أي هذا باب في التسهيل في بول الشخص قائما في الصحراء، وقد تقدم ضبط الرخصة وتفسيرها.
وأما الصحراء: فهي البرية وجمعها صَحاريّ بكسر الراء مثقل الياء، لأنك تدخل ألف الجمع بين الحاء والراء وتكسر ما بعد ألف الجمع، نحو مساجد، ودراهم، فتنقلب الألف الأولى التي بعد الراء ياء للكسرة التي قبلها، وتنقلب ألف التأنيث ياء أيضا لكسر ما قبلها فيجتمع ياءان فتدغم إحداهما في الأخرى، ويجوز التخفيف مع كسر الراء وفتحها فيقال: صحار وصحارَى مثل العَذاري والعَذارَى، والعَزَالِي والعَزَالَى والكسر هو الأصل في الباب كله نحو المغازي، والمرامي، والجواري، والغواشي، وأما الفتح فمسموع، فلا يقال: وزن صحارى فعالل بفتح اللام لفقد هذا البناء في الكلام، وإنما هو منقول عن فعالل بالكسر، ولا يقال صحراءة بهاء بعد الهمزة لأنه لا يجمع على الاسم علامتا تأنيث، وأصحر الرجل للصحراء إصحارا برزلها. اهـ مصباح جـ ١/ ص ٣٣٣.
٢٦ - أَخْبَرَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ، فَبَالَ قَائِمًا.
رجال الإسناد: ستة
١ - "مؤمل بن هشام" اليشكري البصري، عن ابن علية، وأبي
[ ١ / ٤٧٧ ]
معاوية، وطائفة، وعنه البخاري، وأبو داود، والنسائي، ووثقاه، توفي سنة ٢٥٣. وفي (ت) ثقة، من العاشرة.
٢ - "إسماعيل" هو ابن إبراهيم المعروف بابن علية البصري ثقة ثبت [٨] تقدم. في ١٨/ ١٩.
٣ - "شعبة" هو ابن الحجاج الواسطي البصري بن الورد العتكي مولاهم أبو بسطام، ثقة، حافظ، متقن، كان الثوري يقول: هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتش بالعراق عن الرجال، وذَبَّ عن السنة، وكان عابدًا، من السابعة مات سنة ستين ومائة. وسيأتي له ترجمة من التهذيب مطولة في ٨٦/ ١٠٦.
٤ - "سليمان" هو ابن مهران الأعمش الكوفي ثقة [٥] تقدم في ١٧/ ١٨.
٥ - "أبو وائل" هو شقيق بن سلمة الكوفي ثقة مخضرم [٢] تقدم في ٢/ ٢.
٦ - "حذيفة" بن اليمان الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ٢/ ٢.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن فيه الإخبار، والعنعنة، وأن رواته ما بين بصريين، وواسطي، ثم بصري، وكوفيين، وكلهم أئمة أجلاء.
شرح الحديث
"عن حذيفة" بن اليمان ﵁ "أن رسول الله - ﷺ -" أتى أي جاء يقال: أتى الرجل يأتي أتيا: جاء، والإتيان اسم منه، وأتيته يستعمل لازما ومتعديا، قال الشاعر (من الكامل):
[ ١ / ٤٧٨ ]
فاحتَلْ لنَفْسكَ قَبْلَ أتْي العَسْكَر
وأتا يَأتُوا، أتْوًا لغة فيه. قاله في المصباح.
قلت: استعمله هنا متعديا ولذا قال "سُباطة قوم" بالضم كالكناسة وزنا ومعنى "فبال قائما" أي أهرق الماء حال كونه قائمًا.
والمعنى: أنه جاء إلى مَزْبَلة كائنة بفناء الدور فبال، لكون البول لا يرتد إليه لسهولتها.
وإضافة سباطة إلى القوم إضافة اختصاص لا ملك؛ لأنها لا تخلو عن النجاسة وبهذا يندفع إيراد من استشكل يكون البول يوهي الجدار ففيه إضرار، أو نقول: إنما بال فوق السباطة لا في أصل الجدار وهو صريح رواية أبي عوانة في صحيحه.
