أي هذا باب في بيان مشروعية البول جالسا لمن كان في البيت، يريد المصنف ﵀ أن يوفق بين حديث الباب المتقدم وبين حديث الباب بأن حديث حذيفة المتقدم محمول على ما كان في الصحراء وحديث عائشة على ما في البيت فلا تعارض.
وبعضهم وَفَّقَ بغير هذا، فقيل بأن حديث عائشة محمول على الغالب، وحديث حذيفة محمول على الندور.
وقيل: بأن حديث حذيفة أصح من حديثها لأن في حديثها شَريكا القاضي متكلم فيه بسوء الحفظ.
٢٩ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَنْبَأَنَا شَرِيكٌ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَالَ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ، مَا كَانَ يَبُولُ إِلاَّ جَالِسًا.
رجال السند: خمسة
١ - "علي بن حجر" بضم فسكون ابن إياس السعدي المروزي، نزيل بغداد، ثم مرو، ثقة، حافظ من صغار ٩ تقدم، في ١٣/ ١٣.
٢ - "شريك" بن عبد الله النخعي القاضي بواسط ثم الكوفة أبو
[ ١ / ٤٨٤ ]
عبد الله صدوق، يخطئ، كثيرا تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلا فاضلا عابدا شديدا على أهل البدع. من الثامنة مات ٧ أو ١٧٨ أخرج له مسلم والأربعة. أفاده في "ت".
٣ - "المقداد ابن شريح" بن هانيء بن يزيد الحارثي الكوفي ثقة من السادسة. روى له البخاري في الأدب، ومسلم، والأربعة "ت".
٤ - "شريح" بن هانيء بن يزيد الحارثي المَذْحجي، أبو المقدام الكوفي مخضرم ثقة قتل مع أبي بكرة بسجستان (بخ م ٤) ت.
٥ - "عائشة" ﵂ أم المؤمنين تقدمت في ٥/ ٥.
تنبيه: هذا الإسناد من خماسياته ورواته ما بين مروزي، وكوفيين، ومدنية، وفيه الإخبار، والإنباء، والعنعنة، والقول.
وأخرجه الترمذي: في الطهارة عن علي بن حجر، وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وسويد بن سعيد، وإسماعيل بن موسى السدي، أربعتهم عن شريك، عن المقدام بن شريح، عن أبيه عن عائشة ﵂، قال الترمذي: وفي الباب عن عمر، وبريدة، وعبد الرحمن بن حسنة، وحديث عائشة أحسن شيء في هذا الباب وأصح.
شرح الحديث
"عن عائشة" ﵂ أنها "قالت: من حدثكم" أي نقل لكم أن رسول الله - ﷺ - "بال" حال كونه "قائما فلا تصدقوه" أي لأنه أخبركم بخلاف الواقع "ما كان يبول إلا جالسا" وهذا قالته على حسب علمها، وإلا فالواقع خلاف ما قالته، فإنه ثبت أنه كان يبول قائما كما تقدم في حديث حذيفة ﵁.
[ ١ / ٤٨٥ ]
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"الأولى": في درجته: حديث عائشة ﵂ صحيح.
"الثانية": أن حديث الباب أخرجه أحمد والحاكم والترمذي وابن ماجه كما مر آنفا قال الترمذي حديث عائشة أحسن شيء في الباب وأصح وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين واعترض عليهما.
قال الشيخ ولي الدين: هذا الحديث فيه لين لأن فيه شريكا القاضي وهو متكلم فيه بسوء الحفظ، وقول الترمذي: إنه أصح شيء في هذا الباب؛ لا يدل على صحته، ولذلك قال ابن القطان: إنه لا يقال فيه صحيح، وتساهل الحاكم في التصحيح معروف، وكيف يكون على شرط الشيخين مع أن البخاري لم يخرج لشريك بالكلية، ومسلم خرَّج له استشهادًا لا احتجاجًا. نقله السيوطي.
وقال الحافظ في الفتح: لم يثبت عن النبي - ﷺ - في النهي عن البول قائما شيء كما بينته في أوائل شرح الترمذي اهـ.
وأجاب العلامة المباركفوري في شرحه على الترمذي: بأن المراد بقوله أحسن شيء وأصح أقل ضعفا وأرجح مما ورد في هذا الباب اهـ جـ ١/ ص ٦٧.
