها: أن أبا هريرة لقب بصورة كنية، قيل سبب تلقيبه به ما رواه ابن عبد البر: أنه قال: كنت أحمل يوما هرة في كمي فرآني رسول الله - ﷺ - فقال: ما هذه؟ فقلت هرة، فقال: يا أبا هريرة. وذكر الذهبي في تذكرة الحفاظ: أنه قال: كناني أبي بأبي هريرة لأني كنت أرعى غنما فوجدت أولاد هرة وحشية، فلما أبصرهن وسمع أصواتهن أخبرته فقال أنت أبو هريرة، وكان اسمي عبد شمس. اهـ.
[ ١ / ١٩٨ ]
وروى الترمذي في مناقب أبي هريرة من جامعه بسنده عن عبد الله ابن أبي رافع قال: قلت لأبي هريرة: لم كنيت أبا هريرة؟ قال: أما تَفْرَقُ مني؟ قلت: بلى والله إني لأهابك، قال: كنت أرعى غنم أهلي وكانت لي هريرة صغيرة، فكنت أضعها بالليل في شجرة، فإذا كان النهار ذهبت بها معي، فلعبت بها فكنوني أبا هريرة. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. اهـ تحفة الأحوذي بتغيير يسير جـ ١/ ص ٣١.
تنبيه مهم:
قال العلامة المباركفوري رحمه الله تعالى: قد تَفَوَّهَ بعض الفقهاء الحنفية بأن أبا هريرة لم يكن فقيها، وقوله هذا باطل مردود عليهم، وقد صرح أجلة العلماء الحنفية بأنه ﵁ كان فقيها. قال صاحب السعاية شرح الوقاية وهو من العلماء الحنفية رَدًا على من قال منهم: إن أبا هريرة غير فقيه، ما لفظه: كون أبي هريرة غير فقيه غير صحيح، بل الصحيح أنه من الفقهاء الذين كانوا يفتون في زمان النبي - ﷺ - كما صرح به ابن الهمام في تحرير الأصول، وابن حجر في الإصابة. اهـ.
وفي بعض حواشي نور الأنوار أن أبا هريرة كان فقيها، صرح به ابن الهمام في التحرير، كيف وهو لا يعمل بفتوى غيره؟ وكان يفتي في زمن الصحابة ﵃، وكان يعارض أجلة الصحابة كابن عباس فإنه قال: إن عدة الحامل المتوفي عنها زوجها أبعد الأجلين، فرده أبو هريرة، وأفتى بأن عدتها وضع الحمل، كذا قيل. اهـ.
وقال الذهبي في التذكرة: أبو هريرة الدوسي اليماني الفقيه صاحب رسول الله - ﷺ - كان من أوعية العلم ومن كبار أئمة الفتوى مع الجلالة والعبادة والتواضع. انتهى.
وقال الحافظ ابن القيم في إعلام الموقعين: ثم قام بالفتوى بعد
[ ١ / ١٩٩ ]
رسول الله - ﷺ - بَرْكُ الإسلام (^١) وعصابة الإيمان، وعسكر القرآن، وجند الرحمن أولئك أصحابه - ﷺ -، وكانوا بين مكثر منها، ومُقلٌّ، ومتوسط، وكان المكثرون منهم سبعة: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس؛ وعبد الله بن عمر. والمتوسطون منهم فيما روى عنهم من الفتيا: أبو بكر الصديق، وأم سلمة، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة … إلخ، فلا شك في أن أبا هريرة ﵁ كان فقيها من فقهاء الصحابة، ومن كبار أئمة الفتوى.
فإن قيل: قال إبراهيم النخعي أيضا: إن أبا هريرة لم يكن فقيها، والنخعي من فقهاء التابعين.
قلت: قد نقم على إبراهيم النخعي لقوله: إن أبا هريرة لم يكن فقيها، قال الحافظ الذهبي في الميزان في ترجمته: وكان لا يحكم العربية ربما لحن، ونقموا عليه قوله: لم يكن أبو هريرة فقيها. انتهى.
(عبرة): قال القاضي أبو بكر بن العربي في عارضة الأحوذي في بحث حديث المُصْرَّاة المروي عن أبي هريرة وابن عمر ﵄: قال بعضهم: هذا الحديث لا يقبل لأنه يرويه أبو هريرة، وابن عمر، ولم يكونا فقيهين، وإنما كانا صالحين فروايتهما إنما تقبل في المواعظ لا في الأحكام، وهذه جرأة على الله واستهزاء في الدين عند ذهاب حملته، وفقد نصرته، ومن أفقه من أبي هريرة وابن عمر؟ ومن أحفظ منهما؟ خصوصا من أبي هريرة، وقد بسط رداءه وجمعه النبي - ﷺ - وضمه إلى صدره، فما نسي شيئًا أبدا، ونسأل الله المعافاة من مذهب لا يثبت إلا بالطعن علي الصحابة ﵃. ولقد كنت في جامع المنصور
_________________
(١) برك الجمل بفتح فسكون صدره والمراد هنا صدر الإسلام أي متقدموا الإسلام ورؤساؤه.
[ ١ / ٢٠٠ ]
من مدينة السلام في مجلس علي بن محمَّد الدامغاني قاضي القضاة، فأخبرني به بعض أصحابنا، وقد جرى ذكر هذه المسألة أنه تكلم فيها بعضهم يوما، وذكر هذا الطعن في أبي هريرة فسقط من السقف حية عظيمة في وسط المسجد فأخذت في سمت المتكلم بالطعن، ونفر الناس وارتفعوا، وأخذت الحية تحت السواري، فلم يدر أين ذهبت، فارْعَوَى من بعد ذلك من الترسل في هذا القدح. انتهى. اهـ تحفة الأحوذي جـ ١/ ص ٣٢، ٣٣.
شرح الحديث
"عن أبي هريرة": عبد الله بن عمرو على الأصح، أو عبد الرحمن ابن صخر على المشهور، رضي الله تعالى عنه.
