أي باب مشروعية بول الشخص إلى سترة يستتر بها عن أعين الناس.
٣٠ - أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ حَسَنَةَ، قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَفِي يَدِهِ كَهَيْئَةِ الدَّرَقَةِ فَوَضَعَهَا، ثُمَّ جَلَسَ خَلْفَهَا فَبَالَ إِلَيْهَا، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: انْظُرُوا، يَبُولُ كَمَا تَبُولُ الْمَرْأَةُ، فَسَمِعَهُ فَقَالَ: "أَوَمَا عَلِمْتَ مَا أَصَابَ صَاحِبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ كَانُوا إِذَا أَصَابَهُمْ شَيْءٌ مِنَ الْبَوْلِ قَرَضُوهُ بِالْمَقَارِيضِ، فَنَهَاهُمْ صَاحِبُهُمْ فَعُذِّبَ فِي قَبْرِهِ".
رجال السند: خمسة
١ - "هناد بن السري" بفتح الهاء وتشديد النون والسري بفتح السين وكسر الراء ابن مصعب أبو السري الكوفي ثقة ١٠ تقدم في ٢٣/ ٢٥.
٢ - "أبو معاوية" الضرير محمَّد بن خازم بمعجمة "التميمي مولاهم أحد الأعلام، عن الأعمش، وسهيل بن أبي صالح، وعاصم
[ ١ / ٤٨٩ ]
الأحول، وخلق. وعنه أحمد، وإسحاق، وابن المديني، وابن معين، وأبو خيثمة، وخلق. وروى عنه من شيوخه الأعمش، وابن جريج. قال أحمد: كان في غير الأعمش مضطربا. وقال العجلي: ثقة يرى الإرجاء. وقال يعقوب بن شيبة: ربما دلس. قال ابن معين: مات سنة ١٩٥، من الطبقة التاسعة.
٣ - "الأعمش" سليمان بن مهران أبو محمَّد الكاهلي الكوفي، ثقة حافظ ثبت، من الخامسة، تقدم في ١٧/ ١٨.
٤ - "زيد بن وهب" الجهني أبو سليمان، هاجر فمات النبي - ﷺ - وهو في الطريق، نزل الكوفة. عن عمر، وعثمان، وعلي، وحذيفة، وطائفة، وعنه حبيب بن أبي ثابت، وسلمة بن كهيل، والأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد، وخلق. وثقه ابن معين، وابن خراش، قال الأعمش: إذا حدثك زيد فكأنك سمعته من الذي حدثك عنه. قال ابن سعد: توفي بعد الجماجم، مخضرم من الثانية.
٥ - "عبد الرحمن بن حسنة" هو عبد الرحمن بن عبد الله بن المطاع (^١) الكندي حليف بني زهرة أخو شُرَحبيل بن حسنة، وحسنة أمهما أفاده الحافظ المزي.
وقال الحافظ في الإصابة: وقال الترمذي: يقال: إنهما أخوان، وأنكر العسكري تبعا لابن أبي خيثمة أن يكون عبد الرحمن أخا شرحبيل، رَوَى عن النبي - ﷺ -: أنه خرج عليهم ومعه كهيئة الدرقة فبال إليها. الحديث.
روى عنه زيد بن وهب، أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وذكر مسلم والأزدي والحاكم أنه تفرد بالرواية عنه، وقد
_________________
(١) وفي الإصابة: عبد الرحمن بن المطاع بن عبد الله بن الغطريف اهـ.
[ ١ / ٤٩٠ ]
وقع في الطبراني الكبير حديث من طريق أبي قارظ عنه وهو وارد على الإطلاق المذكور اهـ إصابة جـ ٢/ ص ٤١٤ لكن في إسناده ابن لهيعة، ولا تقوم به حجة قاله في تهذيب التهذيب، وليس لعبد الرحمن في الكتب الستة سوى هذا الحديث الواحد عند المصنف، وأبي داود، وابن ماجه، وله في غيرها أحاديث أخر. قاله السيوطي جـ ١/ ص ٢٧.
لطائف الإسناد
فيه: الإخبار، والعنعنة، والقول.
وفيه: أنه من خماسياته ورواته كوفيون وفيه مخضرم وهو زيد.
وفيه: رواية تابعي عن تابعي، وفيه أن صحابيه ليس له في الكتب الستة إلا هذا الحديث.
