أي هذا باب ذكر الحديث المبين لما يقال عند إرادة دخول الخلاء، فالقول بمعنى المقول، والمراد بالدخول إرادته لما يأتي.
والخلاء بفتح الخاء والمد موضع قضاء الحاجة سمى بذلك لخلائه في غير أوقات قضاء الحاجة، وهو الكنيف والحُشُّ والمرْفَق والمرْحاض أيضا، وأصله المكان الخالي، ثم كثر استعماله حتى تُجُوِّزَ به عن ذلك، وأما الخلا بالقصر فهو الحشيش الرطب والكلأ الخشن أيضا، وقد يكون الخلا مستعملا في باب الاستنجاء فإن كسرت الخاء مع المد فهو عيب في الإبل كالحران في الخيل، وقال الجوهري: الخلاء ممدودا المتوضأ، والخلاء أيضا المكان الذي لا شيء به قال البدر العيني يصلح كل منها أن يكون مرادا ها هنا. اهـ.
١٩ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ".
رجال الإسناد: أربعه
١ - (إسحاق بن إبراهيم) بن مخلد بن إبراهيم بن مطر الحنظلي أبو محمَّد ابن راهويه المروزي ثقة حجة، ١٠ تقدم في ٢/ ٢.
[ ١ / ٤٢٧ ]
٢ - (إسماعيل). بن إبراهيم بن مقْسَم الأسدي القرشي مولاهم أبو بشر البصري ابن علية وهي أمه مولاة لبني أسد بن خزيمة أيضا الحافظ أحد الأئمة الأعلام عن أيوب، وعبد العزيز بن رفيع، وروح بن القاسم، ويحيى بن سعيد التيمي، وخلق. وعنه إبراهيم بن طهمان، وأحمد، وابن راهويه، وعلي بن حجر، وخلق كثير، قال شعبة: ابن علية ريحانة الفقهاء. وقال أحمد: إليه المنتهى في التثبت. وقال ابن معين: كان ثقة، مأمونا، ورعا، تقيا. قال عمرو بن زرارة: صحبت ابن علية أربع عشرة سنة، فما رأيته ضحك فيها. قال الفلاس: ولد سنة عشر ومائة، ومات سنة ثلاث وتسعين ومائة. اهـ صه جـ ١/ ص ٨٣، من الثامنة.
٣ - (عبد العزيز بن صهيب) البناني (نسبة إلى بُنَانة بن سعد بن لؤي ابن غالب) مولاهم البصري عن أنس، وشهر، وعنه شعبة والحمادان وثقه أحمد، قال ابن قانع مات سنة ثلاثين ومائة اهـ صة جـ ٢/ ص ١٦٦، من الرابعة.
٤ - (أنس بن مالك) الأنصاري خادم رسول الله - ﷺ - وأحد المكثرين السبعة تقدم. في ٦/ ٦.
لطائف الإسناد
فيه الإخبار في موضعين، والعنعنة في موضعين.
ورواته كلهم بصريون إلا شيخه فمروزي، فهو مسلسل بالبصريين وهو الثالث من رباعيات المصنف، وهي أعلى ما وقع له، كما تقدم في المقدمة.
[ ١ / ٤٢٨ ]
شرح الحديث
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه، أنه (قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا دخل الخلاء) أي أراد دخول الخلاء.
لأن اسم الله لا يذكر بعد الدخول، وهذا التقدير جاء مصرحًا به في رواية أخرجها البخاري في الأدب المفرد، قال: حدثنا أبو النعمان، حدثنا سعيد بن زيد، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، قال: حدثني أنس ابن مالك، قال: كان النبي - ﷺ - إذا أراد أن يدخل الخلاء قال .. فذكر مثل حديث الباب. قال الحافظ: وأفادت هذه الرواية تبيين المراد من قوله إذا دخل الخلاء، أي كان يقول هذا الذكر عن إرادة الدخول، لا بعده، وهذا في الأمكنة المعدة لذلك بقرينة الدخول، ولهذا قال ابن بطال: رواية "إذا أتى" أعم لشمولها انتهى.
