أي هذا باب ذكر الحديث الدال على النهي عن استقبال القبلة عند قضاء الحاجة.
والمراد بالحاجة: الغائط والبول.
يقال: استقبل الشيء واجهته فهو مستقبل بالفتح اسم مفعول، "ولو استقبلت من أمري ما استدبرت" أي لو ظهر لي أولا ما ظهر لي آخرا، وفي النوادر استقبلت الماشية الوادي تُعدّيه إلى مفعولين، وأقبلتها إياه بالألف تعديه إلى مفعولين أيضا: إذا أقبلت بها نحوه. قاله في المصباح.
والقبلة: في الأصل الجهة.
قال في اللسان: القبلة ناحية الصلاة، وقال اللحياني القبلة وجهة المسجد، وليس لفلان قبلة أي جهة، ويقال: أين قبلتك؛ أي من أين جهتك؟ والقبلة التي يصلَّى إليها اهـ. وسميت الكعبة قبلة لأن المصلي
يقابلها، وكل شيء جعلته تلقاء وجهك فقد استقبلته. اهـ المصباح بزيادة يسيرة.
والحاجة: كناية عن البول والغائط وهي في الأصل قيل: تطلق على نفس الافتقار وعلى الشيء الذي يفتقر إليه. قاله في تاج العروس.
قال رحمه الله تعالى:
٢٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي
[ ١ / ٤٣٨ ]
مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ إِسْحَاقَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ، وَهُوَ بِمِصْرَ يَقُولُ: وَاللهِ مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ بِهَذِهِ الْكَرَايِيسِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْغَائِطِ أَوِ الْبَوْلِ، فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا".
رجال الإسناد: سبعة
١ - (محمَّد بن سلمة) بن عبد الله بن أبي فاطمة المُرادي الجَمَلي بفتح الجيم والميم مولاهم أبوالحارث المصري الفقيه، عن ابن وهب وابن القاسم وجماعة، وعنه (م د س) وقال: ثقة ثقة وقال ابن يونس كان ثبتا توفي سنة ثمان وأربعين ومائتين اهـ صة جـ ٢/ ص ٤٠٨، من الطبقة الحادية عشرة.
٢ - (الحارث بن مسكين) الأموي مولاهم أبو عمر قاضي مصر ثقة فقيه [١٠] تقدم في ٩/ ٩.
٣ - (ابن القاسم) عبد الرحمن بن القاسم العُتَقيّ (بضم المهملة وفتح المثناة بعدها قاف) أبو عبد الله المصري الفقيه، عن مالك وبكر بن مضر، ونافع القارئ، وعنه أصبغ بن الفرج، ومحمد بن سلمة المرادي. قال أبو زرعة: عنده ثلثمائة جلد عن مالك مسائل. قال النسائي: ثقة مأمون. وقال فيه مالك: مثله مثل جواب مملوء مسكًا قال يونس بن عبد الأعلى: مات سنة ١٩١ صة جـ ٢/ ص ١٤٩، من الطبقة العاشرة.
[ ١ / ٤٣٩ ]
٤ - (مالك بن أنس) مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث الأصبحي أبو عبد الله المدني أحد أعلام الإسلام وإمام دار الهجرة، عن نافع، والمقبري، ونعيم بن عبد الله، وابن المنكدر، ومحمد بن يحيى ابن حبان، وإسحاق. بن عبد الله بن أبي طلحة، وأيوب وزيد بن أسلم، وخلق. وعنه من شيوخه: الزهري، ويحيى الأنصاري. وممن مات قبله: ابن جريج، وشعبة، والثوري، وخلق، وابن عيينة، والقطان، وابن وهب، وخلائق، آخرهم موتا أبو حذافة السهمي.
قال الشافعي: مالك حجة الله تعالى على خلقه، قال ابن مهدي: ما رأيت أحدا أتم عقلا ولا أشد تقوى من مالك، وقال ابن المديني: له نحو ألف حديث، وقال البخاري: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر، ولد مالك سنة ٩٣ وحمل به ثلاث سنين وتوفي سنة ١٧٩ ودفن بالبقيع صة جـ ٣/ ص ٣ من الطبقة السابعة.
