أي هذا باب ذكر الحديث الدال على وجوب التنزه عن البول، وموضع الترجمة قوله "فكان لا يستنزه من بول" لأن تسبب العذاب بعدم استنزاهه يدل على وجوب التنزه، والتنزه مصدر تنزه يقال: تَنَزَّةَ فلان يَتَنَزَّه إذا تباعد عن الأقذار. أفاده الفيومي.
فمعنى التنزه عن البول التحفظ عنه.
٣١ - أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى قَبْرَيْنِ، فَقَالَ: "إِنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا هَذَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنْ بَوْلِهِ، وَأَمَّا هَذَا فَإِنَّهُ كَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ". ثُمَّ دَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ، فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ، فَغَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا، ثُمَّ قَالَ: "لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا".
خَالَفَهُ مَنْصُورٌ، رَوَاهُ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ طَاوُسًا.
[ ١ / ٤٩٦ ]
رجال الإسناد: سبعة
١ - "هناد بن السري" بفتح السين وتخفيف الراء أبو السري الكوفي ثقة [١٠] تقدم. في ٢٣/ ٢٥.
٢ - "وكيع" بن الجراح بن مليح الرؤاسي أبو سفيان الكوفي ثقة حافظ من كبار ٩ تقدم في ٢٣/ ٢٥.
٣ - "الأعمش" سليمان بن مهران أبو محمَّد الكاهلي مولاهم الكوفي ثقة حافظ من -٥ - تقدم. في ١٧/ ١٨.
٤ - "مجاهد" بن جَبْر بإسكان الموحدة مولى السائب بن أبي السائب أبو الحجاج المكي المقرئ الإمام المفسر، عن ابن عباس، وقرأ عليه، قال مجاهد: عرضت عليه ثلاثين مرة، وأم سلمة، وأبي هريرة، وجابر، عن عائشة في (خ م).
قال شعبة، والقطان، وابن معين، وأبو حاتم الرازي: لم يسمع منها، لكن قد صرح مجاهد في بعض رواياته سماعه منها.
وعنه عكرمة، وعطاء، وقتادة، والحكم بن عُتيبة، وأيوب، وخلق.
وثقه ابن معين، وأبو زرعة، قال ابن حبان: مات بمكة سنة اثنتين أو ثلاث ومائة وهو ساجد، ومولده سنة إحدى وعشرين اهـ. صه
وفي (ت) مات سنة ١ أو ٢ أو ٣ أو ١٠٤ وله ٨٣ سنة رَوَى له الجماعة من الطبقة الثالثة.
٥ - "طاوس" هو ابن كيسان اليماني الجَنَديُّ بفتح الجيم والنون، قيل من الأبناء، وقيل مولى هَمْدان، الإمام العلم، قيل: اسمه ذكوان قاله ابن الجوزي.
عن أبي هريرة، وعائشة، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وزيد بن
[ ١ / ٤٩٧ ]
أرقم، وجابر، وابن عمر، وأرسل عن معاذ، قال طاوس: أدركت خمسين من الصحابة، وعنه مجاهد، وعمرو بن شعيب، وحبيب بن أبي ثابت، والزهري، وأبو الزبير، وعمرو بن دينار، وسليمان الأحول، وخلق.
قال ابن عباس: إني لأظن طاوسا من أهل الجنة، وقال عمرو بن دينار: ما رأيت مثله، وقال ابن حبان: حج أربعين حجة، وكان مستجاب الدعوة، قال ابن القطان: مات سنة ست ومائة، وقال بعضهم يوم التروية، وصلى عليه هشام بن عبد الملك، وثقه ابن معين، وغيره، أخرج له الجماعة اهـ. صه من الطبقة الثالثة. ت.
٦ - "منصور" هو ابن المعتمر بن عبد الله الكوفي ثقة ثبت تقدم في ٢/ ٢.
٧ - "ابن عباس" هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. الهاشمي، أبو العباس المكي، ثم المدني، ثم الطائفي، ابن عم النبي - ﷺ - وصاحبه، وحبر الأمة، وفقيهها، وترجمان القرآن، روى ألفا وستمائة وستين حديثا، اتفقا على خمسة وسبعين، وانفرد البخاري بثمانية وعشرين، ومسلم بتسعة وأربعين، وعنه أبو الشعثاء، وأبو العالية، وسعيد بن جبير، وابن المسيب، وعطاء بن يسار، وأمم، قال موسى بن عبيدة: كان عمر يستشير ابن عباس، ويقول: غَوَّاص، وقال سعد: ما رأيت أحضر فهما، ولا ألبَّ لبًّا، ولا أكثر علما، ولا أوسع حلما من ابن عباس، ولقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات، وقال عكرمة: كان ابن عباس إذا مر في الطريق قالت النساء: أمرَّ المسك أو ابن عباس؟.
وقال مسروق: كنت إذا رأيت ابن عباس، قلت: أجمل الناس،
[ ١ / ٤٩٨ ]
وإذا نطق، قلت: أفصح الناس، وإذا حدث، قلت: أعلم الناس، ومناقبه جمة، قال أبو نعيم: مات سنة ثمان وستين. قال ابن بكير: بالطائف، وصلى عليه محمَّد بن الحنفية.
قلت: ابن عباس سمع من النبي - ﷺ - خمسة وعشرين حديثا، وباقي حديثه عن الصحابة، واتفقوا على قبول مرسل الصحابة، والله أعلم.
أخرج له الجماعة. اهـ صه.
وفي (ت) ولد قبل الهجرة بثلاث سنين ودعا له رسول الله - ﷺ - بالفهم في القرآن، فكان يسمى البحر والحبر لسعة علمه، وقال عمر: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عاشره منا أحد، وهو أحد المكثرين من الصحابة وأحد العبادلة من فقهاء الصحابة اهـ باختصار.
قال الجامع عفا الله عنه: الذي ثبت في مسند الإمام أحمد بن حنبل أنه روى ألفا وستمائة وستة وتسعين حديثا.
فائدة: اختلف العلماء في عدة الأحاديث التي صرح ابن عباس ﵄ بسماعها من النبي - ﷺ - كان من الغريب قول الغزالي في المستصفي، وقلده جماعة: إنها أربعة ليس إلا.
وعن يحيى القطان، وابن معين، وأبي داود صاحب السنن: تسعة، وعن منذر: عشرة، وعن بعض المتأخرين: أنها دون العشرين من وجوه صحاح.
وقيل: خمسة وعشرون كما تقدم في عبارة الخلاصة.
وقال العلامة السخاوي: وقد اعتنى شيخنا يعني الحافظ ابن حجر بجمع الصحيح والحسن فقط من ذلك فزاد على الأربعين سوى ما هو في حكم السماع كحكاية حضور فعل شيء بحضرة النبي - ﷺ -.
