أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية نتف الإبط.
والنَّتْفُ: هو النَّزْع، وبابه ضَرَب، والإبط: إبْطُ الرجل والدواب، قال ابن سيده: الإبط باطن المنكب، وقال غيره: باطن الجناح. يذكر ويؤنث، والتذكير أعلى، وقال اللحياني: هو مذكر، وقد أنثه بعض العرب، والجمع آباط. وحكى الفراء عن بعض الأعراب: فرفع السوط حتي بَرَقَت إبطه. أفاده في اللسان جـ ٧/ ص ٢٥٣.
وفي المصباح: أنه مثل حمل وأحْمَال وإن بعض المتأخرين يزعم أن كسر بائه لغة وهو غير ثابت، وتأبط الشيء جعله تحت إبطه اهـ بتغيير يسير جـ ١/ ص ١.
١١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: الْخِتَانُ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَنَتْفُ الإِبْطِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَأَخْذُ الشَّارِبِ".
رجال الإسناد: خمسة
١ - "محمد بن عبد الله بن يزيد" (س ق) المقريء المكي، ثقة، من العاشرة، مات سنة ٢٥٦. وفي (صة) العدوي مولاهم أبو يحيى بن أبي عبد الرحمن المقرئ، عن ابن عيينة. ومروان بن معاوية، وعنه (س)
[ ١ / ٣٦١ ]
ووثقه، (ق). قال الدولابي: مات سنة ٢٥٠.
٢ - "سفيان" بن عيينة أبو محمَّد الأعور المكي الحجة من كبار الثامنة تقدم. في ١/ ١.
٣ - "الزهري" محمَّد بن مسلم المدني الإمام العلم الحجة الثبت الحافظ رأس الطبقة الرابعة تقدم في ١/ ١.
٤ - "سعيد بن المسيب" أحد الفقهاء السبعة الحجة من كبار الثانية تقدم في ٩/ ٩.
٥ - "أبو هريرة" الصحابي الجليل ﵁ تقدم في ١/ ١.
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسياته فهو أعلى من سند ٩/ ٩ و١٠/ ١٠.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات أجلاء، اتفق الأئمة على تخريج أحاديثهم إلا شيخه فإنه ممن انفرد به هو وابن ماجه، وأنهم ما بين مكيين، وهما شيخه وسفيان، ومدنيين، وهم الباقون.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، الزهري عن سعيد.
ومنها: أن سعيدا أحد الفقهاء السبعة كما تقدم.
ومنها: أن أبا هريرة أحد المكثرين السبعة كما تقدم.
ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبار والتحديث والعنعنة.
شرح الحديث
"عن أبي هريرة" ﵁ "عن النبي - ﷺ -" أنه "قال: خمس من الفطرة" تقدم إعرابه في الباب السابق، أي خمس خصال من السنة القديمة التي اختارها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، واتفقت عليها
[ ١ / ٣٦٢ ]
الشرائع، فكأنها أمر جبلي فُطرُوا عليها، وتقدم أن مفهوم العدد هنا غير معتبر؛ لأنه ثبت في صحيح مسلم وغيره عشر من الفطرة فتنبه.
"الخثان" بالكسر: قطع القُلْفَة التي تغطي الحشفة من الرجل، وقطع بعض الجلدة التي في أعلى فرج المرأة، وقد تقدم البحث عنه في ٩/ ٩.
"وحلق العانة" أي الشعر الثابت فوق ذكر الرجل، وقبل المرأة، وسيأتي تمام البحث فيه في ١٢/ ١٢."ونتف الإبط" أي نزع الشعر الثابت تحت المنكب، وهذا هو الذي عناه المصنف بالترجمة، ونستوفي الكلام عليه هنا بعون الله تعالى. "وتقليم الأظفار" أي قطع ما طال منها، وقد استوفينا الكلام عليه في ١٠/ ١٠. "وأخذ الشارب" أي قطع الشعر النابت على الشفة العليا، وسيأتي تمام البحث عنه في ١٣/ ١٣. إن شاء الله تعالى.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
قال الجامع عفا الله عنه: أما درجة الحديث، وبيان مواضع ذكره عند المصنف، وذكر من أخرجه من الأئمة فقد مضي في ٩/ ٩ مُستوفى فلا نطيل الكلام بتكراره، بل نذكر ما بقي من المسائل فنقول:
"المسألة الأولى" في حكم نتف الإبط:
ذهب أكثر أهل العلم إلى أن نتف الإبط سنة، وادعى بعضهم الإتفاق عليه، لكن يرد عليه خلاف أبي بكر بن العربي فإنه أوجب الخصال الخمسة، كما نقله الصنعاني في العدة جـ ١ ص ٣٥١ حيث قال وقد ذهب إلى وجوب الخمس كلها القاضي أبو بكر بن العربي فقال: والذي عندي أن الخصال الخمس المذكورة في هذا الحديث كلها واجبة، فإن المرء لو تركها لم تبق صورته على صورة الآدميين فكيف من جملة المسلمين؟ كذا قال في شرح الموطأ، واستغربه الحافظ ابن حجر، اهـ كلام الصنعاني.