٥ - (اسحاق بن عبد الله بن أبى طلحه) زيد بن سهل الأنصاري، أبو يحيي المدني، عن أبيه، وأنس، والطفيل بن أبي بن كعب. وعنه حماد بن سلمة، وابن عيينة، ومالك. قال ابن معين: ثقة حجة. قال
ابن سعد: توفي سنة ١٣٢. وقال الفلاس: سنة أربع، من الطبقة الرابعة.
٦ - (رافع بن إسحاق) المدني مولى الشِّفَاء (^١) عن أبي أيوب، وعنه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة. وثقه النسائي. اهـ صة، من الطبقة الثالثة.
٧ - (أبو أيوب الأنصاري) خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة الأنصاري النجاري المدني شهد بدرا والعقبة، وعليه نزل النبي - ﷺ - حين
_________________
(١) بكسر الشين، وفتح الفاء الخفيفة. اهـ.
[ ١ / ٤٤٠ ]
دخل المدينة له مائة ونجمسون حديثا اتفقا على سبعة، وانفرد (خ) بحديث. و(م) بخمسة، روى عنه البراء وأفلح مولاه وعروة وعطاء الليثي، له فضائل، ومن كلامه من أراد أن يكثر علمه، ويعظم حلمه، فليجالس غير عشيرته، مات بأرض الروم غازيا سنة ٥٢ ودفن إلى أصل حصن القسطنطينية. اهـ صة جـ ١/ ص ٢٧٨.
لطائف الإسناد
منها: أن فيه الإخبار، والعنعنة، والتحديث، والسماع، والقول.
ومنها: أن رواته ما بين مصريين ومدنيين فمن قبل مالك كلهم مصريون ومنه إلى آخره كلهم مدنيون.
ومنها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: قوله والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع وذلك لأنه كان بينه وبين الحارث شيء فكان النسائي يسمع قراءة غيره من حيث لا يراه الحارث، وقد تقدم البحث عنه.
ومنها: قوله واللفظ أي لفظ الحديث الآتي للحارث يعني وأما ابن سلمة فلفظه غير هذا وإنما يوافقه في المعنى وفيه إشارة إلى قاعدة اصطلح عليها المحدثون، وهي أنه إذا كان الحديث عند رجل عن شيخين أو أكثر، واتفقا في المعنى دون اللفظ فله جمعهما في الإسناد، ثم يسوق على لفظ أحدهما، فيقول: أخبرنا فلان وفلان، واللفظ لفلان، أو وهذا لفظ فلان، أو قالا: أخبرنا فلان، ونحوه من العبارات.
قال النووي ﵀ في التقريب: ولمسلم في صحيحه عبارة حسنة كقوله حدثنا أبو بكر، وأبو سعيد كلاهما عن أبي خالد، قال أبو بكر: حدثنا أبو خالد، عن الأعمش، فظاهره أن اللفظ لأبي بكر. قال
[ ١ / ٤٤١ ]
العراقي: ويحتمل أنه أعاده لبيان التصريح بالتحديث، وأن أبا سعيد لم يصرح.
فإن لم يخص فقال: أخبرنا فلان وفلان وتقاربا في اللفظ، أو والمعنى واحد قالا: حدثنا فلان جاز على جواز الرواية بالمعنى، فإن لم يقل تقاربا فلا بأس به على جواز الرواية بالمعنى، وإن كان قد عيب به
البخاري، وغيره.
قال ابن الصلاح: وقول أبي داود حدثنا مسدد، وأبو توبة المعنى قالا: حدثنا أبو الأحوص يحتمل أن يكون من قبيل الأول، فيكون اللفظ لمسدد، ويوافقه أبو توبة في المعنى، ويحتمل أن يكون من قبيل الثاني فلا يكون أورد لفظ أحدهما خاصة بل رواه عنهما بالمعنى، قال وهذا الاحتمال يقرب في قول مسلم المعنى واحد. اهـ تقريب بزيادة من شرحه التدريب جـ ٢/ ص ١١٢.
