أي هذا باب ذكر الحديث الدال على إحفاء الشارب، وإعفاء اللحى.
والإحفاء: الاستئصال. قال في المصباح: أحْفي الرجلُ شاربه بالغ في قصه. اهـ.
وقال في (ق): وَحَفَا شاربه حَفْوًا بالغ في أخذه. اهـ.
وأما الإعفاء فهو التوفير، قال في المصباح: عفا الشيء: أكثر وفي التنزيل: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥] أي كثروا، وعفوته: كثرته، يتعدى، ولا يتعدى، ويعدى أيضا بالهمزة، فيقال: أعفيته، وقال: السرقطسي: عَفَوت الشعر أعفُوه عَفْوا وعَفَيته أعفيه عَفْيا: تركته حتى يكثر ويطول، ومنه: "أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى"، يجوز استعماله ثلاثيًا ورباعيًا. اهـ.
وتقدم تفسير الشارب في ٩/ ٩، ويأتي تفسير اللِّحى في شرح الحديث.
١٥ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى -هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ- عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "أَحْفُوا الشَّوَارِبَ وَأَعْفُوا اللِّحَى".
[ ١ / ٣٩٦ ]
رجال الإسناد: خمسة
١ - (عبيد الله بن سعيد) (خ م س) بن يحيى اليَشْكري، أبو قُدَامَة السرخسي نزيل نيسابور، ثقة مأمون سني، من العاشرة، مات سنة ٢٤١، وفي (صة) روى عن ابن عيينة، وحفص بن غياث، وأبي
معاوية، وخلق، وعنه (خ م س) وقال: ثقة مأمون، قال ابن حبان هو الذي أظهر السنة بسرخس، ودعا إليها. اهـ.
٢ - (يحيى بن سعيد) القطان البصري الحجة من كبار [٩] تقدم في ٤/ ٤.
٣ - (عببدالله) (ع) بن عمر بن حفص عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني، أبو عثمان ثقة ثبت، قدمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، وقدمه ابن معين في القاسم عن عائشة على الزهري عن
عروة عنها، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومائة.
٤ - (نافع) (ع) أبو عبد الله المدني مولى ابن عمر، ثقة ثبت فقيه مشهور، من الثالثة، مات سنة ١١٧، أو بعد ذلك، أخرج له الجماعة. وفي (صة): أحد الأعلام. روى عن ابن عمر، وأبي لبابة، وأبي هريرة، وعائشة وخلق. وعنه ابناه أبو بكر، وعمر، وأيوب، وابن جريج، ومالك، وخلائق. قال البخاري: أصح الأسانيد مالك، عن نافع، عن ابن عمر. قال حماد بن زيد: مات سنة ١٢٠ اهـ. أخرج له الجماعة.
٥ - (ابن عمر) (ع) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي أبو عبد الرحمن، ولد بعد المبعث بيسير، واستصغر يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة سنة، وهو أحد المكثرين من الصحابة، والعبادلة، وكان من
أشد الناس إتباعا للأثر، مات سنة ٧٣ في آخرها أو أول التي تليها. روى له الجماعة.
[ ١ / ٣٩٧ ]
وفي (صة) هاجر مع أبيه، وشهد الخندق وبيعة الرضوان. له ألف وستمائة حديث وثلاثون حديثًا، اتفقا على مائة وسبعين، وانفرد البخاري بأحد وثمانين، ومسلم بأحد وثلاثين. وعنه بنوه: سالم، وحمزة، وعبيد الله، وابن المسيب، ومولاه، نافع، وخلق.
وفي الصحيح: "عبد الله رجل صالح" قال شمس الدين الذهبي: كان إماما متينا واسع العلم كثير الإتباع وافر النسك كبير القدر متين الديانة عظيم الحُرْمَة، ذكر للخلافة يوم التحكيم وخوطب في ذلك، فقال: على أن لا يجرى فيها دم. قال أبو نعيم: مات سنة ٧٤.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسياته.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات أجلاء، وأنهم ما بين نيسابوري، وهو شيخه، وبصري، وهو يحيى، ومدنيين، وهم الباقون. وأنهم ممن اتفقوا عليهم إلا شيخه فإنه ممن أخرج له (خ م س).
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي: عبيد الله، عن نافع.
