أي هذا باب يذكر فيه الرُّخصة في ترك الإبعاد عند قضاء الحاجة، والرخصة وزان غرفة وتضم الخاء للإتباع جمعه رُخَص ورُخُصَات، مثل غُرف، وغرفات: التسهيل في الأمر، والتيسير، يقال: رخص الشرع لنا في كذا ترخيصا وأرخص إرخاصا: إذا يسره وسهله قاله في المصباح. ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة في قوله: "فكنت عند عقبيه".
١٨ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَثَّنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَانْتَهَى إِلَى سُبَاطَةِ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا، فَتَنَحَّيْتُ عَنْهُ، فَدَعَانِي، وَكُنْتُ عِنْدَ عَقِبَيْهِ حَتَّى فَرَغَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ.
رجال الإسناد: خمسة
١ - (إسحاق بن إبراهيم) هو إسحاق بن راهويه تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي أخو إسرائيل، ثقة، من الثامنة، تقدم في ٨/ ٨.
٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم أبو محمَّد الكوفي، أحد الأعلام الحفاظ والقراء رأى أنسًا يبول، وروى عن عبد الله
[ ١ / ٤١٧ ]
ابن أبى أوفى، وعكرمة، قال أبو حاتم: لم يسمع منهما، وزيد بن وهب، وأبي وائل، وإبراهيم التيمي، والشعبي، وخلق. وعنه أبو إسحاق، والحكم، وزبيد من شيوخه، وسليمان التيمي من طبقته، وشعبة، وسفيان، وزائدة، ووكيع، وخلائق. قال ابن المديني: له نحو ألف وثلثمائة حديث، وقال ابن عيينة: كان أقرأهم وأحفظهم وأعلمهم. وقال عمرو بن علي: كان يسمى المصحف لصدقه. وقال العجلى: ثقة ثبت، يقال: ظهر له أربعة آلاف حديث، ولم يكن له كتاب، وكان فصيحا، وقال النسائي: ثقة، وعده في المدلسين، قال أبو نعيم: مات سنة في ١٤٨ عن ٨٤ سنة.
٤ - (شقيق) بن سلمة الأسدي هو أبو وائل ثقة، من الثانية، تقدم في ٢/ ٢.
٥ - (حذيفة بن اليمان) الصحابي الجليل ﵁ تقدم في ٢/ ٢.
شرح الحديث
(قال) أي حذيفة ﵁ (كنت أمشي مع رسول الله - ﷺ -) أي في المدينة، لما روى الطبراني من حديث عصمة بن مالك، قال "خرج علينا رسول الله - ﷺ - في بعض سكك المدينة، فانتهى إلى سباطة قوم، فقال: يا حذيفة استرنى" الحديث، قاله في الفتح. (فانتهى) أي وصل، قال في اللسان: الإنهاء: الإبلاغ، وأنهيت إليه الخبر، فانتهى، وتناهى، أي بلغ، وتقول: أنهيت إليه السهم أي أوصلته إليه اهـ جـ ١٥/ ٣٤٥ (إلى سباطة قوم) بضم السين المهملة وتخفيف الموحدة، قال في النهاية: هي الموضع الذى يُرمى فيه التراب والأوساخ، وما يكنس من المنازل، وقيل هي الكُنَاسة نفسها وإضافتها إلى القوم إضافة
[ ١ / ٤١٨ ]
تخصيص، لا ملك لأنها كانت مواتا مباحة اهـ زهر ١٩١. قال في العمدة: وكانت يعني السباطة بالمدينة، ذكره محمَّد بن طلحة بن مصرف عن الأعمش اهـ جـ ٣/ ص ٩ (فبال) النبي - ﷺ - في تلك السباطة (قائما) حال من فاعل بال، قاله العيني. قال حذيفة ﵁ (فتنحيت عنه) أي تباعدت تأدبا معه على ظن أنه يكره القرب منه في تلك الحالة كما عليه العادة أفاده السندي (فدعاني) أي فقال - ﷺ - يا حذيفة استرني" كما في رواية الطبراني من حديث عصمة بن مالك المتقدم آنفا، (وكنت عند عقبيه) الظاهر أنه عطف على محذوف أي فأتيته، وكنت الخ ورواية أبي داود، والترمذي "حتى كنت عند عقبيه" وإنما دنى منه ليستره كما تقدم عند الطبراني (حتى فرغ) النبي - ﷺ - من حاجته (ثم توضأ) بعد الفراغ من البول وفي رواية البخاري "ثم دعا بماء فجئته بماء فتوضأ (ومسح على خفيه) أي بعد غسل سائر الأعضاء ومسح الرأس.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"الأولى": في درجته، حديث حذيفة ﵁ متفق عليه.