[ ١ / ٤٩٩ ]
قال: وأشار شيخنا لذلك عقيب قول البخاري في الحديث الثالث من باب الحشر من الرقاق هذا مما يعد أن ابن عباس سمعه اهـ من فتح المغيث، جـ ١/ ص ١٤٧ بزيادة.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسياته وأن فيه من صيغ الأداء الإخبار، والعنعنة والسماع والقول.
ومنها: أن رواته كلهم أجلاء ثقات، وأن الثلاثة الأولين كوفيون والرابع مكي، والخامس يماني، والصحابي مكي، مدني، بصري، طائفي ورواية ثلاث من التابعين بعضهم عن بعض.
فائدة: عبد الله بن عباس ﵄ هو أحد العبادلة الأربعة وقد ذكرهم السيوطي في الألفية بقوله.
والبَحْرُ وابْنَا عُمَر وعَمْرو … وابنُ الزُّبَيْر فِي اشتهَار يَجْري
دُونَ ابن مَسْعُود لَهُم عَبَادله … وغَلَّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذا مَالَ لهُ
وقوله: وغلطوا الخ يشير به إلى أن بعض العلماء أدخل فيهم ابن مسعود، وهذا غلط لأنه مات قبل اشتهار هذا اللقب، وكذا قول بعضهم: إنهم ثلاثة بإسقاط ابن الزبير.
شرح الحديث
"عن ابن عباس" ﵄ أنه "قال: مرّ رسول الله - ﷺ -" أي اجتاز، يقال: مررت يزيد، وعليه، فيُعَدَّى بالباء تارة وبعلى أخرى، مرّا ومُرُورًا ومَمَرًا: أجزت ومرّ الدهرُ مرّا ومرورًا أيضا، ذهب. أفاده في المصباح.
"على قبرين" تثنية قبر، وهو موضع دفن الميت، وأقله حفرة تُواري
[ ١ / ٥٠٠ ]
الميت، وأكمله اللحد، وفي رواية ابن ماجه "بقبرين جديدين" قاله في المنهل جـ ١/ ص ٧٩ قلت: ذكرنا أنه يتعدى بالباء، و"على"، وفي رواية البخاري هنا "مر النبي - ﷺ - بحائط من حيطان المدينة أو مكة فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما"، وفي الأدب: "خرج النبي - ﷺ - من بعض حيطان المدينة" قال الحافظ: فيحمل أن الحائط الذي خرج منه غير الحائط الذي مر به. وفي الأفراد للدارقطني من حديث جابر أن الحائط كان لأم مبشر الأنصارية وهو يقوي رواية الأدب لجزمها بالمدينة من غير شك، والشك في قوله أو مكة من جرير. اهـ فتح جـ ١/ ص ٣٧٩.
"فقال" النبي - ﷺ - لما سمع صوتهما "إنهما" أي مَن فيهما "يعذبان" أي يعاقبان، يقال: عذبته تعذيبا: عاقبته والاسم العذاب، وأصله في كلام العرب الضرب، ثم استعمل في كل عقوبة مؤلمة، واستعير للأمور الشاقة، فقيل: السفر قطعة من العذاب. قاله الفيومي.
وأسند التعذيب إلى القبرين مجازا من إطلاق المحل على الحال؛ لأن المعذب في الحقيقة مَن فيهما، كما تقدم قريبا.
ويحتمل عود الضمير على معلوم من المقام، وهو من في القبرين لأن سياق الكلام يدل عليه.
وقوله "يعذبان" في محل رفع خبر إن، وفي رواية أبي داود "ليعذبان" بلام التأكيد، وأكده بإن واللام وإن كان مقتضى الظاهر على خلافه لما فيه من الإخبار بمغيب، وما كان هكذا شأنه أن ينكر بقطع النظر عن المخبر به ولتأكيد التنفير من هذا الصنيع المؤدي إلى العذاب أفاده في المنهل جـ ١/ ص ٧٩.
"وما يعذبان في كبير" أي بسبب أمر كبير أي أنهما لا يعذبان في أمر كبير يشق عليهما تركه، أو أنهما لا يعذبان في أمر يستعظمه الناس بل
[ ١ / ٥٠١ ]
يتهاونون به ويجترئون عليه، قال ابن مالك فيه شاهد على ورود في للتعليل، وهو مثل قوله - ﷺ - "عذبت امرأة في هرة" قال وخفي ذلك على أكثر النحويين مع وروده في القرآن كقوله تعالى ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ [الأنفال: آية ٦٨] وفي الحديث كما تقدم وفي الشعر فذكر شواهد انتهى.
واستدل ابن بطال بهذه الرواية على أن التعذيب لا يختص بالكبائر، بل قد يقع على الصغائر، قال: لأن الاحتراز من البول لم يرد فيه وعيد يعني قبل هذه القصة. وتعقب برواية منصور عند البخاري، "ثم قال بلى" أي أنه لكبير، وصرح به في الأدب من طريق عبد بن حُميد عنه فقال: "وما يعذبان في كبير، وإنه لكبير" أفاده في الفتح جـ ١/ ص ٣٨٠.
تنبيه: وقد اختلف في معني قوله "وإنه لكبير" فقال أبو عبد الملك البوني: يحتمل أنه - ﷺ - ظن أن ذلك غير كبير، فأوحى إليه في الحال بأنه كبير، فاستدرك، وتعقب بأنه يستلزم أن يكون نسخا، والنسخ لا يدخل الخبر، وأجيب بأن الحكم بالخبر يجوز نسخه فقوله "وما يعذبان في كبير" إخبار بالحكم، فهذا أوحي إليه أنه كبير، فأخبر به، كان نسخا لذلك الحكم.
وقيل: يحتمل أن الضمير في قوله: وإنه يعود على العذاب، لما ورد في صحيح ابن حبان من حديث أبي هريرة "يعذبان عذابا شديدا في ذنب هين".
وقيل: الضمير يعود على أحد الذنبين، وهو النميمة لأنها من الكبائر، بخلاف كشف العورة، وهذا مع ضعفه غير مستقيم؛ لأن الاستتار المنفي ليس المراد به كشف العورة فقط كما سيأتي.
وقال الداودي، وابن العربي: "كبيرٌ" المنفي بمعنى أكبر، والمثبت واحد الكبائر، أي ليس ذلك بأكبر الكبائر كالقتل مثلا، وإن كان كبيرًا في الجملة.
[ ١ / ٥٠٢ ]
وقيل: المعنى ليس بكبير في الصورة لأن تعاطي ذلك يدل على الدناءة والحقارة، وهو كبير في الذنب.
وقيل: ليس بكبير في اعتقادهما أو في اعتقاد المخاطبين، وهو عند الله كبير، كقوله تعالى ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥].