والخلاء بالمد موضع قضاء الحاجة قال (اللهم) أي يا ألله (أعوذ بك) أي ألوذ وألتجىء إليك من العوذ وهو عُودٌ يلجأ إليه الحشيش في مَهبِّ الريح، وقال ابن الأثير: يقال: عذت به عوذا وعياذا ومعاذا، أي لجأت إليه، والمعاذ المصدر والمكان والزمان، أي لقد لجأت إلى ملجأ ولذت بملاذ. اهـ عينى جـ ٢/ ص ٢٥٢ (من الخبث) بضمتين قال في الفتح كذا في الرواية اهـ. وجاءت بإسكان الموحدة جمع خبيث، والمراد به ذكور الشياطين اهـ. المنهل. (والخبائث) جمع خبيثة، والمراد إناث الشياطين.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
الأولى: في درجته: حديث أنس ﵁ متفق عليه.
الثانية: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأمهات الست وغيرهم وفي اختلاف ألفاظه قال الحافظ المزي في ترجمة إسماعيل بن علية ما نصه
[ ١ / ٤٢٩ ]
حديث: وكان إذا دخل الخلاء، قال: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" (م) في الطهارة عن أبي بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب (س) فيه، أي الطهارة، وفي النعوت، يعني في الكبرى، عن إسحاق ابن إبراهيم (ق) في الطهارة، عن عمرو بن رافع، أربعتهم عنه، أي عن إسماعيل بهذا السند. اهـ.
وقال المزي أيضا عند ذكر شعبة عن عبد العزيز عن أنس (خ) في الطهارة عن آدم بن أبي إياس، وفي الدعوات عن محمَّد بن عرعرة (د) في الطهارة عن الحسين بن عمر، عن وكيع، ثلاثتهم عنه، أي شعبة به، أي بهذا السند (ت) في الطهارة، عن قتيبة، وهناد، كلاهما عن وكيع به. اهـ ١/ ٢٧٤.
وقال في المنتقى: رواه الجماعة ولسعيد بن منصور في سننه: كان يقول: "بسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" اهـ.
المسألة الثالثة: قوله إذا دخل الخلاء أي أراد الدخول كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: آية ٩٨] أي إذا أردت قراءة القرآن وذلك لأن الله تعالى إنما يذكر في الخلاء بالقلب لا باللسان إذ هو معمروه لحديث ابن عمر وغيره "أن النبي - ﷺ - سلم عليه رجل وهو يبول فلم يرد عليه، حتى توضأ، ثم اعتذر إليه، فقال: "إني كرهت أن أذكر الله ﷿ إلا على طهر" أو قال: "على طهارة". وروى نحوه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، كما في النيل.
وقال القشيري: المراد به ابتداء الدخول، قال العيني: لا يحتاج إلى هذا التأويل فإن المكان الذي تقضى فيه الحاجة لا يخلو إما أن يكون معدا لذلك كالكنيف، أو لا كالصحراء، فإن لم يكن معدا فإنه يجوز ذكر الله تعالى في ذلك المكان، وإن كان معدا، ففيه خلاف للمالكية فمن كرهه
[ ١ / ٤٣٠ ]
أوَّلَ الدخولَ بمعنى الإرادة، لأن لفظة دخل أقوى في الدلالة على الكنف المبنية منها على المكان البراح (^١) أو لأنه بُيِّنَ في حديث آخر كما في راوية البخاري في الأدب المفرد السابقة وكما في قوله - ﷺ - "إن هذه الحشوش محتضرة" أي للجان والشياطين "فإذا أراد أحدكم الخلاء فليقل أعوذ بالله من الخبث والخبائث" ومن أجازه استغنى عن هذا التأويل، ويحملُ دخل على حقيقتها، وهذا الحديث أخرجه أبو داود عن عمرو بن مرزوق، عن شعبة، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن زيد بن أرقم، عن النبي - ﷺ - ولفظه "فإذا أتى أحدكم الخلاء". وأخرجه النسائي وابن ماجه أيضا، وقال الترمذي: حديث زيد بن أرقم في إسناده اضطراب وأشار إلى اختلاف الرواية فيه، وسأل الترمذي البخاري عنه، فقال: لعل قتادة سمعه من القاسم بن عوف الشيباني، والنضر بن أنس، عن أنس، ولم يقض فيه بشيء، ولهذا أخرجه ابن خزيمة، وابن حبان، وقال البزار: اختلفوا في إسناده، وقال الحاكم: مختلف فيه على قتادة، وقد احتج مسلم بحديث لقتادة، عن النضر، عن زيد، ورواه سعيد عن القاسم، وكلا الإسنادين على شرط الصحيح اهـ عمدة جـ ٢/ ص ٢٥٣.