"أن النبي - ﷺ - قال: إذا استيقظ": أي انتبه وليست السين والتاء للطلب بل هو بمعنى التيقظ لازم.
"أحدكم من نومه": قال الفيومي ﵀: النوم غَشْية ثقيلة تهجُمُ على القلب، فتقطعه عن المعرفة بالأشياء، ولهذا قيل: هو آفة، لأن النوم أخو الموت، وقيل: النوم مُزيل للقوة، والعقل، وأما السنة ففي الرأس، والنعاسُ في العين، وقيل: السنة ريح النوم تبدو في الوجه ثم تنبعث إلى القلب فينعس الإنسان فينام. اهـ المصباح جـ ٢/ ص ٦٣١.
وإذا شرطية جوابها جملة قوله: "فلا (^١) يغمس": بالتخفيف من باب ضرب أي لا يُدخل، ويحتمل أن يكون بالتشديد من باب التفعيل، قاله السندي. قلت: الظاهر هو الأول. وقال السندي في قوله: إذا
استيقظ: الخ: الظاهر أن المقصود إذا شك أحدكم في يديه مطلقا سواء
_________________
(١) رواية الغمس أبين في المراد من رواية الإدخال؛ لأن مطلق الإدخال لا يترتب عليه كراهة كمن أدخل يده في إناء واسع فاغترف منه بإناء صغير من غير أن يلامس يده الماء، قاله في الفتح جـ ١/ ص ٣١٧.
[ ١ / ٢٠١ ]
كان لأجل الاستيقاظ من النوم أو لأمر آخر، إلا أنه فرض الكلام في جزئي واقع بينهم على كثرة ليكون بيان الحكم فيه بيانا في الكلي بدلالة العقل، ففيه إحالة للأحكام إلى الاستنباط، ونَوْطُهُ بالعلل، فقالوا في بيان سبب الحديث إن أهل الحجاز كانوا يستنجون بالحجارة وبلادهم حارّة فهذا نام أحدهم عَرقَ فلا يأمن حالة النوم أن تطوف يده على ذلك الموضع النجس فنهاهم عن إدخال يده في الماء. اهـ كلام السندي ﵀ جـ ١/ ص ٧.
قال الجامع عفا الله عنه: وسيجيء تحقيق الكلام في هذا في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى.
"يده" اليد: مؤنثة، وهي من المنكب إلى أطراف الأصابع، ولامها محذوفة، وهي ياء، والأصل يدي، قيل: بفتح الدال، وقيل بسكنوها، قاله في المصباح، وقد تقدم زيادة البحث عن هذا في شرح الآية، فارجع إليه تزدد علمًا. "في وضوئه" بفتح الواو أي الإناء الذي أعد للوضوء، قاله الحافظ. وقال السيوطي: والأحسن أن يفسر بالماء لأن الوضوء بفتح الواو اسم للماء، وبالضم اسم للفعل. اهـ زهر جـ ١/ ص ٧.
قال الجامع: بل الأحسن: ما فسر به الحافظ؛ لأنه يشهد له رواية في الإناء، فتنبه.
قال الحافظ: وفي رواية الكُشْمَيْهَني في الإناء، وهي رواية مسلم من طريق أخرى، ولابن خزيمة في إنائه، أو وضوئه على الشك. اهـ فتح جـ ١/ ص ٣١٧.
فتفسير الوضوء بالإناء هو الواضح، غايته أنه من إطلاق الحالّ على المَحَلّ.
[ ١ / ٢٠٢ ]
وقال الحافظ أيضا: والظاهر اختصاص ذلك بإناء الوضوء، ويلحق به إناء الغسل لأنه وضوء وزيادة، وكذا باقي الآنية قياسا، لكن في الاستحباب من غير كراهة لعدم ورود النهي فيها، وخرج بذكر الإناء البركُ والحياضُ التي لا تفسد بغمس اليد فيها على تقدير نجاستها فلا يتناولها النهي. والله أعلم. اهـ فتح جـ ١ / ص ٣١٧ - ٣١٨.
قال الجامع عفا الله عنه: وسيجيء تحقيق الخلاف بين العلماء في هذا النهي، هل هو للتحريم أم للتأديب؟ في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى.
"حتى يغسلها" أي يده "ثلاثًا" أي ثلاث مرات من الغسل، قال الشافعي ﵀: في البوطي: فإن لم يغسلها إلا مرة أو مرتين أو لم يغسلها أصلا حين أدخلها في وضوئه فقد أساء. "فإن أحدكم" الفاء للتعليل "لا يدري" أي لا يعلم" "أين باتت يده" كلمة أين سؤال عن مكان الشيء، أي في أيّ محل من جسده، أفي محل نجس، أم في محل طاهر؟
قال البيضاوي: فيه أي في قوله: "فإن أحدكم" إيماء إلى أن الباعث على النهي عن ذلك اجتمال النجاسة لأن الشارع إذا ذكر حكما وعقبه بعلة دل على أن ثبوت الحكم لأجلها، ومثله قوله في حديث المحرم الذي سقط فمات "فإنه يبعث ملبيا" بعد نهيهم عن تطييبه فنبه على علة النهي، وهي كونه محرما. اهـ عمدة، ٢/ ١٨.
قال البدر العيني: وقال النووي: قال الشافعي: معني لا يدري أين باتت يده أن أهل الحجاز كانوا يستنجون بالحجارة وبلادهم حارة فإذا نام أحدهم عرق فلا يأمن النائم أن تطوف يده على ذلك الموضع النجس أو على بثرة أو قملة أو قذر، وغير ذلك.
وقال الباجي: ما قال يستلزم بغسل ثوب النائم لجواز ذلك عليه،
[ ١ / ٢٠٣ ]
وأجيب عنه بأنه محمول على ما إذا كان العرق في اليد دون المحل. قال العيني: فيه نظر لأن اليد إذا عرقت فالمحل بطريق الأولى على مالا يخفى فلا وجه حينئذ لاختصاص اليد به. اهـ عمدة جـ ٢/ ص ١٨.