ومنها: أن صحابيه أحد العبادلة الأربعة المجموعين في قول السيوطي في ألفيته:
والبَحرُ وابْنَا عُمَر وعَمْرو … وابنُ الزُّبيْر في اشْتهَار يَجْري
دُونَ ابْن مَسْعُود لَهُم عَبَادله … وغَلَّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذَا مَالَ لَهْ
وجمعهم بعضهم بقوله (من الكامل):
أبناءُ عبَّاس وعَمْرو وعُمر وابْنُ الزُّبير هُمُ العَبَادلةُ الغُرَرْ
وأنه أحد المكثرين السبعة روى ٢٦٣٠، ولا ينافي هذا ما تقدم عن (صة) لأنه أراد ما ثبت له في الكتب الستة، وهذا ما ثبت له في مسند
[ ١ / ٣٩٨ ]
بقي بن مخلد، وهو أجمع ما ألف في مسانيد الصحابة كما بينه العلامة أحمد محمَّد شاكر في تعليقته على ألفية السيوطي انظر ص ٢١٨.
ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبار في موضعين. والتحديث في موضع، والعنعنة في الباقي.
شرح الحديث
(عن ابن عمر) ﵄ (عن النبي - ﷺ -) أنه (قال: أحفوا الشوارب) وفي نسخة الشارب بالإفراد، وأحفوا بقطع الهمزة من الإحفاء قال النووي: وقال ابن دريد: يقال أيضا: حفا الرجل شاربه يحفوه حفوا إذا أستأصل أخذ شعره، فعلى هذا تكون همزته همزة وصل. اهـ لكن الأول هو أكثر.
وقال الحافظ: الإحفاء بالحاء المهملة والفاء: الإستقصاء، ومنه "حتى أحفوه بالمسألة"، وقد ورد بلفظ: "انهكوا الشوارب"، وبلفظ "جزوا الشوارب"، وكل هذه الألفاظ تدل على أن المطلوب المبالغة في الإزالة؛ لأن الجز قص الشعر، والصوف إلى أن يبلغ الجلد، والنهك المبالغة في الإزالة. ومنه قوله - ﷺ - للخافضة: "أشمي ولا تَنهكي" أي لا تبالغي في ختان المرأة. اهـ. وقد تقدم تمام البحث في ١٣/ ١٣.
(وأعفوا اللحى) أي وفِّرُوهَا، قال ابن الأثير في النهاية: إعفاء اللحية: أن يوفر شعرها ولا يقص كالشوارب، من عفى الشيء: إذا كثر، وزاد، يقال: أعفيته (^١)، وعفيته. اهـ، ٣/ ٢٦٦ واللحى: بكسر اللام وحكي ضمها، وبالقصر والمد جمع لحية بالكسر فقط، وهي اسم لما نبت على الخدين والذقن. اهـ فتح جـ ٢٢/ ص ١١٨.
وفي اللسان: اللحية اسم يجمع من الشعر ما نبت على الخدين
_________________
(١) ونقل في الفتح عن ابن التين أن كونه بهمزة قطع أكثر، اهـ جـ ٢٢/ ص ١٨٩.
[ ١ / ٣٩٩ ]
والذقن، والجمع لحىّ يعني بالكسر، ولحُىَ، بالضم، مثل ذروة وذُرَى اهـ جـ ١/ ص ٢٤٣. ومثله في (ق). وفي المصباح: اللحية الشعر النازل على الذقن، والجمع لحىَ مثل سدْرة وسدَر، وتضم اللام أيضا مثل حلية وحُلَى اهـ جـ ٢/ ص ٥٥١.
وقال الحافظ: قال ابن دقيق العيد: تفسير الإعفاء بالتكثير من إقامة السبب مقام المسبب؛ لأن حقيقة الإعفاء: الترك، وترك التعرض للحية يستلزم تكثيرها، وأغرب ابن السيد فقال: حمل بعضهم قوله: "أعفوا اللحى" على الأخذ منها بإصلاح ما شذ منها طولا وعرضا، واستشهد بقول زهير (من الوافر):
علَى آثَار مَنْ ذَهَبَ العَفَاءُ
وذهب الأكثر إلى أنه بمعنى وفّروا، أو أكثروا، وهو الصواب، قال ابن دقيق العيد: لا أعلم أحدا فهم من الأمر في قوله: "وأعفوا اللحى تجويز معالجتها بما يُغَرِّزها كما يفعله بعض الناس، قال: وكان الصارف عن ذلك قرينة السياق في قوله في بقية الخبر: "وأحفوا الشوارب" اهـ.