وقيل: يحتمل أن يكون علي إذنهم في ذلك بالتصريح أو غيره، أو لكونه مما يتسامح الناس به، أو لعلمه بإيثارهم إياه بذلك، أو لكونه يجوز له التصرف في مال أمته دون غيره لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأموالهم، وهذا وإن كان صحيح المعنى لكن لم يُعْهَد ذلك من سيرته ومكارم أخلاقه - ﷺ - في الفتح جـ ١/ ص ٣٩٢.
٢٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ أَنَّ حُذَيْفَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا.
٢٨ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا بَهْزٌ، قَالَ:
[ ١ / ٤٧٩ ]
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ وَمَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - مَشَى إِلَى سُبَاطَةِ قَوْمٍ، فَبَالَ قَائِمًا.
قَالَ سُلَيْمَانُ فِي حَدِيثِهِ: وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ. وَلَمْ يَذْكُرْ مَنْصُورٌ الْمَسْحَ.
رجال الإسنادين
في الأول ستة: تقدموا في الحديث الأول إلا ثلاثة، وهم:
١ - "محمَّد بن بشار" شيخ المصنف، وهو المشهور ببندار بضم الباء وفتحها وسكون النون كما في المغني.
وهو محمَّد بن بشار بن عثمان العبدي، أبو بكر البصري، الحافظ أحد أوعية السنة، عن المعتمر، ويزيد بن زريع، وغندر، ويحيى القطان، وخلق من طبقتهم، وعنه الجماعة، وابن خزيمة، وابن صاعد، وخلق، قال الخطيب: كان يحفظ حديثه، وقال ابن خزيمة: حدثنا الإمام محمَّد بن بشار، وقال العجلي: بندار ثقة كثير الحديث، وقال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: لا بأس به. وقال الذهبي: انعقد الإجماع بعدُ على الاحتجاج ببندار. مات سنة ٢٥٢، من الطبقة العاشرة.
فائدة: بُنْدار هذا هو أحد الأئمة الذين رَوَى عنهم أصحاب الكتب الستة بدون واسطة وهم تسعة، جمعتهم في نظم حيث قلت:
اشتَركَ الأئمَّةُ الهُدَاةُ … ذَوُو الأصُول السِّتَّة الحُمَاةُ
[ ١ / ٤٨٠ ]
في النَّقْل عَنْ تسْع شُيُوخ مَهَرَهْ … الحَافظينَ النَّاقدينَ البَرَرَهْ
أولئكَ الأشَجُّ وابنُ مَعْمَر … نَصْرٌ ويَعْقُوبُ وَعَمْرٌو السَّري
وابنُ العَلاء وابْنُ بَشَّار كَذَا … ابنُ المُثَنَّى وزيادٌ يُحْتَذَى
فائدة أخرى: بُنْدار بضم الباء وسكون النون لقب له، لكونه جَمَّاعًا للحديث، وأصل البندار هو من يكثر من شراء شيء، ثم يبيعه.
٢ - "محمَّد" هو ابن جعفر الهذلي مولاهم البصري أبو عبد الله الكرابيسي الحافط ربيب شعبة، جالسه نحوا من عشرين سنة، لقبه غُنْدَر بضم الغين وسكون النون وفتح الدال، وحكي ضمها، كما قال النووي في شرح البخاري.
لقبه به ابن جريج، وذلك أنه لما قدم البصرة كان أكثر عليه الشغب، فقال له: اسكت يا غندر، وأهل الحجاز يسمون المشغب غندرا.
روى عن عوف الأعرابي، وحسين المعلم، وابن جريج، وابن أبي عروبة. وعنه أحمد، وابن المديني، وابن معين، وابن راهويه، وقتيبة، وخلق. قال ابن معين: كان من أصح الناس كتابا. قال أبو داود: مات سنة ثلاث وتسعين ومائة. وقال ابن سعد: سنة أربع، من الطبقة التاسعة.
والسند الثاني
فيه سبعة تقدم منهم شعبة، والأعمش، وأبو وائل، وحذيفة في السند السابق، وأما الباقون فهم:
١ - "سليمان بن عبيد الله" بن عمرو بن جابر المازني الغيلاني أبو أيوب البصري، عن أمية بن خالد، وبهز بن أسد. وعنه مسلم، والمصنف، ووثقه. مات سنة ٢٤٦ من الحادية عشرة.
