أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية تقليم الأظفار.
والتقليم: مصدر قَلَّمَ مضعفا مبالغة قَلَّمَ مخففا، يقال: قلمتُ الظفرَ إذا أخذت ما طال منه، وقد تقدم تحقيقه في الباب السابق، فأرجع إليه تزدد علما، والأظفار: جمع ظفر تقدمت لغته أيضا.
١٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، قَالَ: سَمِعْتُ مَعْمَرًا، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَنَتْفُ الإِبْطِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَالاِسْتِحْدَادُ، وَالْخِتَانُ".
رجال الإسناد: ستة
١ - "محمَّد بن عبد الأعلي" الصنعاني ثم البصري، من العاشرة، تقدم في ٥/ ٥.
٢ - "المعتمر" (ع) بن سليمان التيمي أبو محمَّد البصري، يلقب بالطفيل ثقة، من كبار التاسعة، مات سنة -١٨٧ - وقد جاوز الثمانين.
وفي (صة) أحد الأعلام، نزل في تيم. عن أبيه، ومنصور، وحميد وخلق. وعنه ابن المبارك، وابن مهدي، وعفان، وخلق.
[ ١ / ٣٥٢ ]
وثقه أبو حاتم، وقال ابن خراش: إذا حدث من كتابه فهو ثقة. قال الخطيب: حدث عنه الثوري، والحسن بن عرفة، وبين وفاتيهما ٩٦ سنة. قال محمَّد بن محبوب: مات سنة ١٨٧.
٣ - "معمر" (ع) بن راشد الأزدي مولاهم أبو عروة البصري نزيل اليمن ثقة ثبت فاضل إلا أن في روايته عن ثابت، والأعمش، وهشام بن عروة شيئا، وكذا فيما حدث به بالبصرة، من كبار السابعة، مات سنة ١٥٤ وهو ابن ٥٨ سنة. وفي (صة) معمر بن راشد الأزدى مولى مولاهم عبد السلام بن عبد القدوس، أبو عروة البصري ثم اليماني، أحد الأعلام. عن الزهري، وهمام بن منبه، وقتادة، وخلق. وعنه أيوب من شيوخه، والثوري من أقرانه، وابن المبارك، وخلق. قال العجلي: ثقة صالح. وقال النسائي: ثقة مأمون. وضعفه ابن معين في ثابت. توفى سنة ١٥٣.
٤ - "الزهري" محمَّد بن مسلم الحجة ثقة حافظ رأس الطبقة الرابعة ت ١٢٥ تقدم في ١/ ١.
٥ - "سعيد بن المسيب" بن حزن القرشي المخزومي المدني من كبار الثانية، تقدم في ٩/ ٩.
٦ - "أبو هريرة" الدوسي الصحابي الجليل تقدم في ١/ ١.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسياته.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات، نصفهم الأول بصريون، والباقون مدنيون، وأن شيخه ممن أخرج له (م مد ت س ق)، والباقون ممن اتفقوا على تخريج أحاديثهم. وباقي اللطائف تقدم في ٩/ ٩.
[ ١ / ٣٥٣ ]
شرح الحديث
"عن أبي هريرة" رضي الله تعالى عنه، أنه "قال: قال رسول الله - ﷺ -: خمس" مبتدأ سوغه كونه صفة لمحذوف، أي خصال خمس، أو موصوفًا بمحذوف، أي خمس من الخصال "من الفطرة" خبر المبتدإ، قال العلامة ابن دقيق العيد: ﵀: قال أبو عبد الله محمَّد بن جعفر التميمي المعروف بالقزاز في كتاب تفسير غريب صحيح البخاري: الفطرة: تتصرف في كلام العرب على وجوه أذكرها لنَرُدَّ هذا إلى أولاها به: فأحدها فطرة الخلق، فَطَرَه: أنشاه، والله فاطر السموات والأرض، أي خالقهما، والفطرة: الجبلة التي خلق الله الناس عليها، وجبلهم على فعلها، وفي الحديث: "كل مولود يولد على الفطرة" قال قوم من أهل اللغة: فطرة الله التي فطر الناس عليها، أي خَلْقه لهم، وقيل معنى قوله: "على الفطرة" أي على الإقرار بالله الذي كان أقر به لما أخرجه من ظهر آدم، والفطرة: زكاة الفطر (^١)
وأولى الوجوه بما ذكرنا أن تكون الفطرة ما جبل الله الخلق عليه، وجبل طباعهم على فعله، وهي كراهة ما في جسده مما هو ليس من زينته وقد قال غير القزاز: الفطرة هي السنة. اهـ كلام ابن دقيق العيد في إحكامه جـ ١/ ص ٣٣٧ - ٣٣٩.