قال الجامع: وأحسن من هذا ما ذكره الحافظ بعد ذكر الجواب المذكور، ونصه: أو أن المستيقظ لا يريد غمس ثوبه في الماء حتى يؤمر بغسله، بخلاف اليد فإنه محتاج إلى غمسها وهذا أقوى الجوابين.
والدليل على أنه لا اختصاص لذلك بمحل الاستجمار ما رواه ابن خزيمة وغيره من طريق محمَّد بن الوليد عن محمَّد بن جعفر، عن شعبة، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة في هذا الحديث قال في آخره "أين باتت يده منه" وأصله في مسلم دون قوله "منه" قال الدارقطني: تفرد بها شعبة، وقال البيهقي: تفرد بها محمَّد بن الوليد.
قال الحافظ: إن أراد عن محمَّد بن جعفر فمسلم، وإن أراد مطلقا فلا، فقد قال الدارقطني: تابعه عبد الصمد عن شعبة. وأخرجه ابن منده من طريقه. اهـ فتح جـ ١ / ص ٣١٨.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"المسألة الأولى" في درجته: هذا الحديث متفق عليه.
"المسألة الثانية" في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه المصنف هنا في المجتبى والكبرى ١/ ١ عن قتيبة عن سفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁، وفي المجتبى ٧٢/ ٩٠ عن محمَّد بن زنبور، عن ابن أبي خازم، عن يزيد بن عبد الله، عن محمَّد بن إبراهيم، عن عيسى بن طلحة عن أبي هريرة، وفي ١١٦/ ١٦١ عن إسماعيل بن مسعود وحميد بن مسعدة، كلاهما عن يزيد بن زريع، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٢٠٤ ]
"المسألة الثالثة" فيمن أخرجه من أصحاب الأصول، وغيرهم: أخرجه مسلم بهذا السياق في الطهارة ٢٦/ ٣ عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب، ثلاثتهم عن سفيان، عن الزهري الخ. أفاده المزي، تحفة، جـ ١١/ ص ٢٧ وقال الحافظ العراقي ﵀ في طرح التثريب: حديث أبي هريرة أخرجه الستة، الشيخان من رواية الأعرج، ومسلم من رواية همام، وعبد الله بن شقيق، وأبي رزين، وأبي صالح، وأبي سلمة، وسعيد بن المسيب، وجابر بن عبد الله، ومحمد بن سيرين، وعبد الرحمن بن يعقوب، وثابت مولى عبد الرحمن بن زيد، وأبو داود من رواية أبي رزين، وأبي صالح، وأبي مريم. والترمذي، وابن ماجه: من رواية ابن المسيب، وأبي سلمة. والنسائي: من رواية أبي سلمة، كلهم عن أبي هريرة، وهم اثنا عشر رجلًا. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٤٢. وأخرجه أحمد، ومالك، والحميدي، والطيالسي، وابن خزيمة، وابن الجارود، وأبو عوانة، والطحاوي، والبيهقي، والشافعي (^١)
"المسألة الرابعة" في بيان اختلاف ألفاظه:
قال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى: ما حاصله: وقع في رواية أبي داود إذا قام أحدكم من الليل، وكذا قال ابن ماجه: "إذا استيقظ أحدكم من الليل"، ولمسلم، وأصحاب السنن "في الإناء" موضع قوله: "في وضوئه"، وفي رواية مسلم "في إنائه"، وفي رواية له "حتي يغسلها ثلاثًا"، وفي رواية له "ثلاث مرات"، وكذا قال أبو داود، والنسائي، قال مسلم: ولم يقل واحد منهم ثلاثا إلا ما قدمناه من رواية جابر، وابن المسيب، وأبي سلمة، وعبد الله بن شقيق، وأبي صالح، وأبي
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٥٠، ٢٤١، ومالك في الموطأ ١/ ٢١، والحميدى في المسند ٢/ ٤٢٢ - ٤٢٣، والطيالسي رقم ١٧٠ منحة، وابن خزيمة في صحيحه ١/ ٥٢ وابن الجارود في المنتقى ص ٢٤ وأبو عوانة في صحيحه والدارقطني ١/ ٤٩، والبيهقي في سننه ١/ ٤٦، ١/ ٢٤٤ - ٢٤٥، والشافعي في مسنده.
[ ١ / ٢٠٥ ]
رزين، قلت: وكذا قال أبو مريم عند أبي داود، وقال أبو داود في رواية له، والترمذي، وابن. ماجه: "مرتين، أو ثلاثًا"، ولمسلم في رواية له، وابن ماجه "فيم باتت يده" وفي رواية لأبي داود: "أين باتت، أو أين تطوف يده"، وفي رواية للبيهقي: "أين باتت يده منه"، وقال تفرد بقوله "منه" محمَّد بن الوليد السَّريّ، وهو ثقة.
قال الجامع: قد عرفت فيما سبق اعتراض الحافظ على هذا الكلام، فتنبه.
ولابن ماجه من حديث جابر: "أين باتت يده ولا على ما وضعها"، وللدارقطني من حديث ابن عمر: "أين باتت يده أو أين طافت يده"، وقال: إسناده حسن. اهـ كلام العراقي. طرح، جـ ١ / ص ٤٢.
