قد كتب محقق عمل اليوم والليلة في هذا الموضح كلاما نفيسا يتلخص فيما يلي: كان قصد النسائي رحمه الله تعالى في سننه جمع ما ثبت عن رسول الله - ﷺ - مما يمكن أن يستدل به الفقهاء، ولكنه لم ينس نفسه كمحدث بحت، بل جمع بين الفقه والحديث، وسار على الطريقة التي تجمع بين الاستدلال والإسناد، ورتب الأحاديث على الأبواب، ووضع لها عناوين تبلغ من الدقة منزلة بعيدة، ومن التفصيل سعة كبيرة وسلك
[ ١ / ٣٤ ]
طريقة جمع الأسانيد في مكان واحد كصنيع الإمام مسلم بن الحجاج ليبرز ما فيها فكان في حقيقة الأمر جامعا بين طريقتي البخاري ومسلم، ومن هنا جاء تفضيل من فضل مسلما على البخاري لأن البخاري يفرق الحديث الواحد في أماكن متعددة، وفي غير مظانه بما يعسر الكشف عنه، ولا يبرز الفوائد والإسنادية، والعلل الحديثية، ومسلم بعكسه يسوق الحديث سردًا دون تبويب.
فالجانب الفقهي في سننه يتجلى من خلال النقاط التالية:
منها: أنه يكثر التفريعات والتفصيلات في الباب الواحد بحثا عن السنن حتى إن القارئ ليشعر أنه يتناول كتابا يخرج للفقهاء آراءهم، ويبين مستندهم، حتى في أدق الأشياء، فخذ مثلا كتاب السهو تجد أبوابه كالتالي: التكبير إذا قام من الركعتين، باب رفع اليدين في القيام إلى الركعتين الأخريين، باب رفع اليدين للقيام إلى الركعتين الأخريين حَذْوَ المنكبين، باب رفع اليدين وحمد الله، والثناء عليه في الصلاة، باب السلام بالأيدي في الصلاة، باب رد السلام بالإشارة في الصلاة، النهي عن مسح الحصى في الصلاة، باب الرخصة فيه مرة، النهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة .. الخ.
وهكذا فإنك تعيش مع تفريعات الفقهاء، ودقائقهم، وهذا ما دعاه إلى تكرير الحديث عدة مرات أحيانا، وعلى سبيل المثال فقد كرر حديث النية ست عشرة مرة، حتى قيل: إنه أكثر الكتب تكرارًا للأحاديث.
قال الجامع عفا الله عنه: في هذا الكلام نظر لا يخفى، بل البخاري، أكثر تكرارا، والله أعلم.
ومنها: أنه ما أخلى كتابه من النقل عن الفقهاء، وإن كان ذلك قليلًا
[ ١ / ٣٥ ]
كما في ٨/ ٣١٥ حيث ينقل عن مسروق فتوى في الهدية، والرشوة، وفي شرب الخمرة، وكما في ٨/ ٣٣٤ حيث ينقل عن إبراهيم النخعي وغيره، وفعل ذلك في مواضع أخر من كتابه.
ومنها: أنه يقتصر في أحيان كثيرة على موضع الشاهد من الحديث، وهي نزعة إلى الفقه أقرب منها إلى الحديث.
ومنها: أنه يسوق الأحاديث المتعارضة في الباب إذا صحت عنده ليقيم الدليل على صحة العملين كما فعل في الأسفار بالفجر، والتغليس به، انظر ١/ ٢٧١ وكما في قراءة البسملة، وترك قراءتها، انظر ١/ ١٣٤، وهما مسألتان شغلتا فقهاء الشافعية والحنفية، وغيرهما زمنا طويلا، وسودت فيها دواوين، ومصنفات كثيرة حتى يومنا هذا.