وإلى ذلك أشار السيوطي بقوله في الألفية:
وَمَنْ رَوَى متنًا عن أشْيَاخ وَقَدْ … تَوَافَقَا مَعْنىً ولفظٌ مَا اتَّحَدْ
مُقْتصرًا بلَفْظ وَاحد وَلَمْ … يُبَيِّن اخْتصَاصَهُ فَلَمْ يُلَمْ
أوْ قَال قَدْ تَقَارَبا في اللَّفْظ أوْ … واتَّحَدَ المعْنَى عَلى خُلْف حَكَوا
وإنْ يكُنْ للفْظه يُبيّنُ … مَعْ قَالَ أوْ قَالا فَذَاكَ أحسَنُ
الشرح
(عن رافع بن إسحاق أنه سمع) يقال: سمعت الشيء سمعا وسماعا وسماعة، واختلف النحاة في سمعت هل يتعدى إلى مفعولين، على قولين: أحدهما نعم، وهو مذهب الفارسي، قال لكن لا بد أن يكون الثاني مما يسمع كقولك: سمعت زيدًا يقول كذا، ولو قلت: سمعت
[ ١ / ٤٤٢ ]
زيدا أخاك لم يجز، والصحيح أنه لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، والفعل الواقع بعد المفعول في موضع الحال، أي سمعته حال قوله كذا قاله العيني جـ ١/ ص ٢٥.
ويقال: سمع سواء كان بقصد أو بدونه، وإذا قيل: استمع لا بد أن يكون بقصد، لأنه لا يكون إلا بالإصغاء، ويقال: سمعت كلامه إذا فهمت معنى لفظه، وإن لم تفهم لبعد أو لغط فهو سماع صوت، لا
سماع كلام؛ لأن الكلام ما دل على معنى تتم به الفائدة، وهو لم يسمع ذلك. أفاده في المصباح.
(أبا أيوب) مفعول سمع (الأنصاري) بفتح الهمزة وسكون النون نسبة إلى الأنصار لكونه مشابها للمفرد حيث صار علمًا للقبيلة. قال ابن مالك في ألفيته.
والوَاحدَ أذكُرْ نَاسبًا للجَمْع إنْ لَمْ يُشَابة وَاحدًا بالوَضْع
قال في اللباب: وهم جماعة من أهل المدينة من الصحابة من أولاد الأوس والخزرج قيل لهم: الأنصار، لنصرتهم رسول الله - ﷺ -، اهـ (وهو بمصر) جملة حالية من أبي أيوب، وفي رواية الصحيحين "فقدمنا الشام فوجدنا مراحض قد بنيت قبل القبلة فكنا ننحرف عنها" قال الشيخ ولي الدين العراقي في شرح أبي داود: لا تنافي بين الروايتين فيمكن أنه وقع له هذا في البلدين معا، قدمَ كلا منهما، فرأى مراحيضهما إلى القبلة. اهـ زهر (يقول) جملة حالية من المفعول أيضا (والله ما أدري ما أصنع) ما استفهامية، وفي نسخة السيوطي كيف أصنع أي أيَّ شيء أصنع (بهده الكراييس) بياءين مثناتين من تحت، قال في النهاية: يعني الكنف واحدها كرياس، وهو الذي يكون مشرفا على سطح بقناة من الأرض فهذا كان أسفل فليس بكرياس، سمي به لما تعلق به من الأقذار
[ ١ / ٤٤٣ ]
ويتكرس كتكرُّس الدِّمَن. وقال الزمخشري في كتاب العين: الكرْناس بالنون. اهـ الزهر.