وقيل: ليس بكبير في مشقة الاحتراز، أي كان لا يشق عليهما الاحتراز من ذلك وهذا الأخير جزم به البغوي وغيره، ورجحه ابن دقيق العيد، وجماعة.
وقيل: ليس بكبير بمجرده، وإنما صار كبيرًا بالمواظبة عليه، ويرشد إلى ذلك السياق فإنه وصف كلا منهما بما يدل على تجدد ذلك منه، واستمراره عليه للإتيان بصيغة المضارعة بعد حرف كان، والله أعلم اهـ فتح الباري. جـ ١/ ص٣٨٠.
قال الجامع عفا الله منه: فجملة الأقوال ثمانية، والذي يَقْوَى عندي أنه ليس بكبير في اعتقادهما، فلذا تساهلا في شأنه، مع أنه لا يشق عليهما الاحتراز عنه، وهو عند الله كبير، والله أعلم.
فائدة: قال الحافظ ﵀ ولم يُعرف اسم المقبورين ولا أحدهما، والظاهر أن ذلك كان على عَمْد من الرواة لقصد الستر عليهما، وهو عمل مستحسن، وينبغي أن لا يبالغ في الفَحْص عن تسمية مَن وقع في حقه ما يذم به، قال: وقد اختلف فيهما، فقيل: كانا كافرين، وبه جزم أبو موسى المديني، قال: لأنهما لو كانا مسلمين لما
[ ١ / ٥٠٣ ]
كان لشفاعته إلى أن ييبسا الجريدتان معنًى، ولكنه لما رآهما يعذبان لم يستجز للطفه وعطفه حرمانهما من إحسانه فتشفّع لهما إلى المدة المذكورة، وجزم ابن العطار في شرح العمدة بأنهما كانا مسلمين، قال القرطبي: وهو الأظهر، وقال الحافظ: وهو الظاهر من مجموع طرق الحديث اهـ. زهر، جـ ١/ ص ٢٩.
"أمّا" أما بفتح الهمزة وتشديد الميم حرف فيها معنى الشرط كمهما يكن من شيء بدليل لزوم الفاء بعدها قال ابن مالك:
أمَّا كَمَهْمَا يَكُ منْ شيء وَفَا … لتلْو تلْوهَا وُجُوبًا ألفَا
"هذا" إشارة إلى مَن في أحد القبرين "فكان لا يستنزه" بنون ساكنه بعدها زاي، ثم هاء، هذه هي رواية المصنف، وأبي داود، وابن ماجه، ورواية لمسلم، من الاستنزاه، قال في النهاية: أي لا يستبريء، ولا يتطهر، ولا يستبعد من البول، وفي العيني لا يستنزه من التنزه وهو الإبعاد، جـ ٢/ ص ٤٣١.
وقد قدمنا في عبارة المصباح أن التنزه هو الإبعاد عن الأقذار، ووقع في رواية الشيخين "لا يستتر" قال الحافظ: كذا في أكثر الروايات بمثناة من فوق الأولى مفتوحة والثانية مكسورة، وفي رواية ابن عساكر
"يستبريء" بموحدة ساكنة من الاستبراء.
قال: فعلى رواية أكثر معنى الاستتار أنه لا يجعل بينه وبين بوله سترة، يعني لا يتحفظ منه، فتوافق رواية "لا يستنزه" لأنها من التنزه وهو الإبعاد، وقد وقع عند أبي نعيم في المستخرج من طريق وكيع، عن الأعمش "كان لا يتوقى" وهي مفسرة للمراد، وأجراه بعضهم على ظاهره فقال: معناه لا يستر عورته، وضعف بأن التعذيب لو وقع على كشف العورة لاستقل الكشف بالسبية، واطرح اعتبار البول، فيترتب
[ ١ / ٥٠٤ ]
العذاب على الكشف سواء وجد البول أم لا ولا يخفى ما فيه، وأما رواية الاستبراء فهي أبلغ في التوقي.
وتعقب الإسماعيلى رواية الاستتار بما يحصل جوابه مما ذكرنا.
قال ابن دقيق العيد: لو حمل الاستتار على حقيقته للزم أن مجرد كشف العورة كان سبب العذاب المذكور، وسياق الحديث يدل على أن للبول بالنسبة إلى عذاب القبر خصوصية يشير إلى ما صححه ابن خزيمة من حديث أبي هريرة مرفوعا "أكثر عذاب القبر من البول" أي بسبب ترك التحرز منه.
قال: ويؤيده أن لفظ "من" في هذا الحديث لما أضيف إلى البول اقتضى نسبة الاستتار الذي عدمه سبب العذاب إلى البول بمعنى أن ابتداء سبب العذاب من البول فلو حمل على مجرد كشف العورة زال هذا المعنى، فتعين الحمل على المجاز لتجتمع ألفاظ الحديث على معنى واحد لأن مخرجه واحد، ويؤيده أنّ في حديث أبي بكرة عند أحمد وابن ماجه "أما أحدهما فيعذب في البول" ومثله للطبراني عن أنس اهـ فتح جـ ١/ ص ٣٨١.
وفي المنهل: وروى لا يستنتر بنون بين تاءين من النتر وهو جذب فيه قوة
وفي الحديث "إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث نترات" رواه أحمد وأبو داود مرسلا، وروى "لا يستنثر" بتاء مثناة من فوق مفتوحة ونون ساكنة وثاء مثلثة مكسورة، أي لا ينثر بوله من قناة الذكر كما ينثر الماء من أنفه بعد استنشاقه اهـ، جـ ١/ ص ٨٠ ونحوه في العيني.
"من بوله" بالإضافة، ووقع في رواية "من البول" فأل عوض عن المضاف إليه.
[ ١ / ٥٠٥ ]
وقد استدل به البخاري على أن نجاسة البول مقصورة على بول الناس، ولا يعم بول سائر الحيوانات، فلا يكون حجة لمن حمله على العموم في بول جميع الحيوان.
وقال القرطبي: قوله من البول اسم مفرد لا يقتضي العموم ولو سلم فهو مخصوص بالأدلة المقتضية لطهارة بول ما يؤكل اهـ فتح، جـ ١/ ص ٣٨٤.
"وأما هذا" إشارة إلى من في القبر الآخر "فإنه كان يمشي بالنميمة" أي يسعى بالفساد بين القوم بأن ينقل لكل واحد منهم ما يقوله الآخر من الشتم والأذى. قاله في المنهل، جـ ١/ ص ٨٠.
والنميمة: فعيلة من نَمَّ الرجل الحديث نَمَا، من باب قتل وضرب: سعى به ليوقع فتنة أو وحشة، فالرجل نَمٌّ تسميةً بالمصدر، ونمَّام مبالغة، والاسم النميمة، والنميم أيضا. قاله في المصباح.
