أي هذا باب ذكر الحديث الدال على استحباب الإبعاد عند إرادة قضاء الحاجة، والإبعاد مصدر بمعنى تباعد، يقال: أبعدت في المذهب إبعادا بمعنى تباعدت، قال ابن قتيبة: ويكون أبعد لازما ومتعديا فاللازم أبعد زيد عن المنزل بمعنى تباعد، والمتعدى أبعدته قاله في المصباح، والمناسب هنا الأول.
والحاجة كناية عن البول والغائط، وهي في الأصل قيل تطلق على نفس الافتقار، وعلى الشيء الذي يُفتَقَر إليه قاله في التاج.
١٦ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْخَطْمِيُّ -عُمَيْرُ بْنُ يَزِيدَ- قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ فُضَيْلٍ، وَعُمَارَةُ بْنُ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي قُرَادٍ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِلَى الْخَلَاءِ وَكَانَ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ أَبْعَدَ. رجال الإسناد: ستة
١ - عمرو بن علي الفلاس البصري ثقة حافظ [١٠] تقدم في ٤/ ٤.
٢ - يحيى بن سعيد القطان البصري ثقة حجة من كبار [٩] تقدم في ٤/ ٤.
[ ١ / ٤٠٩ ]
٣ - أبو جعفر الخطمي عمير بن يزيد بن حبيب الأنصاري الخطمي بفتح المعجمة وسكون الطاء المدني نزيل البصرة من السادسة، صدوق، روى له الأربعة.
٤ - الحارث بن فضيل الأنصاري الخطمي، أبو عبد الله المدني، ثقة من السادسة، روى له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
٥ - عُمَارة بضم العين وتخفيف الميم بن خُزيمة بن ثابت الأنصاري الأوسي، أبو عبد الله أو أبو محمَّد المدني ثقة من الثالثة مات سنة خمس ومائة، وهو ابن خمس وسبعين، روى له الأربعة.
٦ - عبد الرحمن بن أبي قُرَاد بضم القاف وتخفيف الراء الأنصاري، صحابي له حديث واحد، ويقال له ابن الفاكه، روى له النسائي، وابن ماجه. وقوله: له حديث واحد، أي بالنسبة لما عند النسائي، وابن ماجه، وإلا فقد ذكر له في الإصابة حديثين آخرين.
ودونك عبارته بتمامها عبد الرحمن بن أبي قراد بضم القاف وتخفيف الراء الأنصاري، ويقال السلمي، وجزم بالثاني أبو نعيم وابن عبد البر، وقالا هما وابن منده: عداده في أهل الحجاز، قال ابن منده: ويقال له ابن الفاكه بالفاء وكسر الكاف بعدها هاء، قال ابن سعد، وأبو حاتم، وابن السكن: له صحبة، وقال مسلم، والأزدي: تفرد عمارة ابن خزيمة بالرواية عنه، وهو متعقب بأن البخاري ذكر في تاريخه رواية الحارث بن فضيل عنه أيضًا، وحديثه عند النسائي من طريق أبي جعفر الخطمي عنهما جميعا عنه وضم ابن عبد البر إليهما في الرواية عنه أبا جعفر الخطمي فوهم وإنما روايته عنهما عنه ولفظه "خرجت مع النبي - ﷺ - إلي الخلاء، وكان إذا أراد الحاجة أبعد" وسنده حسن، وأخرجه ابن ماجه أيضا، وذكر ابن منده أن علي بن المديني أخرج له من هذا
[ ١ / ٤١٠ ]
الوجه حديثا آخر قال "رأيت رسول الله - ﷺ - توضأ فأدخل يده في الإناء" الحديث وأورد له ابن منده حديثا آخر من رواية الحارث بن فضيل عنه "أن رسول الله - ﷺ - توضأ يوما فجعل الناس يتمسحون بعرقوبه" وأخرجه أبو نعيم في فوائد ميمونة وزاد فقال "ما يحملكم على ذلك قالوا حب الله ورسوله فقال: من سره أن يحبه الله ورسوله، فليصدق في حديثه وليؤد أمانته، وليحسن جوار من جاوره" وفي إسناده الحارث بن أبي الحارث ابن أبي جعفر وهو ضعيف، وقد خالفه فيه ضعيف آخر كما سأذكره في الكنى في ترجمة أبى قراد السلمى اهـ عبارة الإصابة جـ ٢/ ص ٤١١.
لطائف الإسناد
فيه الأخبار في أوله بلفظ الجمع والتحديث في ثلاثة مواضع، الأولان بلفظ الجمع، والثالث بلفظ الإفراد، والعنعنة في آخره.
وفيه أن رواته ما بين بصريين، وهم الثلاثة الأولون ومدنيين، وهما الحارث وعمارة، وحجازي، وهو الصحابي، لكن إن كان هو من أهل المدينة كان النصف الثاني كلهم مدنيين.
وفيه أنه من سداسيات المصنف.