"الثانية": فيمن أخرجه مع المصنف:
قال الحافظ أبو الحجاج المزي في التحفة حديث "أتى النبي - ﷺ - سباطة قوم فبال قائما" الحديث ومنهم من ذكر فيه المسح على الخفين عن الأعمش وحده، فأخرجه (ع) فأخرجه (خ) في المظالم عن سليمان بن حرب مختصرا كما هنا، وفي الطهارة عن محمَّد بن عرعرة كلاهما عن شعبة، وعن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير، كلاهما عن منصور، وعن آدم عن شعبة، عن الأعمش، كلاهما عنه به، وأول حديث محمَّد بن عرعرة، وكان أبو موسى يشدد في البول، ويقول: إن بني إسرائيل كان إذا أصاب ثوب أحدهم قرضه و(م) في الطهارة عن يحيى
[ ١ / ٤١٩ ]
ابن يحيى، عن جرير نحو حديث محمَّد بن عرعرة (د) فيه أي في الطهارة عن حفص بن عُمَر، ومسلم بن إبراهيم كلاهما عن شعبة وعن مسدد عن أبي عوانة.
(ت) فيه أي الطهارة عن هناد، عن وكيع ثلاثتهم عن الأعمش به، وفيها ذكر المسح، قال الترمذي: وسمعت الجارود يقول: سمعت وكيعا يحدث بهذا الحديث عن الأعمش، ثم قال وكيع هذا أصح حديث روي عن النبي - ﷺ - في المسح.
(س) في الطهارة عن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس، وعن المؤمل بن هشام، عن ابن علية، عن شعبة كلاهما عن الأعمش به، وعن ابن بشار، عن غندر، عن شعبة، عن منصور به، وعن
سليمان بن عبيد الله الغيلاني، عن بهز، عن شعبة، عن الأعمش، ومنصور به وليس فيها ذكر المسح إلا في حديث عيسى بن يونس، وفي حديث بهز.
(ق) فيه أي الطهارة عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن شريك، وهشيم، ووكيع، ثلاثتهم عن الأعمش به من غير ذكر المسح، وعن إسحاق بن منصور، عن أبي داود، عن شعبة، عن منصور مثله، وعن محمَّد بن عبد الله بن نمير، وعلي بن محمَّد، كلاهما عن وكيع، وعن الوليد بن شجاع، عن أبيه، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن أبي زائدة، أربعتهم عن الأعمش بقصة المسح فحسب. اهـ كلام المزي جـ ٣/ ص ٣٥.
وكتب الحافظ على قوله وليس فيها يعني رواية النسائي ذكر المسح الخ ما نصه قلت ليس في حديث بهز عن شعبة عن منصور ذكر المسح وإنما هو في حديثه عن شعبة عن الأعمش وقد بين ذلك النسائي اهـ نكت.
وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه بألفاظ متقاربة وأخرجه
[ ١ / ٤٢٠ ]
البيهقي من عدة طرق اهـ المنهل، جـ ١/ ص ٩٤.
"المسألة الثالثة": قوله عن الأعمش عن شقيق، ولأبي داود الطيالسي في مسنده عن شعبة، عن الأعمش: أنه سمع أبا وائل، ولأحمد عن يحيى القطان، عن الأعمش، حدثني أبو وائل. قاله في الفتح.
قال الجامع: فانتفى تهمة التدليس عن الأعمش.
