أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية قص الشارب.
والقص: بالفتح مصدر قصصته من باب قتل قطعته، وقصيته بالتثقيل مبالغة، والأصل قصصته فاجتمع ثلاثة أمثال فأبدل من إحداهما ياء للتخفيف، أفاده في المصباح،
وقال ابن منظور: قَصَّ الشعر، والصوف، والظفر يقصُّه قصًا، وقصصه، وقصاه على التحويل قطعه،. اهـ لسان جـ ٧/ ص ٧٣.
وأما الشارب: فهو الشعر الذي يسيل على الفم، وقال أبو حاتم: ولا يكاد يثنى، وقال أبو عبيدة: قال الكلابيون: شاربان باعتبار الطرفين، والجمع شوارب. قاله في المصباح وقد تقدم بأتم من هذا في ٩/ ٩ فارجع إليه تزداد علما.
١٣ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنْ لَمْ يَأْخُذْ شَارِبَهُ فَلَيْسَ مِنَّا".
رجال الإسناد: خمسة
١ - (علي بن حُجْر) (خ م ت س) (^١) بضم المهملة وسكون الجيم بن
_________________
(١) رمز له في التقريب لأبي داود، بدل الترمذي، وأظنه خطأ؛ لأنه ما روى عنه كما يظهر من تهذيب التهذيب والخلاصة.
[ ١ / ٣٧٦ ]
إياس السعدي المروزي، نزيل بغداد، ثم مرو، ثقة حافظ، من صغار التاسعة، مات سنة ٢٤٢ وقد قارب المائة، أو جاوزها، وفي (صة) أبو الحسن المروزي الحافظ، عن شريك وإسماعيل بن جعفر، وهقل بن زياد، وهشيم، وخلائق، وعنه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي. ووثقه.
٢ - (عَبيدة بن حُمَيد) (^١) (خ ٤) الكوفي أبو عبد الرحمن المعروف بالحذاء التميمي، أو الليثي، أو الضبي، صدوق، نحوي، ربما أخطأ، من الثامنة، مات سنة ١٩٠ وقد جاوز الثمانين. وفي (صة) عبيدة بن حميد بن صهيب، عن الأسود بن قيس، وعبد الملك بن عمير، وعمارة ابن غزية، وعنه أحمد، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعلي بن حجر، وخلق. قال ابن سعد: ثقة صاحب نحو وعربية.
٣ - (يوسف بن صهيب) (د ت س) الكندي الكوفي ثقة من السادسة، وفي (تت) روى عن ابن بريدة، والشعبي، وحبيب بن يسار، وغيرهم. وعنه جرير بن عبد الحميد، ومعتمر بن سليمان، وعبيدة بن حميد وعبد الله بن نمير، ويحي القطان، وعبيد الله بن موسى، وأبو نعيم، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو داود: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات. قال الحافظ: وروى ابن شاهين في الثقات عن عثمان بن أبي شيبة، قال: يوسف بن صهيب ثقة، وقال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو نعيم، ثنا يوسف بن صهيب، وهو ثقة. اهـ تت.
٤ - (حبيب بن يسار) (ت س) الكندي الكوفي، ثقة من الثالثة.
وفي (تت) روى عن زيد بن أرقم، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن
_________________
(١) عَبيدة بفتح العين وكسر الباء مكبرا، وحُميد بضم الحاء مصغرا.
[ ١ / ٣٧٧ ]
أبي أوفى، وسويد بن غفلة، وزاذان الكندي. وعنه زكريا بن يحيى الحميري وأبو الجارود زياد بن المنذر، ويوسف بن صهيب، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة. أخرجا له يعني الترمذي والنسائي حديثا واحدا في أخذ الشارب، وصححه الترمذي. قال الحافظ: وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الآجري عن أبي داود: ثقة، وأخرج ابن عدي هذا الحديث في ترجمة مصعب بن سلام عنه عن الزبرقان السراج، عن أبي رزين، عن زيد بن أرقم. وقال: أظن أبا رزين هو حبيب ابن يسار. اهـ تت.