"المسألة الخامسة" أنه احتج الجمهور بعموم قوله: "من نومه" على أنه لا فرق في ذلك بين الليل والنهار، وخالف في ذلك أحمد، وداود، فخصصا هذا الحكم بنوم الليل، لقوله في آخر الحديث "أين باتت يده"، ولرواية أبي داود وابن ماجه المتقدمتين "إذا قام أو استيقظ أحدكم بالليل" وهكذا يقول الحسن في الرواية المشهورة عنه أنه كان لا يجعل نوم النهار مثل نوم الليل، ورُوي عن الحسن أيضا موافقة الجمهور، وقال أحمد فيما رواه الأثرم عنه فالمبيت إنما يكون بالليل. قال ابن عبد البر: أما المبيت فيشبه أن يكون ما قال أحمد صحيحا فيه لأن الخليل قال في كتاب العين: البيتوتة دخولك في الليل. وكونك فيه بنوم وغير نوم، قال: ومن قال بتُّ بمعنى نمتُ، وفسره على النوم، فقد أخطأ، قال: ألا تري أنك تقدم: بتّ أراعي النجم، قال فلو كان نوما كيف كان ينام وينظر.
قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدا قال بقول الحسن وأحمد في هذه المسألة غيرهما انتهى.
[ ١ / ٢٠٦ ]
وقد خالف أحمد في ذلك صاحبه إسحاق بن راهويه فقال: لا ينبغي لأحد استيقظ ليلًا أو نهارا إلا أن يغسل يده قبل أن يدخلها الوضوء، قال: والقياس في نوم الليل أنه مثل نوم النهار (^١) وما قاله إسحاق هو الذي عليه عامة العلماء، وأجابوا عن الحديث بأن ذلك خرج مخرج الغالب، ويدل لذلك رواية أبي داود: "أو كانت تطوف يده"، ورواية الدارقطني: "أو طافت يده"، ولا يلزم من صيغة "أو" في الروايتين أن يكون ذلك شكا، بل يجوز أن يكون النبي - ﷺ - قال: الأمرين معا يريد أين باتت يده في المبيت. أو أين كانت تطوف يده في نومه مساء كان أو نهارا. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٤٣.
وقال الشوكاني رحمه الله تعالى: ويؤيد ما ذهب إليه أحمد وداود ما في رواية الترمذي، وابن ماجه، وأخرجه أبو داود، وساق مسلم إسنادها "إذا استيقظ أحدكم من الليل" وما في رواية لأبي عوانة ساق مسلم إسنادها أيضا "إذا قام أحدكم للوضوء حين يصبح"، لكن التعليل بقوله "فإنه لا يدري أين باتت يده" يقتضي إلحاقَ نوم النهار بنوم الليل، إنما خص نوم الليل بالذكر للغلبة.
وقال النووي ﵀: وحكي عن أحمد في رواية أنه إن قام من الليل كره له كراهة تحريم، وإن قام من النهار كره له كراهة تنزيه. قال: ومذهبنا ومذهب المحققين أن هذا الحكم ليس مخصوصا بالقيام من النوم، بل المعتبر الشك في نجاسة اليد، فمتى شك في نجاستها كره له غمسها في الإناء قبل غسلها، سواء كان قام من نوم الليل، أو النهار، أو شك، انتهي. نيل بتغيير يسير، جـ ١ / ص ٢٠٨.
قال الجامع عفا الله عنه: والراجح عندي ما ذهب إليه الجمهور لوضوح دليله، والله أعلم.
_________________
(١) لعل العبارة مقلوبة فتنبه.
[ ١ / ٢٠٧ ]
"المسألة السادسة" قال الحافظ العراقي ﵀: مفهوم الشرط حجة عند أكثر الأصوليين، فمفهومه أنه لم يؤمر بذلك غيرُ المستيقظ ممن ليس في معناه كالشاك على ما سيأتي، وهو قول الأكثرين، وخالف في ذلك الشعبي، فقال: فيما رواه محمَّد بن نصر المروزي عنه: النائم والمستيقظ سواء إذا وجب عليه الوضوء لم يُدخل يده في الإناء حتى يغسلها، وروى ابن نصر أيضا عن ابن عمر، والحسن، وطاوس إطلاق غسل اليد قبل إدخالها الإناء من غير تقييد باستيقاظ من نوم، ولعل من أطلق ذلك أراد الاغتراف للاستعمال احترازا عن الوضوء في الأواني الصغار، وقد يقول الشعبي ومن وافقه: لعل النهي عن إدخال يد المستيقظ من النوم في الإناء خرج على جواب سؤال عنه، فلا يكون له مفهوم، وذكر بعض أفراد العموم لا يخصص، وقد يجيب الجمهور بأنه لم ينقل في طرق الحديث خروج ذلك على جواب سؤال، فلا يثبت ذلك بالاحتمال، فيفرق حينئذ بين المستيقظ من النوم وغيره ممن ليس في معناه. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٤٣.
"المسألة السابعة" اختلف العلماء في قوله: "فلا يغمس يده في وضوئه هل هو للتحريم أو التنزيه، وكذا في الرواية التي فيها "فليغسل يده" هل هو على الندب أو الوجوب، فذهب أكثر أهل العلم إلى أن ذلك للتنزيه والندب لا للتحريم والوجوب، وهو قول مالك، والشافعي، وأهل الكوفة، وغيرهم، وذهب الحسن البصري وأهل الظاهر إلى أن ذلك على الوجوب والتحريم لظاهر الأمر والنهي، وقالوا: يهراق الماء. وحكى الخطابي عن داود ومحمد بن جرير وجوب ذلك، وأنهم رأيا أن الماء ينجس به إذا لم تكن اليد مغسولة، وحكى الرافعي عن أحمد أنه يوجب غسلهما عند الاستيقاظ من نوم الليل دون النهار على ما تقدم عنه من التفرقة، ثم اختلف أصحاب داود الظاهري عنه، فقال أكثرهم إنه
[ ١ / ٢٠٨ ]
إن فعله كان عاصيًا ولا يفسد الماء بذلك، وقال بعض أصحابه عنه: لا يجوز الوضوء به. وقال ابن زرقون من المالكية: المستيقظ على ثلاثة أحوال: طاهر، ونجس، وجنب، فالطاهر لا يفسد الماء، وحكى ابن حارث عن ابن غافق التونسي من أصحابنا أنه يفسد، وأما الموقن بالنجاسة فيجري على اختلافهم في النجاسة تَحُلُّ في قليل الماء، وأما الجنب والمحتلم الذي لا يدري ما أصاب يده، فقال ابن حبيب إنه يفسد الماء، وهو معنى الحديث، ولمالك في المجموعة نحوه. انتهى.