"الرابعة": قوله سباطة إضافة السباطة إلى القوم إضافة اختصاص، لا ملك لأنها كانت بفناء دورهم للناس كلهم فأضيفت إليهم لقربها منهم ولهذا بال - ﷺ - عليها وبهذا يندفع إشكال من قال: إن البول يوهن الجدار وفيه ضرر فكيف هذا من النبي - ﷺ - وقد يقال: إنما بال فوق السباطة لا في أصل الجدار، وقد صرح به في رواية أبي عوانة في صحيحه، وقيل يحتمل أن يكون علم إذنهم في الجدار بالتصريح أو غيره، أو لكونه مما يتسامح الناس به، أو لعلمه - ﷺ - بإيثارهم إياه، بذلك، أو لكونه يجوز له التصرف في مال أمته دون غيره؛ لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأموالهم.
قال الحافظ ﵀: وهذا وإن كان صحيح المعنى لكن لم يُعهد ذلك من سيرته ومكارم أخلاقه - ﷺ - اهـ فتح جـ ٢/ ص ١٢٠.
وقال البدر العيني قلت هذا كله على تقدير أن تكون السباطة ملكا لأحد أو لجماعة معينين وقال الكرماني وأظهر الوجوه أنهم كانوا يؤثرون ذلك ولا يكرهونه بل يفرحون به ومن كان هذا حاله جاز البول في أرضه والأكل من طعامه، قال العيني: هذا أيضا على تقدير أن تكون السباطة ملكا لقوم.
فإن قلت كان من عادته - ﷺ - التباعد في المذهب وقد روى المصنف
[ ١ / ٤٢١ ]
وأبو داود عن المغيرة بن شعبة أن النبي - ﷺ - كان إذا ذهب المذهب أبعد.
والمذهب بالفتح الموضع الذي يتغوط فيه وأخرجه بقية الأربعة أيضا قلت يحتمل أنه - ﷺ - كان مشغولا في ذلك الوقت بأمور المسلمين والنظر في مصالحهم فلعله طال عليه الأمر فأتى السباطة حين لم يمكنه التباعد وإنه لو بعد لكان تضرر.
فإن قلت روى أبو داود من حديث أبي موسى الأشعري أنه قال: "كنت مع رسول الله - ﷺ - ذات يوم فأراد أن يبول فأتى دمثا في أصل جدار فبال" الحديث، فهذا يخالف ما ذكرت فيما مضى عن قريب، قلت: يجوز أن يكون الجدار ها هنا عاد يا غير مملوك لأحد أو يكون قعوده متراخيا عن جرمه فلا يصيبه البول ا. هـ عمدة القارئ جـ ٣/ ص ١٠ بزيادة من الفتح.
"المسألة الخامسة": قوله "فبال قائما" فيه جواز البول قائما.
وقد اختلف العلماء في هذا، فأباحه قوم، وقال ابن المنذر: ثبت أن عمر وابنه وزيد بن ثابت وسهل بن سعد أنهم بالوا قياما، وأباحه سعيد ابن المسيب وعروة ومحمد بن سيرين وزيد بن الأصم وعَبيدة السَّلْماني والنخعي والحكم والشعبي وأحمد وآخرون، وقال مالك: إن كان في مكان لا يتطاير عليه منه شيء فلا بأس به وإلا فمكروه، وقال عامة العلماء البول قائما مكروه إلا لعذر وهي كراهة تنزيه لا تحريم، وكذلك روي البول قائمًا عن أنس وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة ﵃، وكرهه ابن مسعود وإبراهيم بن سعد وكان إبراهيم لا يجيز شهادة من بال قائما، وقال ابن المنذر: البول جالسا أحب إلي وقائما مباح، وكل ذلك ثابت عن النبي - ﷺ -
(تنبيه) فإن قيل: رويت أحاديث ظاهرها يعارض حديث الباب:
[ ١ / ٤٢٢ ]
منها حديث عائشة ﵂ قالت: من حدثكم أن النبي - ﷺ - كان يبول قائمًا فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعدا" أخرجه أصحاب السنن إلا أبا داود، وأبو عوانة في صحيحه، والحاكم، والبيهقي وأحمد.