شرح الحديث
"عن عبد الرحمن بن حسنة" ﵁ "قال خرج علينا رسول الله - ﷺ -" وفي رواية أبي داود قال "انطلقت أنا وعمرو بن العاص إلى النبي - ﷺ - فخرج ومعه دَرَقة" ولفظ البيهقي قال "كنت أنا وعمرو بن العاص جالسين فخرج علينا رسول الله - ﷺ - "وفي يده كهيئة الدرقة" جملة حالية من الفاعل.
وفي رواية أبي داود "ومعه درقة" ولفظ البيهقي "في يده درقة".
قال العلامة السندي: قوله "كهيئة الدرقة" أي شيء مثل هيئة الدرقة أي كصفتها فالكاف بمعنى مثل مبتدأ، والدرقة بدال وراء مهملتين مفتوحتين: التُّرْسُ إذا كان من جلود ليس فيه خشب ولا عَصَب. اهـ ١/ ٢٧.
وقال السيوطي: الدَّرَقَة بفتح الدال والراء المهملتين والقاف:
[ ١ / ٤٩١ ]
الحَجَفَة، والمراد بها الترس إذا كان من جلود وليس فيه من خشب ولا عصب، وهو القصب الذي تعمل منه الأوتار.
وذكر القزاز أنها من جلود دواب تكون في بلاد الحبشة اهـ زهر جـ ١/ ص ٢٧ "فوضعها" أي جعلها حائلة بينه وبين الناس لئلا يطلع أحد على عورته "ثم جلس" النبي - ﷺ - "خلفها" أي خلف الدرقة "فبال إليها" أي متوجهًا إليها ومستترًا بها "فقال بعض القوم" قيل لعل القائل كان منافقا، والأولى أنه ليس منافقًا لأن مجموع الروايات يبين ذلك، ففي رواية أبي داود "فقلنا"، وفي رواية البيهقي "فتكلمنا فيما بيننا، فقلنا يبول كما تبول المرأة" فتبين أنه من الصحابة، وإنما قالوا ذلك تعجبا لما رأوه مخالفا لما عليه عادتهم في الجاهلية في بول الرجال قياما وكانوا قريبي العهد بها، ولم يقولوا استهزاء ولا سُخْريّة "انظروا يبول كما تبول المرأة" قال الشيخ ولي الدين العراقي: هل المراد التشبيه بها في الستر أو الجلوس أو فيهما محتمل.
وفهم النووي الأول، فقال في شرح أبي داود: معناه أنهم كرهوا ذلك، وزعموا أن شهامة الرجال لا تقتضي الستر على ما كانوا عليه في الجاهلية، قال الشيخ ولي الدين: ويؤيد الثاني رواية البغوي في معجمه فإن لفظها "فقال بعضنا لبعض يبول رسول الله - ﷺ - كما تبول المرأة وهو قاعد" وفي معجم الطبراني "يبول رسول الله - ﷺ - وهو جالس كما تبول المرأة" وفي سنن ابن ماجه قال أحمد بن عبد الرحمن المخزومي كان من شأن العرب البول قائمًا ألا تراه في حديث عبد الرحمن بن حسنة يقول يقعد ويبول. اهـ زهر.
وقال السندي: نعم ذكر ما أصاب صاحب بني إسرائيل أنسب بالتستر اهـ.
[ ١ / ٤٩٢ ]
"فسمعه" أي سمع ما قال ذلك البعض رسول الله - ﷺ - "فقال" رسول الله - ﷺ - مجيبا له (أ) تستغرب ذلك مني "وما علمت" ما موصولة أو موصوفة "أصاب صاحب بنى إسرائيل" برفع صاحب على أنه فاعل أصاب ومفعوله محذوف والتقدير أو ما علمت العذاب الذي أصابه صاحب بني إسرائيل.
ويجوز نصبه على أنه مفعول أصاب والفاعل ضمير يعود إلى "ما" أي أوَ ما علمت العذاب الذي أصاب أي هو صاحب بني إسرائيل، قيل: المراد بصاحب بني إسرائيل واحد منهم، وعلى هذا فلا إشكال في الحديث، وقيل المراد به موسى ﵊ وعلى هذا فمعناه أنه نهاهم عن التهاون في البول فعذب من لم ينته عنه، وهذا القول بعيد جدًا، والأول هو الذي يدل عليه السياق.