والصواب ما ذهب إليه الجمهور، وقال أبو الوليد الباجي: لأنه قد اقترن بالأمر ما دل على الندب؛ لأنه علل بالشك، ولو شك هل مست يده نجاسة لما وجب عليه غسل يده. اهـ طرح بتغيير يسير جـ٢/ ص ٤٤.
وقال الشوكاني رحمه الله تعالى بعد ذكر تعليل الجمهور: ما نصه: وقد دفع بأن التشكيك في العلة لا يستلزم التشكليك في الحكم، وفيه أن قوله. "لا يدري أين باتت يده" ليس تشكيكا في العلة بل تعليل بالشك، وأنه يستلزم ما ذكر، ومن جملة ما اعتذر به الجمهور عن الوجوب حديث (أنه - ﷺ - توضأ من الشن المعلق بعد قيامه من النوم، ولم يُرَوْ أنه غسل يده كما ثبت في حديث ابن عباس، وتعقب بأن قوله: "أحدكم" يقتضي اختصاص الأمر بالغسل بغيره، فلا يعارضه ما ذكر، ورد بأنه - ﷺ - غسل يديه قبل إدخالهما في الإناء حال اليقظة فاستحبابه بعد النوم أولى، ويكون تركه لبيان الجواز، ومن الاعتذار للجمهور أن التقييد بالثلاث في غير النجاسة العينية يدل على الندبية، وهذه الأمور، إذا ضمت إليها البراءة الأصلية لم يبق الحديث منتهضا للوجوب ولا لتحريم الترك. اهـ نيل جـ ١ / ص ٢٨.
قال الجامع عفا الله عنه: وما قاله العلامة، الشوكاني رحمه الله تعالى حسن جدًا، والله أعلم.
[ ١ / ٢٠٩ ]
"المسألة الثامنة" أنه تقدم في رواية مسلم بدل قوله: "في وَضوئه في إنائه" وفي رواية "في الإناء"، وهو يدل على أن النهي مخصوص بالأواني دون البرك والحياض التي لا يخاف فساد مائها بغمس اليد فيها على تقدير نجاستها، ولذلك قال قيس الأشجعي لأبي هريرة حين حدث بهذا فكيف إذا جئنا مهراسكم (^١) هذا؟ فكيف نصنع به؟، فقال أبو هريرة أعوذ بالله من شَرِّكَ، رواه البيهقي، فكره أبو هريرة ضرب الأمثال للحديث، وكذلك ما رواه الدارقطني، والبيهقي من حديث ابن عمر في هذا الحديث فقال له رجل: أرأيت إن كان حوضا فحصبه ابن عمر، وقال: أخبرك عن رسول الله - ﷺ - وتقول: أرأيت إن كان حوضا فكره ابن عمر ضرب الأمثال بحديثه - ﷺ - وكان شديد الاتباع للأثر، قال العراقي: ولهذا قال أصحابنا يعني الشافعية أنه إذا كان الإناء كبيرا لا يمكنه تحريكه ولم يجد إناء يغترف به أخذ الماء منه بفمه" أو بطرف ثوبه النظيف، وغسل به يده، أو يستعين بمن يصب عليه، وهذا كله عند الشك في النجاسة. اهـ طرح، جـ ٢/ ص ٤٤، ٤٥.
"المسألة التاسعة" أنه اختلف العلماء في الأمر بذلك هل هو تعبد، أو معقول المعنى؟ فقال بعضهم: هو تعبد حتى إن من تحقق طهارة يده في نومه بأن لَفّ عليها ثوبا أو خرقة طاهرة واستيقظ وهو كذلك كان مأمورا بغسلها لعموم أمر المستيقظ بذلك، وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي، وهو مشهور مذهب مالك أنه يستحب وإن تيقن طهارة يده، وأظهر الوجهين عند أصحاب الشافعي كما قال الرافعي. أنه لا يكره غمس اليد للمستيقظ مع تيقن طهارة يده لأنه إنما أمر بذلك لاحتمال النجاسة بدليل قوله في آخر الحديث: "فإنه لا يدري أين باتت يده" فعلل الأمر باحتمال طرو نجاسة على يده.
_________________
(١) المهراس: بكسر الميم حجر مستطيل ينقر ويدق فيه ويتوضأ منه. اهـ مصباح.
[ ١ / ٢١٠ ]
وإذا قلنا: إنه معقول المعنى وأن الشارع أشار إلى العلة بقوله: "فإنه لا يدري أين باتت يده" فقد اختلف في سبب ذلك فقال الشافعي ﵁: معناه أن أهل الحجاز كانوا يستنجون بالأحجار وبلادهم حارَّة فإذا نام أحدهم عرق فلا يأمن النائم أن تطوف يده على ذلك الموضع النجس أو على بثرة، أو قملة، أو قذر، أو غير ذلك.
وقال أبو الوليد الباجي: اختلف في سبب غسل اليد للمستيقظ، فقال ابن حبيب: إمّا لعله قد مسّ من نجاسة خرجت منه، ولم يعلم بها، أو غير نجاسة مما يقذر، وقيل: لأن أكثرهم كانوا يستجمرون، وقد يمس بيده أثر النَّجْو قال: وليس ذلك ببين؛ لأن النجاسات لا تخرج في الغالب إلا بعلم منه، وما لم يعلم به فلا حكم له، ومع الاستجمار لا تناله يد النائم إلا مع القصد لذلك، ولو كان غسل اليدين لتجويز ذلك لأمر بغسل الثياب لجواز ذلك عليها، قال: والأظهر ما ذهب إليه العراقيون من المالكية وغيرهم: أن النائم لا يكاد تسلم يده من حك مغابنه أو بثرة في بدنه وموضع عرقه وغير ذلك فاستحب له غسل يده مطلقا. انتهي. حاصل كلامه.