ومنها: حديث بريدة مرفوعًا: "ثلاث من الجفاء" فذكر منها: "وأن يبول الرجل قائما" رواه البزار، والطبراني في الأوسط، قال الهيثمي: ورجال البزار رجال الصحيح.
ومنها: حديث عمر ﵁ وأخرجه البيهقي من حديث ابن جريج، أخبرنا عبد الكريم بن أبي المخارق عن نافع عن ابن عمر، قال: قال عمر ﵁ "رآني رسول الله - ﷺ - أبول قائما فقال يا عمر لا تبل قائما قال فما بلت قائما بعدُ".
ومنها: حديث جابر ﵁ أخرجه البيهقي أيضا من حديث عدي بن الفضل، عن علي بن الحكم، عن أبي نضرة، عن جابر "نهى رسول الله - ﷺ - أن يبول الرجل قائما".
أجيب عنها بما يلي: أما حديث عائشة فإنه مستند إلى علمها فيحمل على ما وقع منه في البيوت، وأما في غير البيوت فقد لا تطلع هي عليه، وقد حفظه حذيفة ﵁، وأما حديث بريدة فإنه كما قال الترمذي غير محفوظ، وأما حديث عمر ففي سنده عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو ضعيف، والصحيح ما روى عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال: "ما بلت قائما منذ أسلمت".
وأما حديث جابر ففي سنده عدي بن الفضل وهو متروك.
وقد بين الشيخ الألباني علته في إروائه، فراجعه جـ ١ ص ٩٦ - ٩٩.
وبالجملة فقد قال الحافظ ﵀: ولم يثبت عن النبي - ﷺ - في
[ ١ / ٤٢٣ ]
النهي عن البول قائما شيء اهـ انظر فتح الباري جـ ١/ ص ٣٩٥.
"المسأله السادسة" تكلم العلماء في سبب بوله - ﷺ - قائما فقال الشافعي -لما سأله حفص الفرد عن الفائدة في بوله قائمًا- العرب تستشفى لوجع الصلب بالبول قائما فنرى أنه كان به إذ ذاك اهـ عيني، ونسبه الحافظ في الفتح إلى أحمد أيضا قال وروى الحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة قال "إنما بال رسول الله - ﷺ - قائما لجرح كان في مأبضه" والمأبض بهمزة ساكنة بعدها موحدة ثم معجمة باطن الركبة فكأنه لم يتمكن لأجله من القعود ولو صح هذا الحديث لكان فيه غنى عن غيره لكن ضعفه الدارقطني والبيهقي اهـ فتح جـ ٢/ ص ١٢٣ بتغيير يسير.
وقال القاضي عياض: إنما فعله لشغله بأمور المسلمين فلعله طال عليه المجلس حتي حصره البول ولم يمكنه التباعد كعادته وأراد السباطة لدمثها وأقام حذيفة يستره عن الناس.
وقال المازري: فَعَلَ ذلك لأنها حالة يؤمن فيها من خروج الحدث من السبيل الآخر بخلاف القعود، ومنه قول عمر بن الخطاب ﵁ البول قائما أحصن للدبر رواه عبد الرزاق كما في الفتح.
وقيل: لأنه - ﷺ - لم يجد مكانا للقعود فاضطر إلى القيام لكون الطرف الذي يليه من السباطة كان مرتفعا قاله ابن حبان كما قال الحافظ.
وقال المنذري: لعله كانت في السباطة نجاسات رطبة وهي رخوة فخشي أن يتطاير عليه، قيل فيه نظر لأن القائم أجدر بهذه الخشية من القاعد، وقال الطحاوي لكون ذلك سهلا ينحدر فيه البول فلا يرتد على البائل اهـ عمدة جـ ٣/ ص ١١ بزيادة يسيرة.
وقال الحافظ: والأظهر أنه فعل ذلك لبيان الجواز وكان أكثر أحواله البول عن قعود اهـ فتح ج ٢ ص ١٢٣.