وبنو إسرائيل: أولاد يعقوب بن إسحاق، وإسرائيل هو يعقوب، ومعناه بالسريانية عبد الله لأن إسرا بمعنى عبد، وإيل بمعنى الله.
"كانوا" أي بنو إسرائيل "إذا أصابهم شيء من البول" أي أصاب جسدهم أو ثيابهم "قرضوه" أي قطعوه، يقال: قرضت الشيء قرضا من باب ضرب: قطعته بالمقراض. أفاده في المصباح "بالمقاريض" جمع مقراض بكسر الميم، وقال في المصباح، ولا يقال إذا جمعت بينهما: مقراض كما تقول العامة، وإنما يقال عند اجتماعهما: "قرضته بالمقراضين وفي الواحد قرضته بالمقراض" اهـ.
يعني أنهم كانوا يقطعون الموضع الذي أصابه البول؛ لأنه ما كان يجوز لهم أن يطهروا موضع النجاسة بالماء، وإنما التطهير في دينهم بقطع المتنجس والظاهر أنهم كانوا يفعلون ذلك ولو في جسدهم ويؤيد
هذا رواية مسلم "جلد أحدهم" وفي رواية أبي داود "جسد أحدهم"
[ ١ / ٤٩٣ ]
فيكون هذا من الأمر الشاق الذي حملوه.
وقيل: المراد بالجلد الجلود التي كانوا يلبسونها، وإليه ذهب القرطبي، ويؤيده رواية البخاري "إذا أصاب ثوب أحدهم".
قال الجامع: والأولى عندي أنهم كانوا يعملون هذا وهذا، فهم مكلفون بكليهما فلا حاجة إلى حمل إحدى الروايتين على الأخرى.
"فنهاهم صاحبهم" أي نهي بني إسرائيل صاحبهم المذكور عن القطع المذكور، وقال: إن هذا تكلف شديد فاتركوه "فعذب في قبره" أي عذبه الله بسبب نهيه عن المعروف، فحذر النبي - ﷺ - أصحابه من إنكار ما هو مقرر في الشرع.
فكأنه - ﷺ - قال لا تستثقلوا ما أبينه لكم من الأحكام فعلا أو قولا، ولو كان على خلاف معتادكم في الجاهلية، كما استثقل صاحب بني إسرائيل، وإلا فيخشى أن يصيبكم مثل ما أصابه وهذا على أن القائل انظروا الخ من الصحابة أما على أنه مشرك أو منافق كما قاله في المرقاة فيكون قصد النبي - ﷺ - بذلك توبيخه وتهديده وأنه من أصحاب النار حيث عيَّره بالحياء وجعله من فعل النساء. أفاده في المنهل جـ ١/ ص ٨٨.
قال الجامع: لكن سياق الأحاديث يدل علي المعنى الأول كما تقدم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"الأولى": في درجته: هذا الحديث صحيح.
"الثانية": فيمن أخرجه مع المصنف:
أخرجه أبو داود في الطهارة عن مسدد عن عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش به، وأخرجه "ق" في الطهارة، عن أبي بكر بن شيبة، عن أبي معاوية، عن الأعمش به، وأخرجه ابن حبان في صحيحه، وابن
أبي شيبة والبيهقي.
[ ١ / ٤٩٤ ]
"الثالثة": في فوائده:
يستنبط من هذا الحديث جواز ترك التباعد عن الناس عند البول.
ومشروعية التستر بشيء ولا سيما إذا كان بقرب الناس.
وأنه لا يجوز لأحد التكلم في شيء من أمور الدين حتى يعلم حكم الله فيه.
والتلطف في المخاطبة عند التعليم فإنه - ﷺ - لما سمع مقالتهم لم يقابلهم بالغلظة بل تلطف بهم شفقة عليهم ورحمة.
وطلب التحرز عن النجاسات والإحتياط في ذلك.
وأن المخالفة سبب في الهلاك والتعذيب فقد نبه - ﷺ - أن صاحب بني إسرائيل نهى عن المعروف في دينهم فتسبب عنه تعذيبه.
وأن عذاب القبر حق، وأن للبول خصوصية فيه فقد أخرج ابن خزيمة في صحيحة عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا "أكثر عذاب القبر من البول". قاله في الفتح جـ ١/ ص ٣٨١.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب".
[ ١ / ٤٩٥ ]