وقال العلامة المباركفوري في شرح الترمذي: قول البخاري المذكور في كلام العيني: لعل قتادة سمعه من القاسم بن عوف الشيباني، والنضر ابن أنس، عن أنس، مخالف لقوله المذكور في كلام البيهقي بلفظ لعل قتادة سمع منهما جميعا عن زيد بن أرقم، والظاهر عندي أن لفظ: عن أنس المذكور، في كلام العيني؛ سهو من الناسخ، فتأمل. اهـ تحفة جـ ١/ ص ٤٦.
"المسألة الرابعة" قوله: "الخبث"، قال الخطابي: بضم الخاء والباء
_________________
(١) مثل سلام المكان الذي لا سترة فيه اهـ، مصباح.
[ ١ / ٤٣١ ]
جماعة الخبيث، والخبائث جمع الخبيثة، يريد ذكران الشياطين وإناثهم.
وعامة أصحاب الحديث يقولون: الخبث مسكنة الباء، وهو غلط، والصواب مضمومة الباء، قال: وقال ذلك لأن الشياطين يحضرون الأخْلية، وهي مواضعُ يُهجَر فيها ذكر الله تعالى، فقدم لها الاستعاذة احترازا منهم، انتهى. وفيه نظر؛ لأن أبا عبيد القاسم بن سلام حكى تسكين الباء، وكذا الفارابي في ديوان الأدب، والفارسي في مجمع الغرائب، ولأن فُعُلا بضمتين قد يسكن عينه قياسا ككتب وكتب، فلعل من سكنها سلك هذا المسلك، وقال التوربشتي: هذا مستفيض لا يسع أحدا مخالفته إلا أن يزعم أن ترك التخفيف فيه أولى لئلا يشتبه، بالخُبْث الذي هو المصدر.
وفي شرح السنة الخبث بضم الباء وبعضهم يَروي بالسكون، وقال الخبث الكفر، والخبائث الشياطين، وقال ابن بطال الخبث بالضم يعم الشر، والخبائث الشياطين، وبالسكون مصدر خبث الشيء يخبث خبثا، وقد يجعل اسما. وزعم ابن الأعرابي أن أصل الخبث في كلام العرب المكروه، فإن كان من الكلام فهو الشتم، وإن كان من الملل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وان كان من الشراب فهو الضار. وقال ابن الأنباري وصاحب المنتهى: الخبث الكفر، ويقال: الشيطان، والخبائث المعاصي جمع خبيثة، ويقال: الخبث خلاف طيب الفعل، من فجور وغيره، والخبائث الأفعال المذمومة، والخصال الرديئة. اهـ عمدة جـ ٢/ ص ٢٥٢.
"المسألة الخامسة" من الأحكام المستنبطة من حديث الباب:
أن فيه مشروعية الاستعاذة عند إرادة الدخول في الخلاء، وقد أجمع أهل العلم على استحبابها، وسواء في ذلك البنيان والصحراء، لأن
[ ١ / ٤٣٢ ]
الشياطين تحضر تلك الأمكنة، وهي مواضع يهجر فيها ذكر الله تعالى، فيقدم لها الاستعاذة، تحصنا منهم، لأن لهم تسلطا على ابن آدم لم يكن في غيرها، لبعد الحفظة عنه، والصحراء تصير مأوى لهم بخروج الخارج، فلو نسي التعوذ، فدخل، فذهب ابن عباس وغيره إلى كراهة التعوذ، وأجازه جماعة، منهم ابن عمر ﵄ أفاده العيني.
قال الجامع: والراجح عندي القول الأول لما قدمنا من كراهة الذكر في محل النجاسات.
"المسألة السادسة" اختلف العلماء في جواز ذكر الله تعالى على الخلاء، فروي عن ابن عباس أنه كره أن يذكر الله تعالى عند الخلاء، وهو قول عطاء، ومجاهد، والشعبي. وقال عكرمة: لا يذكر الله فيه بلسانه بل بقلبه. ذكره العيني في عمدته جـ ٢/ ص ٢٥٤.
قال الجامع: هذا القول عندي هو الراجح، لما روى أبو داود بسند صحيح عن المهاجر بن قُنْفُذ، أنه أتى النبي - ﷺ - وهو يبول فسلم عليه، فلم يرد عليه، حتى توضأ، ثم اعتذر إليه، فقال: "إني كرهت أن أذكر الله تعالى إلا على طهر" أو قال: "على طهارة".