قال الجامع: تقدم تحقيق معناها في الباب السابق، فأرجع إليه تزدد علما.
ثم فصل الخصال بقوله: "قص الشارب" أي قطع الشعر الثابت على الشفة العليا، وتقدم تفسير القص، والشارب في الباب السابق، ويأتي أيضا. "ونتف الإبط" أي نزع الشعر الثابت تحت الجَنَاح. وتقدم في
_________________
(١) قوله زكاة الفطر: اعترض الصنعاني على هذا بأنه معنى شرعي لا لغوي فلا يحسن عدُّه من معاني الفطرة اللغوية، انظر العدة ١/ ٣٣٩.
[ ١ / ٣٥٤ ]
٩/ ٩ ضبط هذين اللفظين وتفسيرهما، ويأتي أيضا في ١١/ ١١.
"وتقليم الأظفار" أي قطع ما طال منها، وهو تفعيل من القلم وهو القطع. قال الحافظ: وفي حديث عائشة، وأنس: قص الأظفار. والتقليم أعم، والمراد إزالة ما يزيد على ما يلابس رأس الأصبع من الظفر، لأن الوسخ يجتمع فيه، فيستقذر، وقد ينتهي إلى حد يمنع من وصول الماء إلى ما يجب غسله في الطهارة، وقد حكى أصحاب الشافعي فيه وجهين، فقطع المتولي بأن الوضوء حينئذ لا يصح، وقطع الغزالي في الإحياء. بأنه يعفى عن مثل ذلك، واحتج بأن غالب الأعراب لا يتعاهدون ذلك، ومع ذلك لم يرد في شيء من الآثار أمرهم بإعادة الصلاة، وهو ظاهر، لكن قد يعلق بالظفر إذا طال النجو لمن استنجى بإلماء ولم يمعن غسله، فيكون إذا صلى حاملا للنجاسة. وقد أخرج البيهقي في الشعب من طريق قيس بن أبي حازم: قال "صلى النبيُّ - ﷺ - صلاةً فأوْهَم فيها، فسُئل؟ فقال: مالي لا أوهمُ، ورُفْغُ أحدكم بين ظفره وأنملته". ورجاله ثقات مع إرساله، وقد وصله الطبراني من وجه آخر، والرفع بضم الراء وفتحها وسكون الفاء بعدها غين معجمة، يجمع على أرفاغ، وهي مغابن الجسد كالإبط، وما بين الأنثيين، والفخذين، وكل موضع يجتمع فيه الوسخ فهو من تسمية الشيء باسم ما جاوره، والتقدير وسخ رفغ أحدكم، والمعنى أنكم لا تقلمون أظفاركم ثم تحكون بها أرفاغكم فيتعلق بها ما في الأرفاغ من الأوساخ المجتمعة. قال أبو عبيد: أنكر عليهم طول الأظفار، وترك قصها.
قال الحافظ ﵀: وفيه إشارة إلى الندب إلى تنظيف المغابن كلها، ويستحب الاستقصاء في إزالتها إلى حد لا يدخل منه ضرر على الأصبع، واستحب أحمد للمسافر أن يبقي شيئا لحاجته إلى الاستعانة
بذلك غالبا. اهـ فتح جـ ٢٢/ ص ١١٢.
[ ١ / ٣٥٥ ]
"والاستحداد" بالحاء المهملة، استفعال من الحديد، والمراد به استعمال المُوسَى في حلق الشعر من مكان مخصوص من الجسد، قيل: وفي التعبير بهذه اللفظة مشروعية الكناية عما يستحيى منه إذا حصل الإفهام بها، وأغنى عن التصريح، قال الحافظ: والذي يظهر أن ذلك من تصرفات الرواة، فقد وقع في رواية النسائي في حديث أبي هريرة هذا: التعبير بحلق العانة، وكذا في حديث عائشة، وأنس عند مسلم.
قال الجامع: وسيأتي تمام البحث عنه حيث يفرده المصنف بباب بعد الباب الآتي إن شاء الله تعالى.
