المسألة الأولى: إنما عدلت عن الاحتجاج بما اشتهر الاحتجاج به -ولا سيما عند المتأخرين من المصنفين- على استحباب البسملة، وهو حديث: "كل أمر ذي بال، لا يبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم، فهو أبتر" وفي رواية "لا يبدأ بالحمد لله" وفي رواية "بالحمد، فهو أقطع" وفي رواية "أجذم" وفي رواية "لا يبدأ فيه بذكر الله". روى كلها الحافظ عبد القادر الرهاوي ﵀ في شرح الأربعين من حديث أبي هريرة ﵁كما قال النووي ﵀ في شرح مسلم جـ ١ ص ٤٣ - إلى ما ذكرته، لكون الحديث ضعيفًا جدًا.
قال الحافظ الزيلعي رحمه الله تعالى في تخريج أحاديث الكشاف جـ ١ ص ٢٢ - ٢٤:
روي من حديث أبي هريرة، ومن حديث كعب بن مالك.
أما حديث أبي هريرة: فأخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الأدب والنسائي في اليوم والليلة، وابن ماجه في النكاح من حديث قرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله - ﷺ -:"كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر" انتهى (^١).
_________________
(١) فيما قاله الزيلعي نظر، فإن لفظ البسملة ليس عند أبي داود، ولا النسائي، ولا ابن ماجه، فعندهم بلفظ الحمد، وأما البسملة فعند الخطيب البغدادي، فتنبه.
[ ١ / ١٥٦ ]
ورواه ابن حبان في صحيحه في موضعين منه في النوع الثاني والتسعين من القسم الأول، وأعاده في النوع السادس والستين من القسم الثالث بالإسناد المذكور، ولفظه: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله أقطع".
ورواه الإمام أحمد في مسنده، وابن أبي شيبة في مصنفه، في كتاب الأدب، وفي مسنده، وكذلك رواه البزار في مسنده، وقال: لا نعلمه روي عن النبي - ﷺ - إلا من هذا الوجه. انتهى.
ورواه الدارقطني في سننه، في أوائل كتاب الصلاة، ورواه البيهقي في شعب الإيمان، في الباب الثالث والثلاثين، عن الحاكم بسنده إلى قرة بن عبد الرحمن به سواء، ولفظه: "كل أمر لا يبدأ فيه بالحمد فهو أقطع". ورواه إسحاق بن راهويه في مسنده كذلك، ولفظه: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بذكر الله فهو أقطع"، وهي رواية الدارقطني، وأحمد، والنسائي.
والحديث فيه روايات: فروي "كل أمر"، وروي "كل كلام" وهي رواية عند أحمد والنسائي، وروي "لم يبدأ" وقد تقدم، وروي "لم يفتتح" وهي عن أحمد أيضا، وروي "بحمد الله"، وقد تقدم، وروي "بذكر الله" وقد تقدم، وروي "فهو أقطع" وقد تقدم، وروي "فهو أبتر" وقد تقدم، وروي "فهو أجذم" وروي "فهو أكتع" بالكاف، رواه الإمام إسحاق بن راهويه في مسنده: حدثنا بقية بن الوليد، ثنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله، أكتع" قال بقية: والأكتع: الذي ذهبت أصابعه، وبقي كفه. انتهى بحروفه، وهذا معضل.
وفي رواية أخرى، رواه الإمام أبو بكر الخطيب البغدادي في كتابه
[ ١ / ١٥٧ ]
"الجامع لآداب الراوي والسامع": من حديث مبشر بن إسماعيل، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع". انتهى.
وهذا الحديث أعلّ من وجهين:
الأول: أنه قد روي مرسلًا، أخرجه كذلك أبو داود والنسائي، عن أبي سلمة، عن النبي - ﷺ -، ليس فيه أبو هريرة، قال النسائي: والمرسل أولى بالصواب. انتهى.
الثاني: في إسناده قرة بن عبد الرحمن بن حيوئيل المعافري، وفيه مقال. قال الحاكم في مستدركه في أواخر الصلاة: وقد استشهد مسلم ﵀ بقُرة بن عبد الرحمن في موضعين من صحيحه. انتهى.
أما حديث كعب بن مالك فرواه الطبراني في معجمه: حدثنا أحمد ابن المعلى الدمشقي، حدثنا عبد الله بن يزيد الدمشقي، حدثنا صدقة بن عبد الله، عن محمَّد بن الوليد الزُّبيْدي، عن الزهري، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن النبي - ﷺ -، قال: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع". انتهى. انظر تخريج أحاديث الكشاف للحافظ الزيلعي رحمه الله تعالى جـ ١ ص ٢٢ - ٢٤.
وقال الحافظ رحمه الله تعالى في الفتح جـ ٩ ص ٨٥، في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: آية ٦٤]، في الكلام على حديث هرقل عند قوله: "فهذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم" قال النووي: فيه استحباب تصدير الكتب ببسم الله الرحمن الرحيم، وإن كان المبعوث إليه كافرًا، ويحمل قوله في حديث أبي هريرة: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع" أي بذكر الله، كما جاء في رواية أخرى فإنه روي على أوجه "بذكر الله"،
[ ١ / ١٥٨ ]
"ببسم الله الرحمن الرحيم"، "بحمد الله"، وهذا الكتاب كان ذا بال من المهمات العظام، ولم يبدأ فيه بلفظ الحمد، بل بالبسملة. انتهى.
قال الحافظ: والحديث الذي أشار إليه أخرجه أبو عوانة في صحيحه وصححه ابن حبان أيضا، وفي إسناده مقال، وعلى تقدير صحته فالرواية المشهورة فيه بلفظ "حمد الله" وما عدا ذلك من الألفاظ التي ذكرها النووي وردت في بعض طرق الحديث بأسانيد واهية. اهـ.