قال الحافظ: ويمكن أن يؤخذ من بقية طرق ألفاظ الحديث الدالة على مجرد الترك اهـ فتح جـ ٢٢/ ص ١٢٠.
قال الجامع عفا الله عنه: فظهر مما تقدم من تفسير صاحبي اللسان و(ق) وكذا الحافظ في الفتح للحية بأنه اسم لما نبت على الخدين والذقن أنه لا يجوز التعرض لشيء من ذلك بحلق ولا تقصير خلاف ما يفعله بعض الناس من حلق ما نبت على الخدين بادعاء أنه لا يسمى باسم اللحية أو هذا خطاء فبم فهم معني اللحية. فتنبه.
وقال الحافظ: في قوله "أعفوا" و"أحفوا" ثلاثة أنواع من البديع: الجناس والمطابقة والموازنة. اهـ جـ ١/ ص ١٢٠.
[ ١ / ٤٠٠ ]
مسائل تتعلق بحديث الباب
"المسألة الأولى" في درجته: حديث ابن عمر متفق عليه.
"المسألة الثانية" في بيان مواضعه عند المصنف
ذكر المصنف هذا الحديث في المجتبى في موضعين: هنا ١٥/ ١٥ وفي الزينة ٥/ ٥٢٢٦ وفي الكبرى ١٠/ ١٣ عن عبيد الله بن سعيد، عن يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.
"المسألة الثالثة" فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول وغيرهم:
أخرج هذا الحديث (خ م ت) فأخرجه (خ) ١٠/ ٢٨٨ ومسلم ٣/ ١٤٧ نووي من طريق عمر بن محمَّد، حدثنا نافع به. وأخرجه (ت) ٨/ ٤٦ تحفة، وقال: هذا حديث صحيح، وروى أيضا من طريق مالك، عن أبي بكر بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر فذكره، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأبو بكر بن نافع هو مولى ابن عمر ثقة، ومثله عمر بن نافع، وعبد الله بن نافع مولى ابن عمر يضعف.
وأخرجه أحمد ٢/ ١٦، وأبو عوانة ١/ ١٨٩، والبيهقي ١/ ١٥٠ عن نافع عن ابن عمر وكذلك مالك ٣/ ١٢٣ تنوير، وفي الباب عن أبي هريرة، رواه مسلم ١٤٧٣ نووي، وأحمد ٢/ ٣٥٦ وأيضا ٢/ ٣٦٥، ٣٦٦، وأبو عوانة ١/ ١٨٨، والبيهقي ١/ ١٥٠ وجاء بلفظ الأمر رواه أبو داود ١١/ ٢٥٣ عون، وأحمد ٢/ ٥٢ ومالك في الموطأ ٣/ ١٢٣ تنوير واللفظ لأبي داود عن نافع عن ابن عمر "أن رسول الله - ﷺ - أمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحى" قاله صاحب بذل الإحسان جـ ١/ ص ١١٤.
[ ١ / ٤٠١ ]
"المسألة الرابعة" في أقوال أهل العلم في إعفاء اللحية:
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: بعد ذكر اختلاف الروايات في "أعفوا اللحى": ما نصه: فحصل خمس روايات: "أعفوا وأوفوا"، و"أرخوا"، و"أرجوا"، و"وفروا"، ومعناها كلها تركها على حالها، هذا هو الظاهر من الحديث الذي تقتضيه ألفاظه، وهو الذي قاله جماعة من أصحابنا وغيرهم من العلماء، وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: يكره حلقها وقصها، وتحذيفها (^١)، وأما الأخذ من طولها وعرضها فحسن، وتكره الشهرة في تعظيمها كما تكره فبم قَصِّها وجَزِّها، قال: وقد اختلف السلف هل لذلك حد؟ فمنهم من لم يحدد شيئا في ذلك إلا أنه لا يتركها لحد الشهرة، ويأخذ منها، وكَرهَ مالك طولها جدّا، ومنهم من حدد بما زاد على القبضة فيزال، ومنهم من كره الأخذ منها إلا في حج أو عمرة. اهـ كلام النووي في شرح مسلم جـ ٣/ ص ١٥١.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله عياض ﵀ من الأخذ من طولها وعرضها وكراهة الشهرة بها فمما لا مستند له، بل هو مخالف للنصوص المذكورة، فلا ينبغي الإلتفات إليه، وأما ما نقل عن ابن عمر ﵁ كما سيأتي قريبا فلا يعارض به المرفوع لأنه لا قول مع قول الرسول - ﷺ -، والصحابي إذا خالف فعلُهُ مرويَّه فالعبرة بما روى لا بما رأى. والله أعلم.