ومنها: أنه ينقل لنا صورة كتب فقهية في بعض الموضوعات مثل المزارعة، والشركات والتدبير، والمكاتبة، وغيرها، بعيدة تماما عن المنهج الحديثي، وهي عمل فقهي محض. من ذلك مثلا: قوله: قال أبو عبد الرحمن: كتابة مزارعة على أن البذر والنفقة على صاحب الأرض، وللمزارع ربع ما يخرج الله ﷿ منها. هذا كتاب كتبه فلان بن فلان بن فلان في صحة منه، وفي جواز أمر، لفلان بن فلان إنك دفعت إليَّ جميع أرضك التي بموضع كذا في مدينة كذا مزارعة، هي .. وساق تتمته في صفحتين كبيرتين على الطريقة الفقهية الدقيقة، انظر ٧/ ٥٢، كما أنه تحدث عن أنواع الشركات: العنَان، والمفاوضات، والأبدان ودَوَّن لنا صورة عقود كتابة هذه الشركات، ثم دَوَّن لنا عقد التفريق بين الزوجين، وصورة عقد كتابة المملوك، وتدبيره، وعتقه، وهي فوائد عظيمة تشكل معالم هادية أمام تطور الفقه الإسلامي.
[ ١ / ٣٦ ]
وبالجملة فسننه سفر عظيم جمع معظم ما يتعلق بالحياة الدينية والدنيوية.
وأما الجانب الحديثى فيتجلى في الأمور التالية:
منها: أنه يعتني ببيان الخلافات التي في الأسانيد، والمتون، فيتبين بذلك ما هو الراجح من تلك الروايات، وهذا من الفوائد المهمة للحديثي.
ومنها: نقده للمتون التي ظاهرها الصحة، وتعليله لها، فمثلا في ٣/ ٤٦ يقول: قال أبو عبد الرحمن: أنبانا قتيبة بهذا الحديث مرتين، ولعله أن يكون قد سقط عليه منه شيء. وفي ٦/ ١٧٠ يقول: هذا
خطأ، والصواب مرسل. ويكثر من هذه الصيغة في ثنايا كتابه.
ومنها: تبيينه للأسماء والكُنَى التي تلتبس في الأسانيد، وهذه قد
أكثر منها الترمذي في جامعه، وكذلك النسائي، فإنه قد ضرب فيها بحظ وافر مثلا في ٥/ ٤٩ يقول: قال أبو عبد الرحمن: أبو عمار: اسمه عَريب (^١) بن حُمَيد، وعمرو بن شرحبيل يكنى أبا ميسرة، وأمثال هذا كثير.
ومنها: محافظته على إيراد الأحاديث المسندة، فيندر أن تجد فيه معلقا، وهذا منهج الإمام مسلم، بخلاف البخاري فقد أكثر من المعلقات، والموقوفات، والمقاطيع.
ومنها: نثره للجرح والتعديل عقب الأسانيد مبينا حال بعض الرواة، ويشاركه في هذا أبو دواد، وأما الترمذي فقد أكثر منه.
ومنها: أنه استعمل كثيرا من الاصطلاحات الحديثية السائدة فيما بين المحدثين، وعقَّبَ بها على الأحاديث، ولهذا فائدة هامة جدا، إذ تعطينا
_________________
(١) بفتح العين المهملة وكسر الراء المهملة، وحميد بصيغة التصغير كما في التقريب.
[ ١ / ٣٧ ]
تصورا عن مصطلحات القوم، ومن أهم ما استعمله من ذلك: حديث منكر، غير محفوظ، ليس بثابت، حديث صحيح، محفوظ، خطأ فاحش، مرسل، مسند، إسناده حسن، وهو منكر، إلى غير ذلك.
ومما ينبغي أن يتنبه له أن النسائي جمع كتابه من أصول مكتوبة، كما
يتبين ذلك من خلال كلامه في سننه، فمثلا يقول: في كتاب النكاح الباب ٢٣، الحديث ٣٢٤٦. قال أبو عبد الرحمن: وجدت هذا الحديث في موضع: عن يزيد بن كيسان، أن جابر بن عبد الله، والصواب أبو هريرة.