وقد حقق الكلام على هذا الحديث المحدث الكبير الشيخ الألباني -جزاه الله خيرًا- في أول إروائه فأجاد، وأفاد، فقال:
١ - حديث "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر" رواه الخطيب، وعبد القادر الرهاوي ص ٥ ضعيف جدا. وقد رواه السبكي في طبقات الشافعية الكبرى ١/ ٦ من طريق الحافظ الرهاوي بسنده، عن أحمد بن محمَّد بن عمران: حدثنا محمد بن صالح البصري -بها- حدثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك، حدثنا يعقوب ابن كعب الأنطاكي، حدثنا مبشر بن إسماعيل، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا به، إلا أنه قال: "فهو أقطع" وهذا سند ضعيف جدا، آفته ابن عمران هذا، ويعرف بابن الجندي، ترجمه الخطيب في تاريخه ٥/ ٧٧، وقال: كان يضعف في روايته، ويطعن عليه في مذهبه -يعني التشيع- قال الأزهري: ليس بشيء، وقال الحافظ في اللسان: وأورد ابن الجوزي في الموضوعات في فضل علي حديثا بسند رجاله ثقات إلا الجندي، فقال: هذا موضوع ولا يتعدى الجندي.
ثم رواه السبكي من طريق خارجة بن مصعب، عن الأوزاعي به إلا أنه قال: "بحمد الله" بدل "بسم الله الرحمن الرحيم"، وخارجة هذا قال الحافظ: متروك وكان يدلس عن الكذابين، ويقال: إن ابن معين كذبه.
[ ١ / ١٥٩ ]
وقد خالفه والذي قبله محمَّد بن كثير المصيصي، فقال في إسناده: عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة به، باللفظ الثاني: "بحمد الله" رواه السبكي ص ٧، من طريق أبي بكر الشيرازي في كتاب الألقاب، والمصيصي هذا ضعيف؛ لأنه كثير الغلط، كما قال الحافظ. والصحيح عن الزهري مرسلًا، كما قال الدارقطني، وغيره. وقد روي موصولا من طريق قُرة عنه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة باللفظ الثاني.
ومما سبق يتبين أن هذا الحديث بهذا اللفظ ضعيف جدًا، فلا تغتر بمن حسنه مع الذي بعده فإنه خطأ بيِّن ولئن كان اللفظ الآتي يحتمل التحسين فهذا ليس كذلك، لما سبق في سنده من الضعف الشديد كما رأيت.
وقال: ٢ - حديث: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع"، وفي رواية "بحمد الله"، وفي رواية "بالحمد"، وفي رواية "فهو أجذم". رواها الحافظ الرهاوي في الأربعين له ص ٥ ضعيف.
رواه ابن ماجه، عن قرة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ "بالحمد أقطع" ورواه ابن حبان في صحيحه من هذا الوجه بالرواية الثانية "بحمد الله" كما في طبقات السبكي ١/ ٤، ورواه الدارقطني في سننه ص ٨٥ بلفظ "بذكر الله أقطع" ورواه أبو داود في سننه ٤٨٤٣، بلفظ "بالحمد فهو أجذم"، وقال: رواه يونس، وعقيل، وشعيب، وسعيد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن النبي - ﷺ - مرسلًا. يشير إلى أن الصحيح فيه مرسل. وهو الذي جزم به الدارقطني كما نقله السبكي، وهو الصواب؛ لأن هؤلاء الذين أرسلوه أكثر، وأوثق من قرة، وهو ابن عبد الرحمن المعافري المصري، بل إن هذا فيه ضعف من قبل حفظه، ولذلك لم يحتج به مسلم، وإنما أخرج له في
[ ١ / ١٦٠ ]
الشواهد. وقال ابن معين: ضعيف الحديث. وقال أبو زرعة: الأحاديث التي يرويها مناكير. وقال أبو حاتم، والنسائي: ليس بقوي. وقول السبكي فيه: هو عندي في الزهري ثقة ثبت، فقد قال الأوزاعي: ما أحد أعلم بالزهري منه. وقال يزيد بن السمط: أعلم الناس بالزهري قرة بن عبد الرحمن. فهو بعيد عن الصواب؛ لأنه مخالف لأقوال الأئمة المذكورين فيه، واعتماده في ذلك على ما نقله عن الأوزاعي مما لا يجدي؛ لأن المراد من قول الأوزاعي المذكور أنه أعلم بحال الزهري من غيره، لا فيما يرجع إلى ضبط الحديث، كما قال الحافظ ابن حجر في التهذيب، قال: وهذا هو اللائق.
ومما يدلك على ضعفه -زيادة على ما تقدم- اضطرابه في متن الحديث، فهو تارة يقول: "أقطع" وتارة "أبتر" وتارة "أجذم" وتارة "يذكر الحمد لله"، وأخرى يقول "بذكر الله".
ولقد أضاع السبكي جهدا كبيرا في محاولته التوفيق بين هذه الروايات، وإزالة الاضطراب عنها، فإن الرجل ضعيف كما رأيت، فلا يستحق حديثه مثل هذا الجهد، وكذلك لم يحسن صنعا حين ادعى أن
الأوزاعي تابعه، وأن الحديث يَقْوَى بذلك؛ لأن السند إلى الأوزاعيّ ضعيف جدا كما تقدم في الحديث الذي قبله، فمثله لا يستشهد به، كما هو مقرر في مصطلح الحديث.
