أي هذا باب ذكر الحديث الدال على النهي عن استدبار القبلة عند قضاء الحاجة البول أو الغائط، وتقدم تفسير الحاجة غير مرة.
وهذا الحديث هو الحديث الماضي لكن كرره للاختلاف في سنده ومتنه، ولأنه استدل به فيما مضى على النهي عن الاستقبال وهنا عن الاستدبار.
٢١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: "لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا".
رجال الإسناد: خمسة
١ - (محمَّد بن منصور) بن ثابت بن خالد الخُزَاعي الجَوَّازُ، المكي ثقة ١٠ ت سنة ٢٥٢ (س).
٢ - (سفيان) بن عيينة بن أبي عمران الهلالي مولاهم أبو محمَّد الأعور الكوفي ثم المكي أحد أئمة الإسلام، عن عمرو بن دينار، والزهري، وزيد بن أسلم، وصفوان بن سليم، وخلق كثير، وعنه شعبة
ومسعر، من شيوخه، وابن المبارك، من أقرانه، وأحمد، وإسحاق، وابن معين، وابن المديني، وأمم. قال العجلي: هو أثبتهم في الزهري
[ ١ / ٤٤٨ ]
كان حديثه نحو سبعة آلاف. وقال ابن عيينة: سمعت من عمرو بن دينار ما لبث نوح في قومه. وقال ابن وهب: ما رأيت أعلم بكتاب الله من ابن عيينة. وقال الشافعي: لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز، مات سنة ثمان وتسعين ومائة، ومولده سنة سبع ومائة.
وقال الحافظ: ثقة حافظ فقيه إمام حجة إلا أنه تغير حفظه بآخره وكان ربما دلس لكن عن الثقات. رأس الطبقة الثامنة. اهـ تقريب.
٣ - (الزهري) أبو بكر محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري المدني ثقة حافظ حجة رأس ٤ تقدم، في ١/ ١.
٤ - (عطاء بن يزيد الليثي) الجندعي بضم الجيم أبو محمَّد المدني
نزيل الشام، عن تميم الداري، وأبي أيوب، وأبي هريرة: وعنه أبو صالح السمان، وسهيل بن أبي صالح، والزهري. وثقه النسائي. قال
عمرو بن علي: مات سنة خمس ومائة. وقال ابن سعد: سنة تسع، من الطبقة الثالثة.
٥ - (أبو أيوب هو الأنصاري) المتقدم في السند السابق واسمه خالد ابن زيد.
لطائف هذا الإسناد
منها: أن فيه الإخبار والتحديث والعنعنة.
ومنها: أن رواته ما بين مكيين وهما محمَّد بن منصور، وسفيان، ومدنيين، وهم الزهري، وعطاء، وأبو أيوب.
ومنها: أنه من خماسيات المصنف.
[ ١ / ٤٤٩ ]
شرح الحديث
"عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: لا" ناهية (تستقبلوا) أي تواجهوا بفروجكم "القبلة" أي الكعبة لما تقدم من رواية أبي أيوب عند الشيخين من قوله "نحو الكعبة" "ولا تستدبروها" أي لا تجعلوها خلفكم، والاستدبار خلاف الاستقبال. اهـ لسان "لغائط أو بول" هكذا باللام، وفي نسخة بالباء، وقال العراقي ضبطناه في سنن أبي داود بالباء الموحدة وفي مسلم باللام اهـ ومثله للنووي في شرح مسلم وزاد ورُوي للغائط باللام والباء وهما بمعنى اهـ المنهل، ١/ ٣٨.
وقال بعض من كتب على النسائي ههنها: واللام وقتيبة كما في قوله تعالى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: آية ١] اهـ أي وقت غائط أو بول وتقدم تفسير الغائط والبول.
وتقدم عن الحافظ ما يفيد أن قوله بغائط أو بول يفيد اختصاص النهي بخروج الخارج من العورة ويكون مثاره إكرام القبلة عن المواجهة بالنجاسة ويؤيده قوله في حديث جابر "إذا هرقنا الماء". اهـ.
