أي هذا باب ذكر الحديث الدال على التوقيت في استعمال خصال الفطرة، واسم الإشارة راجع إلى مجموع ما تقدم من الخصال لا إلى الجميع لأن الاختتان ليس داخلا فيه، إذ التوقيت فيه لم يذكر في الحديث، وقد قدمنا اختلاف العلماء في وقته. والتوقيت مصدر وَقَّتَ مضعفا بمعني حدد، يقال: وقت الله الصلاة توقيتا، ووقتها يقتها من باب وَعَدَ: حدَّد لها وقتًا، والوقت: مقدار من الزمن مفروض لأمر ما. أفاده في المصباح.
١٤ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ -هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ- عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ وَقَّتَ لَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي قَصِّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ، وَنَتْفِ الإِبْطِ، أَنْ لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى: أَرْبَعِينَ لَيْلَةً.
رجال الإسناد: أربعة
١ - (قتيبة) بن سعيد أبو رجاء الثقفي البغلاني ثقة ثبت من العاشرة، تقدم في ١/ ١.
٢ - (جعفر بن سليمان) الضُّبَعي بضم الضاد المعجمة، وفتح
[ ١ / ٣٨٩ ]
الموحدة، أبو سليمان البصري، صدوق زاهد، لكنه كان يتشيع من الثامنة، مات سنة ١٧٨. وفي (صة): روى عن ثابت، والجعد بن عثمان، وعنه سفيان، وابن المبارك، ويحيى بن يحيى، وطائفة، وثقه
أحمد وابن معين. أخرج له (بخ م ٤).
والضبعي: نسبة إلى ضبيعة، بضم الضاد وفتح الباء الموحدة، وفي آخره عين مهملة، نسبة إلى المحلة التي سكنها بنو ضُبَيْعَة بالبصرة، نسب إليها لنزوله إياها. أفاده في اللباب.
٣ - (أبو عمران الجوني) (ع) عبد الملك بن حبيب الأزدي، أو الكندي، مشهور بكنيته، ثقة، من كبار الرابعة، مات سنة ١٢٨، وقيل بعدها.
وفي (صة) البصري أحد العلماء، روى عن جندب، وأنس، وعنه سليمان التيمي، والحمادان، وخلق، وثقه ابن معين.
والجوني: بفتح الجيم وسكون الواو نسبة إلى الجَون بن عوف، بطن من الأزد، أفاده في اللباب.
٤ - (أنس بن مالك) الصحابي الجليل ﵁ تقدم. في ٦/ ٦.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من رباعيات المصنف وهي أعلي ما وقع له من العلو، وهو ثانى رباعياته في هذا الكتاب.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات، وأنهم بصريون إلا شيخه فبغلاني.
ومنها: أن صحابيه أحد المكثرين السبعة، روى -٢٢٨٦ - كما تقدم غير مرة.
[ ١ / ٣٩٠ ]
ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الأخبار في أوله بصيغة الجمع، والتحديث كذلك في الثاني، والعنعنة في باقيه.
شرح الحديث
(عن أنس بن مالك) ﵁ أنه (قال: وقَّتَ لنا) أي حدد لنا قال الفيومي ﵀: كل شيء قَدَّرت له حينا فقد وَقَّتَّه توقيتًا. وكذلك ما قدرت له غاية، اهـ المصباح باختصار.
وتقدم في أول الباب بأتم من هذا (رسول الله - ﷺ -) فاعل وقت، هكذا في رواية المصنف، وأبي داود والترمذي بذكر الفاعل، وفي رواية مسلم، وابن ماجه: وقت لنا بالبناء للمفعول، وسيأتي الكلام عليه في المسائل إن شاء الله تعالى (في قص الشارب، وتقليم الأظفار، وحلق
العانة، ونف الإبط) متعلق بوقت، (أن) مصدرية (لا نترك أكثر من أربعين يوما) والمصدر المؤل من أن وصلتها مفعول وقَّتَ.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: معناه: لا نترك تركا نتجاوز به أربعين، لا أنه وقت لهم الترك أربعين، قال والمختار أن يضبط بالحاجة والطول، فإذا طال حلق، اهـ شرح مسلم جـ ٢/ ص ١٤٩. وقال في شرح المهذب: ينبغي أن يختلف بإختلاف الأحوال والأشخاص، والضابط الحاجة في كلها. اهـ بتغيير يسير.