وقد رواه أحد الضعفاء الآخرين، عن الزهري بسند آخر، أخرجه الطبراني من طريق عبد الله بن يزيد: حدثنا صدقة بن عبد الله، عن محمَّد بن الوليد الزُّبيدي، عن الزهري، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه مرفوعا. وهذا سند ضعيف، صدقة هذا ضعيف، كما قال الحافظ في التقريب، وقد خالف قرة إسناده كما ترى، فلا يصح أن
[ ١ / ١٦١ ]
تجعل هذه المخالفة سندا في تقوية الحديث كما فعل السبكي، بينما هي تدل على ضعفه لاضطراب هذين الضعيفين فيه على الزهري كما رواه الآخرون من الضعفاء عن الزهري بإسناد آخر، ذكرته في الحديث الذي قبله.
وجملة القول أن الحديث ضعيف، لاضطراب الرواة فيه على الزهري، وكل من رواه عنه موصولا ضعيف، أو السند إليه ضعيف، والصحيح عنه مرسلا كما تقدم عن الدارقطني وغيره، والله أعلم. اهـ انظر إرواء الغليل جـ ١ ص ٢٩ - ٣٢.
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن الأكثرين على تضعيف الحديث، فقد قال الدارقطني ﵀: تفرد به قرة عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وأرسله غيره، عن الزهري، عن النبي - ﷺ - وقرة ليس بقوي في الحديث. ورواه صدقة عن محمَّد بن سعيد، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن النبي - ﷺ -، ولا يصح الحديث، وصدقة، ومحمد بن سعيد ضعيفان، والمرسل هو الصواب، انظر سنن الدراقطني جـ ١ هـ ٢٩٩.
وقد تقدم تضعيف الأئمة لقرة هذا، فقد قال أحمد: منكر الحديث، وقال ابن معين: ضعيف الحديث، وعنه: كان يتساهل في السماع، وفي الحديث، وليس بكذاب، وقال أبو زرعة: الأحاديث التي يرويها
مناكير، وقال أبو حاتم، والنسائي: ليس بقوي، وقال أبو داود: في حديثه نكارة.
وأما ما قاله يزيد بن السمط: كان الأوزاعي يقول: ما أحد أعلم بالزهري من قرة بن عبد الرحمن. فقد تعقبه ابن حبان في الثقات -كما في تهذيب التهذيب جـ ٨ ص ٣٧٣ - بقوله: هذا الذي قاله يزيد ليس بشيء يحكم به على الإطلاق، وكيف يكون قرة أعلم الناس بالزهري،
[ ١ / ١٦٢ ]
وكل شيء روى عنه ستون حديثًا، بل أعلم الناس بالزهري مالك، ومعمر، ويونس، والزُّبيدي، وعقيل، وابن عيينة، هؤلاء أهل الحفظ، والإتقان والضبط اهـ.
وأورد ابن عدي كلام الأوزاعي من رواية رجاء بن سهل، عن أبي مسهر، ولفظه: ثنا يزيد بن السمط، قال: ثنا قرة، قال: لم يكن للزهري إلا كتاب فيه نَسَبُ قومه، وكان الأوزاعي يقول: ما أحد أعلم بالزهري من ابن حيوئيل، فيظهر من هذه القصة أن مراد الأوزاعي أنه أعلم بحال الزهري من غيره، لا فيما يرجع إلى ضبط الحديث، وهذا هو اللائق، والله أعلم. انظر تهذيب التهذيب جـ ١ ص ٣٧٣ - ٣٧٤.
والحاصل أن قرة ضعفه الجمهور، ولم يوجد له توثيق صريح، إلا أن ابن عدي قال: لم أر له حديثًا منكرا جدا، وأرجوا أنه لا بأس به.
وذكره ابن حبان في الثقات، مع التعقب المذكور. فتفرده بوصل هذا الحديث، واضطرابه ومخالفته للثقات: يونسَ، وعقيلَ بن خالد، وشعيبَ بن أبي حمزة، وسعيدَ بن عبد العزيز، فكلهم رووه عن الزهري مرسلا، يدل على وَهمه، فروايته منكرة، وقد عرفت بطلان دعوى متابعة الأوزاعي، وغيره له، فيما تقدم. فالصحيح أن الحديث ضعيف جدا، فتصحيح التاج السبكي، وتحسين غيره له مما لا يلتفت إليه، فتفطن، وهذا كله بلفظ "الحمد لله" وأما بلفظ البسملة فواه بمرة، لأن في سنده أحمد بن محمَّد بن عمران وهو متهم، مع المخالفة للثقات، بل حكم بعضهم (^١) فيه بالوضع، وإن كان فيه نظر. والله أعلم. "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
_________________
(١) وهو العلامة السيد أحمد بن محمَّد بن الصديق الغمارى ت ١٣٨٠ هـ، ﵀، فقد ألف رسالة سماها "الاستعاذة، والحسبلة ممن صحح حديث البسملة" وهي مطبوعة، حكم فيها بكون حديث البسملة موضوعا، لكن الحكم بالوضع محل نظر لمن أنصف، والله أعلم.
[ ١ / ١٦٣ ]
المسألة الثانية: إن قال قائل: لمَ لَمْ يفتتح النسائي ﵀ سننه بخطبة تنبئ عن مقصوده، مشتملة على الحمد والشهادة؟.
فالجواب عنه: أنه ترك ذلك اتباعا للسنة حيث كانت كتب رسول الله - ﷺ - إلى الآفاق مفتتحة بالبسملة دون غيرها -كما تقدم شرح ذلك في المسألة السابقة-.
وأيضًا: أن ذلك عرف طارئ التزمه المتأخرون، فقد استحسنوا ابتداء مؤلفاتهم بالبسملة، والحمدلة، والصلاة على النبي - ﷺ -، ومدح الفن، وذكر الباعث، وتسمية الكتاب، وبيان كيفية العمل فيه من التبويب، والتفصيل، وغير ذلك، وأما المتقدمون فلا يوجد ذلك في مؤلفاتهم إلا بعضه عند بعضهم، كما فعل مسلم ﵀ في صحيحه فجرى المصنف ﵀ على عمل المتقدمين هنا، وفي الكبرى لموافقته السنة، فلم يذكر إلا البسملة.