وقال المباركفوري في شرح الترمذي: الباء متعلقة بمحذوف وهو حال من ضمير لا تستقبلوا أي لا تستقبلوا القبلة حال كونكم مقترنين بغائط أو بول قال السيوطي: قال أهل اللغة: أصل الغائط المكان المطمئن كانوا يأتونه للحاجة فكنو به عن نفس الحدث كراهة لاسمه، قال: وقد اجتمع الأمران في الحديث فالمراد بالغائط في أوله المكان وفي آخره الخارج، قال ابن العربي: غلب هذا الاسم على الحاجة حتى صار فيها أعرف منه في مكانها، وهو أحد قسمي المجاز. انتهى كلام السيوطي. اهـ تحفة الأحوذي جـ ١/ ص ٥٣.
"ولكن شرقوا أو غربوا" أي توجهوا إلى جهة المشرق أو المغرب،
[ ١ / ٤٥٠ ]
هذا خطاب لأهل المدينة ومن قبلته على ذلك السمت ممن هو في جهة الشمال أو الجنوب فأما من قبلته المغرب أو المشرق فإنه ينحرف إلى الجنوب، أو الشمال كذا في المجمع وشرح السنة اهـ تحفة جـ ١/ ص ٥٣ وقال السندي: والمقصود الإرشاد إلى جهة أخرى لا يكون فيها استقبال القبلة ولا استدبارها، وهذا مختلف بحسب البلاد فلكل أن يأخذ بهذا الحديث بالنظر إلى المعنى لا بالنظر إلى اللفظ اهـ.
مسائل تتعلق بهذا الإسناد
"الأولى" فى درجته: حديث أبى أيوب ﵁ متفق عليه.
"الثانية": فيمن أخرجه: أخرجه البخاري في الطهارة عن آدم، عن ابن أبي ذئب وفي الصلاة عن علي، عن سفيان كلاهما عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب.
ومسلم في الطهارة عن يحيى، وزهير بن حرب، وابن نمير، وأبو داود فيه أيضا عن مسدد، والترمذي، فيه عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي خمستهم عن سفيان به.
وأخرجه المصنف هنا عن محمَّد بن منصور، عن سفيان به وفي الباب الآتي عن يعقوب بن إبراهيم، عن غندر، عن معمر، عن الزهري بمعناه، وأخرجه ابن ماجه في الطهارة عن أبي الطاهر بن السرح، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، نحوه. أفاده في تحفة الأشراف ج ٣/ ص ٩٧.
"الثالثة": قال السيوطي ﵀: أخذ بظاهر هذا الحديث أبو حنيفة وطائفة فحرموا ذلك في الصحراء والبنيان وخصه آخرون بالصحراء وعليه الأئمة الثلاثة لحديث ابن عمر الذي يليه.
[ ١ / ٤٥١ ]
قال القاضي أبو بكر ابن العربي: والمختار الأول لأننا إذا نظرنا إلى المعاني فالحرمة للقبلة فلا يختلف في البنيان ولا في الصحراء وإن نظرنا إلى الآثار فحديث أبي أيوب عام، وحديث ابن عمر لا يعارضه لأربعة أوجه:
أحدها: أنه قول وهذا فعل ولا معارضة بين القول والفعل.
قال الجامع: في هذا القول نظر، بل الصحيح أن الفعل كالقول يتعارض معه فيرجح أحدهما كما يتعارض القولان فيرجح أحدهما بطريقة من طرق الترجيح، والله أعلم.
الثاني: أن الفعل لا صيغة له، وإنما هو حكايته حال وحكايات الأحوال معرضة للأعذار والأسباب، والأقوال لا تحتمل ذلك.
الثالث: أن هذا القول شرع مبتدأ وفعله عادة، والشرع مقدم على العادة.
الرابع: أن هذا الفعل لو كان شرعا لما تستر به انتهى.
قال الحافظ السيوطي ﵀: وفي الآخرين نظر لأن فعله شرع كقوله والتستر عند قضاء الحاجة مطلوب بالإجماع.
قال الجامع: ما قاله السيوطي هو الحق عندي، فالراجح ما قاله الأئمة الثلاثة من الجواز في البنيان، والله أعلم.
"المسألة الرابعة" أنه قد اختلف العلماء في علة هذا النهي على قولين:
أحدهما: أن في الصحراء خلقا من الملائكة والجن فيستقبلهم بفرجه.
وثانيهما: أن العلة إكرام القبلة واحترامها لأنها جهة معظمة قال ابن العربي وهذا التعليل أولى ورجحه النووي أيضا في شرح المهذب. اهـ زهر.
[ ١ / ٤٥٢ ]
"المسألة الخامسة" أنه وقع في رواية أبي أيوب عند الشيخين وغيرهما قال أبو أيوب "فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة فننحرف عنها ونستغفر الله تعالى".