قال ابن دقيق العيد: هي نقل كلام الناس، والمراد منه هنا ما كان بقصد الإضرار، فأما ما اقتضى فعل مصلحة، أو ترك مفسدة فهو مطلوب انتهى.
قال الحافظ: وهو تفسير للنميمة بالمعنى الأعم وكلام غيره يخالفه.
وقال النووي: وهي نقل كلام الغير بقصد الإضرار، وهي من أقبح القبائح، وتعقبه الكرماني فقال: هذا لا يصح على قاعدة الفقهاء، فإنهم يقولون: الكبيرة هى الموجبة للحد، ولا حد على المشي بالنميمة إلا أن يقال: الاستمرار هو المستفاد منه جعله كبيرة لأن الإصرار على الصغيرة حكمه حكم الكبيرة أو أن المراد بالكبيرة معنى غير المعنى الاصطلاحي، انتهى.
[ ١ / ٥٠٦ ]
قال الحافظ: وما نقله عن الفقهاء، ليس هو قول جميعهم، لكن كلام الرافعي يشعر بترجيحه حيث حكى في تعريف الكبيرة وجهين: أحدهما هذا، والثاني ما فيه وعيد شديد، قال وهم إلى الأول أميل، والثاني أوفق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر، انتهى.
ولا بد من حمل القول الأول على أن المراد به غير ما نص عليه في الأحاديث الصحيحة، وإلا لزم أن لا يعد عقوق الوالدين، وشهادة الزور، من الكبائر مع أن النبي - ﷺ - عدهما من أكبر الكبائر.
قال الحافظ: وعُرفَ بهذا الجوابُ عن اعتراض الكرماني بأن النميمة قد نص في الصحيح على أنه كبيرة اهـ فتح، جـ ١/ ص ٣٨١.
وقال الحافظ في الفتح في كتاب الأدب، جـ ١٠/ ص ٤٨٨ ما نصه:
قال الغزالي ما ملخصه: ينبغي لمن حملت إليه نميمة أن لا يصدق من ثم له، ولا يظن بمن نُمَّ عنه ما نُقل عنه، ولا يبحث عن تحقيق ما ذكر له، وأن ينهاه ويقبح له فعله، وأن يبغضه إن لم ينزجر، وأن لايرضى لنفسه ما نهى النمام عنه، فينم هو على النَّمَّام فيصير نمّامًا.
قال النووي: وهذا كله إذا لم يكن في النقل مصلحة شرعية، وإلا فهي مستحبة، أو واجبة كمن اطلع من شخص أنه يريد أن يؤدي شخصا ظلما فحذره منه، وكذا من أخبر الإمام أو من له ولاية بسيرة نائبه مثلا فلا منع من ذلك.
وقال الغزالي ما ملخصه: النميمة في الأصل نقل القول إلى المقول فيه، ولا اختصاص لها بذلك، بل ضابطها كشف ما يكره كشفه سواء كرهه المنقول عنه، أو المنقول إليه أو غيرهما، وسواء كان المنقول قولا أم فعلا وسواء كان عيبا أم لا، حتى لو رأى شخصا يخفى ما له فأفشى كان نميمة.
[ ١ / ٥٠٧ ]
واختلف في الغيبة، والنميمة، هل هما متغايرتان أو متحدتان؟
والراجح التغاير وأن بينهما عموما وخصوصا وجهيا، وذلك لأن النميمة نقل حال الشخص لغيره على جهة الإفساد بغير رضاه، سواء كان بعلمه أم بغير علمه، والغيبة ذكره في غيبته بما لا يرضيه، فامتازت النميمة بقصد الإفساد، ولا يشترط في الغيبة أن يكون المقول فيه غائبا واشتركا فيما عدا ذلك، ومن العلماء من يشترط في الغيبة أن يكون المقول فيه غائبا والله أعلم اهـ فتح، جـ ١٠/ ص ٤٨٨.
"ثم" بعد أن بَيَّن للصحابة حالَ صاحب القبرين أراد أن يتشفع لهما لكمال رأفته "فدعا" أي طلب يقال: دعوت الناس إذا طلبتهم. أفاده في المصباح، ولعل الباء في المفعول زائدة، أو على تضمين دعا معنى فعل يتعدى بالباء أي أمر الخ.
ويقال فيه: دعيته بالياء لغة في دعوته أفاده في "ق".
"بعسيب" بفتح العين وكسر السين المهملتين بوزن كريم الجريدة التي لم ينبت فيها خوص وان نبت فهي السعفة كقصبة.
وفي "ق" العسيب جريدة من النخل مستقيمة دقيقة يُكشَط خُوصها والذي لم ينبت عليه الخُوص من السَّعَف اهـ.
والسعف كقصب جمع سعفة كقصبة: أغصان النخل ما دامت بالخوص، فإن زال الخوص عنها قيل جريدة. أفاده في المصباح.
والخوص بالضم: ورق النخل الواحدة خوصة. أفادة في المصباح أيضا.
"رطب" بفتح فسكون خلاف اليابس.
قال في الفتح: وقيل أنه خص الجريد بذلك لأنه بطيء الجفاف، ورَوَى النسائي من حديث أبي رافع بسند ضعيف أن الذي أتاه بالجريدة
[ ١ / ٥٠٨ ]
بلال، ولفظه "كنا مع النبي - ﷺ - في جنازة إذ سمع شيئا في قبر، فقال لبلال: ائتني بجريدة خضراء" الحديث. وفي حديث أبي بكرة عند أحمد والطبراني أنه الذي أتى بها إلى النبي - ﷺ -.
"فشقه باثنين" أي فأتي بها فكسرها، وجعلها اثنين فالباء زائدة للتأكيد، واثنين مفعول مطلق، أي شقه شقين اثنين أي نصفين، وقال النووي: حال، يقال شقه شقا من باب قتل، والشِّق بالكسر نصف الشيء قاله في المصباح، وفي رواية البخاري "فكسرها كسرتين".
"فغرس" أي غرز بالزاى كما في رواية للبخاري، وفي رواية له "فوضع" والأولى أخص "على هذا" القبر "واحدا" من الشقين "وعلى هذا" القبر واحدا منهما.
وموضع الغرس كان بإزاء الرأس، لما وقع في مسند عبد بن حميد من طريق عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش "ثم غرز عند رأس كل واحد منهما قطعة، قاله في الفتح جـ ١/ ص ٣٨٢.