"والختان" بكسر الخاء المعجمة وتخفيف المثناة: اسم من الخَتْن، يقال: خَتَنَ الخاتن الصبيَّ خَتْنًا من باب ضرب، وقد يؤنث الختان بالهاء، فيقال: ختانة فالغلام مختون، والجارية مختونة، وغلام وجارية ختين أيضا، كما يقال: فيهما قتيل وجريح. اهـ المصباح.
وقال الحافظ: والختن يفتح ثم سكون: قطع بعض مخصوص من عضو مخصوص، والختان اسم لفعل الخاتن، ولموضع الختان أيضا كما في حديث عائشة: "إذا التقى الختانان" والأول هو المراد هنا. اهـ فتح جـ ٢٢/ ص ١٠٥.
قال الجامع: قد تقدم تمام البحث فيه في ٩/ ٩ فأرجع إليه تزدد علمًا.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
قال الجامع عفا الله منه: أما درجته، وبيان مواضعه من هذا الكتاب، وذكر من أخرجه من أصحاب الأصول وغيرهم، فقد تقدم في الباب السابق ٩/ ٩ فلا حاجة إلى إعادته. فلنذكر بقية المسائل:
"المسألة الأولى" أنه يستفاد من هذا الحديث العناية بإزالة ما طال من
[ ١ / ٣٥٦ ]
الظفر لئلا يمنع من تكميل الطهارة وتحسينا للهيئة؛ لأنه إذا طال ظفره يكون مشوه الخلق مشابها للحيوانات. وقد خلق الله الإنسان في أحسن صورة، وأجمل تركيب كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: آية ٤]، فينبغي المحافظة على هذه الصورة التي أحسن الله خلقها بإزالة ما أمر الشارع بإزالته، وإبقاء ما أمر بإبقائه، ولقد استحوذ الشيطان على بعض الناس فزين لهم مخالفة أمر الله تعالى فيُطَوِّلُونَ أظفارهم، ويحلقون لحاهم، ويوفرون شواربهم، وهذا خروج عن هدي رسول الله - ﷺ -، وطاعةٌ للشيطان، ومشابهة لأعداء الإسلام، نسأل الله تعالى أن يهدينا الصراط المستقيم، ويأخذ بأيدي إخواننا فيردهم إليه بمنه وكرمه. آمين.
"المسألة الثانية" في كيفية قص الأصابع:
قال الحافظ ﵀: لم يثبت في ترتيب الأصابع عند القص شيء من الأحاديث لكن جزم النووي في شرح مسلم بأنه يستحب البداءة بمسبحة اليمنى، ثم الوسطى، ثم البنصر، ثم الخنصر، ثم الإبهام. وفي اليسرى البداءة بخنصرها إلى الإبهام، ويبدأ في الرجلين بخنصر اليمنى إلى الإبهام، وفي اليسرى بإبهامها إلى الخنصر، ولم يذكر للاستحباب مُستَنَدًا، وقال في شرح المهذب بعد أن نقل عن الغزالي: وأن المازَري اشتد إنكاره عليه فيه: لا بأس بما قاله الغزالي إلا في تأخير إبهام اليد اليمنى، فالأوْلى أن تقدم اليمنى بكمالها على اليسرى، قال: وأما الحديث الذي ذكره الغزالي فلا أصل له.
وقال ابن دقيق العيد: يحتاج من ادعى استحباب تقديم اليد على الرجل في القص إلى دليل، فإن الإطلاق يأبى ذلك. قال الحافظ: يمكن أن يؤخذ بالقياس على الوضوء، والجامع التنظيف، وتوجيه
[ ١ / ٣٥٧ ]
البداءة باليمنى لحديث عائشة: "كان يعجبه التيمن في طهوره وترجله، وفي شأنه كله" والبداءة بالمسبحة منها لكونها أشرف الأصابع لأنها آلة التشهد، وأما إتباعها بالوسطى فلأن غالب من يقلم أظفاره يقلمها من قبل ظهر الكف فتكون الوسطى جهة يمينه فيستمر إلى أن يختم بالخنصر، ثم يكمل اليد بقص الإبهام، وأما في اليسرى فهذا بدأ بالخنصر لزم أن يستمر على جهة اليمين إلى الإبهام إلى آخر ما قاله الحافظ في الفتح جـ ٢٢/ ص ١١٣.