وقد ذكر الحافظ في الفتح جوابًا عن البخاري رحمه الله تعالى فقال:
وقد اعتُرض على المصنف -يعني البخاري- لكونه لم يفتتح بخطبة تنبئ عن مقصوده مفتتحة بالحمد والشهادة امتثالا لقوله - ﷺ -: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع" وقوله: "كل خطبة ليس فيها شهادة فهي كاليد الجذماء" أخرجهما أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة ﵁.
والجواب عن الأول: أن الخطبة لا يتحتم فيها سياق واحد يمتنع
العدول عنه، بل الغرض منها الافتتاح بما يدل على المقصود، وقد صدر الكتاب بترجمة بدء الوحي، وبالحديث الدال على مقصوده المشتمل على أن العمل دائر مع النية، فكأنه يقول: قصدت جمع وحي السنة المتلقى عن خير البرية على وجه سيظهر حسن عملي فيه من قصدي "وإنما
[ ١ / ١٦٤ ]
لكل امرئ ما نوى" فاكتفى بالتلويح عن التصريح، وقد سلك هذه الطريقة في معظم تراجم هذا الكتاب على ما سيظهر بالاستقراء.
والجواب عن الثاني: أن الحديثين ليسا على شرطه، بل في كل منهما مقال، سلمنا صلاحيتهما للحجية، لكن ليس فيهما أن ذلك يتعين بالنطق والكتابة معا، فلعله حمد وتشهد نطقا عند وضع الكتاب، ولم يكتب ذلك اقتصارًا على البسملة؛ لأن القدر الذي يجمع الأمور الثلاثة ذكر الله، وقد حصل بها، ويؤيده أن أول شيء نزل من القرآن: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [الفلق: آية ١]، فطريق التأسي به الافتتاح بالبسملة، والاقتصار عليها، لا سيما وحكاية ذلك من جملة ما تضمنه هذا الباب، بل المقصود بالذات من أحاديثه.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: (فلعله حمد وتشهد نطقا .. إلخ) فيه تكلف لا يخفى، بل الجواب الصحيح هو ما أشار إليه بقوله: ويؤيده .. إلخ، فالأولى أن يقال: إنما ترك ذلك تأسيا، ويؤيد ذلك -كما قال- وقوع كتب رسول الله - ﷺ - إلى الملوك، وكتبه في القضايا مفتتحة بالتسمية دون الحمدلة، وغيرها، كما في حديث أبي سفيان في قصة هرقل، وكما في حديث البراء في قصة سهيل بن عمرو في صلح الحديبية، وغير ذلك من الأحاديث، وهذا يشعر بأن لفظ الحمد والشهادة إنما يحتاج إليه في الخطب دون الرسائل والوثائق، فكأن المصنف لما لم يفتتح كتابه بخطبة أجراه مجرى الرسائل إلى أهل العلم لينتفعوا بما فيه تعلما وتعليما.
وقد أجاب من شرح هذا الكتاب -يعني صحيح البخاري- بأجوبة أخرى فيها نظر:
[ ١ / ١٦٥ ]
منها: أنه تعارض عند الابتداء بالتسمية والحمدلة، فلو ابتدأ بالحمدلة لخالف العادة، أو بالتسمية لم يعدّ مبتدئا بالحمدلة، فاكتفى بالتسمية. وتعقب بأنه لو جمع بينهما لكان مبتدئا بالحمدلة بالنسبة إلى ما بعد التسمية، وهذه هي النكتة في حذف العاطف، فيكون أولى لموافقته الكتاب العزيز، فإن الصحابة افتتحوا كتابة الإمام الكبير بالتسمية والحمدلة وتلوها، وتبعهم على ذلك جميع من كتب المصحف بعدهم في جميع الأمصار، من يقول بأن البسملة آية من أول الفاتحة، ومن لا يقول ذلك.
ومنها: أنه راعى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: آية١] فلم يقدم على كلام الله ورسوله شيئا، واكتفى بها عن كلام نفسه. وتعقب بأنه كان يمكنه أن يأتي بلفظ الحمد من كلام الله تعالى، وأيضا فقد قدم الترجمة وهي من كلامه على الآية، وكذا ساق السند قبل لفظ الحديث، والجواب عن ذلك بأن الترجمة والسند، وإن كانا متقدمين لفظا لكنهما متأخران تقديرا فيه نظر.
وأبعد من هذا كله قول من ادعى أنه ابتدأ بخطبة فيها حمد وشهادة، فحذفها بعض من حمل عنه الكتاب، وكأن قائل هذا ما رأى تصانيف الأئمة من شيوخ البخاري، وشيوخ شيوخه، وأهل عصره كما في الموطأ وعبد الرزاق في المصنف، وأحمد في المسند، وأبي داود في السنن، إلى ما لا يحصى ممن لم يقدم في ابتداء تصنيفه خطبة، ولم يزد على التسمية، وهم الأكثر، والقليل منهم من افتتح كتابه بخطبة، أفيقال في كل من هؤلاء: إن الرواة عنه حذفوا ذلك؟! كلا، بل يحمل ذلك من صنيعهم، على أنهم حمدوا لفظا، ويؤيده ما رواه الخطيب في الجامع عن أحمد أنه كان يتلفظ بالصلاة على النبي - ﷺ - إذا كتب الحديث، ولا يكتبها، والحامل له على ذلك إسراع أو غيره، أو يحمل على أنهم رأوا
[ ١ / ١٦٦ ]
ذلك مختصا بالخطب دون الكتب، كما تقدم، ولهذا من افتتح كتابه منهم بخطبة حمد، وتَشَهَّد، كما صنع مسلم. والله ﷾ أعلم بالصواب. اهـ فتح جـ ١ ص ١٣ - ١٤.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاعتراض، والجواب عنه عجيب -ولا سيما من مثل الحافظ ﵀- لأنه مبني على ما جرى عليه عرف المتأخرين -كما قدمنا- وعمل المتقدمين هو الجاري على ما ثبت في السنة، حيث كانت كتبه - ﷺ - مبتدأة بالبسملة فقط، فهل مَن كان عمله
على وفق السنة يعترض عليه، ويتكلف في الجواب، والاعتذار عنه؟! إن هذا لشيء عجيب!!.