شرح الحديث
(خرجت مع رسول الله - ﷺ -) أي مصاحبا له (إلى الخلاء) مثل الفضاء وزنا ومعنى، والخلاء أيضا المُتَوَضَّأ أفاده في المصباح، وفسره بالثاني في "ق" وعبارته: والخلاء المتوضأ قال الشارح: سمى بذلك لخلوه، وهو بالمد، ومثله في الصحاح. قال شيخنا: وفيه نظر، فإن الخلاء في الأصل مصدر، ثم استعمل في المكان الخالي المتخذ لقضاء الحاجة لا للوضوء فقط كما يوهمه قوله المتوضا أي محل الوضوء، وقال الحَطَّابُ في شرح المختصر: يقال لموضع قضاء الحاجة الخلاء بالمد، وأصله المكان
[ ١ / ٤١١ ]
الخالي، ثم نقل إلى موضع قضاء الحاجة، قال شيخنا: قوله وأصله المكان الخالي كأنه أراد الأصل الثاني، وإلا فأصله الأول هو مصدر خلا المكان خلاء إذا فرغ ولم يكن فيه أحد ثم نقل الحطاب عن الحكيم الترمذي أنه سمي بذلك باسم شيطان يقال له خلاء وأورد فيه حديثًا، وقيل لأنه يتخلى فيه أي يتبرز، والجمع أخلية. قال شيخنا: وهذا الذي ذكره الحكيم الترمذي يحتاج إلى ثبت، ولعل العرب الذين وضعوه لا يعرفون ذلك لأنه قديم الوضع فتأمل اهـ تاج العروس في مادة خلا.
(وكان) من عادته - ﷺ - (إذا أراد الحاجة) أي قضاء الحاجة من بول أو غائط (أبعد) أي تباعد لأن أبعد يأتي لازما ومتعديا كما قدمنا، والمناسب هنا الأول، فقول السندي قوله: أبعد، أي تلك أو نفسه عن أعين الناس لا داعي إليه.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"المسألة الأولى" في درجته: حديث عبد الرحمن بن أبي قراد ﵁ صحيح.
"المسألة الثانية" فيمن أخرجه معه: أخرجه ابن ماجه في الطهارة عن أبي بكر بن أبي شيبة، وابن بشار كلاهما، عن يحيى بن سعيد بإسناد المصنف.
وأخرجه ابن خزيمة أخبرنا أبو طاهر، ثنا أبو بكر بندار، ثنا يحيي بن سعيد بإسناد المصنف وفيه قال بندار قلت ليحيي: ما اسم أبى جعفر الخطمي؟ فقال عمير بن يزيد.
"المسألة الثالثة": من فوائد الحديث طلب التباعد عن الناس عند قضاء
الحاجة بولا كان أو غائطا إكراما لهم وإراحة لنفسة، لأنه مع قربه من الناس ربما يمنعه الحياء من إخراج الريح ونحوه.
وكونه - ﷺ - مجبولا على مكارم الأخلاق.
[ ١ / ٤١٢ ]
١٧ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ إِذَا ذَهَبَ الْمَذْهَبَ أَبْعَدَ، قَالَ: فَذَهَبَ لِحَاجَتِهِ وَهُوَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَقَالَ: "ائْتِنِي بِوَضُوءٍ". فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ.
قَالَ الشَّيْخُ إِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ الْقَارِئُ.
رجال الإسناد: خمسة
١ - (علي بن حجر) بضم فسكون بن إياس السعدي المروزي ثقة حافظ من صغار [٩] تقدم في ١٣/ ١٣.
٢ - (إسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير الزُّرَقي مولاهم أبو إسحاق المدني القارئ (^١) أحد الكبار عن عبد الله بن دينار، والعلاء بن عبد الرحمن، وربيعة، وحميد. وعنه قتيبة وعلي بن حجر ويحيى بن يحيى. له نحو خمسمائة حديث، وثقه أحمد بن حنبل، توفي سنة ثمانين ومائة. أخرج له الجماعة من الثامنة.
٣ - (محمد بن عَمْرو) بن علقمة الليثي المدني مشهورمن شيوخ مالك، صدوق أحد أئمة الحديث تُكُلِّمَ فيه من قبل حفظه، وثقه النسائي، وقال الجوزجاني: ليس بالقوي، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا
_________________
(١) قارئ أهل المدينة اهـ. تهذيب.
[ ١ / ٤١٣ ]
بأس به، وعن ابن معين أنه ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، روى عن أبيه، وعبد الرحمن بن يعقوب، وطائفة. وعنه موسى بن عقبة، وشعبة، والسيفانان، وغيرهم، روى له البخاري مقرونا حديثا واحدا، ومسلم متابعة، توفى سنة أربع أو خمس وأربعين ومائة. من السادسة.
٤ - (أبو سلمة) هو ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري قيل: اسمه كنيته، وهو الأصح، وقيل: عبد الله أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. من [٣] وتقدم. في ١/ ١.