٥ - (زيد بن أرقم) (ع) بن زيد بن قيس الأنصاري الخزرجي صحابي مشهور، أول مشاهده الخندق، وأنزل الله تصديقه في سورة المنافقين، مات سنة ٦ أو ٦٨ وفي (صة) زيد بن أرقم بن قيس بن النعمان بن مالك بن الأغر بن ثعلبة ابن عمرو، الخزرجي، شهد الخندق، وغزا سبع عشرة غزوة، ونزل الكوفة. له تسعون حديثا، اتفقا على أربعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بستة، وعنه عبد الرحمن بن أبي ليلى، وطاوس، ومحمد بن كعب والنضر بن أنس وخلق، رمد فعاده النبي - ﷺ -، وكان من خواص أصحاب علي، قال خليفة: مات سنة ٦٦، وقال الهيثم: سنة ٦٨.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسياته.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات، وأنهم كوفيون إلا شيخه فمروزي، وأن شيخة ممن أخرج له الشيخان، والترمذي، وعَبيدة ممن أخرج له (خ ٤) ويوسف بن صهيب ممن أخرج له (د ت س)، وحبيب بن يسار ممن أخرج له (ت س)، وأن زيدا ممن اتفقوا عليه.
[ ١ / ٣٧٨ ]
ومنها: أن فيه الإخبار، والعنعنة، والقول.
شرح الحديث
(عن زيد بن أرقم) ﵁ (قال: قال رسول الله - ﷺ -: من لم يأخذ شاربه) (^١) أي شعره الثابت على الشفة العليا، قال الحافظ رحمه الله تعالى: واختلف في جانبيه وهما السِّبَالان: فقيل: هما من الشارب، ويشرع قصهما معه، وقيل: هما من جملة شعر اللحية. اهـ فتح، ٢٢/ ١١٤.
قال الجامع عفا الله عنه:
وسبب اختلافهم اختلاف أهل اللغة في معنى السِّبَال، قال في (ق) السَّبَلَة محركة: الدائرة في وسط الشفة العليا، أو ما على الشارب من الشعر أو طرفه، أو مجتمع الشاربين، أو ما على الذقن إلى طرف اللحية كلها، أو مقدمها خاصة جمعه سبَال. اهـ. ص ١٣٠٨. وزاد في اللسان: أنها اللحية كلها، حكاه عن ثعلب، والحاصل أن من فسر السبلة باللحية أو بجزئها لم يشرع عنده الأخذ منها، ومن فسرها بشعر الشارب أو نحوه شرع عنده الأخذ منها. والله أعلم. و"مَنْ" شرطية وجوابها جملة قوله: (فليس منا) أي ليس على طريقتنا، أو ليس من العاملين بسنتنا المهتدين بهدينا ولم يرد خروجه من الإسلام، نعم سوق الكلام على هذا الوجه يفيد التغليظ فلا ينبغي الإهمال. قاله السندى. جـ ١/ ص ١٥ - ١٦.
قال الجامع عفا الله عنه: قال الإمام النووي ﵀ في شرح مسلم جـ ٢/ ص ١٠٨ في شرح حديث: "من حمل علينا السلاح فليس
_________________
(١) الرواية عند المصنف هنا، وفي كتاب الزينة "من لم يأخذ شاربه" وفي الكبرى ١١/ ١٤ وقع بلفظ "من لم يأخذ من شاربه" بزيادة من، وهو الذي عند الترمذي في كتاب الاستئذان.
[ ١ / ٣٧٩ ]
منا" ما معناه: مذهب أهل السنة والفقهاء أن من حمل السلاح على المسلمين بغير حق ولا تأويل ولم يستحله فهو عاص ولا يكفر بذلك، فإن استحله كفر، فقيل هذا الحديث محمول على المستحل بغير تأويل فيكفر، ويخرج من الملة، وقيل: معناه ليس على سيرتنا الكاملة، وهدينا.
وكان سفيان بن عيينة ﵀ يكره من يفسره بليس على هدينا،
ويقول: بئس هذا القول. يعني بل يمسَك عن تأويله ليكون أوقع في النفوس، وأبلغ في الزجر. والله أعلم. اهـ كلام النووي.