وبالجملة فهؤلاء الأئمة ممن ذكرهم الحافظ وغيرهم، هم القدوة في هذا الشأن، فلا ينبغي الاعتراض عليهم بما عمله المتأخرون، وأما حديث: "كل خطبة ليس فيها شهادة فهي كاليد الجذماء" فهو صريح في الخطبة، كخطبة الجمعة، والعيدين، والكسوف، ونحوها، وليست كتب العلم مرادة به، بدليل ما تقدم أن كتبه - ﷺ - إلى الملوك، وكتبه في القضايا خالية عن ذلك، فتبصر. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
المسألة الثالثة: قال الحافظ رحمه الله تعالى: وقد استقر عمل الأئمة المصنفين على افتتاح كتب العلم بالبسملة، وكذا معظم كتب الرسائل، واختلف القدماء فيما إذا كان كله شعرا، فجاء عن الشعبي منع ذلك، وعن الزهري، قال: مضت السنة أن لا يكتب في الشعر "بسم الله الرحمن الرحيم"، وعن سعيد بن جبير جواز ذلك، وتابعه على ذلك الجمهور، وقال الخطيب: هو المختار. اهـ فتح جـ ١ ص ١٤.
وقال الملا علي القاري رحمه الله تعالى في شرح المشكاة جـ ١
[ ١ / ١٦٧ ]
ص ٣٧: والأحسن التفصيل، بل هو الصحيح، فإن الشعر حسنه حسن، وقبيحه قبيح، فيصان إيراد البسملة في الهجويات، والهذيان، ومدائح الظلمة، ونحوها. اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا التفصيل الذي ذكره القاري رحمه الله تعالى هو الأولى عندي، ولعل ما روي عن الشعبي والزهري رحمهما الله تعالى محمول على هذا، فمرادهما الشعر القبيح، والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
ويوجد في النسخة المصرية بعد البسملة ما نصه:
(وصلى اللهُ عَلى سَيِّدنَا مُحَمَّد، وآله، وسَلَّمَ)
وليس موجودًا في النسخة الهندية، ولعله ملحق ممن بعد المصنف ولكني أشرحه احتياطًا، فأقول قوله: (وصلى الله) جملة خبرية لفظًا، إنشائية معنى.
قال النووي رحمه الله تعالى في شرح المهذب: أصل الصلاة في اللغة الدعاء، هذا قول جمهور العلماء من أهل اللغة وغيرهم، وقال الزجاج: أصلها اللزوم، قال الأزهري، وآخرون: الصلاة من الله تعالى الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الآدمي تضرع ودعاء. اهـ المجموع جـ ١ ص ٧٥.
وقال الإمام البخاري ﵀ في صحيحه جـ ٩ ص ٦١٠ بنسخة الفتح: قال أبو العالية: صلاة الله ثناؤه عليه عند ملائكته، وصلاة الملائكة الدعاء.
وقال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في جامعه جـ ٢ ص ٦١٠ - بشرح تحفة الأحوذي-: وروي عن سفيان الثوري، وغير واحد من
[ ١ / ١٦٨ ]
أهل العلم، قالوا: صلاة الرب: الرحمة، وصلاة الملائكة: الاستغفار اهـ، قال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره جـ ٣ ص ٥٠٣: وقد يقال: لا منافاة بين القولين والله أعلم.
وقد رد العلامة ابن القيم ﵀ على من فسر الصلاة بالرحمة، وبالغ في ذلك في كتابه "جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام" فراجعه ص ٨٣ - ٩١.
(على سيدنا) متعلق بصَلَّى، قال الفيومي ﵀: وسيد القوم رئيسهم، وكرمهم، والسيد المالك، وأصله سَويد، وزان كَريم، فاستثقلت الكسرة على الواو، فحذفت، فاجتمعت الواو وهي ساكنة، والياء، فقلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء، وقيل: أصله فَيْعل -بسكون الياء، وكسر العين- وهو مذهب البصريين، والأصل سَيْود، وقيل: بفتح العين، وهو مذهب الكوفيين، لأنه لا يوجد فَيْعل بكسر العين في الصحيح، إلا صَيقل اسم امرأة، والعَليل محمول على الصحيح، فتعين الفتح قياسا على عَيطَل، وكذلك ما أشبهه (^١).
وقال النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن السيد يطلق على الذي يفوق قومه، ويرتفع قدره عليهم، ويطلق على الزعيم والفاضل، ويطلق على الحليم الذي لا يستفزُّه غضبه، ويطلق على الكريم، وعلى المالك، وعلى الزوج، وقد جاءت أحاديث كثيرة بإطلاق السيد على أهل الفضل.
فمن ذلك ما رويناه في صحيح البخاري عن أبي بكرة ﵁: أن النبي - ﷺ - صعد بالحسن بن علي ﵄ المنبر، فقال: "إن ابني هذا سيد، ولعل الله تعالى أن يصلح به بين فئتين من المسلمين"
_________________
(١) المصباحُ في مادة "جود" و"سود".