٥ - (المغيرة بن شعبة) بن أبي عامر الثقفي أبو محمَّد شهد الحديبية، وأسلم زمن الخندق، له مائة وستة وثلاثون حديثا، اتفقا على تسعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين، وعنه ابناه حمزة، وعروة،
والشعبي، وخلق، شهد اليمامة، واليرموك، والقادسية، وكان عاقلا أديبا فطنا لبيبا داهيا قيل، أحصن ألف امرأة، قال الهيثم: توفي سنة خمسين بالكوفة، وله ٧٠ سنة، قاله ابن حبان.
لطائف الإسناد
منها: الإخبار في أوله وثانيه، والعنعنة في الباقي.
ومنها: أن رواته ما بين مروزي، وهو الأول، ومدنيين وهم الثلاثة بعده، وكوفي، وهو الصحابي فإنه مات بها، وهو وال عليها وأنه من خماسياته.
شرح الحديث
(كان إذا ذهب المذهب) قال الحافظ ولي الدين العراقي بفتح الميم، وإسكان الذال، مَفْعَل من الذهاب، ويطلق على معنيين: أحدهما المكان الذي يذهب إليه، والثاني المصدر، يقال: ذهب ذهابًا،
[ ١ / ٤١٤ ]
ومذهبًا. فيحتمل أن يراد المكان فيكون التقدير إذا ذهب في المذهب أي موضع التغوط، ويحتمل أن يراد المصدر أي ذهب ذهابا والاحتمال الأول هو المنقول عن أهل العربية، وقال به أبو عبيدة وغيره، وجزم به فيه النهاية، ويوافق الاحتمال الثاني قوله في رواية الترمذي "أتي حاجته فأبعد في المذهب" فإنه يتعين فيها أن يراد بالمذهب المصدر انتهى.
وقال ابن منظور في اللسان والمذهب المتوضأ لأنه يذهب إليه، وقال الكسائي: يقال لموضع الغائط: الخلاء، والمذهب، والمرفق، والمرحاض. اهـ لسان.
(أبعد) أي تباعد عن أعين الناس وتقدم في الحديث السابق أنه لازم والمعنى أنه - ﷺ - كان إذا أراد قضاء حاجته ذهب ذهابا بعيد أو إلى مكان بعيد حتي يَتَوَارى عن أعين الناس.
(قال) المغيرة ﵁ (فدهب) أي أراد النبي - ﷺ - الذهاب (لحاجته) يريد البول والغائط (وهو في بعض أسفاره) جملة حالية أي والحال أنه كان في بعض أسفاره، وهو في غزوة تبوك كما في رواية للمصنف تأتي إن شاء الله وأبي داود (فقال) النبي - ﷺ - (ائتنى بوضوء) بفتح الواو: الماء الذي يتوضأ به (فأتيته بوضوء) بالفتح أيضا (فتوضأ) النبي - ﷺ - أي غسل وجهه ويديه ومسح برأسه لا أنه أكمل الوضوء بغسل الرجلين بدليل ما بعده (ومسح) بعد الغسل المذكور (على الخفين).
(قال الشيخ) أي المصنف الظاهر أنه من بعض التلاميذ، أي قال المصنف مبينا لما أهمل في السند (إسماعيل) الراوي عن محمَّد بن عَمْرو (هو ابن جعفر بن أبي كثيرالقارىء) قارئ أهل المدينة.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"الأولى": في درجته حديث المغيرة ﵁ صحيح.
[ ١ / ٤١٥ ]
"الثانية": فيمن أخرجه من أصحاب الأصول وغيرهم: أخرجه أبو داود في أول الطهارة، عن القعنبي، عن الدراوردي، عن محمَّد ابن عمرو، بسند المصنف إلا أنه مختصر، والترمذي في الباب السادس عشر من الطهارة عن ابن بشار، عن الثقفي عن محمَّد بن عمرو به، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه في الطهارة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن إسماعيل ابن علية، عن محمَّد بن عمرو به، أفاده الحافظ المزي.
وأخرجه الدارمي، وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما، وأخرجه أحمد في مسنده.
"الثالثة": قال الترمذي وفي هذا الباب عن عبد الرحمن بن أبي قراد، وأبي قتادة، وجابر، ويحيى بن عبيد، عن أبيه، وأبي موسى، وابن عباس، وبلال بن الحارث.
"الرابعة": يستفاد من الحديث مشروعية البعد عن أعين الناس عند قضاء الحاجة بولا أو غائطا احتراما لهم وإبعادا للأذى عنهم، وراحة لقاضي الحاجة؛ لأنه مع قربه منهم يمنعه الحياء من إخراج ريح ونحوه.
وكونه - ﷺ - مجبولا على مكارم الأخلاق وجواز الاستعانة في إحضار ماء الوضوء بغيره، وخدمة الأكابر، ومشروعية المسح على الخفين. والله أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
[ ١ / ٤١٦ ]