[ ١ / ٤٨١ ]
٢ - "بهز" بفتح الباء وسكون الهاء آخره زاي هو ابن أسد العَمِّيُّ بفتح العين وتشديد الميم نسبة إلى العم بطن في تميم، أبو الأسود البصري الإمام. يروي عن شعبة، وأبي بكر النهشلي، وحماد بن سلمة. وعنه أحمد، وبندار، ويعقوب بن إبراهيم. قال أحمد: إليه المنتهى في التثبت. قال عقبة بن مكرم: مات قبل يحيى القطان، من الطبقة التاسعة.
٣ - "منصور" هو ابن المعتمر بن عبد الله الكوفي تقدم ترجمته في ٢/ ٢.
لطائف الإسناد
في السند الأول: أنه من سداسياته، وفيه من ألفاظ الأداء الإخبار، والسماع، والتأنين، والقول، ورواته ما بين بصريين، وكوفيين، فالثلاثة الأولون بصريون، وشعبة واسطي بصري، والثلاثة الآخرون كوفيون.
شرح الحديث الثاني (^١)
"عن حذيفة" ﵁ "قال: إن النبي - ﷺ - مشى" أي ذهب على رجليه "إلى سباطة قوم" أي كناستهم "فبال قائما، قال سليمان" يعني الأعمش "في حديثه" أي روايته عن أبي وائل "ومسح" أي النبي - ﷺ - "على خفيه" أي بعد غسل أعضاء الوضوء ومسح الرأس "ولم يذكر منصور" بن المعتمر في روايته عن أبي وائل "المسح" أي مسح النبي - ﷺ - على خفيه، بل انتهى حديثه عند قوله فبال قائما.
والحاصل: أن الأعمش، ومنصورا، رويا هذا الحديث عن أبي وائل عن حذيفة ﵁ إلا أن الأعمش، زاد في روايته المسح.
وهذه الزيادة كما قال الحافظ: ثابتة من طرق عن شعبة، عن
_________________
(١) إنما تركت الأول لكونه مضى شرحه.
[ ١ / ٤٨٢ ]
الأعمش وزاد عيسى بن يونس فيه، عن الأعمش أن ذلك كان بالمدينة أخرجه ابن عبد البر في التمهيد بإسناد صحيح، وزعم في الاستذكار أن عيسى تفرد به، وليس كذلك، فقد رواه البيهقي من طريق محمَّد بن طلحة بن مصرف، عن الأعمش كذلك، وله شاهد من حديث عصمة ابن مالك رواه الطبراني.
قال الحافظ: ولعل البخاري اختصره لتفرد الأعمش به، فقد روى ابنُ ماجه من طريق شعبة أن عاصما رواه له عن أبي وائل عن المغيرة "أن رسول الله - ﷺ - أتى سباطة قوم فبال قائما" قال عاصم وهذا الأعمش يرويه عن أبي وائل عن حذيفة وما حفظه يعني أن روايته هي الصواب، قال شعبة: فسألت عنه منصورًا، فحدثنيه عن أبي وائل، عن حذيفة، يعني كما قال الأعمش، لكن لم يذكر فيه المسح، فقد وافق منصور الأعمش على قوله عن حذيفة دون الزيادة، ولم يلتفت مسلم إلى هذه العلة، بل ذكرها في حديث الأعمش؛ لأنها زيادة من حافظ.
وقال الترمذي: حديث أبي وائل عن حذيفة أصح يعني من حديثه عن المغيرة، وهو كما قال وإن جنح ابن خزيمة إلى تصحيح الروايتين لكون حماد بن أبي سليمان وافق عاصما على قوله: عن المغيرة، فجاز
أن يكون أبو وائل سمعه منهما فيصح القولان معا، لكن من حيث الترجيح رواية الأعمش ومنصور لاتقانهما أصح من رواية عاصم وحماد لكونهما في حفظهما مقال اهـ فتح جـ ١/ ص ٣٩٢ بتصرف.
وقد تقدم الكلام على فوائد هذا الحديث متنا وسندا في باب الرخصة في ترك الإبعاد عند قضاء الحاجة فارجع إليه، واستنبط المصنف منه هنا جواز البول قائما في الصحراء دون البيوت لما يأتي في حديث عائشة في الباب التالي.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
[ ١ / ٤٨٣ ]