قال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى: وكان النسائي من بحر العلم مع الفهم والإتقان، والبصر، ونقد الرجال، وحسن التأليف، جَالَ في طلب العلم في خراسان والحجاز، ومصر، والعراق، والجزيرة، والشام، والثغور، ثم استوطن مصر، ورحل الحفاظ إليه، ولم يبق له نظير في هذا الشأن، وكان شيخا مَهيبا، مَليح الوجه، ظاهر الدم، حسن الشيبة.
وعن النسائي رحمه الله تعالى: قال: أقمت عند قتيبة بن سعيد سنة وشهرين، وكان يسكن بزُقَاق القناديل بمصر (^١) وكان نَضرَ الوَجه، مع كبر السنن، يؤثر لباس البرود النوبية، والخضر، ويكثر الاستمتاع، له أربع زوجات، فكان يقسم لهن، ولا يخلو مع ذلك من سرية، وكان يكثر أكل الديوك، تُشترى له وتُسمن، وتُخصى. قال مرة بعض الطلبة: ما أظن أبا عبد الرحمن إلا أنه يشرب النبيذ، للنضرة التي في وجهه، وقال الآخر: ليت شعري ما يرى في إتيان النساء في أدبارهن، قال: فسئل عن ذلك؟ فقال: النبيذ حرام، ولا يصح في الدبر شيء، لكن حدث محمَّد بن كعب القرظي، عن ابن عباس، قال: "اسق حرثك حيث شئت" فلا ينبغي أن يتجاوز قوله.
قال الذهبي: قد تيقنا بطرق لا محيد عنها نهي النبيﷺ - عن أدبار النساء، وجزمنا بتحريمه، ولي في ذلك مصنف كبير (^٢).
وقال الوزير بن حنزابة (^٣): سمعمت محمَّد بن موسى المأموني
_________________
(١) محلة بمصر مشهورة، سميت به لأنه كان فيها منازل الأشراف، وكانت على أبوابهم القناديل. أفاده ياقوت في معجمه ج ٣ ص ١٤٥.
(٢) سير أعلام النبلاءج ١٤، ص ١٢٨.
(٣) بكسر الحاء المهملة وسكون النون بعدها زاي وهي المرأة القصيرة الغليظة، وهي هنا أم الفضل بن جعفر بن الفرات.
[ ١ / ١٨ ]
صاحب النسائي قال: سمعت قوما ينكرون على أبي عبد الرحمن النسائي كتاب الخصائص لعلي ﵁، وتَرْكَهُ فضائل الشيخين، فذكرت له ذلك، فقال: دخلت دمشق والمنحرف بها عن علي كثير، فصنفت كتاب الخصائص، رجوت أن يهديهم الله تعالى، ثم إنه صنف بعد ذلك فضائل الصحابة فقيل له: وأنا أسمع ألا تخرج فضائل معاوية ﵁؟ فقال: أيَّ شيء أخرج؟ حديث "اللهم لا تشبع بطنه"؟ فسكت السائل.
قال الذهبي: لعل أن يقال: هذه منقبة لمعاوية، لقوله - ﷺ - "اللهم من لعنته، أو سببته، فاجعل ذلك له زكاة ورحمة".
قال مأمون المصري المحدث: خرجنا إلى طرسوس مع النسائي سنة الفداء، فاجتمع جماعة من الأئمة: عبدُ الله بنُ أحمد بن حنبل، ومحمد بن إبراهيم مربع، وأبو الآذان، وكيلَجَة (^١) فتَشَاوَرُوا: من ينتقي لهم على الشيوخ؟ فاجمعوا على أبي عبد الرحمن النسائي، وكتبوا كلهم بانتخابه.
قال الحاكم: كلام النسائي على فقه الحديث كثير، ومن نظر في سننه تحير في حسن كلامه. وقال الحافظ أبو علي النيسابوري: أخبرنا الإمام في الحديث بلا مدافعة، أبو عبد الرحمن النسائي. وقال أبو طالب أحمد ابن نصر الحافظ: من يصبرُ على ما يصبر عليه النسائي؟ عنده حديث ابن لهيعة ترجمة ترجمة، يعني عن قتيبة، عن ابن لهيعة، قال: فما حدث بها. وقال أبو الحسن الدارقطني: أبو عبد الرحمن مقدم على كل من يُذْكَرُ بهذا العلم من أهل عصره. وقال الحافظ ابن طاهر: سألت سعد ابن علي الزنجاني عن رجل، فوثقه، فقلت: قد ضعفه النسائي، فقال:
_________________
(١) كيلجة: بكسر الكاف وفتح اللام، محمد بن صالح بن عبد الرحمن البغدادي، أبو بكر الأنماطي، ثقة حافظ توفي سنة ٢٧١.
[ ١ / ١٩ ]
يا بُنَيَّ إن لأبي عبد الرحمن شرطا في الرجال أشد من شرط البخاري ومسلم.
قال الحافظ الذهبي: صَدَقَ، فإنه لَيَّنَ جماعةً من رجال صحيحي البخاري ومسلم.
وقال محمَّد بن المظفر الحافظ: سمعت مشايخنا بمصر يصفون اجتهاد النسائي في العبادة بالليل والنهار، وأنه خرج إلى الفداء مع أمير مصر فوصف من شهامته وإقامته السنن المأثورة في فداء المسلمين، واحترازه عن مجالس السلطان الذي خرج معه والانبساط في المأكل، وأنه لم يزل كذلك دأبه إلى أن استشهد بدمشق من جهة الخوارج. وقال الدارقطني: كان أبو بكر بن الحداد الشافعي كثير الحديث، ولم يحدث عن غير النسائي. وقال: رضيت به حجة بيني وبين الله تعالى.
وقال الطبراني في معجمه: حدثنا أبو عبد الرحمن النسائي القاضي بمصر فذكر حديثا ..
وقال أبو عوانة في صحيحه: حدثنا أحمد بن شعيب النسائي قاضي حمصر، حدثنا محمَّد بن قدامة، فذكر حديثا.
قال الحافظ الذهبي: ولم يكن أحد في رأس الثلاثمائة أحفظ من النسائي، هو أحذق بالحديث وعلله ورجاله من مسلم، ومن أبي داود، ومن أبي عيسي، وهو جار في مضْمَار البخاري، وأبي زرعة، إلا أن فيه قليل تشيع، وانحراف عن خصوم الإمام علي، كمعاوية، وعمرو، والله يسامحه. اهـ سير. جـ ١٤/ ص ١٣٣.
وكان النسائي يصوم صوم داود ﵇ يفطر يوما، ويصوم يوما، وقد تسلم القضاء في أكثر من بلد (^١).
_________________
(١) انظر تحقيق عمل اليوم والليلة ص ٢٤.
[ ١ / ٢٠ ]
وسئل عن اللحن في الحديث فقال: إن كان شيء تقوله العرب، وإن لم يكن لغةَ غير قريش فلا يُغير؛ لأنّ النبي - ﷺ - كان يكلم الناس بكلامهم، وإن كان مما لا يوجد في لغة العرب فرسول الله - ﷺ - لا يلحن. ذكره ياقوت في معجمه جـ ٥/ ص ٢٨٢.