قال العراقي رحمه الله تعالى: وقوله إن موضع الاستجمار لا تناله يد النائم إلا مع القصد لذلك ليس كذلك، واعتراضه بالثياب ليس بجيد لمعنيين: (أحدهما): أنه ربما كان العرق في يده دون محل الاستنجاء فتتأثر اليد دون الثوب. (الثاني): أنه لا يريد غمس ثوبه في الماء حتي يؤمر بغسل ثوبه، وأما اليد فأمر بذلك لأن أثر الاستنجاء لا يعفي عنه في الماء بدليل أنه لو نزل مستجمر في ماء قليل تنجس، وان كان قد عفي عن أثر الاستنجاء فهو بالنسبة إلى المحل المعفو عنه، وما رجحه من أن العلة حك بثرة أو ما يقذر فهو في كلام الشافعي ﵁ مذكور. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٤٦.
[ ١ / ٢١١ ]
والذي جنح إليه العلامة الصنعاني في حاشيته المسماة بالعُدَّة كونه تعبدًا حيث قال بعد ذكر هذه الاعتراضات التي تقدمت والأجوبة عليها: ما نصه: وضعف هذه الأقوال يشعرك بأن الأمر تعبدي. اهـ جـ ١/ ص ١١٤.
قال الجامع: الذي يترجح عندي القول بكونه معقول المعنى لصراحة تعليل الشارع الحكم بعلة معقولة، وهي الشك المذكور. والله أعلم.
"المسألة العاشرة" أن رواية المصنف فيها التثليث، وكذا في رواية مسلم وأبي داود وغيرهما، ففيها استحباب التثليث في غسل اليدين، قال الحافظ العراقي ﵀: وهو كذلك عند أصحابنا، ولكن التثليث المأمور به هل هو لاحتمال النجاسة، أو هو التثليث المشروع في الوضوء محل نظر. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٣٦.
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى: لا يصح الاحتجاج بهذا الحديث على غسل اليدين قبل الوضوء، فإن هذا ورد في غسل النجاسة، وذاك سنة أخرى، ويدل على هذا ما ذكره الشافعي وغيره من العلماء، ثم ذكر ما تقدم عن الشافعي في سبب الحديث، ثم قال: فإن قلت: هذا قصر علي السبب، وهو مذهب مرجوح، قلت: سلمنا عدم القصر علي السبب، فليس في الحديث إلا نهي المتسيقظ عن نوم الليل أو مطلق النوم، فهو أخص من الدعوي، أعني مشروعية غسل اليدين قبل الوضوء مطلقا، فلا يصح الاستدلال به على ذلك، ونحن لا ننكر أن غسل اليدين قبل الوضوء من السنن الثابتة بالأحاديث الصحيحة كما في حديث عثمان الآتي وغيره، ولا منازعة في سنيته إنما النزاع في دعوى الوجوب والاستدلال عليه بحديث الاستيقاظ. اهـ نيل جـ ١/ ص ٢٠٩.
[ ١ / ٢١٢ ]
قلت: كلام الشوكاني هذا حسن جدًا، والله أعلم.
"المسألة الحادية عشرة" أنه اختلف العلماء: هل تزول الكراهة بغسل اليد مرة قبل غسلهما، أو يتوقف زوالها على غسلها ثلاثًا على ما ثبت في الروايات التي فيها التثليث؟ قال الشافعي في مختصر البويطي: فإن لم يغسلهما إلا مرة أو مرتين، أو لم يغسلهما أصلًا حيث أدخلهما في وضوئه فقد أساء. وقال النووي: إن ما نص عليه الشافعي وأصحابه من توقف زوال الكراهة على الثلاث يشكل عليه ما تقدم تصحيحه من أنه لا يكره غمس اليد إذا تحقق طهارتها، ومعلوم أن المرة الواحدة مطهرة لليد إن لم يكن ثَمَّ نجاسة عينية لم يزل حكمها فكيف يقال: ببقاء الكراهة مع تحقق الطهارة، لا جرم كان جمهور أهل العلم على أن تيقن طهارة اليد للمستيقظ من النوم لا يرفع الأمر بالغسل بل هو مأمور به بإجماع جمهور العلماء، أمر نَدْب، وعند بعضهم أمر إيجاب كما حكاه ابن عبد البر في التمهيد، بل حكاه الماوردي في الحاوي عن جمهور أصحاب الشافعي، وصححه، وهو أنه يستحب الغسل عند تيقن الطهارة. وذكر إمام الحرمين في النهاية نحوه، وهو المشهور أيضًا عن مالك أنه يكره غمس يده مع تحقق الطهارة، كما حكاه ابن عبد البر. اهـ طرح التثريب في شرح التقريب، جـ ٢/ ص ٤٦، ٤٧.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدم أن الراجح هو عدم الوجوب، فتنبه. والله أعلم.
"المسألة الثانية عشرة" في قوله: "فلا يغمس يده" بالإفراد دليل على أنه إذا غسل واحدة من يديه أدخلها الإناء، وهو كذلك، لكن حكى أبو الوليد الباجي خلافًا في صفة غسل اليدين قبل إدخالهما في
الوضوء، فحكى عن أشهب عن مالك أنه يستحب أن يفرغ على يده
[ ١ / ٢١٣ ]
اليمنى فيغسلها ثم يدخلها في إناءه، ثم يصب على اليسرى، وهو موافق للحديث، قال: وروى عيسى عن ابن القاسم أحبُّ إليَّ أن يفرغ على يديه فيغسلهما، قال: ووجه رواية أشهب قوله في الحديث: "فغسلهما مرتين مرتين"، وهذا يقتضي إفراد كل واحدة منهما، ووجه قول ابن القاسم: ان القصد التنظيف وغسل بعضها ببعض أنظف لهما. أفاده العراقي جـ ٢/ ص ٤٧.