وقال السندي: يعني بيوت الخلاء، قيل: ويفهم من كلام بعض أهل اللغة أنه بالنون ثم الياء. وكانت تلك الكراييس بنيت إلى جهة القبلة، فثقل عليه ذلك، ورأى أنه خلاف ما يفيده الحديث بناء على أنه فهم الإطلاق، لكن يمكن أن يكون محمل الحديث الصحراء وإطلاق اللفظ جاء على ما كان عليه العادة يومئذ إذ لم يكن لهم كنف في البيوت في أول الأمر، ويؤيده الجمع بين أحاديث هذا الباب منها ما ذكره المصنف، ومنها ما لم يذكره، ولذلك مال إليه الطحاوي من علمائنا، يعني الحنفية، والمسألة مختلف فيها بين العلماء والاحتراز عن الاستقبال والاستدبار في البيوت أحوط وأولى. اهـ.
(وقد قال رسول الله - ﷺ -) حال من الكرابيس أي حال كون رسول الله - ﷺ - قائلا في شأنها موضحا حكمها (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط) أي محل قضاء الحاجة أو الحاجة نفسها لأن الغائط يطلق عليها مجازا، قال في اللسان الغوط عمق الأرض الأبعد، ومنه قيل للمُطمَئنِّ (^١) من الأرض غائط، ولموضع قضاء الحاجة غائط، لأن العادة أن يقضى في المنخفض من الأرض حيث هو أستر له، ثم اتسع فيه حتى صار يطلق على النجو نفسه. قال أبو حنيفة: من بواطن الأرض المُنْبتَة الغيطان، الواحد منها غائط، وكل ما انحدر في الأرض فقد غاط، قال: وقد زعموا أن الغائط ربما كان فرسخا، وكانت به الرياض، ويقال: أتى فلان الغائط، والغائط المطمئن من الأرض الواسعة، وفي الحديث "تنزل أمتي بغائط يسمونه البصرة" أي بطن مطمئن من الأرض، والتغويط كناية عن الحدث.
_________________
(١) المطمنن من الأرض: المنخفض اهـ المصباح.
[ ١ / ٤٤٤ ]
والغائط: اسم العذرة نفسها لأنهم كانوا يلقونها بالغيطان، وقيل: لأنهم كانوا إذا أرادوا ذلك أتوا الغائط وقضوا الحاجة، فقيل لكل من قضى حاجته: قد أتى الغائط يُكنى به عن العذرة، وفي التنزيل العزيز ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: آية ٦] وكان الرجل إذا أراد التبرز ارتاد غائطا من الأرض يغيب فيه عن أعين الناس، ثم قيل للبراز نفسه، وهو الحدث غائط كناية عنه إذ كان سببا له، وتَغَوَّطَ الرجل كناية عن الخرَاءة إذا أحدث فهو متغوط.
قال ابن جني: ومن الشاذ قراءة من قرأ "أو جاء أحد منكم من
الغَيْط" يجوز أن يكون أصله غَيِّطا (^١) وأصله غَيْوط فخفف، قال أبو الحسن ويجوز أن يكون الياء واوا، للمعاقبة، ويقال: ضرب فلان الغائط إذا تبرز، وفي الحديث لا يذهب الرجلان يضربان الغائط يتحدثان" أي يقضيان الحاجة وهما يتحدثان، وقد تكرر ذكر الغائط في الحديث بمعنى الحدث، والمكان، اهـ لسان جـ ٧/ ص ٣٦٥.
(أو البول) هو في الأصل مصدر بال من باب قال، ثم استعمل في الخارج المعروف من القبل اهـ المنهل جـ ١/ ص ٣٨ (فلا يستقبل) أي لا يواجه، يقال: استقبلت الشيء واجهته، فهو مستقبل بالفتح اسم مفعول. اهـ المصباح، أي بفرجه لما في رواية "لا تستقبلوا القبلة بفروجكم" اهـ منهل جـ ١/ ص ٣٨ (القبلة) أي الكعبة، فأل للعهد كما فسرها حديث أبي أيوب في قول، "فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة فننحرف ونستغفر الله" متفق عليه، وروى أبو داود، والترمذي نحوه (ولا يستدبرها) أي لا يجعلها وراء ظهره، وللبخاري "ولا يولها ظهره" وزاد مسلم "ببول أو غائط".
_________________
(١) أي بتشديد الياء.