قال الجامع عفا الله عنه: بل الصواب أنه صحيح، وتعليله بشريك غير صحيح، فقد تابعه سفيان الثوري، كما حققه العلامة الألباني حفظه الله. انظر الصحيحة ١/ ٣٤٥ رقم ٢٠١ والله أعلم.
"الثالثة" قال الترمذي: وفي الباب عن عمر، ثم قال: وحديث عمر إنما روي من حديث عبد الكريم بن أبي المخارق، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال: رآني النبي - ﷺ - وأنا أبول قائما، فقال: "يا عمر
[ ١ / ٤٨٦ ]
لاتبل قائما" فما بلت قائما بعد.
قال الترمذي: وإنما رفع هذا الحديث عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه أيوب السختياني، وتكلم فيه، وروى عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر "قال عمر ﵁ ما بُلتُ قائما منذ أسلمت" وهذا أصح من حديث عبد الكريم.
قال العلامة المباركفوري: أخرجه البزار قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد رجاله ثقات.
وهذا الأثر يدل على أن عمر ما بال قائما منذ أسلم، ولكن قال الحافظ في الفتح قد ثبت عن عمر، وعلي، وزيد بن ثابت، وغيرهم أنهم بالوا قياما. اهـ كلام المباركفوري.
وفي الباب حديث أخرجه البزار من حديث بريدة مرفوعا بلفظ "ثلاث من الجفاء أن يبول الرجل قائما أو يمسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته أو ينفخ في سجوده" كذا في النيل، وقال الترمذي وحديث بريدة في هذا غير محفوظ. قال الجامع: قد تكلم الشيخ الألباني، وبين علة هذا الحديث في الإرواء جـ ١/ ٩٨ - ٩٩. كما تقدم في ١٧/ ١٨، وحديث أخرجه ابن ماجه عن جابر قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن يبول الرجل قائما. وفي إسناده عدي بن الفضل وهو متروك. اهـ تحفة الأحوذي جـ ١/ ص ٦٧.
"الرابعة": اختلف العلماء في تأويل حديث الباب على أقوال:
الأول: حمل المصنف له على أنه في البيوت جمعا بينه وبين حديث حذيفة السابق.
وحاصله أن عائشة إنما نفت ما كان يفعله في البيوت وأن حذيفة أثبت ما رآه في الصحراء، فدل على جواز البول قائما في الصحراء، دون
[ ١ / ٤٨٧ ]
البيوت، فمعنى حديثها من حدثكم أنه بال قائما في البيت لا تصدقوه، ومعنى حديث حذيفة أنه بال قائما في الصحراء كما تقدم أنه كان ذلك في سُباطة قوم.
الثاني: قول بعضهم إن حديث حذيفة أرجح من حديثها؛ لأن في حديثها شريكا القاضي وهو متكلم فيه بسوء الحفظ ولا عبرة بتصحيح الحاكم له لكونه متساهلا كما قدمناه.
قال الجامع: تقدم الجواب عن هذا القول قريبا. فتنبه.
الثالث: قول الترمذي: إن معنى النهي عن البول قائما على التأديب، لا على التحريم، وقد روي عن عبد الله بن مسعود قال: إن من الجفاء أن تبول وأنت قائم. اهـ جـ ١/ ص ٦٨ بشرح المباركفوري.
الرابع: أن حديث الباب ناسخ لحديث حذيفة، وإليه ذهب أبو عوانة في صحيحه وابن شاهين ورد هذا الحافظ في الفتح.
الخامس: قول بعضهم: إن حديث حذيفة محمول على العذر، فقيل لعدم مكان للجلوس لامتلاء الموضع بالنجاسة، وقيل: لكون ما يقابله من السباطة عاليا ومن خلفه منحدرا مستقلا لو جلس مستقبل السُّباطة سقط إلى خلفه، ولو جلس مستدبرًا لها بَدَت عورته للناس.
وقيل: لأنه حالة يؤمن معها خروج الريح بصوت، ففعل ذلك لكونه قريبا من الدار، ولذا قال عمر ﵁ "البول قائما أحصن للدبر" رواه عبد الرزاق، وقيل: لأن العرب كانت تستشفي لوجع الصلب بذلك.
والأظهر: أنه فعله لبيان الجواز، وكان أكثر أحواله البول عن قعود، قاله الحافظ ﵀، وتقدم بيان هذا في باب الرخصة في ترك ذلك. ١٧/ ١٨. والله ولي التوفيق.
[ ١ / ٤٨٨ ]