قال ابن دقيق العيد: فيه دليل على أن للعموم صيغة عند العرب وأهل الشرع على خلاف ما ذهب إليه بعض الأصوليين، وهذا أعني استعمال صيغة العموم فرد من الأفراد له نظائر لا تحصى، وإنما نبهنا عليه على سبيل ضرب المثل، فمن أراد أن يقطع بذلك فليتتبع نظائرها يجدها.
قال: أولع بعضُ أهل العصر وما يقرب منه بأن قالوا: إن صيغة العموم إذا وردت على الذوات مثلا أو على الأفعال كانت عامة في ذلك مطلقة في الزمان والمكان والأحوال والمتعلقات، ثم يقولون يكفي في العمل به صورة واحدة، فلا يكون حجة فيما عداها، وأكثروا من هذا السؤال فيما لا يحصى من ألفاظ الكتاب والسنة، وصار ذلك ديدنا لهم في الجدال، وهذا عندنا باطل، بل الواجب أن ما دل على العموم في الذوات مثلا يكون دالا على ثبوت الحكم في كل ذات تناولها اللفظ، ولا تخرج عنها ذات إلا بدليل يخصه، فمن أخرج شيئًا من تلك الذوات فقد خالف مقتضى العموم، نعم المطلق يكفي في العمل به مرة كما قالوا، ونحن لا نقول بالعموم في هذه المواضع من حيث الإطلاق، وإنما قلنا من حيث المحافظة على ما تقتضيه صيغة العموم في كل ذات، فإن كان المطلق مما لا يقتضي العمل به مرة واحدة مخالفة لمقتضى صيغة العموم؛ اكتفينا في العمل به بمرة واحدة، وإن كان العمل به مرة واحدة مما يخالف مقتضى صيغة العموم، قلنا بالعموم محافظة على مقتضى صيغته، لا من حيث إن المطلق يعم.
مثال ذلك: إذا قال من دخل داري فأعطه درهما فمقتضى الصيغة
[ ١ / ٤٥٣ ]
العموم في كل ذات صدق عليها أنها داخلة، فإذا قال قائل هو مطلق في الأزمان فأعمل به في الذوات الداخلة الدار في أول النهار مثلا ولا أعمل به في غير ذلك الوقت لأنه مطلق في الزمان وقد عملت به مرة فلا يلزم أن أعمل به مرة أخرى لعدم عموم المطلق، قلنا له: لما دلت الصيغة على العموم في كل ذات دخلت الدار ومن جملتها الذوات الداخلة في آخر النهار فهذا أخرجت تلك الذوات فقد أخرجت ما دلت الصيغة على دخوله وهي كل ذات، وهذا الحديث أحد ما يستدل به على ما قلناه، فإن أبا أيوب من أهل اللسان والشرع، وقد استعمل قوله "لا تستقبلوا ولا تستدبروا" عاما في الأماكن، وهو مطلق فيها وعلى ما قال هؤلاء المتأخرون لا يلزم منه العموم، وعلى ما قلناه يعم لأنه إذا خرج عنه بعض الأماكن خالف صيغة العموم في النهي عن الاستقبال والاستدبار. اهـ إحكام الأحكام جـ ١/ ص ٢٤٠ - ٢٤٦ بنسخة العدة.
"المسألة السادسة": قول أبي أيوب في الحديث المذكور: "ونستغفر الله ﷿".
قال ابن دقيق العيد: قيل يراد به ونستغفر الله لباني الكنيف على هذه الصورة الممنوعة عنده، وإنما حملهم على هذا التأويل أنه إذا انحرف عنها لم يفعل ممنوعا، فلا يحتاج إلى الاستغفار، والأقرب أنه استغفار لنفسه، ولعل ذلك لأنه استقبل واستدبر بسبب موافقته لمقتضى النهي غلطا أو سهوا، فيتذكر، فينحرف، ويستغفر الله.
فإن قلت: فالغالط والساهي لم يفعلا إثما فلا حاجة به إلى الاستغفار قلت: أهل الورع والمناصب العلية في التقوى قد يفعلون مثل هذ بناء على نسبتهم التقصير إلى أنفسهم في عدم التحفظ ابتداء والله أعلم. اهـ إحكام الأحكام جـ ١/ ٥٥ - ٥٦.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
[ ١ / ٤٥٤ ]