وأخرج البخاري في صحيحه: حدثنا محمَّد بن منهال، حدثنا يزيد ابن زريع، حدثنا عمر بن محمَّد بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: "خالفوا المشركين، ووفّروا اللحى، وأحفوا الشوارب"
_________________
(١) يقال: حذف من شعره ومن ذَنَب الدابة إذا قصر منه وحَذّف بالتثقيل مبالغة، وكل شيء أخذت من نواحيه حتى سويته فقد حَذَّفته تحذيفا، أفاده في المصباح.
[ ١ / ٤٠٢ ]
وكان ابن عمر: إذا حج، أو أعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه.
قال الحافظ: هو موصول بالسند المذكور إلى نافع، وقد أخرجه مالك في الموطأ عن نافع بلفظ: "كان ابن عمر إذا حلق راسه في حج أو عمرة أخذ من لحيته وشاربه". وفي حديث الباب مقدار المأخوذ، وقوله: فضل بفتح الفاء والضاد المعجمة، ويجوزكسر الضاد كعلم، والأشهر الفتح، قاله ابن التين. وقال الكرماني: لعل ابن عمر أراد الجمع بين الحلق والتقصير في النسك فحلق رأسه كله وقصر من لحيته ليدخل في عموم قوله تعالى ﴿محلقين رؤوسكم ومقصرين﴾ [الفتح: ٢٧]، وخص ذلك من عموم قوله: "وفروا اللحى" فحمله على حالة غير حالة النسك.
قال الحافظ: الذي يظهر لي أن ابن عمر كان لا يخص هذا التخصيص بالنسك، بل كان يحمل الأمر بالإعفاء على غير الحالة التي تتشوه فيها الصورة بإفراط طول شعر اللحية، أو عرضه، فقد قال الطبرى: ذهب قوم إلى ظاهر الحديث فكرهوا تناول شيء من اللحية من طولها ومن عرضها، وقال قوم: إذا زاد على القبضة يؤخذ الزائد، ثم ساق بسنده إلى ابن عمر أنه فعل ذلك، وإلى عمر أنه فعل ذلك برجل، ومن طريق أبي هريرة أنه فعله. وأخرج أبو داود من حديث جابر بسند حسن قال: "كنا نُعَفِّي السِّبَال إلا في حج أو عمرة"، وقوله: نعفي بضم أوله وتشديد الفاء: أي نتركه وافرا، وهذا يؤيد ما نقل عن ابن عمر، فإن السبال بكسر المهملة وتخفيف الموحدة جمع سَبَلة بفتحتين: وهي ما طال من شعر اللحية، فأشار جابر إلى أنهم يقصرون منها في النسك.
[ ١ / ٤٠٣ ]
ثم حكى الطبري اختلافا فيما يؤخذ من اللحية: هل له حدّ أم لا؟ فاسند عن جماعة الاقتصار على أخذ الذي يزيد منها على قدر الكف، وعن الحسن البصري أنه يؤخذ من طولها وعرضها ما لم يفحش، وعن عطاء نحوه. قال: وحمل هؤلاء النهي على منع ما كانت الأعاجم تفعله من قصها وتخفيفها. قال: وكره آخرون التعرض لها إلا في حج أو عمرة، وأسنده عن جماعة، واختار قول عطاء، وقال: إن الرجل لو ترك لحيته لا يتعرض لها حتى أفحش طولها وعرضها لعرض نفسه لمن يسخر به، واستدل بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي - ﷺ - كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها، وهذا أخرجه الترمذي، ونقل عن البخاري أنه قال في رواية عمر بن هارون: لا أعلم له حديثا منكرا إلا هذا. اهـ. وقد ضعف عمر بن هارون مطلقا جماعة.