[ ١ / ٤٤٥ ]
قال الحافظ: والغائط الثاني غير الأول أطلق على الخارج من الدبر مجازا من إطلاق اسم المحل على الحال كراهية لذكره بصريح اسمه، وحصل من ذلك جناس تام والظاهر من قوله ببول اختصاص النهي بخروج الخارج من العورة ويكون مثاره إكرام القبلة عن المواجهة بالنجاسة، ويؤيده قوله في حديث جابر "إذا هَرَقْنا الماء" وقيل مثار النهي كشف العورة وعلى هذا فيطرد في كل حالة تكشف فيها العورة كالوطء مثلا، وقد نقله ابن شاش المالكي قولًا في مذهبهم، وكأن قائله تمسك برواية في الموطأ "لا تستقبلوا القبلة بفروجكم" ولكنها محمولة على المعنى الأول أي حال قضاء الحاجة جمعا بين الروايتين اهـ فتح جـ ٢/ ص ٢٠.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"الأولى": في درجته: حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ صحيح.
"الثانية": هذا الحديث بهذا السياق من أفراد المصنف.
"الثالثة": في هذا الحديث النهي عن استقبال القبلة حال قضاء الحاجة وقد اختلف العلماء في علة النهي عن ذلك:
فمنهم: من قال إنه لإظهار احترام وتعظيم القبلة وهوالظاهر لما روى من حديث سراقة بن مالك أن النبي - ﷺ - قال: "إذا أتى أحدكم الغائط فليكرم قبلة الله ﷿ ولا يستقبلها" أخرجه الدارمي وغيره بسند ضعيف مرسلا.
ومنهم: من علله بأنه لا يخلو من أن يراه مصلّ، فعن عيسى الحناط عن نافع عن ابن عمر قال "رأيت رسول الله - ﷺ - في كنيفه مستقبل القبلة" قال عيسى: فقلت للشعبي عجبت لقول ابن عمر هذا، وقول أبي هريرة
[ ١ / ٤٤٦ ]
﵄ "لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها" فقال الشعبي أما قول أبي هريرة ففي الصحراء لأن لله خلقا من عباده يصلون في الصحراء فلا تستقبلوهم ولا تستدبروهم، وأما في بيوتكم هذه التي تتخذونها للنتن فإنه لا قبلة لها، وذكر الدارقطني أن عيسى الحناط ضعيف.
وينبني على الخلاف في التعليل: خلافهم فيما إذا كان في الصحراء فاستتر بشيء هل يجوز الاستقبال والاستدبار فالتعليل باحترام القبلة يقتضي المنع، والتعليل برؤية المصلين يقتضي الجواز.
وقد اختلفوا أيضا في محل العلة فمنهم من قال: المنع للخارج المستقذر، ومنهم من قال المنع لكشف العورة.
وينبني على هذا الخلاف: خلافهم في جواز الوطء مستقبل القبلة مع كشف العورة فمن علل بالخارج أباحه إذ لا خارج ومن علل بالعورة منعه أفاده ابن دقيق العيد اهـ المنهل جـ ١/ ص ٣٩.
"الرابعة": قال ابن دقيق العيد: الغائط في اللغة المكان المطمئن من الأرض كانوا يقصدونه لقضاء الحاجة ثم استعمل في الخارج وغلب هذا الاستعمال في الحقيقة الوضعية فصار حقيقة عرفية والحديث يقتضى أن اسم الغائط لا ينطلق على البول لتفرقته بينهما، وقد تكلموا في أن قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦] هل يتناول الريح مثلا أو البول، أم لا؟ بناء على أنه يخصص لفظ الغائط لما كانت العادة أن يقصد لأجله، وهو الخارج من الدبر ولم يكلونوا يقصدون الغائط للريح مثلا، أو يقال: إنه مستعمل فيما كان يقع عند قصدهم الغائط من الخارج من القبل أو الدبر كيف كان. اهـ إحكام الإحكام جـ ١/ ص ٥٤.
وبقية الفوائد تأتي إن شاء الله في الحديث الآتي.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب".
[ ١ / ٤٤٧ ]