"ثم" بعد أن غرس "قال" - ﷺ - لما قيل له لم صنعت هذا؟ كما في رواية البخاري "لعله" يخفف، ووقع في رواية البخاري وغيره "أن يخفف" قال ابن مالك: يجوز أن تكون الهاء ضمير الشأن وجاز تفسيره بأن وصلتها لأنها في حكم جملة لاشتمالها على مسند ومسند إليه، قال: ويحتمل أن تكون زائدة مع كونها ناصبة كزيادة الباء مع كونها جارة، انتهى.
وقال الكرماني: شبه لعل بعسى فأتى بأن في خبره.
"يخفف" بالبناء للمفعول أي العذاب "عنهما" أي عن المقبورين.
"ما" مصدرية ظرفية "لم ييبسا" أي يجف العودان، يقال: يبس،
[ ١ / ٥٠٩ ]
ييبس من باب تعب، وفي لغة بالكسر فيهما إذا جف بعد رطوبة، فهو يابس، وشيء يَبْس ساكن الباء بمعني يابس أيضا. أفاده في المصباح.
والمعنى: يخفف العذاب عنهما مدة عدم يبس الشقين.
وفي رواية البخاري "ما لم تيبسا" قال الحافظ كذا في أكثر الروايات بالمثناة الفوقانية أي الكسرتان، وللكشميهني "إلا أن تيبسا" بحرف الاستثناء، وللمستملي "إلى أن ييبسا" بإلى التي للغاية والياء التحتانية أي العودان.
"خالفه" أي الأعمشَ "منصور" بن المعتمر "رواه" أي الحديث جملة مستأنفة استئنافا بيانيا، وهو ما كان جوابا لسؤال مقدر، كأنه قيل له: وما وجه المخالفة؟ فقال: رواه "عن مجاهد" بن جبر "عن ابن عباس ولم يذكر طاوسا" يعني أنه رواه عنه بدون واسطة.
يريد المصنف ﵀ أن هذا الحديث رُوي عن ابن عباس من طريقين أحدهما من طريق الأعمش، وهي بواسطة مجاهد، والثاني من طريق منصور وهي من دون واسطة، وقد أخرجه البخاري من الطريقين جميعا.
قال الحافظ ﵀: وإخراجه له على الوجهين يقتضي صحتهما عنده، فيحمل على أن مجاهدا سمعه من طاوس عن ابن عباس ثم سمعه من ابن عباس بلا واسطة أو العكس، ويؤيده أن في سياقه عن طاوس زيادة على ما في روايته عن ابن عباس، وصرح ابن حبان بصحة الطريقين معا اهـ فتح، جـ ١/ ص ٣٧٩.
وقال الترمذي: رواية الأعمش أصح، وقال في العلل: سألت محمدا يعني البخاري أيهما أصح؟ فقال: رواية الأعمش أصح.
[ ١ / ٥١٠ ]
قال العلامة بدر الدين العيني ﵀: فإن قيل إذا كان حديث الأعمش أصح فلم لم يخرجه وخرج الذي غير صحيح يعني فلم لم يكتف بإخراج حديث الأعمش فقط؟ قيل: كلاهما صحيح وحديث
الأعمش أصح، فالأصح يستلزم الصحيح على ما لا يخفى اهـ عمدة جـ ٢/ ص ٤٣٠.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"المسألة الأولى": في درجته هذا الحديث متفق عليه.
"المسألة الثانية": في بيان مواضع ذكر المصنف له، وذكر من أخرجه معه:
أخرجه المصنف: هنا عن هناد، عن وكيع، عن الأعمش، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس، وأخرجه في التفسير في الكبرى من هذا الوجه، وفي الجنائز عن هناد، عن أبي معاوية بالسند المذكور.
وأخرجه البخاري: في الجنائز عن يحيى بن يحيى، وفي الطهارة عن محمَّد بن المثنى، وفي الأدب عن يحيى، كلاهما عن وكيع، وفي الجنائز أيضا عن قتيبة، وفي الحج عن علي، كلاهما عن جرير، ثلاثتهم عن الأعمش عنه به. قاله المزي في التحفة ج ٥/ ص ٣٠٢.
لكن كتب الحافظ في النكت عند قوله عن يحيى بن يحيى ما نصه: قلت: الذي في الأصول: حدثنا يحيى فقط فجزم ابن السكن بأنه ابن موسى، وجزم أبو نعيم في المستخرج بأنه ابن جعفر، وكتب عند قوله
في الحج عن علي، عن جرير، قلت: لم أره في الحج اهـ.
وأخرجه مسلم: في الطهارة عن أبي سعيد الأشج، وأبي كريب، وإسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن وكيع بالسند المذكور.
[ ١ / ٥١١ ]
وعن أحمد بن يوسف الأزدي عن معلي بن أسد، عن عبد الواحد ابن زياد، عن الأعمش به.
وأخرجه أبو داود: في الطهارة عن زهير بن حرب، وهناد بن السري كلاهما عن وكيع به.
وأخرجه الترمذي: في الطهارة عن قتيبة، وهناد، وأبي كريب، ثلاثتهم عن وكيع به.
قال الترمذي: وروى منصور هذا الحديث عن مجاهد، عن ابن عباس، ورواية الأعمش أصح اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: وأشار المصنف إلى هذا في آخر الحديث، وسنتكلم عليه إن شاء الله هناك.
وأخرجه ابن ماجه: في الطهارة عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي معاوية، ووكيع به. قاله في التحفة، جـ ٥/ ص ٣٠٢.
وأخرجه أحمد، والبيهقي اهـ المنهل، جـ ١/ ص ٨٤
"المسألة الثالثة": فيمن أتى بالعسيب إلى النبي - ﷺ - قال في الفتح: رَوَى النسائي من حديث أبي رافع بسند ضعيف أن الذي أتاه بالجريدة بلال، ولفظه "كنا مع النبي - ﷺ - في جنازة إذ سمع شيئا في قبر، فقال لبلال: ائتني بجريدة خضراء" الحديث. وقد مر آنفا.
وفي حديث أبي بكرة عند أحمد والطبراني أنه الذي أتى بها إلى النبي - ﷺ -، وأما ما رواه مسلم في حديث جابر الطويل المذكور في أواخر الكتاب أنه الذي قطع الغصنين فهو في قصة أخرى غير هذه، فالمغايرة بينهما من أوجه.
منها: أن هذه كانت في المدينة وكان معه - ﷺ - جماعة، وقصة جابر
[ ١ / ٥١٢ ]
كانت في السفر، وكان خرج لحاجته فتبعه جابر وحده.
ومنها: أن في هذه القصة أنه - ﷺ - غرس الجريدة بعد أن شقها نصفين.