ثم نقل الحافظ ما تقدم عن القاضي عياض. من الأخذ من طولها وعرضها وكراهة الشهرة في تعظيمها، ثم قال: وتعقبه النووي بأنه خلاف ظاهر الخبر في الأمر بتوفيرها. قال: والمختار تركها على حالها، وأن لا يتعرض لها بتقصير ولا غيره. قال الحافظ: وكان مراده بذلك في غير النسك لأن الشافعي نص على استحبابه فيه. اهـ فتح جـ ٢٢/ ص ١١٩.
قال الجامع عفا الله عنه: قول الحافظ: وكأن مراده الخ فيه نظر، لأن نص الشافعي لا يعارض به المرفوع، فتبصر. والله أعلم.
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى، ما حاصله:
واستدل بفعل ابن عمر بعض أهل العلم، والروايات المرفوعة ترده، ثم ذكر حديث عمرو بن شعيب، وضعفه، ثم قال: فعلى هذا لا تقوم بالحديث حجة، أي لضعفه. نيل جـ ١/ ص ١٧٧.
[ ١ / ٤٠٤ ]
وقال النووي في المجموع: ما نصه: فرع:
سبق في الحديث أن إعفاء اللحية من الفطرة فالإعفاء بالمد قال الخطابي وغيره: هو توفيرها وتركها بلا قص، كره لنا قصها كفعل الأعاجم، قال: وكان من زيّ كسرى قص اللحى، وتوفير الشوارب، قال الغزالي في الإحياء: اختلف السلف فيما طال من اللحية؟ فقيل: لا بأس أن يقبض عليها ويقص ما تحت القبضة فعله ابن عمر، ثم جماعة من التابعين، واستحسنه الشعبي، وابن سيرين، وكرهه الحسن، وقتادة، وقالوا: يتركها عافية، لقوله - ﷺ - "وأعفوا اللحى" قال الغزالي: والأمر في هذا قريب إذا لم ينته إلى تقصيصها، لأن الطول المفرط قد يشوه الخلقة. هذا كلام الغزالي. قال النووي: والصحيح كراهة الأخذ منها مطلقا، بل يتركها على حالها، كيف كانت، للحديث الصحيح "وأعفوا اللحى"، وأما حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: أن النبي - ﷺ - كان يأخذ من لحيته في عرضها وطولها. فرواه الترمذي بإسناد ضعيف لا يحتج به.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي صححه النووي ﵀ مخالفا للغزالي هو عين التحقيق، من هذا المحقق الوثيق. والله أعلم.
قال النووي: أما المرأة إذا نبت لها لحية فيستحب حلقها صرح به القاضي حسين وغيره. وكذا الشارب والعَنْفَقَة (^١) لها، هذا مذهبنا، وقال محمَّد بن جرير: لا يجوز لها حلق شيء من ذلك ولا تغيير شيء من خلقتها بزيادة ولا نقص.
قال الجامع: ما رأيت لمدعي الاستحباب، ولا لمدعي عدم الجواز
_________________
(١) العنفقة: بفتح العين وسكون النون وفتح الفاء والقاف: شُعَيرات بين الشفة السفلى والذقن، أفاده في "ق" ص ١١٧٨ طبعة مؤسسة الرسالة.
[ ١ / ٤٠٥ ]
دليلا صر يحا، فالأولى أن يقال بالإباحة حتى يوجد نص صريح لأحدهما. والله أعلم.
قال النووى: وأما الأخذ من الحاجبين إذا طال فلم أر فيه شيئا
لأصحابنا، وينبغي أن يكره لأنه تغيير لخلق الله لم يثبت فيه شيء فكره، وذكر بعض أصحاب أحمد أنه لابأس به. قال: وكان أحمد يفعله،
وحكي أيضا عن الحسن البصري.
قال الجامع: وما ذهب إليه أحمد ونقل عن الحسن هو الأولى لعدم النص أمرا أو نهيا فكان على أصل الإباحة. والله أعلم.
قال النووى: قال الغزالي: تكره الزيادة في اللحية والنقص منها، وهو أن يزيد في شعر العذارين من شعر الصدغين إذا حلق رأسه، أو ينزل فيحلق بعض العذارين، قال: وكذلك نتف جانبي العنفقة، وغير ذلك فلا يغير شيئا، وقال أحمد بن حنبل لا بأس بحلق ما تحت حلقه من لحيته، ولا بقص ما زاد منها على قبضة اليد، وروي نحوه عن ابن عمر، وأبي هريرة، وطاوس.
قال النووي: وما ذكرناه أوّلا هو الصحيح.