"المسألة الثالثة عشرة" قال العراقي ﵀: ليست كراهة غمس المتوضيء يده في الإناء قبل غسلها خاصة بحال الإستيقاظ من النوم لأنه قد تقدم أن المعنى فيه احتمال النجاسة كما نبه عليه في آخر الحديث، وعلى هذا فمن شك في نجاسة يده كُره له ذلك، وان لم يكن قد نام، وهو كذلك كما جزم به الرافعي وغيره. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٤٧.
"المسألة الرابعة عشرة" قيل: في هذا الحديث حجة للشافعي ومن تابعه على الفرق بين ورود الماء علي النجاسة، وَوُرُود النجاسة عليه، لأنه نهاه عن إيراده يده على الماء وأمره بإيراد الماء علي يده كل ذلك
لاحتمال طروء نجاسة على يده فلو استوى الأمران كما يقول مالك وأصحابه لما فرق بينهما.
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى في التمهيد: لو لم يأت عن النبي - ﷺ - في الماء غير هذا الحديث لساغ في الماء غير هذا التأويل، ولكن قد جاء عن النبي - ﷺ - في الماء أنه "لا ينجسه شيء" يريد إلا ما غلب عليه بدليل الإجماع على ذلك، ثم أجاب عن حديث الباب بأنه محمول على الندب والأدب، ثم نقل عن أصحاب الشافعي أنهم نقضوا أقوالهم في ورود الماء على النجاسة لأنهم يقولون: إذا ورد الماء على النجاسة في إناء أو موضع وكان الماء دون القلتين أن النجاسة تفسده، وأنه غير مطهر
[ ١ / ٢١٤ ]
لها، فلم يفرقوا ها هنا بين ورود الماء على النجاسة وبين ورودها عليه، وشرطهم أن يكون ورود الماء صبًا مهراقا تحكم لا دليل عليه.
قال العراقي: وما حكاه عن أصحاب الشافعي ليس كما حكاه عنهم، ولا فرق عندهم في ورود الماء على النجاسة بين أن يكون صبا وبين أن يكون في إناء بحيث يغمر الماء النجاسة ويزليها، نعم إن كانت النجاسة عينية ووضعت في إناء وصب الماء عليها واجتمع الماء القليل وعين النجاسة في إناء تنجس الماء ولم يطهر، الثوب وكذلك لو لم يسكب في إناء وصب الماء صبا على نجاسة عينية وانفصل عنها ولم يُزل العين فإن الماء يتنجس والثوب لا يطهر فليس حكمهم هنا بعدم الطهارة يكون الماء واردًا في إناء، بل لكون الماء لم يُزل عينَ النجاسة. اهـ طرح ج ٢/ ص ٤٨.
"المسألة الخامسة عشرة" في الحديث استحباب التثليث في غسل النجاسات مطلقًا غير المغلظة التي أمرنا بالسبع فيها، فإن في استحباب التثليث فيها خلافا عند الشافعية وإذا أمر بالتثليث في موضع احتمال النجاسة فالإتيان به مع تحققها من باب أولى. اهـ طرح ج ٢/ ص ٤٦.
"المسأله السادسة عشرة" قال العراقي رحمه الله تعالى: فيه حجة على أحمد ﵀ في قوله في إحدي الروايتين عنه: إنه يجب غسل سائر النجاسات سبعا حملا للجميع على ولوغ الكلاب، وخالفه الجمهور فلم يوجبوا في غير نجاسة الكلب وما في معناها إلا الغسل مرة، وقد روى أبو داود من حديث ابن عمر، قال: "كانت الصلاة خمسين والغسل من الجنابة سبع مرات وغسل البول من الثوب سبع مرات فلم يزل رسول الله - ﷺ - يسأل حتي جعلت الصلاة خمسا والغسل من الجنابة مرة." وفي إسناده ضعف. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٤٨.
[ ١ / ٢١٥ ]
"المسألة السابعة عشرة" هل المراد بأمر المستيقظ من النوم بغسل اليد قبل إدخالها الإناء غسل الكفين الذي هو سنة في أول الوضوء، أو هذا أمر آخر بحيث إنه إذا غسل يده للقيام من النوم ثلاثا، وأراد الوضوء، غَسَلَ كفيه له ثلاثًا؟: الذي صرح به أصحاب الشافعي كما قال العراقي: الأول ونسبه أيضا العيني في العمدة، جـ ٢/ ص ٣١٤، إلى الحنفية. قال العراقي: وعليه يدل قوله: "في وضوئه" فهو ظاهر في أن المراد غسلهما عند الوضوء، وهو مصرح به عند ابن ماجه من حديث جابر "إذا قام أحدكم من النوم فأراد أن يتوضأ فلا يدخل يده في وضوئه حتى يغسلها" الحديث، وكذا ذكره عبد الرزاق في المصنف من رواية ثابت مولى عبد الرحمن، عن أبي هريرة "إذا كان أحدكم نائما ثم استيقظ، فأراد الوضوء فلا يضع يده في الإناء". الحديث، وهو عند مسلم من طريق عبد الرزاق، ولكنه لم يسق لفظه.
وذهب أشهب من المالكية إلى أن الغسل إنما هو لخشية النجاسة، فإن تحقق طهارة يده لم يستحب له غسل كفيه في الوضوء، واستدل على ذلك بأن النبي - ﷺ - قال للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله"، وليس في الآية غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء اهـ طرح جـ ٢/ ص ٥١، ٥٢. (^١).