وفي حديث جابر "أنه - ﷺ - أمر جابرا بقطع غصنين من شجرتين كان النبي - ﷺ - استتر بهما عند قضاء حاجته، ثم أمر جابرا فألقى الغصنين عن يمينه وعن يساره حيث كان النبي - ﷺ - جالسا وأن جابرا سأله عن ذلك؟ فقال: "إني مررت بقبرين يعذبان، فأحببت بشفاعتي أن يرفع عنهما ما دام الغصنان رطبين" ولم يذكر في قصة جابر أيضا السبب الذي كان يعذبان به، ولا الترجي الذي في قوله لعله، فبان تغاير حديث ابن عباس، وحديث جابر، وأنهما كانا في قصتين مختلفتين، ولا يبعد تعدد ذلك.
وقد روى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة "أنه - ﷺ - مرّ بقبر، فوقف عليه، فقال: ائتوني بجريدتين، فجعل إحداهما عند رأسه، والأخرى عند رجليه" فيحتمل أن تكون هذه قصة ثالثة، ويؤيده أن في حديث أبي رافع كما تقدم "فسمع شيئا في قبر" وفيه "فكسرها باثنين، ترك نصفها عند رأسه ونصفها عند رجليه"، وفي قصة الواحد جعل نصفها عند رأسه ونصفها عند رجليه، وفي قصة الاثنين جعل على كل قبر جريدة اهـ فتح، جـ ١/ ص ٣٨٢.
"المسألة الرابعة": في قوله "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا".
قال في الفتح: قال المازري: يحتمل أن يكون أوحي إليه أن العذاب يخفف عنهما هذه المدة انتهى، وعلى هذا فلعل هنا للتعليل، قال: ولا يظهر له وجه غير هذا، وتعقبه القرطبي بأنه لو حصل الوحي لما أتى بحرف الترجي، كذا قال، ولا يرد عليه ذلك إذا حملناها على التعليل.
قال القرطبي: وقيل إنه شفع لهما هذه المدة كما صرح به في حديث
[ ١ / ٥١٣ ]
جابر، لأن الظاهر أتى القصة واحدة وكذا رجح النووي كون القصة واحدة، وفيه نظر لما أوضحنا من المغايرة بينهما.
وقال الخطابي: هو محمول على أنه دعا لهما بالتخفيف مدة بقاء النداوة لا أن في الجريدة معنى يخصه، ولا أن في الرطب معنى ليس في اليابس، قال: وقد قيل: إن المعنى فيه أنه يسبح ما دام رطبا فيحصل التخفيف ببركة التسبيح، وعلى هذا فيطرد في كل ما فيه رطوبة من الأشجار وغيرها، وكذلك فيما فيه بركة الذكر وتلاوة القرآن من باب أولى (^١) اهـ.
وقال الطيبي: الحكمة في كونهما ما دامتا رطبتين تمنعان العذاب يحتمل أن تكون غير معلومة لنا كعدد الزبانية.
"المسألة الخامسة": قد استنكر الخطابي ومن تبعه وضع الناس الجريد ونحوه على القبر عملا بهذا الحديث.
قال الطرطوشي: لأن ذلك ببركة يده، وقال القاضي عياض: لأنه علل غرزهما على القبر بأمر مغيب، وهو قوله ليعذبان.
قال الحافظ: قلت: لا يلزم من كوننا لا نعلم أيعذب أم لا؟ أن لا نتسبب له في أمر يخفف عنه العذاب أن لو عُذِّبَ كما لا يمنع كوننا لا ندري أرحم أم لا؟ أن لا ندعو له بالرحمة، وليس في السياق ما يقطع على أنه باشر الوضع بيده الكريمة بل يحتمل أن يكون أمر به، وقد تأسى بريدة بن الحصيب الصحابي بذلك فأوصى أن يوضع على قبره جريدتان كما سيأتي في الجنائز وهو أولى أن يتبع من غيره اهـ فتح جـ ١/ ص ٣٨٣.
قال الجامع عفا الله عنه: وقد اعترض عليه العلامة العيني في قوله
_________________
(١) قوله: من باب أولى، هذا غير صحيح، فالأولى ما يأتي للخطابي ومن تبعه، كما سنقرره إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ٥١٤ ]
وليس في السياق ما يقطع على أنه باشر الخ بأنه قد صرح في الحديث بأنه دعا بجريدتين فكسرهما فوضع على كل قبر منهما كسرة فهذا صريح في أنه - ﷺ - وضعه بيديه الكريمتين، ودعوى احتمال الأمر لغيره به بعيدة وهي كدعوي احتمال مجيء غلام زيد في قولك جاء زيد، ومثل هذا الاحتمال لا يعتد به اهـ عمدة، جـ ٢/ ص ٤٣٧.
قال الجامع عفا الله عنه: قلت: الذي قاله الخطابي ومن تبعه من استنكار وضع الجريدة ونحوها على القبر هو الذي يترجح عندي، لأنه أمر يختص به الرسول - ﷺ - من حيث كونه مغيبا لا يمكن الاطلاع عليه إلا بالوحي ومن حيث بركة يده كما علله الخطابي وعياض بذلك.
وأما ما قاله الحافظ: لا يلزم من كوننا الخ فغير صحيح لأن الدعاء أمرنا به أطلعنا على التعذيب أم لا؟ لأنه ليس معللا بالتعذيب بخلاف وضع الجريدة، ولأنه - ﷺ - دعا لكل ميت وأمر به، بخلاف غرزها، فإنه ما فعله إلا لأشخاص معينين (^١) معللا ذلك بما ذكر، ولأنه اقتدى به الصحابة ومن بعدهم على الدعاء بخلاف غرزها فما نقل إلا عن بريدة ﵃ أجمعين فهو قياس مع الفارق.
وأما قوله: وليس في السياق ما يقطع على أنه باشر الوضع بيده فقد علمت جوابه في كلام العلامة بدر الدين العيني من أن السياق صريح في ذلك فتأمل والله أعلم، وقال في المنهل، جـ ١ / ص ٨٣:
ويدل على ذلك أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة غير بريدة، ولا سيما الخلفاء الراشدون أنه وضع جريدا ولا غيره على القبور، ولو كان سنة ما تركه أولئك الأئمة، وقد قال - ﷺ -: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء
_________________
(١) هذا إذا قلنا: إن الصحيح تعدد الواقعة، أي في حديث ابن عباس، وجابر، وأبي هريرة، كما تقدم.
[ ١ / ٥١٥ ]
الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ". الحديث رواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وابن حبان في صحيحه. ووصية بريدة ﵁ ليست حجة على غيره كما هو معلوم، فما قاله الخطابي ومن معه هو الأولى ولا سيما أن غالب الناس اعتقد في وضع الجريد ونحوه اعتقادا تأباه الشريعة المطهرة كما هو معروف من حالهم ونطقهم اهـ المنهل، جـ ١/ ص ٨٤.