قال: وقد أنكر ابن دقيق العيد الهيئة التي ذكرها الغزالي ومن تبعه، وقال كل ذلك لا أصل له، وإحداث استحباب لا دليل عليه، وهو قبيح عندي بالعالم، ولو تخيل متخيل أن البداءة بمسبحة اليمنى من أجل شرفها، فبقية الهيئة لا يتخيل فيه ذلك، نعم البداءة بيمنى اليدين ويكنى الرجلين له أصل، وهو: "كان يعجبه التيامن".
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله العلامة ابن دقيق العيد ﵀ هو التحقيق الذي لا يقتضي الدليل سواه؛ لأن الشارع أطلق في ذلك فتقييد إطلاقه بما لا يقتضيه نص آخر مما لا ينبغي؛ لأن للشارع في إطلاق الأمر أحيانا حكمة كما له في تقييدها في بعض الأحيان حكمة، فالإنسان هنا مخير في فعل ما يسهل عليه، إلا أن اليمين له شرف كما دل عليه حديث عائشة ﵂ وغيره، فبداءته بيمنى اليدين والرجلين مستحب. وما عدا ذلك من الكيفيات التي ذكرها الغزالي، والنووي، والعراقي، وأيدها الحافظ فمما لا ينبغي الالتفات إليه. حيث لا مستند لهم في ذلك من النصوص. والله أعلم.
وكذلك ما ذكره الدمياطي أنه تَلَقَّى عن بعض المشايخ أن من قص أظفاره مخالفا لم يصبه رَمَد، وأنه جرب ذلك مدة طويلة، وأن أحمد
[ ١ / ٣٥٨ ]
نص على استحباب قصها مخالفا كما نقل هذا كله في الفتح لا ينبغي الالتفات إليه؛ لأنه لا أثارة من علم عليه، فالتجربة لا تكون مستندًا لتشريع الأحكام، بل العمدة في ذلك هو النقل عمن لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. نسأل الله تعالى أن يسلك بنا سبيل الهداية والاتباع ويجنبنا الزيغ بالابتداع. إنه ولي ذلك. آمين
"المسألة الثالثة" قال الحافظ ﵀: ولم يثبت أيضا في استحباب قص الظفر يوم الخميس حديث، وقد أخرجه المستغفري بسند مجهول، ورويناه في مسلسلات التيمي من طريقه، وأقرب ما وقفت عليه في ذلك ما أخرجه البيهقي من مرسل أبي جعفر الباقر، قال: "كان رسول الله - ﷺ - يستحب أن يأخذ من أظفاره وشاربه يوم الجمعة" وله شاهد موصول عن أبي هريرة لكن سنده ضعيف أخرجه البيهقي أيضا في الشعب، وسئل أحمد عنه؟ فقال: يسن في يوم الجمعة قبل الزوال، وعنه يوم الخميس، وعنه يتخير، وهذا هو المعتمد، إنه يستحب كيف ما احتاج إليه. اهـ فتح، جـ ٢٢/ ص ١١٣.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي اعتمده الحافظ ﵀ هو التحقيق الذي لا يحتاج إلى التعليق. والله أعلم.
"المسألة الرابعة" في حكم دفن شعره وأظفاره:
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وفي سؤلات مُهَنَّا عن أحمد، قلت له يأخذ من شعره وأظفاره أيدفنه أم يلقيه؟ قال: يدفنه، قلت: بلغك فيه شيء قال: كان ابن عمر يدفنه، وروي أن النبي - ﷺ - أمر بدفن الشعر والأظفار، وقال: "لا يتلعب به سحرة بني آدم". قال الحافظ: وهذا الحديث أخرجه البيهقي، من حديث وائل بن حجر نحوه، وقد استحب أصحابنا دفنها لكونها أجزاء من الآدمي.
[ ١ / ٣٥٩ ]
قال الجامع: ما بين الحافظ درجة الحديث فيحتاج إلى إثبات صحته، فلينظر.
"المسألة الخامسة" قال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى: يخير الذي يقلم أظفاره بين أن يباشر ذلك بنفسه، وبين أن يقص له غيره، كقص الشارب سواء إذ لا هتك حرمة في ذلك، ولا ترك مروءة، قاله النووي وغيره، ولا سيما من لا يحسن قص أظفار يده اليمنى فإن كثيرا من الناس لا يتمكن من قصها لعسر استعمال اليسار، فإن الأولى في حقه أن يتولى ذلك غيره لئلا يجرح يده أو يؤذيها. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٧٩.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب".
[ ١ / ٣٦٠ ]