[ ١ / ٣٦٣ ]
قال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى: ويتأدَّى أصل السنة بإزالته بأي وجه كان من الحلق والقص والنورة. قال الحافظ: ولا سيما من يؤلمه النتف، وقد أخرج ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي، عن يونس بن عبد الأعلى، قال: دخلت على الشافعي، ورجل يحلق إبطه، فقال: إني علمت أن السنة النتف، ولكن لا أقوى على الوجع، قال الغزالي: هو في الابتداء موجع ولكن يسهل على من اعتاده، قال: والحلق كاف لأن المقصود النظافة، وتعقب بأن الحكمة في نتفه أنه محل للرائحة الكريهة، وإنما ينشأ ذلك من الوسخ يجتمع بالعرق فيه فيتلبد، ويهيج، فشرع فيه النتف الذي يضعفه فتخف الرائحة به بخلاف الحلق، فإنه يقوي الشعر ويهيجه فتكثر الرائحة لذلك.
وقال ابن دقيق العيد: من نظر إلى اللفظ وقف مع النتف، ومن نظر إلى المعنى أجازه بكل مزيل لكن بُيِّنَ أن النتف مقصود من جهة المعنى فذكر نحو ما تقدم قال وهو معنى ظاهر لا يهمل، فإن مورد النص إذا احتمل معنى مناسبا يحتمل أن يكون مقصودا في الحكم لا يترك، والذي يقوم مقام النتف في ذلك النورة لكنه يرق الجلد فقد يتأذى صاحبه به، ولا سيما إن كان جلده رقيقا. اهـ فتح جـ ١/ ص ١١١.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر ما قاله العلامة ابن دقيق العيد من مراعات معنى مورد النص، فلا ينبغي استعمال غير النتف إلا لضرورة والله أعلم.
"المسألة الثانية" قال العلامة الشوكانى ﵀: يستحب الإبتداء بالإبط الأيمن لحديث: "كان يعجبه التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله"، وكذلك يستحب أن يبدأ في قص الشارب بالجانب الأيمن لهذا الحديث. اهـ نيل جـ ١/ ص ١٦٨.
[ ١ / ٣٦٤ ]
"المسألة الثالثة" قال الحافظ العراقي: ذكر بعض الشافعية أن النبي - ﷺ - لم يكن له شعر تحت إبطه، لحديث أنس المتفق عليه: "أنه - ﷺ - كان يرفع يديه في الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه"، وفي الصحيحين أيضا من حديث عبد الله ابن بحينة "أن النبي - ﷺ - كان إذا صَلَّى فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه" وقال الشيخ جمال الدين الإسنوي في المهمات إن بياض الإبط كان من خواصه، فورد التعبير بذلك في حقه، فأطلق على غيره ذهولا، قال: وأما إبط غيره فأسود، لما فيه من الشعر. انتهى.
وما ادعاه من كون هذا من الخصائص فيه نظر، إذ لم يثبت ذلك بوجه من الوجوه، بل لم يرد ذلك في شيء من الكتب المعتمدة، والخصائص لا تثبت بالاحتمال، ولا يلزم من ذكر أنس وغيره بياض إبطيه أن لا يكون له شعر، فإن الشعر إذا نتف بقي المكان أبيض، وإن بقي فيه آثار الشعر، ولذلك ورد في حديث عبد الله بن أقرم الخزاعي أنه صلى مع رسول الله - ﷺ - بالقاع من نمرة، فقال: "كنت انظر إلى عفرة إبطيه إذا سجد". أخرجه الترمذي وحسنه، والنسائي، وابن ماجه، فذكر الهروي في الغريبين وابن الأثير في النهاية أن العفرة بياض ليس بالناصع، ولكن كلون عفر الأرض، وهو وجهها، وهذا يدل على أن آثار الشعر هو الذي جعل المكان أعفر، وإلا فلو كان خاليا من نبات الشعر جملة لم يكن أعفر، وإطلاق بياض الإبطين في حق غيره - ﷺ - موجود في كلام جمع كثير من الفقهاء، ولا إنكار فيه؛ لأن الإبط لا تناله الشمس في السفر والحر فيغير لونه كسائر الجسد الذي لا يبدو للشمس، نعم الذي نعتقد فيه - ﷺ - أنه لم يكن لإبطه رائحة كريهة: بل كان نظيفا طيب الرائحة كما ثبت في الصحيحين من حديث أنس: "ما شممت عنبرا قط ولا مسكا، ولا شيئا أطيب من ريح رسول الله - ﷺ -"
[ ١ / ٣٦٥ ]
وفي الصحيحين أيضا أن أم أنس "كانت تجمع عرقه - ﷺ - في قارورة فتجعله في طيبها، قالت: وهو من أطيب الطيب". وأبلغ من ذلك ما كان يوجد من الرائحة الطيبة عند قضائه - ﷺ - حاجته، كما حكاه القاضي عياض عن بعض المعتنين بأخباره أنه إذا أراد أن يتغوط انشقت الأرض فابتلعت غائطه وبوله، وفاحت لذلك رائحة طيبة، ويدل على ذلك ما رواه ابن سعد في الطبقات بإسناده إلى عائشة أنها قالت: للنبي - ﷺ - إنك تأتي الخلاء فلا نرى منك شيئا من الأذى فقال: يا عائشة، أو ما علمت أن الأرض تبلع ما يخرج من الأنبياء، وقد قال بعض العلماء بطهارة الحدثين منه - ﷺ -. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٨١.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره القاضي عياض وابن سعد يحتاج إلى النظر في سنده. والله أعلم، وبالله التوفيق.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب".
[ ١ / ٣٦٦ ]