"المسألة السادسة": قدمنا عن الحافظ أنه لم يعرف اسم المقبورين وأنه كان ذلك عن عمد من الرواة قصدا للستر، وأنه لا ينبغي الفحص عن مثل هذا.
قال: وما حكاه القرطبي في التذكرة وضعفه عن بعضهم أن أحدهما سعد بن معاذ فهو قول باطل لا ينبغي ذكره إلا مقرونا ببيانه، ومما يدل على بطلان الحكاية المذكورة أن النبي - ﷺ - حضر دفن سعد بن معاذ كما ثبت في الحديث الصحيح.
وأما قصة المقبورين ففي حديث أبي أمامة عند أحمد أنه - ﷺ - قال لهم "من دفنتم اليوم ها هنا" فدل على أنه لم يحضرهما.
وإنما ذكرت هذا ذبًا عن هذا السيد الذي سماه النبي - ﷺ - سيدا، وقال لأصحابه "قوموا إلى سيدكم"، وقال: "إن حكمه قد وافق حكم الله"، وقال: "إن عرش الرحمن اهتز لموته"، إلى غير ذلك من مناقبه الجليلة خشية أن يغتر ناقص العلم بما ذكره القرطبي، فيعتقد صحة ذلك وهو باطل.
وقد اختلف في المقبورين: فقيل: كانا كافرين وبه جزم أبو موسى المديني، واحتج بما رواه من حديث جابر بسند فيه ابن لهيعة "أن النبي - ﷺ - مر على قبرين من بني النجار هلكا في الجاهلية، فسمعهما
[ ١ / ٥١٦ ]
يعذبان في البول والنميمة"، قال أبو موسى: هذا وإن كان ليس بقوي لكن معناه صحيح، لأنهما لو كانا مسلمين لما كان لشفاعته إلى أن تيبس الجريدتان معنى ولكنه لما رآهما يعذبان لم يستجز للطفه وعطفه حرمانهما من إحسانه، فشفع لهما إلى المدة المذكورة.
وجزم ابن العطار في شرح العمدة بأنهما كانا مسلمين، وقال: لا يجوز أن يقال: إنهما كانا كافرين لأنهما لو كانا كافرين لم يدع لهما بتخفيف العذاب ولا ترجَّاه لهما ولو كان ذلك من خصائصه لبينه يعني كما في قصة أبي طالب.
قال الحافظ: قلت: وما قاله أخيرا هو الجواب، وما طالب به من البيان قد حصل، ولا يلزم التنصيص على لفظ الخصوصية، لكن الحديث الذي احتج له أبو موسى ضعيف كما اعترف به، وقد رواه أحمد بإسناد صحيح على شرط مسلم وليس فيه سبب التعذيب فهو من تخليط ابن لهيعة، وهو مطابق لحديث جابر الطويل الذي قدمناه أن مسلما أخرجه واحتمال كونهما كافرين فيه ظاهر.
وأما حديث الباب فالظاهر من مجموع طرقه أنهما كانا مسلمين، ففي رواية ابن ماجه "مرَّ بقبرين جديدين" فانتفى كونهما في الجاهلية، وفي حديث أبي أمامة عند أحمد "أنه - ﷺ - مر بالبقيع فقال من دفنتم اليوم هنا" فهذا يدل على أنهما كانا مسلمين لأن البقيع مقبرة المسلمين والخطاب للمسلمين، مع جريان العادة بأن كل فريق يتولاه مَنْ هو منهم، ويقوي كونهما كانا مسلمين رواية أبي بكرة عند أحمد، والطبراني بإسناد صحيح "يعذبان وما يعذبان في كبير، بلى وما يعذبان إلا في الغيبة والبول" فهذا الحصر ينفي كونهما كانا كافرين لأن الكافر وإن عذب على ترك أحكام الإسلام فإنه يعذب مع ذلك على الكفر بلا خلاف اهـ فتح جـ ١/ ص ٣٨٤.
[ ١ / ٥١٧ ]
"المسألة السابعة": في هذا الحديث إثبات عذاب القبر:
قال العلامة بدر الدين العيني ﵀: فيه أن عذاب القبر حق يجب الإيمان به والتسليم له، وعلى ذلك أهل السنة والجماعة، خلافا للمعتزلة ولكن ذكر القاضي عبد الجبار رئيس المعتزلة في كتاب الطبقات تأليفه إن قيل: إن مذهبكم أداكم إلى إنكار عذاب القبر، وهذا قد أطبقت عليه الأمة، قيل: إن هذا الأمر إنما أنكره أولا ضرار بن عمرو، ولما كان من أصحاب واصل ظنوا أن ذلك مما أنكرته المعتزلة وليس الأمر كذلك، بل المعتزلة رجلان: أحدهما يُجَوّز ذلك كما وردت به الأخبار، والثاني يقطع بذلك وأكثر شيوخنا يقطعون بذلك، وإنما ينكرون قول جماعة من الجَهَلة: إنهم يعذبون وهم موتى، ودليل العقل يمنع من ذلك، وبنحوه ذكره أبو عبد الله المرزباني في كتاب الطبقات تأليفه.
وقال القرطبي: إن الملحدة ومن يذهب مذهب الفلاسفة أنكروه أيضا والإيمان به واجب لازم حسب ما أخبر به الصادق - ﷺ - أن الله يحيى العبد، ويرد إليه الحياة والعقل، وهذا نطقت به الأخبار، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، وكذلك يكمل العقل للصغار ليعلموا منزلتهم
وسعادتهم، وقد جاء أن القبر ينضم عليه كالكبير.
وصار أبو هُذَيل، وبشر إلى: أن من خرج عن سمة الإيمان فإنه
يعذب بين النفختين، وإنما المسألة إنما تقع في تلك الأوقات وأثبت البلخي والجبائي، وابنه عذاب القبر، ولكنهم نفوه عن المؤمنين، وأثبتوه للكافرين والفاسقين، وقال بعضهم: عذاب القبر جائز، وأنه يجري على الموتى من غير رد روحهم إلى الجسد، وأن الميت يجوز أن يتألم ويحس، وهذا مذهب جماعة من الكرَّامية، وقال بعض المعتزلة: إن
[ ١ / ٥١٨ ]
الله تعالى يعذب الموتى في قبورهم، ويحدث الآلام، وهم لا يشعرون، فإذا حشروا وجدوا تلك الآلام كالسكران والمغشي عليه، إن ضُربوا لم يجدوا ألما، فإذا عاد عقلهم إليهم وجدوا تلك الآلام، وأما باقي المعتزلة مثل ضرار بن عمرو وبشر المريسي ويحيى بن كامل، وغيرهم، فإنهم أنكروا عذاب القبر أصلا، وهذه الأقوال كلها فاسدة تردها الأحاديث الثابتة وإلى الإنكار أيضا ذهب الخوارج، وبعضى المرجئة
ثم المعذب عند أهل السنة والجماعة الجسد بعينه أو بعضه بعد إعادة الروح إلى جسده، أو إلى جزئه، وخالف في ذلك محمَّد بن جرير، وطائفة، فقالوا: لا يشترط إعادة الروح، وهذا أيضا فاسد اهـ عمدة القاري جـ ٢/ ص ٤٣٤.