[ ١ / ١٦٩ ]
وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله - ﷺ - قال للأنصار لما أقبل سعد بن معاذ ﵁: "قوموا إلى سيدكم" وروينا في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁: أن سعد بن عبادة قال: يا رسول الله، أرأيت الرجل يجد مع امرأته رجلًا أيقتله؟ .. الحديث. فقال رسول الله - ﷺ -: "انظروا إلى ما يقول سيدكم".
وأما ما في سنن أبي داود بالإسناد الصحيح عن بريدة ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تقولوا للمنافق سيد، فإنه إن يك سيدا، فقد أسخطتم ربكم ﷿" فيجمع بينه وبين هذه الأحاديث أنه لا بأس بإطلاق فلان سيد، ويا سيدي وشبه ذلك إذا كان المسوَّد فاضلا خيِّرًا، إما بعلم، وإما بصلاح، وإما بغير ذلك، وإن كانا فاسقًا أو متهما في دينه، أو نحو ذلك كره أن يقال له: سيد. اهـ كلام النووى في أذكاره بتغيير يسير ص ٣٢١ - ٣٢٢.
وقال العلامة ابن القيم ﵀ في بدائع الفوائد:
اختلف الناس في جواز إطلاق السيد على البشر، فمنعه قوم، ونقل عن مالك، واحتجوا بقول النبي - ﷺ - لما قيل له: يا سيدنا، قال: "السيد الله ﵎". وجوزه قوم، واحتجوا بقول النبي - ﷺ - للأنصار: "قوموا إلى سيدكم"، وهذا أصح من الحديث الأول. قال هؤلاء: السيد أحَدُ ما يضاف إليه، فلا يقال للتميمي سيد كندة، ولا يقال: المَلَكُ سيد البشر، قال: وعلى هذا فلا يجوز أن يطلق على الله هذا الاسم، وهذا فيه نظر، فإن السيد إذا أطلق عليه تعالى فهو في منزلة المالك، والمولى، والرب، لا بمعنى الذي يطلق على المخلوق. انتهى. انظر فتح المجيد شرح كتاب التوحيد للشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ ص ٧٣٨ - ٧٣٩.
[ ١ / ١٧٠ ]
قال الجامع عفا الله عنه: والصواب أن لفظ "السيد" يجوز إطلاقه على الله تعالى، لحديث أبي داود المذكور، وهو حديث صحيح، ويجوز إطلاقه على المخلوق إذا لم يكن فاسقا، للأحاديث المتقدمة في
كلام النووي.
وأما نهيه - ﷺ - عن قولهم "يا سيدنا" فهو من باب التحذير عن الغُلُوّ في المدح، فالحديث صريح في ذلك، فقد أخرج أبو داود بسند جيد، وصححه غير واحد -كما قال في الفتح جـ ٥ ص ١٧٩ - عن عبد الله بن الشِّخِّير ﵁، قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله - ﷺ -، فقلنا: أنت سيدنا، فقال: "السيد الله ﵎" قلنا: وأفضلنا فضلا، وأعظمنا طولا، فقال: "قولوا بقولكم" أو "بعض قولكم، ولا يَستَجْريَنَّكم الشيطان" (^١).
(محمَّد) هو علم نبينا - ﷺ -، وهو أشرف أسمائه، منقول من اسم مفعول حُمِّدَ، وهو يتضمن الثناء على المحمود، وإجلاله وتعظيمه ومحبته، وهو عَلَم وصفة اجتمع فيه الأمران في حقه - ﷺ -، وإن كان علما محضا في حق غيره. وهذا شأن أسماء الله تعالى، وأسماء كتبه، وأسماء نبيه - ﷺ - هي أعلام دالة على معان هي أوصاف، فلا تضاد فيها العلميةُ الوصفيةَ، فهو - ﷺ - محمود عند الله، وعند ملائكته، وعند إخوانه من المرسلين، وعند أهل الأرض كلهم، وإن كفر به بعضهم عنادا، وقد اختص من مسمى الحمد بما لم يجتمع لغيره، فإنه محمَّد، وأحمد، وأمته الحامدون، وصلاته مفتتحة بالحمد، وخطبته مفتتحة بالحمد، وكتابه مفتتح بالحمد، وبيده لواء الحمد يوم القيامة، وهو صاحب المقام المحمود الذي يغبطه فيه الأولون والآخرون. وقد أجاد في
_________________
(١) أي لا يستتبعنكم، فيتخذكم جريَّهُ، أي وكيله، وسمي الوكيل جريًا، لأنه يجري مَجْرَى موكله. أفاده في السان.
[ ١ / ١٧١ ]
هذا الباب العلامة ابن القيم ﵀ فأفاد. انظر جلاء الأفهام ص ٩٢ - ١٠٨.
(وآله) اختلف في أصله، فقيل: أهل، قلبت الهاء همزة ثم سهلت، ولهذا إذا صغر رد إلى الأصل، فقالوا: أهيل، وقيل: أصله أوَل، من آل يؤول: إذا رجع، سمي بذلك من يؤول إلى الشخص، ويضاف إليه، ولا يضاف إلا إلى معظم، فلا يقال: آل الحجام، ولا آل الإسكاف، بخلاف أهل، ولا يضاف أيضا إلى غير العاقل، ولا إلى الضمير عند أكثر، وجوزه بعضهم بقلة.
واختلف في المراد بالآل هنا، فقيل: من حرمت عليه الصدقة، وهو نص الشافعي ﵀، واختاره الجمهور، ورجحه السخاوي، قال: ويؤيده قوله - ﷺ -: "إنا آل محمَّد لا تحل لنا الصدقة" وقوله: "إن هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد، ولا لآل محمَّد"، وقال أحمد ﵀: المراد في حديث التشهد أهل بيته.