وأجاز ذلك جماعة روى ابن وهب أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يذكر الله تعالى في المرحاض، وقال العزرمي: قلت للشعبي: أعطس وأنا في الخلاء أحمد الله؟ قال: لا حتى تخرج، فأتيت النخعي فسألته عن ذلك، فقال لي: احمد الله، فأخبرته بقول الشعبي، فقال النخعي: الحمد يصعد ولا يهبط، وهو قول ابن سيرين، ومالك، وقال ابن بطال: وهذا الحديث (^١) حجة لمن أجاز ذلك.
_________________
(١) يعني: حديث كان إذا دخل الخلاء .. الحديث.
[ ١ / ٤٣٣ ]
قال الجامع عفا الله عنه: في قول ابن بطال هذا نظر لما قدمنا من رواية البخاري في الأدب المفرد من قوله "إذا أراد أحدكم" فإنها تفسر المراد، فلا يتم الاحتجاج به.
وقال البدر العيني: وذكر البخاري في كتابه خلق أفعال العباد عن عطاء ﵀ الخاتم فيه ذكر الله لا بأس أن يدخل به الإنسان الكنيف أو يُلمّ بأهله، وهو في يده لا بأس به، وهو قول الحسن، وذكر وكيع عن سعيد بن المسيب مثله، قال البخاري وقال طاوس في المنطقة يكون على الرجل فيها الدراهم يقضي حاجته لا بأس بذلك، وقال إبراهيم لا بد للناس من نفقاتهم، وأحَبَّ بعض الناس أن لا يدخل الخلاء بالخاتم فيه ذكر الله تعالى، قال البخاري: وهذا من غير تحريم يصح، وأما حديث بئر جمل (^١) فهو على الاختيار والأخذ بالاحتياط والفضل، لأنه ليس من شرط رد السلام أن يكون على وضوء قاله الطحاوي، وقال الطبري: إن ذلك منه كان على وجه التأديب للمسلم عليه أن لا يسلم بعضهم على بعض على الحدث، وذلك نظير نهيه وهو كذلك أن يحدث بعضهم بعضا بقول "لا يحدث المتغوطان على طوفهما (^٢) يعني حاجتهما فإن الله يمقت على ذلك" وروى أبو عبيدة الباجي عن الحسن عن البراء ﵁ "أنه سلم على النبي - ﷺ - وهو يتوضأ فلم يرد عليه شيئًا حتى فرغ" اهـ عمدة جـ ٢/ ص ٢٥٤.
"المسألة السابعة" لفظ الاستعاذة أن يقول: "اللهم إني أعوذ بك" وقد اختلف فيه ألفاظ الرواة ففي رواية شعبة "أعوذ بالله" وفي رواية وهب "فليتعوذ بالله" وهو يشمل كل ما يأتي به من أنواع الاستعاذة من
_________________
(١) وهو أنه - ﷺ - أقبل من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد ﵇ حتى تيمم الجدار
(٢) الطوق بالفتح: الغائط، اهـ المصباح.
[ ١ / ٤٣٤ ]
قوله: أعوذ بك أستعيذ بك أعوذ بالله، أستعيذ بالله اللهم اني أعوذ بك ونحو ذلك قاله العيني.
"المسألة الثامنة" قال ابن العربي: كان النبي - ﷺ - معصوما من الشيطان حتى من الموكل به بشرط استعاذ ته منه ومع ذلك فقد كان اللعين يعرض له، عرض له ليلة الإسراء فدفعه بالاستعاذة، وعرض له في الصلاة، فشد وثاقه، ثم أطلقه، وكان يخص الاستعاذة في هذا الموضع بوجهين:
أحدهما: أنه خلاء وللشيطان بعادة الله قدرة تسلط في الخلاء ليس له في الملاء قال - ﷺ - "الركب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب"
الثاني: أنه موضع قذر ينزه ذكر الله عن الجريان فيه على اللسان فيغتنم الشيطان عدم ذكر الله فإنَّ ذكره يطرده فلجأ إلى الاستعاذة قبل ذلك ليعقدها عصمة بينه وبين الشيطان حتى يخرج وليعلّم أمته انتهى كلام ابن العربى.