قال الجامع عفا الله عنه: في قولهم: إن المعذب الجسد بعينه أو بعضه ليس دليل قاطع فيه، بل الأدلة مطلقة، كلما أفاده الحافظ في الفتح في الجنائز جـ ٣/ ص ٢٧٥.
وقد جاء في عذاب القبر أحاديث كثيرة:
منها. حديث الباب ..
ومنها: حديث عائشة ﵂ "أن يهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر فقالت لها أعاذك الله من عذاب القبر، قالت عائشة فسألت رسول الله - ﷺ - عن عذاب القبر فقال: نعم عذاب القبر حق، قالت: فما رأيت رسول الله - ﷺ - بعدُ صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر" رواه الشيخان.
ومنها: حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي - ﷺ - قال "إن الموتى ليعذبون في قبورهم حتى إن البهائم لتسمع أصواتهم" رواه الطبراني في الكبير بإسناد حسن.
[ ١ / ٥١٩ ]
ومنها: حديث أنس ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: "لولا أن تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر" رواه مسلم.
"المسألة الثامنة": في الحديث دلالة على نجاسة بول الإنسان قليله وكثيره، وهو مذهب عامة الفقهاء، وليس فيه دليل على نجاسة بول الحيوان مطلقا من مأكول اللحم وغيره كما ذهب إليه الشافعي والحنفية ونسبه ابن حزم لجماعة من السلف.
قال الحافظ في الفتح: قال ابن بطال: أراد البخاري أن المراد بقوله في رواية الباب "كان لا يستتر من البول" بول الناس، لا بول سائر الحيوان، فلا يكون فيه حجة لمن حمله على العموم في بول جميع الحيوان، وكأنه "يعني ابن بطال" أراد الرد على الخطابي حيث قال فيه دليل على نجاسة الأبوال كلها، ومحصل الرد أن العموم في رواية "من البول" أريد به الخصوص، لقوله في الرواية الأخرى "من بوله" أو الألف واللام عوض عن الضمير، لكن يلتحق ببوله بول من هو في معناه من الناس لعدم الفارق، وكذا غير المأكول، وأما المأكول فلا حجة في هذا الحديث لمن قال بنجاسة بوله ولمن قال بطهارته حجج أخرى اهـ بتصرف، المنهل جـ ١/ ص ٨٢.
وقال العلامة الشوكاني ﵀، بعد ما ذكر ما نقلناه عن الفتح ما نصه:
والظاهر طهارة الأبوال والأزبال من كل حيوان يؤكل لحمه تمسكا بالأصل، واستصحابا للبراءة الأصلية، والنجاسةُ حكم شرعي ناقل عن الحكم الذي يقتضيه الأصل والبراءة فلا يقبل قول مدعيها إلا بدليل يصلح للنقل عنهما، ولم نجد للقائلين بالنجاسة دليلا كذلك، وغاية ما جاؤا به حديث صاحب القبر، وهو مع كونه مرادا به الخصوص كما
[ ١ / ٥٢٠ ]
سلف عمومٌ ظني الدلالة لا ينهض على معارضة تلك الأدلة المعتضدة بما سلف.
قال: فإن قلت: إذا كان الحكم بطهارة بول ما يؤكل لحمه وزبله لما تقدم حتى يرد دليل فما الدليل على نجاسة بول غير المأكول وزبله على العموم.
قلت: قد تمسكوا بحديث "إنها ركس" قاله - ﷺ - في الروثة أخرجه البخاري والترمذي والنسائي، وبما تقدم في بول الآدمي وألحقوا سائر الحيوانات التي لا تؤكل به بجامع عدم الأكل وهو لا يتم إلا بعد تسليم أن علة النجاسة عدم الأكل، وهو منتقض بالقول بنجاسة زبل الجلالة، والدفع بأن العلة في زبل الجلالة هو الاستقذار منقوض باستلزامه لنجاسة كل مستقذر كالطاهر إذا صار منتنا إلا أن يقال: إن زبل الجلالة هو محكوم بنجاسته لا للاستقذار، بل لكونه عين النجاسة الأصلية التي جلتها الدابة، لعدم الاستحالة التامة.
وأما الاستدلال بمفهوم حديث "لا بأس ببول ما يؤكل لحمه" فغير صالح لضعفه، حتى قال ابن حزم: إنه خبر باطل موضوع؛ لأن في رجاله سَوَّار بن مصعب، وهو متروك عند جميع أهل النقل، متفق على
ترك الرواية عنه، يروي الموضوعات.
فالذي يتحتم القول به في الأبوال والأزبال هو الاقتصار على نجاسة بول الآدمي وزبله والروثة، وقد نقل التيمي أن الروث مختص بما يكون من الخيل والبغال والحمير ولكنه زاد ابن خزيمة في روايته "إنها ركس إنها روثة حمار".
وأما سائر الحيونات التي لا يؤكل لحمها فإن وجدت في بول بعضها أو زبله ما يقتضي إلحاقه بالمنصوص عليه طهارةً أو نجاسةً ألحقته، وإن لم
[ ١ / ٥٢١ ]
تجد فالمتوجه البقاء على الأصل، والبراءة كما عرفت اهـ كلام الشوكاني نيل جـ ١/ ص ٨٥.
قال الجامع: هذا الذي قاله الشوكاني هو الذي يترجح عندي. والله أعلم.
"المسألة التاسعة": في الحديث دليل على وجوب الاستنجاء، إذ هو المراد بعدم الاستتار من البول فلا يجعل بينه وبين البول حجابا من ماء أو حجارة ويبعد أن يكون المراد الاستتار عن الأعين.
وقال ابن بطال: معناه لا يستتر جسده ولا ثوبه من مماسة البول ولما عذب على استخفافه بغسله وبالتحرز عنه دل على أن من ترك البول في مخرجه ولم يغسلها أنه حقيق بالعذاب، وقال البغوي فيه وجوب الاستتار عند قضاء الحاجة عن أعين الناس.
قال العيني: هذا رد على من قال: ويبعد أن يكون المراد الاستتار عن الأعين، ولكن كلاهما واجب على ما لا يخفى، والتحقيق هو المعنى الأول لظهور ألفاظ روايات الحديث عليه اهـ جـ ٢/ ص ٤٣٥. باختصار.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
[ ١ / ٥٢٢ ]