"المسألة الثامنة عشرة" قال العلامة بدر الدين العيني رحمه الله تعالى: فإن قلت: ينبغي أن لا تبقى السنيةُ لأنهم كانوا يتوضؤون من الأتْوَار فلذلك أمرهم ﵊ بغسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، وأما في هذا الزمان فقد تغير ذلك، قلت: السنة لما وقعت سنة في الابتداء بقيت ودامت، وإن لم يبق ذلك المعنى؛ لأن الأحكام إنما يحتاج إلى أسبابها حقيقة في ابتداء وجودها لا في بقائها لأن الأسباب تبقى حكمًا وان لم تبق حقيقة لأن للشارع ولايةَ الإيجاد والإعدام،
_________________
(١) قال الجامع: قد تقدم في المسألة العاشرة ما قاله الشوكاني في هذه المسألة فارجع إليه، فإنه تقرير حسن جدًا، والله أعلم.
[ ١ / ٢١٦ ]
فجعلت الأسباب الشرعية بمنزلة الجواهر في بقائها حُكمًا وهذا كالرَّمَل في الحج ونحوه. اهـ عمدة، جـ ٢/ ص ٣١٤.
"المسألة التاسعة عشرة" من فوائد الحديث غير ما تقدم:
أن فيه الأخذ بالوثيقة، والعمل بالاحتياط في باب العبادات أولى كما قال الخطابي، قال النووي: ما لم يخرج عن حد الاحتياط إلى حد الوسوسة.
ومنها أن موضع الاستنجاء مخصوص بالرخصة في جواز الصلاة مع بقاء أثر النجاسة عليه، وأن ما عداه غير مقيس عليه. قاله الخطابي.
قال العراقي: ويدل عليه رواية البيهقي "أين باتت يده منه"، أي من مظانّ النجاسة من جسده. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٤٨.
ومنها أن النجاسة. المتوهمة لا يكفي فيها الرش لحصول الاحتياط، بل إنما يحصل الاحتياط بغسلها، لأمره بغسل اليد، وأما ما ورد من نضح الثوب بعد الاستنجاء فليس ذلك للتطهير، وإنما هو لدفع الوسواس حتى إذا وجد بللًا أحاله على الرش لتذهب عنه الوسوسة. طرح ٢/ ٤٨.
ومنها أن النسائي استدل به على وجوب الوضوء من النوم كما سيأتي ١١٦/ ١٦١ وكذا قال ابن عبد البر فيه إيجاب الوضوء من النوم قال: وهو أمر مجمع عليه في النائم المضطجع الذي قد استثقل نومًا، وقال زيد بن أسلم والسدي في قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: آية ٦] أي من النوم. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٤٨.
ومنها استحباب الكناية فيما يتحاشى التصريحُ به حيث قال - ﷺ - "لا يدري أين باتت يده"، ولم يقل فلعل يده وقعت على دبره أو ذكره، ولهذا نظائر كثيرة في القرآن والسنة، كقوله تعالى: ﴿الرَّفَثُ إِلَى
[ ١ / ٢١٧ ]
نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: آية ١٨٧] وقوله: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١]، وقوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وهذا كله إذا علم أن السامع يفهم المقصود فَهْمًا جليًا، وإلا فلابد من التصريح نفيا للبس والوقوع في خلاف المطلوب، وعلى هذا يحمل ما جاء من ذلك مصرحًا به، والله أعلم. أفاده النووي. مجموع جـ ١/ ص ٣٥١.
ومنها تقوية من يقول: بالوضوء من مس الذكر حكاه أبو عوانة في صحيحه عن ابن عيينة قاله الحافظ. فتح جـ ١/ ص ٣١٨.
قال الجامع: وهذا الاستنباط بعيد جدا. والله أعلم.
ومنها أن الماء القليل لا يصير مستعملا بإدخال اليد فيه لمن أراد الوضوء قاله الخَفَّاف صاحب الخصال من الشافعية. اهـ فتح جـ ١/ ص ٣١٨.
ومنها ما قاله السندي ﵀: واستُدل به على أن الماء القليل يتنجس بوقبرع النجاسة، وإن لم يتغير أحد أوصافه، قال: وفيه أنه يجوز أن يكون النهي لاحتمال الكراهة لا لاحتمال النجاسة، ويجوز أن يقال: الوضوء بما وقع فيه النجاسة مكروه فجاء النهي عند الشك في النجاسة تحرزا عن الوقوع في هذه الكراهة علي تقدير النجاسة، وأيضًا يمكن أن يكون النهي بناء على احتمال أن يتغير الماء بما على اليد من النجاسة فيتنجس، فمن أين علم أنه يتنجس الماء بوقوع النجاسة مطلقا.
والله أعلم. اهـ كلام السندي جـ ١/ ص ٨.
قال الجامع عفا الله عنه: في بعض هذه الاستنباطات بُعْدٌ لا يخفى كما قال الحافظ في الفتح، جـ ١/ ص ٣١٨.
[ ١ / ٢١٨ ]
"المسألة العشرون" وهي آخر المسائل: أنه ينبغي لسامع أقوال النبي - ﷺ - أن يتلقاها بالقبول، ودفع الخواطر الرَّادَّة لها، وأنه لا يُضرب بها الأمثالُ، يُحكى أن شخصا سمع هذا الحديث فقال: وأين تبيت يده منه (^١) فاستيقظ من النوم ويده في داخل دبره، فلم تخرج حتى تاب من ذلك، وأقلع، والأدبُ مع أقواله بعدَه كالأدب معه في حياته - ﷺ - لو سمعه يتكلم، فنسأل الله أن يحفظ قلوبنا من الخواطر الرديئة، ويرزقنا الأدب مع الشريعة المطهرة باطنا وظاهرًا. قاله العراقي. طرح جـ ٢/ ص ٥١.
قال الجامع: والله أعلم بصحة الحكاية إلا أني كتبتها للاعتبار على تقدير صحتها.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
_________________
(١) كأنه يتسهزئ بالحديث، وفي هامش العدة للصنعاني ما نصه: قد ورد أن أعرابيا قال لرسول الله - ﷺ -: إنني أعلم أين باتت يدي، فأصبح وهي في دبره، وهو ضعيف، اهـ جـ ١/ ص ١١٤.
[ ١ / ٢١٩ ]