والحاصل أن مثل هذه النصوص واردة مورد الزجر والتحذير فهي في حق من استحلها. واستخف بأوامر الشارع ونواهيه على ظاهرها. وفي حق من ترك العمل بها تهاونا وتكاسلا تكون للتغليظ في الزَّجر، ففي هذا الحديث من لم يأخذ من شاربه بُغْضًا لهدي النبي - ﷺ - وتقليدا لأعداء الإسلام من المجوس والمشركين فلا شك في كفره وخروجه عن الإسلام ومن ترك ذلك تهاونا وتكاسلا مع اعترافه بعصيانه معتذرا بأعذار لا قيمة لها في نظر الشرع فهو زائغ عن الصراط المستقيم، حائد عن الهدي النبوي غير خارج به عن الإسلام، إلا أنه على خطر عظيم، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] فلا ينبغي لمن كان حريصًا على دينه أن يتهاون في مثل هذا الأمر، نسأل الله تعالى أن يجنبنا المخالفة، ويهدينا وإخواننا الصراط المستقيم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وقد استدل بهذا الحديث، وبحديث "احفوا الشوارب" ونحوهما على وجوب قص الشارب ابن حزم ﵀ كما في الفتح، وزاد في المنهل بعض الحنفية، والجمهور على استحبابه.
قال الجامع: الظاهر القول الأول. والله أعلم.
[ ١ / ٣٨٠ ]
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"المسألة الأولى" في درجته: حديث زيد بن أرقم حديث صحيح.
"المسألة الثانية" في بيان موضعه عند المصنف.
أخرجه المصنف هنا ١٣/ ١٣ المجتبى. بالسند المذكور وفي ١١/ ١٤ الكبرى عن عبد الله بن محمَّد بن إسحاق، عن يحيى بن سعيد، عن يوسف بن صهيب، عن حبيب بن يسار، عن زيد بن أرقم عن النبي - ﷺ - قال "من لم يأخذ من شاربه فليس منا". وفي الزينة من المجتبى، ٨/ ١٢٩، ١٣٠ رقم ٥٠٤٧ عن محمد بن عبد الأعلى، عن المعتمر، عن يوسف بن صهيب … الخ.
"المسألة الثالثة" في بيان من أخرجه معه من أصحاب الأصول وغيرهم: أخرجه (ت س) فأخرجه الترمذي في الإستئذان ٥٠/ ٢ عن أحمد بن منيع، عن عَبيدة بن حُميد وفي ٥٠/ ٣ عن محمَّد بن بشار، عن يحيى بن سعيد كلاهما عن يوسف بن صهيب … الخ. وقال حسن صحيح. وأخرجه أحمد في المسند جـ ٢/ ص ٣٦٦ - ٣٦٨ عن يحيى، عن يوسف. وأخرجه الضياء في المختارة،
"المسألة الرابعة" في اختلاف العلماء في الشارب هل يحلق أو يقص؟
قال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى: اختلف العلماء في ذلك: فذهب كثير من السلف إلى استئصاله وحلقه لظاهر قوله: "احفوا وأنهكوا"، وهو قول الكوفيين، وذهب كثير منهم إلى منع الحلق والاستئصال، وإليه ذهب مالك، وكان يرى تأديب من حلقه، وروى عنه ابن القاسم أنه قال: إحفاء الشارب مثلة.
[ ١ / ٣٨١ ]
قال النووي: المختار أنه يقص حتى يبد وطوف الشفة. ولا يُحفيه من أصله، قال: وأما رواية:" أحفوا الشوارب" فمعناه: أحفوا ما طال عن الشفتين، وكذلك قال مالك في الموطأ: يؤخذ من الشارب حتى
يبدو أطراف الشفة.
قال العلامة ابن القيم: وأما أبو حنيفة، وزفر، وأبو يوسف، ومحمد فكان مذهبهم في شعر الرأس والشوارب أن الإحفاء أفضل من التقصير، وذكر بعض المالكية عن الشافعي أن مذهبه كمذهب أبي حنيفة في حلق الشارب، قال الطحاوي: ولم أجد عن الشافعي شيئا منصوصا في هذا، وأصحابه الذين رأيناهم المزني، والربيع كانا يُحفيان شواربهما، ويدل ذلك أنهما أخذاه عن الشافعي. وروى الأثرم عن الإمام أحمد: أنه كان يُحفي شاربه إحفاء شديدا وسمعته يسأل عن السنة في إحفاء الشارب فقال: يُحفي. وقال حنبل: قيل لأبي عبد الله: ترى الرجل يأخذ شاربه ويحفيه، أم كيف يأخذه؟ قال: إن أحفاه فلا بأس، وإن أخذه. قصا فلا بأس. وقال أبو محمَّد في المغني هو مخير بين أن يحفيه وبين أن يقصه.
وقد روى النووي: في شرح مسلم عن بعض العلماء أنه ذهب إلى التخيير بين الأمرين الإحفاء وعدمه. وروى الطحاوي الإحفاء عن جماعة من الصحابة: أبي سعيد، وأبي أسيد. ورافع بن خديج، وسهل بن سعد، وعبد الله بن عمر، وجابر، وأبي هريرة.