ثم نقل عن الغزالي وهو تابع في ذلك لأبي طالب المكي: أن في اللحية عشر خصال مكروهة:
أحدها: خضابها بالسواد إلا لغرض الجهاد إرعابا للعدو بإظهار الشباب والقوة فلا بأس إذا كان بهذه النية لا لهوى وشهوة.
الثانية: تبيضها بالكبريت أو غيره استعجالا للشيخوخة وإظهارا للعلو في السن لطلب الرياسة والتعظيم والمهابة والتكريم، ولقبول حديثه، وإيهاما للقاء المشايخ ونحوه.
[ ١ / ٤٠٦ ]
الثالثة: خضابها بحمرة، أو صفرة تشبيها بالصالحين، ومتبعي السنة، لا بنية اتباع السنة.
الرابعة: نتفها في أول طلوعها وتخفيفها بالموسى إيثارا للمرودة، واستصحابا للصبا، وحسن الوجه، وهذه الخصلة من أقبحها.
الخامسة: نتف الشيب.
السادسة: تصفيفها وتعبيتها طاقة فوق طاقة، للتزين والتصنع ليستحسنه النساء وغيرهن.
السابعة: الزيادة فيها والنقص منها كما سبق.
الثامنة: تركها شَعثَةً مُنْتَفشَةً إظهارا للزهادة وقلة المبالاة بنفسه.
التاسعة: تسريحها تصنعا.
العاشرة: النظر إليها إعجابا وخيلاء غرَّة بالشباب، وفخرا بالمشيب، وتطاولا على الشباب، وهاتان الخصلتان في التحقيق لا تعود الكراهة فيهما إلى معنى في اللحية بخلاف الخصال السابقة. اهـ المجموع جـ ١/ ص ٢٩١ - ٢٩٢.
وزاد في شرح مسلم على المذكور:
١١ - عَقْدَها وضَفْرها.
١٢ - حلقها، إلا إذا نبت للمرأة لحية فيستحب لها حلقها. اهـ جـ ٣/ ص ١٤٩.
قال الجامع: قد تقدم ما في حلق المرأة للحيتها. فتنبه.
وذكر في المجموع: حديثا أخرجه أبو داود في الطهارة، والمصنف في الزينة عن رويفع ﵁ بإسناد جيد قال: قال لي رسول الله
[ ١ / ٤٠٧ ]
- ﷺ -: "يا رويفع لعل الحياة ستطول بك فأخْبر الناسَ أنه من عَقَد لحيته، أو تَقلَّد وَتَرًا، أو استنجى برجيع دابة، أو عظم فإن محمدا منه بريء"
قال الخطابي: في عقدها تفسيران: أحدهما: أنهم كانوا يعقدون لحاهم في الحرب وذلك من زي العجم، والثاني: معالجة الشعر ليتعقد، ويتجعد، وذلك من فعل أهل التأنيث، والتواضع. اهـ جـ ١/ ص ٢٩٢.
(تنبيه) قال في الفتح: أنكر ابن التين ظاهر ما نقل عن ابن عمر فقال: ليس المراد أنه كان يقتصر على قدر القبضة من لحيته بل كان يمسك عليها فيزيل ما شك منها فيمسك من أسفل ذقنه بأصابعه الأربعة ملتصقة فيأخذ ما سفل عن ذلك ليساوي طول لحيته.
قال الجامع: هكذا نقل الحافظ عن ابن التين، ولم يتعقبه بشيء، وأنا أستغرب ذلك منه، لأن نص البخاري لا يفيد ما ذكره، وعلى أي حال ففعل ابن عمر لا يتمشى مع ظاهر النص سواء فسر بما فسر به ابن التين، أم لا؟ لأن النص يقتضي عدم التعرض لها بشيء كما رجحه النووي. فيما تقدم.
وقال أبو شامة: وقد حدث قوم يحلقون لحاهم وهو أشد مما نقل عن المجوس أنهم كانوا يقصونها. اهـ فتح جـ ٢٢/ ص ١١٩.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب".
ولما أنهى الكلام على خصال الفطرة والتوقيت فيها أتبعه بذكر أدب الخلاء؛ لأنه يتقدم الاستنجاء الذي هو مقدمة الوضوء، والاستنجاء من خصال الفطرة كما تقدم فناسب ذكره عقبها، وقدمه على الوضوء لتقدمه عليه.
قال ﵀:
[ ١ / ٤٠٨ ]