وقيل: المراد أزواجه وذريته، وقيل: ذرية فاطمة، وقيل: جميع قريش، وقيل: جميع أمة الإجابة. قال ابن العربي ﵀: مال إلى ذلك مالك، واختاره الأزهري، وحكاه أبو الطيب الطبري عن بعض الشافعية، ورجحه النووي في شرح مسلم، وقيده القاضي حسين والراغب بالأتقياء منهم، وعليه يحمل كلام من أطلق، ويؤيده قوله تعالى: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: آية ٣٤]، أفاده الحافظ السخاوي ﵀ في القول البديع ص ٨٨ - ٨٩.
(وسلم) أي عليه. فمتعلقه محذوف بدليل ما قبله، قال الحافظ السخاوي رحمه الله تعالى: واختلف في معنى السلام، فقيل: السلام الذي هو اسم من أسماء الله تعالى عليك، وتأويله لا خلوت من
[ ١ / ١٧٢ ]
الخيرات، والبركلات، وسلمت من المكاره، والآفات، إذ كان اسم الله إنما يذكر توقعا لاجتماع معاني الخير والبركة فيها، وانتفاء عوارض الخلل والفساد عنها، ويحتمل أن يكون بمعنى السلام، أي ليكن قضاء الله عليك السلام، وهو السلامة كالَمقَام والمَقَامة، والمَلام والمَلامة، أي يسلمك الله من الملام والنقائص. فهذا قلت: اللهم سلم على محمَّد، فإنما تريد به: اللهم اكتب لمحمد في دعوته، وأمته، وذكره السلامة من كل نقص، فتزداد دعوته على ممر الأيام علوّا، وأمته، تكاثرا، وذكره ارتفاعا. قاله البيهقي. انتهى، القول البديع في الصلاة والسلام على الحبيب الشفيع ص ٧٥.
وسيأتي مزيد بسط، وتحقيق لمعنى الصلاة والسلام على النبي - ﷺ - وما يتعلق بذلك في كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى.
(قَالَ الشَّيْخُ العَالمُ الرَّبَّانِّي الرُّحْلَةُ الحَافظُ الحُجَّةُ الصَّمَدانيُّ، أبو عَبْد الرَّحمَن أحْمَدُ بْنُ شُعَيْب بْن عَلىِّ بْن بَحْر النَّسائيُّ رَحمَهُ اللهُ تَعَالى)
الظاهر أن هذه العبارة ليست للمصنف، وإنما هي ممن روى الكتاب عنه، أو ممن بعدهم.
(الشيخ) ومثله الشّيخُونُ: من استبانت فيه السنن، أو من خمسين أو إحدى وخمسين إلى آخر عمره، أو إلى الثمانين. جمعه: شُيُوخ -بالضم- وشِيُوخ -بالكسر- وأشياخ، وشِيَخَةٌ -كعنبة-، وشِيْخةٌ، بكسر فسكون، وشيخان -بالكسر- ومَشْيخَة -بالفتح- ومِشيخة -بالكسر- ومَشيُخاء، ومشيُخاء، ومشايخ. وتصغيره: شُييخ -بالضم- وشييخ -بالكسر- وشُويخ قليلة. اهـ "ق".
قال بعضهم: الشيخ في الأصل ضد الشاب، ثم استعير للأستاذ، أو للمرشد، لعلاقة التشبيه في العظمة. اهـ.
[ ١ / ١٧٣ ]
(الإمام) قال الفيومي ﵀: الإمام: العالم المقتدى به، ومن يؤتم به في الصلاة، ويطلق على الذكر والأنثى، قال بعضهم: وربما أنت إمام الصلاة بالهاء، فقيل: امرأة إمامة، وقال بعضهم: الهاء فيها خطأ، والصواب حذفها؛ لأن الإمام اسم لا صفة، اهـ المصباح جـ ١ ص ٢٣.
وفي "ق" وشرحه: الإمام بالكسر: كل ما ائتمَّ به قوم، من رئيس أو غيره، جمعه: إمام بلفظ الواحد، وأيمة بقلب الهمزة ياء لثقلها، وأئمة بهمزتين شاذ. اهـ.
والمراد به هنا: العالم الذي يُقتَدَى به في العلم.
(العالم) أي المتصف بالعلم، وهو كما في المصباح: اليقين، يقال: علم يعلَم: إذا تيقَّن.
(الرباني) قال في "ق" وشرحه: الرباني: العالم المُعَلّم الذي يَغذُو الناس بصغار العلوم قبل كبارها. وقال محمَّد ابن الحنفية لما مات عبد الله ابن عباس ﵄: مات اليوم رباني هذه الأمة. وروي عن علي رضي الله أنه قال: الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهَمَجٌ (^١) رعاع (^٢) أتباع كل ناعق (^٣)، والرباني: العالم الراسخ في العلم والدين، أو العالم العامل المعلم، أو العالي الدرجة في العلم. وقيل: الرباني: المُتَألِّه العارف بالله تعالى، منسوب إلى الربَّان، وفعلان يُبنَى من فعل مكسور العين كثيرًا، كعطشان، وسكران،
_________________
(١) الهمج: ذباب صغير كالبعوض يقع على وجوه الدواب، الواحدة همجة، مثل قصب وقصبة، وقيل: هو دود يتفقأ عن ذباب وبعوض. ويقال للرَّعاع: همج على التشبيه. اهـ المصباح.
(٢) الرعاع بالفتح: السِّفْلَة من الناس، ويقال: هم أخلاط الناس. اهـ المصباح.
(٣) اسم فاعل من نَعَقَ يَنعق، من باب ضرب: إذا صاح.