قال ابن القيم: واحتج من لم يرى إحفاء الشارب بحديث عائشة، وأبي هريرة المرفوعين: "عشر من الفطرة" فذكر منها قص الشارب، وفي حديث أبي هريرة: "إن الفطرة خمس" … وذكر منها قص الشارب.
[ ١ / ٣٨٢ ]
واحتج المحفون:
بأحاديث الأمر بالاحفاء وهي صحيحة، وبحديث ابن عباس: "أن رسول الله - ﷺ - كان يحفي شاربه". انتهى.
والإحفاء ليس كما ذكره النووي من أن معناه أحفوا ما طال عن الشفتين، بل الإحفاء الإستئصال كما في الصحاح، والقاموس، والكشاف، وسائر كتب اللغة، ورواية القص لا تنافيه، لأن القص قد يكون على جهة الإحفاء، وقد لا يكون، ورواية الإحفاء معينة للمراد، وكذلك حديث الباب الذي فيه: "من لم يأخذ شاربه فليس منا" لا يعارض رواية الإحفاء لأن فيها زيادة يتعين المصير إليها، ولو فرض التعارض من كل وجه لكانت رواية الإحفاء أرجح لأنها في الصحيحين، وروى الطحاوي: "أن رسول الله - ﷺ - أخذ من شارب المغيرة على سواكه" قال: وهذا لا يكون معه إحفاء. ويجاب عنه بأنه محتمل، ودعوى أنه لا يكون معه إحفاء ممنوعة، وهو وإن صح كما ذكر لا يعارض، تلك أقوال منه - ﷺ -. أهـ كلام الشوكاني. نيل، ١/ ١٧٧.
قال الجامع عفا الله عنه: ومذهب من خير عندي أرجح لأنه الجامع بين الأحاديث كما يأتي قريبا.
ونقل الحافظ رحمه الله تعالى في الفتح بالتخيير عن الطبري، وأنه قال: دلت السنة على الأمرين، ولا تعارض فإن القص يدل على أخذ البعض، والإحفاء على أخذ الكل وكلاهما ثابت فيتخير فيما شاء، وأن ابن عبد البر قال: الإحفاء محتمل لأخذ الكل. والقص مفسر المراد، والمفسر مقدم على المجمل. (^١)
قال الحافظ: ويرجح قول الطبري ثبوت الأمرين معا في الأحاديث
_________________
(١) اعترض عليه الصنعاني بأن هذا ترجيح لمذهب مالك، وأن قوله إن الإحفاء محتمل لأخذ الكل عبارة غير جيدة، إذ هو ظاهر في أخذ الكل، انظر العدة جـ ١/ ص ٣٤٦.
[ ١ / ٣٨٣ ]
المرفوعة، فأما الإقتصار على القص ففي حديث المغيرة بن شعبة: ضفْتُ النبي - ﷺ - وكان شاربي وفي فقصه على سواك. أخرجه أبو داود، واختلف في المراد بقوله: على سواك، فالراجح أنه وضع سواكا عند الشفة تحت الشعر وأخذ الشعر بالمقص، وقيل المعنى قصه على أثر سواك، أي بعد ما تسوك، ويؤيد الأول ما أخرجه البيهقي في هذا الحديث قال فيه "فوضع السواك تحت الشارب، وقص عليه" وأخرج البزار من حديث عائشة، أن النبي - ﷺ - أبصر رجلًا وشاربه طويل، فقال "ائتوني بمقص وسواك" فجعل السواك على طرفه، ثم أخذ ما جاوزه. وأخرج الترمذي من حديث ابن عباس وحسنه: كان النبي - ﷺ - يقص شاربه، وأخرج البيهقي والطبراني من طريق شرحبيل بن مسلم الخولاني قال: رأيت خمسة من أصحاب رسول الله - ﷺ - يقصون شواربهم: أبو أمامة الباهلي، والمقدام بن معدي كرب الكندي، وعقبة بن عوف السلمي، والحجاج بن عامر الثمالي، وعبد الله بن بسر.