وقال الحافظ: لكن لا يمنع من التفقد يوم الجمعة فإن المبالغة في التنظيف فيه مشروع اهـ فتح جـ ٢٢/ ص ١١١. وقال الشوكاني بعد نقل كلام النووي الأول متعقبا عليه: قلت: بل المختار أنه يضبط بالأربعين التي ضبط بها رسول الله - ﷺ - فلا يجوز تجاوزها، ولا يعد مخالفا من ترك القص ونحوه بعد الطول إلى انتهاء تلك الغاية اهـ نيل جـ ١/ ص ١٦٩.
قال الجامع عفا الله عنه: قلت: لا معنى للتعقب المذكور فإن مآل
[ ١ / ٣٩١ ]
كلامه وكلام النووي واحد لأن حاصل كلامه أن التحديد جاء لعدم الترك، لا للترك، فإن الحديث يمنع الترك بعد الأربعين، ولا يأمر بالترك إلى الأربعين، فلو احتاج الإنسان قبل الأربعين له ذلك، وأما إذا لم يحتج فله أن يؤخر، لكن لا يتجاوز الأربعين. والله أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"المسألة الأولى" في درجته: حديث أنس حديث صحيح. وقد اختلفوا فيه كما سيأتي تحقيقه قريبا.
"المسألة الثانية" في بيان موضعه عند المصنف رحمه الله تعالى:
أخرجه في هذا الباب ١٤/ ١٤ المجتبى، وفي ١٢/ ١٦ الكبري بهذا السند المذكور.
"المسألة الثالثة" فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول وغيرهم: أخرجه (م د ت ق) فأخرجه مسلم في الطهارة ١٦/ ٣ عن يحيى وقتيبة بن سعيد كلاهما عن جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني الخ. وأخرجه أبو داود في الترجل ١٦/ ٣ عن مسلم بن إبراهيم. عن صدقة الدقيقي، عن أبي عمران الخ. وأخرجه الترمذي في الاستئذان ٤٩/ ١ عن إسحاق بن منصور عن عبد الصمد، عن صدقة الخ. وفي ٤٩/ ٢ عن قتيبة بإسناده، نحوه، وقال: هذا أصح من الأول. وأخرجه ابن ماجه في الطهارة ٨/ ٥ عن بشر بن هلال، عن جعفر مثله. أفاده المزي ﵀. وأخرجه أحمد في مسنده ٣/ ١٢٢، و٢٠٣، و(٢٥٥) عن صدقة، عن أبي عمران الخ.
"المسألة الرابعة" أنه قد تكلم المحدثون في هذا الحديث، وإليك أقوالهم:
قال العلامة الشوكاني في الرواية الأولى يعني رواية مسلم وابن
[ ١ / ٣٩٢ ]
ماجه: "وقت لنا" على البناء للمجهول، وقد وقع خلاف في علم الأصول والإصطلاح هل هي صيغة رفع أولا؟ والأكثرون أنها صيغة رفع إلى النبي - ﷺ - إذا قالها الصحابي مثل قوله: أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا، وقد صرح في الرواية الثانية يعني رواية أحمد، والترمذي، والنسائي، وأبي داود بأن الموقت هو النبي - ﷺ - فارتفع الاحتمال لكن في إسنادها صدقة بن موسى أبو المغيرة (^١)، ويقال أبو محمَّد السلمي البصري الدقيقي، قال يحيي بن معين: ليس بشيء، وقال مرة: ضعيف، وقال النسائي: ضعيف، وقال الترمذي: ليس بالحافظ، وقال أبو حاتم الرازي: لين الحديث يكتب حديثه، ولا يحتج به، ليس بالقوي، وقال أبو حاتم بن حبان: كان شيخا صالحا إلا أن الحديث لم يكن من صناعته، فكان إذا روى قلب الأخبار حتى خرج عن حد الاحتجاج به. اهـ نيل جـ ١/ ص ١٦٩.
وقال الحافظ في الفتح: وأما ما أخرج مسلم من حديث أنس: "وُقِّتَ لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة أن لا يترك أكثر من أربعين يوما" كذا وقت فيه على البناء للمجهول، وأخرجه أصحاب السنن بلفظ: "وقت لنا رسول الله - ﷺ -" وأشار العقيلي إلى أن جعفر بن سليمان الضبعي تفرد به، وفي حفظه شيء وصرح ابن عبد البر بذلك، فقال: لم يروه غيره، وليس بحجة، وتعقب بأن أبا داود، والترمذي أخرجاه من رواية صدقة بن موسى، عن ثابت (^٢)، وصدقة بن موسى وإن كان فيه مقال لكن تبين أن جعفرا لم ينفرد به، وقد أخرج ابن ماجه نحوه، من طريق علي بن زيد بن جُدْعان، عن أنس
_________________
(١) قوله في إسنادها صدقة بن موسى فيه نظر، لأن رواية النسائي ليس فيها صدقة فتأمل، والله أعلم.