وقال الحافظ: كان - ﷺ - يستعيذ إظهارا للعبودية ويجهر بها للتعليم اهـ
"المسألة التاسعة" قال الحافظ: هل يختص هذا الذكر بالأمكنة المعدة لذلك لكونها تحضرها الشياطين، كما ورد في حديث زيد بن أرقم في السنن، أو يشمل حتى لو بال في إناء مثلا في جانب البيت الأصح الثاني ما لم يشرع في قضاء الحاجة.
وقال أيضا: متى يقول ذلك فمن يكره ذكر الله في تلك الحالة يُفصِّل، أما في الأمكنة المعدة لذلك فيقول قبيل دخولها، وأما في غيرها فيقول في أول الشروع، كتشمير ثيابه مثلا، وهذا مذهب الجمهور، وقالو فيمن نسي يستعيذ بقلبه لا بلسانه ومن يجيز مطلقا كما نقل عن مالك لا يحتاج إلى تفصيل اهـ فتح جـ ٢/ ص ١٨.
[ ١ / ٤٣٥ ]
"المسألة العاشرة" تسن التسمية قبل التعوذ لما أخرج سعيد بن منصور في سننه أنه - ﷺ - كان يقول: "باسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" اهـ المنهل جـ ١/ ص ٣١.
وقال الحافظ: وقد رَوَى المعمري هذا الحديث من طريق عبد العزيز بن المختار عن عبد العزيز بن صهيب بلفظ الأمر قال: إذا دخلتم الخلاء فقولوا بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث" وإسناده على شرط مسلم، قال: ولم أرها يعني زيادة التسمية في غير هذه الرواية. اهـ، قال الشوكاني وهذه الرواية تشهد لما رواه سعيد بن منصور. اهـ نيل.
"المسألة الحادية عشرة" فيما يقال عند الخروج، لم يُخرِّج المصنف ذلك، فروت عائشة ﵂ قالت: كان النبي - ﷺ - إذا خرج من الخلاء، قال: "غفرانك" رواه أصحاب السنن إلا المصنف، وأحمد وصححه الحاكم، وأبو حاتم. قاله الشوكاني.
وروى ابن ماجه عن أنس ﵁ قال: كان النبي - ﷺ - إذا خرج من الخلاء قال: "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني".
قال الحافظ البوصيري: هذا حديث ضعيف، ولا يصح بهذا اللفظ عن النبي - ﷺ - شيء. اهـ، مصباح الزجاجة جـ ١/ ص ١٢٩.
وأخرج النسائي مثله في عمل اليوم والليلة.
وأخرج الدارقطني عن ابن عباس مرفوعا "الحمد لله الذي أخرج عني ما يؤذيني وأمسك عليَّ ما ينفعني".
وذكره ابن الجوزي في العلل عن سهل بن أبي حثمة نحوه.
وأخرج الدارقطني عن ابن عمر مرفوعًا "الحمد لله الذي أذاقني لذته وأبقى علي قوته وأذهب عني أذاه" وكلها ضعاف ما عدا حديث عائشة كما أفاده العلامة العيني.
[ ١ / ٤٣٦ ]
واستغفاره - ﷺ -:
قيل: لتركه الذكر في تلك الحالة لما ثبت أنه كان يذكر الله على كل أحواله إلا في حال قضاء الحاجة فجعل ترك الذكر في هذه الحالة تقصيرًا وذنبا يستغفر منه.
وقيل: استغفر لتقصيره في شكر نعمة الله عليه بإقداره على إخراج ذلك الخارج.
وأما حمده: فإشعار بأن هذه نعمة جليلة ومنة جزيلة، فإن انحباس ذلك الخارج من أسباب الهلاك، فخروجه من النعم التي لا تتم الصحة بدونها وحقَّ على من أكل ما يشتهيه من طيبات الأطعمة فسد به جوعه، وحفظ به صحته، وقوته، ثم لما قضى منه وطره، ولم يبق فيه نفع، واستحال إلى تلك الصفة الخبيثة المنتنة، خرج بسهولة من مخرج مُعَدّ لذلك أن يستكثر من محامد الله ﷻ، اللهم أوزعنا شكر نعمائك أفاده الشوكاني في نيله جـ ١/ ص ١١٨.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
ولما ذكر ما يقال عند الدخول في الخلاء ناسب أن يذكر الحالة التي يكون عليها المتخلي بعد الدخول عند قضاء الحاجة وهي عدم كونه مستقبلا للقبلة، أو مستدبرا لها بل يشرّق أو يغربّ، فلذا ذكرها
بالترتيب فقال:
[ ١ / ٤٣٧ ]