وأما الإحفاء ففي رواية ميمون بن مهران عن عبد الله بن عمر قال: ذكر رسول الله - ﷺ - المجوس فقال: "إنهم يوفون سبالهم، ويحلقون لحاهم فخالفوهم" قال: فكان ابن عمر يستقرض سَبَلَته فيجزها كما يجز الشاة أو البعير. أخرجه الطبري والبيهقي، وأخرجا من طريق عبد الله ابن أبي رافع قال: رأيت أبا سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وابن عمر، ورافع بن خديج، وأبا أسيد الأنصاري، وسلمة بن الأكوع، وأبا رافع ينهكون شواربهم كالحلق، لفظ الطبري، وفي رواية البيهقي: يقصون شواربهم مع طرف الشفة، وأخرج الطبري من طرق عن عروة وسالم والقاسم وأبي سلمة أنهم كانوا يحلقون شواربهم، قال الحافظ: وقد تقدم في أول الباب أثر ابن عمر أنه كان يحفي شاربه حتى ينظر إلى بياض الجلد، لكن كل ذلك محتمل لأن يراد استئصال جميع الشعر
[ ١ / ٣٨٤ ]
الثابت على الشفة العليا، ومحنمل لأن يراد استئصال ما يلاقي حمرة الشفة من أعلاها، ولا يستوعب بقيتها نظرا إلى المعني في مشروعية ذلك، وهو مخالفة المجوس، والأمن من التشويش على الآكل، وبقاء زهومة المأكول فيه، وكل ذلك يحصل بما ذكرنا، وهو الذي يجمع مفترق الأخبار الواردة في ذلك، وبذلك جزم الداودي في شرح أثر ابن عمر المذكور، وهو مُقتضى تصرف البخاري؛ لأنه أورد أثر ابن عمر، وأورد بعده حديثه، وحديث أبي هريرة في قص الشارب فكأنه أشار إلى أن ذلك هو المراد من الحديث، وعن الشعبي أنه كان يقص شاربه حتى يظهر حرف الشفة العليا، وما قاربه من أعلاه، ويأخذ ما يزيد مما فوق ذلك، وينزع ما قارب الشفة من جانبي الفم، ولا يزيد على ذلك، وهذا أعدل ما وقفت عليه من الآثار.
وقد أبدى ابن العربي لتخفيف شعر الشارب معنى لطيفا فقال: إن الماء النازل من الأنف يتلبد به الشعر لما فيه من اللزوجة، ويعسر تنقيته عند غسله، وهو بإزاء حاسة شريفة، وهي الشم فشرع تخفيفه ليتم الجمال والمنفعة. قال الحافظ: وذلك يحصل بتخفيفه ولا يستلزم إحفائه وإن كان أبلغ، وقد رجح الطحاوي الحلق على القص بتفضيله - ﷺ - الحلق على التقصير في النسك، وَوَهَّى ابن التين الحلق بقوله - ﷺ- "ليس منا من حلق" وكلاهما احتجاج بالخبر في غير ماورد فيه، ولا سيما الثاني، ويؤخذ مما أشار إليه ابن العربي مشروعية تنظيف داخل الأنف وأخذ شعره إذا طال. اهـ فتح جـ ٢٢/ ص ١١٦.
قال الجامع عفا الله عنه: فتحصل من مجموع ما تقدم أن العلماء اختلفوا في حلق الشارب منهم من كرهه، ومنهم من رجحه على القص، ومنهم من رجح القص عليه، ومنهم من خَيَّرَ. وسبب ذلك
اختلاف الأحاديث: فإنها وردت بلفظ: "أحفوا الشوارب" وبلفظ:
[ ١ / ٣٨٥ ]
"جزوا الشوارب" بلفظ: "أنهكوا الشوارب" وكلها في مسلم، وبلفظ الحلق، وهي رواية المصنف في الكبري في ٩/ ٩ عن محمَّد بن عبد الله ابن يزيد، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: "الفطرة خمس: الختان، وحلق العانة، ونتف الإبط وتقليم الأظفار، وحلق الشارب".