(٢) قوله: صدقة بن موسى عن ثابت فيه نظر لأن رواية صدقة عند أبي داود، والترمذي ليس عن ثابت، وإنما هي عن أبي عمران الجوني، كما سيأتي في كلام العراقي فتأمل.
[ ١ / ٣٩٣ ]
وفي علي أيضًا ضعف، وأخرجه ابن عدي من وجه ثالث من جهة عبد الله بن عمران شيخ مصري، عن ثابت، عن أنس، لكن أتى فيه بألفاظ مستغربة، قال: "أن يحلق الرجل عانته كل أربعين يوما، وأن ينتف إبطه كلما طلع، ولايدع شاربيه يطولان وأن يقلم أظافره من الجمعة إلى الجمعة". وعبد الله والراوي عنه مجهولان. اهـ فتح جـ ٢٢/ ص ١١٣.
وقال الحافظ العراقي ﵀: بعد ذكر حديث مسلم: وهكذا أخرجه ابن ماجه بلفظ "وُقِّتَ لنا"، على البناء للمفعول، وحكمه الرفع على الصحيح عند أهل الحديث والأصول، وقال أبو داود، والنسائي، والترمذي في هذا الحديث: "وَقَّتَ لنا رسول الله - ﷺ -" فصرح بالفاعل، وقد تكلم العقيلي، وابن عبد البر في حديث أنس هذا فقال العقيلي في الضعفاء في ترجمة جعفر بن سليمان: وليس بحجة لسوء حفظه، وكثرة غلطه، قلت: تابعه عليه صدقة بن موسى الدقيقي فرواه عن أبي عمران الجوني، عن أنس. أخرجه كذلك أبو داود، والترمذي، ولكن صدقة ضعيف، وروي أيضا من رواية عبد الله بن عمران شيخ مصري عن أبي عمران كما سيأتي، وله طريق آخر رواه أبو الحسن علي بن إبراهيم بن سلمة القطان في زياداته على سنن ابن ماجه من رواية علي بن زيد بن جُدعان عن أنس، وابن جُدعان أيضا ضعفه الجمهور، والله أعلم.
قال العراقي: وقد ورد حديث أنس هذا من وجه لا يثبت، وفرق
بين هذه الخصال في التوقيت، وهو ما رواه أبو أحمد بن عدي في الكامل في ترجمة أبي خالد إبراهيم بن سالم النيسابوري، قال: حدثنا عبد الله بن عمران مصري، عن أبي عمران الجوني، عن أنس، قال: "وقت رسول الله أن يحلق الرجل عانته كل أربعين يوما، وأن ينتف إبطه كلما طلع، ولا يدع شاربيه يطولان، وأن يقلم أظفاره من الجمعة
[ ١ / ٣٩٤ ]
إلى الجمعة، وأن يتعهد البراجم إذا توضأ" … الحديث. قال صاحب الميزان: وهو حديث منكر، وأصح طرقه طريق مسلم على ما فيها من الكلام، وليس فيها تأقيت لما هو أولى بل ذكر أنه لا يزيد على أربعين. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٣٨.
قال الجامع عفا الله عنه: فتحصل من مجموع ما قالوا أن حديث
الباب صحيح، أما المرفوع: فلأن جعفر بن سليمان لم يتفرد به بل وافقه عليه صدقة بن موسى الدقيقي، وهو وإن كان ضعيفًا إلا أنه يصلح للاعتباركما يفيده كلام الأئمة فيما تقدم.
وأما الموقوف: فهو رواية مسلم، وحكمه أنه مرفوع، فإن قوله: "وقت لنا" كقول الصحابي: "أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا" وهو مرفوع، كقوله قال لنا رسول الله - ﷺ - على المذهب الصحيح الذي عليه الجمهور من أهل الحديث والفقه والأصول، كما أفاده النووي في
المجموع جـ ١/ ص ٢٨٧. والله أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب".
[ ١ / ٣٩٥ ]