كتب المصحح في هذا الموضوع بحثًا نفيسًا أحببت إيراده لأهميته.
قال جزاه الله خيرا: إذا أردنا أن نعرف السبب الذي لأجله صنف الإمام النسائي كتابه المجتبى بعد تأليفه السنن الكبرى، فعلينا أن نتتبع تأريخ تصنيف كتب الحديث الستة في عصر المصنف فإن هذه الدراسة ستعيننا في تحقيق هذا السبب، وهذه سنُو وَفَيَات الأئمة الستة بترتيبها الزمني:
البخاري ٢٥٦
مسلم ٢٦١
ابن ماجه ٢٧٣
أبو داود ٢٧٥
الترمذي ٢٧٩
النسائي ٣٠٣
فصنف النسائي سننه الكبرى في جملة من صنف من هؤلاء المحدثين، وهو آخرهم وفاة، ولهذا تيسر له النظر في مصنفات من تقدمه بعد تصنيفه الأول، وهو الكبرى، وهذا على ما يظهر حمله على تصنيفه الثاني، وهو المجتبى مراعيًا فيه كل ما رآه من المحاسن في تصانيف غيره، وبالأخص الجامع الصحيح للإمام البخاري ﵀.
ولما كان الرسول - ﷺ - مبينا لما أجمل القرآن من أحكام الشريعة، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: آية ٤٤]، التزم أفقه المحدثين الإمام البخاريُّ بإصدار تراجم الكتب والأبواب من صحيحه بآيات من القرآن مهما أمكن، ثم يورد الأحاديث المتعلقة بتلك الآيات بمنزلة التفسير والبيان لمعانيها، وهذا من منتهى فهمه وتفقهه. فكأن الإمام النسائي تفطن لهذا السر، وأدركه،
[ ١ / ٥٩ ]
فأراد تطبيقه في تصنيفه هو في السنن، والظاهر أنه فاتته هذه النكتة عند تصنيفه السنن الكبرى، فأراد التزامها حيث عزم على تصنيفه المجتبى، بل لا يبعد أن يكون مثل هذا الالتزام هو مما حمله على هذا الانتقاء ليجوده ويحسنه في ترتيبه وأسلوبه.
ومن أبرز أمثلته أنه لما جمع السنن الكبرى بدأ بكتاب الطهارة فترجم له بقوله:
"وضوء النائم إذا قام إلى الصلاة"، وأورد فيها حديث غسل اليدين عند الاستيقاظ تنبيها على أن الطهارة تبدأ بغسل اليدين.
فلما صنف المجتبى فيما بعد بدأ بترجمة من آية من القرآن، هي جامعة لبيان الوضوء والغسل والتيمم، وهي آية المائدة، فقال: تأويل قوله ﷿ ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]. وهذا كما ذكر العلامة أبو الحسن محمَّد بن عبد الهادي السندي محشي سنن النسائي، فقال في شرح هذه الترجمة: يريد رحمه الله تعالى أن تمام ما يذكر في كتاب الطهارة في هذا الكتاب بمنزلة باب الطهارة، أو كتاب الطهارة في غيره، وتمام الأبواب المذكورة في الطهارة داخلة في هذه الترجمة اهـ. قلت: ولهذا لم يصدر هذا الكتاب بعنوان كتاب الطهارة، اكتفاء بهذه الترجمة الوافية الشاملة.
وللمصنف في صنيعه هذا أسوة حسنة في الإمام البخاري ﵀ المتقدم عليه، حيث بدأ كتاب الطهارة من صحيحه بقوله: كتاب الوضوء، باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية.
ولما فرغ المصنف مما أراد انتقاءه وإضافته وتهذيبه من السنن الكبرى من كتاب الطهارة، وما ذكر من الأبواب والأحاديث كانت كلها بمنزلة البيان
[ ١ / ٦٠ ]
لآية المائدة بدأ بما سماه "كتاب المياه" من المجتبى، وأتبعه بقوله: قال الله ﷿: "وأنزلنا من السماء ماء طهورا" … الخ.
فوضع هذا الكتاب لبيان أحاديث تتعلق بأحكام المياه، وصدره بآيات من القرآن تنبيها على أن الأحاديث المذكورة في الكتاب بمنزلة البيان لهذه الآيات وأمثالها، وإشارة إلى أن غالب أحاديث الأحكام بيان وشرح لآيات من القرآن، نبه على ذلك أيضا السندي ﵀.
ثم أتبع كتاب المياه هذا بكتاب الحيض والاستحاضة، وكتاب الغسل، والتيمم، كلاهما من المجتبى. وهذا مما يطلعنا على بعض تخطيطات المصنف ومقاصده في وضع كتابه الجديد وتسميته بالمجتبى، فإن هذا لاسم يطابق المسمى كل المطابقة، والمجتبى من كل شيء نبه وخلاصته الممتازة، كما قال تعالى في خليله - ﷺ - ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٢١].