قال الحافظ: ورواه جمهور أصحاب ابن عيينة بلفط القص. وكذا سائر الرواة عن شيخه الزهري، ووقع عند النسائي من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة بلفظ: "تقصير الشارب" نعم وقع الأمر بما يشعر بأن رواية الحلق محفوظة: كحديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة عند مسلم بلفظ: "جزوا الشوارب"، وحديث ابن عمر المذكور في الباب الذي يليه بلفظ: "أحفوا الشوارب" وفي الباب الذي يليه بلفظ: "أنهكوا الشوارب" فكل هذه الألفاظ تدل على أن المطلوب المبالغة في الإزالة لأن الجز، وهو بالجيم والزاى الثقيلة، قص الشعر والصوف إلى أن يبلغ الجلد، والإحفاء بالمهملة والفاء الاستئصال، ومنه حتى "أحفوه بالمسألة" قال أبو عبيد الهروي: معناه ألزقُوا الجَزَّ بالبشرة، وقال الخطابي: هو بمعنى الاستقصاء. والنهك بالنون والكاف: المبالغة في الإزالة، ومنه ما تقدم في الكلام على الختان قوله - ﷺ - للخافضة: "أشمي ولا تُنْهكي". أي لا تبالغي في ختان المرأة، وجرى على ذلك أهل اللغة. اهـ كلام الحافظ، فتح جـ ٢٢/ ص ١١٤.
وقد تقدم ما نقله الشوكاني عن الصحاح، والقاموس، وغيرهما من كتب اللغة في معنى الإحفاء أنه الإستئصال، وردّ ما قاله النووي من أن معناه أحفوا ما طال عن الشفتين، والحاصل أن هذه الأحاديث الصحاح تدل على الخلق.
[ ١ / ٣٨٦ ]
وأما القص فهو كما قال الحافظ: ما في أكثر الأحاديث، كما في حديث أبي هريرة عند البخاري، والمصنف، وحديث عائشة عند مسلم، وحديث أنس عنده، أيضا، وحديث ابن عمر عند البخاري.
قال الجامع عفا الله عنه:
فلما صحت الأحاديث في الأمرين علمنا أن المكلف مخير فيهما.
قال صاحب المنهل، ١/ ١٨٥ والحاصل أن السنة دلت على الأمرين ولا تعارض، فيختار المكلف أيهما شاء فينبغي لمن يريد المحافظة على السنن أن يستعمل هذا مرة، وهذا مرة، فيكون قد عمل بكل ما ورد. اهـ كلام صاحب المنهل. وهذا أحسن ما يحصل به العمل بالأحاديث المقتضية للأمرين من غير إهمال لبعضها والله أعلم.
"المسألة الخامسة" في فوائد تتعلق بهذا الحديث ذكرها الحافظ ﵀:
الأولى: قال النووي: يستحب أن يبدأ في قص الشارب باليمين.
الثانية: يتخير بين أن يقص ذلك بنفسه، أو يولي ذلك غيره، لحصول المقصود من غير هتك مروءة بخلاف الإبط، ولا ارتكاب حرمة بخلاف حلق العانة. قال الحافظ: محل ذلك حيث لا ضرورة، وأما من لا يحسن فقد يباح له إن لم تكن له زوجة تحسن الحلق أن يستعين بغيره بقدر الحاجة، لكن محل هذا إذا لم يجد ما يتنور به، فإنه يغني عن الحلق ويحصل المقصود به. وكذا من لا يَقْوَى على النتف، ولا يتمكن من الحلق إذا استعان بغيره في الحلق لم تهتك المروءة من أجل الضرورة كما تقدم عن الشافعي، وهذا لمن لم يقو على التنور من أجل أن النورة تؤذي الجلد الرقيق كجلد الإبط. وقد يقال: مثل ذلك في حلق العانة من جهة المغابن التي بين الفخذين والأنثيين، وأما الاخذ من الشارب فينبغي
[ ١ / ٣٨٧ ]
فيه التفصيل بين من يحسن أخذه بنفسه بحيث لا يتشوه، وبين من لا يحسن، فيستعين بغيره، ويلتحق به من لا يجد مرآة ينظر وجهه فيها عند أخذه.
الثالثة: قال النووي: يتأدى أصل السنة بأخذ الشارب بالمقص وبغيره، وتوقف ابن دقيق العيد في قَرْضه بالسن، ثم قال: من نظر إلى اللفظ منع، ومن نظر إلى المعنى أجاز.
الرابعة: قال ابن دقيق العيد: لا أعلم أحدا قال بوجوب قص الشارب من حيث هو هو. واحترز بذلك من وجوبه بعارض حيث يتعين كما تقدمت الإشارة إليه من كلام ابن العربي، وكأنه لم يقف على كلام ابن حزم في ذلك فإنه قد صرح بالوجوب في ذلك، وفي إعفاء اللحية. اهـ فتح جـ ٢٢/ ص ١١٦. وبالله التوفيق.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
[ ١ / ٣٨٨ ]