[ ١ / ١٧٤ ]
ومن فَعَلَ مفتوح العين قليلًا، كَنعْسان، أو منسوب إلى الرب، أي الله ﷾، بزيادة الألف والنون للمبالغة. وقال سيبويه: زادوا ألفا، ونونا في الرباني، إذا أرادوا تخصيصا بعلم الرب، دون غيره، كأن معناه صاحب علم الرب دون غيره من العلوم، ونونه كلحْياني، وشَعْراني، ورَقَبَاني: إذا خُصَّ بطول اللحية، وكثرة الشَّعَر، وغلظ الرَّقبة، فهذا نسبوا إلى الشعر قالوا: شَعَري، وإلى الرقبة قالوا: رقبي، وإلى اللحية، قالوا: لحْييّ. والرباني: الموصوف بعلم الرب، وفي التنزيل: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩]. اهـ ببعض اختصار جـ ١ ص٢٦٠.
وقال البخاري ﵀ في كتاب العلم من صحيحه تعليقا: وقال ابن عباس ﵁: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ حلماء فقهاء.
(الرُّحْلة) -بالضم- أي العالم الكبير الذي يُرحل إليه لجاهه، أو علمه، قاله في "تاج". وفي المصباح: وقال أبو زيد: الرِّحلة -بالكسر- اسم من الارتحال، والرُّحلة -بالضم-: الشيء الذي يرحل إليه، يقال: قَرُبت رحْلَتنا -بالكسر- أنت رُحلتنا -بالضم- أي المقصد الذي يقصد. اهـ ج ١ ص ٢٢٢.
والمراد به هنا: العالم الذي ترحل إليه طلبة العلم من أقطار الأرض لأخذ العلوم منه.
(الحافظ) اسم فاعل من حَفظَ، من باب عَلمَ، يقال: حفظت المال، وغيره، حفظا: إذا منعته من الضياع، والتلف، وحفظته: صنته عن الابتذال. قاله في المصباح جـ ١ ص ١٤٢.
والحافظ من الألقاب التي يطلقها المحدثون على العلماء بالحديث، وقد بينه الحافظ أبو الحجاج المزي ﵀، لما سئل عن الحد الذي إذا
[ ١ / ١٧٥ ]
انتهى إليه جاز أن يطلق عليه لفظ الحافظ، فقال: أقل ما يكون أن يكون الرجال الذين يعرفهم، ويعرف تراجمهم، وأحوالهم وبلدانهم أكثر من الذين لا يعرفهم، ليكون الحكم للغالب اهـ.
ودونه المُحَدث، ودون المحدث المُسندُ -بكسر النون- وفوق الكل أمير المؤمنين، إذ هو لقب لم يَظفَر به إلا الأفذاذ النوادر الذين هم أئمة هذا الشأن، كشعبة، والثوري، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، والبخاري، والدارقطني، ومن المتأخرين كالحافظ ابن حجر، وأضرابهم، إلى هذا أشار الحافظ السيوطي ﵀ في ألفية المصطلح، حيث قال:
وذَا الحَديث وَصَفُوا فاختَصَّا … بحَافظ كَذا الخطيبُ نَصَّا
وهو الذي إليه في التَّصحيحِ … يُرجعُ والتَّعْديل والتَّجْريحِ
أنْ يحفَظَ السُّنةَ ما صحَّ وَمَا … يَدري الأسَانيدَ ومَا قَد وَهمَا
فيه الرواةُ زائدًا أو مُدرَجَا … ومَا به الإعلالُ فيها نُهِجَا
يَدري اصطلاح القَوم والتَّمَيُّزَا … بينَ مَراتب الرِّجال مَيَّزَا
في ثقة والضُّعْف والطِّبَاق … كَذَا الخطيب حَدَّ للإطلاقِ
وصرَّحَ المزيُّ أنْ يكونَ مَا … يَفُوتُه أقلَّ ممَّا عَلِمَا
ودونَهُ مُحدِّثٌ أنْ تُبْصرَه … من ذاكَ يَحْوي جُمَلا مُسْتَكْثَرَه
ومَن على سَمَاعه المجرَّد … مُقتصرٌ لا علمَ سمْ بالمُسْندِ
وبأمير المؤمنين لقَّبُوا … أئمةَ الحَديث قدما نَسَبُوا
(الحُجة) -بالضم- هو في الأصل: الدليل، والبرهان، والجمع حُجَج، مثل غُرفة، وغُرَف، أي العالم الذي يجعل حجة وبرهانا في الحديث لطلاب الحديث.
[ ١ / ١٧٦ ]
(الصمداني) أي المنسوب إلى الصَّمَد، وهو الله تعالى، انتساب الطالب إلى المطلوب؛ لأن الصمد من معانيه الذي يُصمد إليه في الحوائج، أي يقصد، وقيل: السيد المطاع الذي لا يُقضَى دونه أمر. وقيل: الذي لا يَطعَم، وقيل: السيد الذي قد انتهى سؤدده. اهـ "ق" و"تاج" جـ ٢ ص ٤٠١.
(أبو عبد الرحمن) بالرفع بدل من الشيخ، أو خبر لمبتدإ محذوف، تقديره: هو (أحمد) بالرفع بدل عن مما قبله، أو خبر لمحذوف، ويحتمل النصب مفعولا لفعل محذوف، أي أعني (بن شعيب بن علي ابن بحر) "بن" صفة لأحمد، أو بدل، أو عطف بيان، ويحتمل قطعه، كسابقه (النسائي) يحتمل الرفع، والنصب كسابقه (﵀ تعال) جملة دعائية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ومقول "قال" قوله: "تأويل قول الله ﷿" إلخ.
[ ١ / ١٧٧ ]