[ ١ / ٤٢٤ ]
وقال العلامة الشوكاني نقلا عن ابن القيم في الهدي: والصحيح إنما فعل ذلك تنزها وبعدا من إصابة البول فإنه إنما فعل هذا لما أتى سباطة قوم وهو مُلقَى الكناسة، وتسمى المزبلة، وهي تكون مرتفعة فلو بال فيها الرجل قاعدا لارتد عليه بوله وهو - ﷺ - استتر بها وجعلها بينه وبين الحائط فلم يكن بد من بوله قائما ولا يخفى ما في هذا الكلام من التكلف.
والحاصل أنه قد ثبت عنه البول قائما وقاعدا والكل سنة، فقد روي عن عبد الله بن عمر أنه كان يأتي تلك السباطة فيبول قائما، هذا إذا لم يصح في الباب إلا مجرد الأفعال، إما إذا صح النهي عن البول حال القيام كما في حديث جابر أنه - ﷺ - نهى أن يبول الرجل قائما وجب المصير إليه والعمل بموجبه ولكنه يكون الفعل الذي صح عنه صارفا للنهي إلى الكراهة على فرض جهل التاريخ لو تأخر الفعل لأن لفظ الرجل يشمله - ﷺ - بطريق ظهور فيكون فعله صالحا للصرف، لكونه وقع بمحضر من الناس، فالظاهر أنه أراد التشريع، ويعضده نهيه - ﷺ - لعمر وإن كان فيه ما سلف اهـ المراد من كلام الشوكاني.
قال الجامع: حديث جابر المذكور في سنده عدي بن الفضل متروك وحديث نهى عمر غير صحيح. وقد تقدم عن الحافظ أنه لم يثبت في النهي شيء، فلا داعي إلى التكلف بالجمع. فتبصر. والله أعلم.
"المسألة السابعة": فيما بقي من الأحكام المستفادة من الحديث:
منها: جواز البول بالقرب من الدار.
ومنها: أن فيه دليلًا على أن مدافعة البول ومصابرته مكروهة لما فيه من الضرر.
ومنها: جواز طلب البائل من صاحبه الماء للوضوء.
[ ١ / ٤٢٥ ]
ومنها: خدمة المفضول للفاضل ذكر هذه الفوائد في العمدة جـ ٣/ ص ١١. ومنها جواز المسح في الحضر قاله في الفتح.
ومنها: دفع أشد المفسدتين بأخفهما والإتيان بأعظم المصلحتين إذا لم يمكنا معا، وبيانه أنه - ﷺ - كان يطيل الجلوس لمصالح الأمة ويكثر من زيارة أصحابه وعيادتهم، فلما حضره البول وهو في بعض تلك الحالات لم يؤخره حتى يبعد كعادته لما يترتب على تأخيره من الضرر، فراعَى أهم الأمرين، وقدم المصلحة في تقريب حذيفة منه ليستره من المارَّة على مصلحة تأخيره عنه إذ لم يمكن جمعهما اهـ فتح جـ ٢/ ص ١٢٢.
وليس فيه دلالة على جواز الكلام في حال البول لأن رواية البخاري "فأشار إليَّ" تدل أنه بالإشارة لا بالكلام أفاده الحافظ، وتعقبه البدر العيني بأنه ترده رواية الطبراني التي قدمناها من رواية عصمة بن مالك وفيها فقال "ياحذيفة استرني" فإنها صريحة بالتلفظ. قال: ويمكن أن يجمع بين الروايتين بأن يكون ﵇ أشار أولا بيده أو برأسه، ثم قال: "استرني" وقال أيضا ما معناه: إنه لا يدل على جواز الكلام وعدمه، إذ إشارته - ﷺ - أو قوله "استرني" لم يكن إلا قبل شروعه في البول اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره العيني من الجمع أخيرًا هو الذي يكون أولى بالاعتماد عليه، والله أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
ولما ذكر ما يدل على مندوبية الإبعاد عند قضاء الحاجة، ثم أتبعه بما يدل على الرخصة في. ترك ذلك شَرعَ يبين ما يُقَالُ عند إرادة الخلاء، فقال رحمه الله تعالى:
[ ١ / ٤٢٦ ]