أي هذا باب يذكر فيه الحديث الدال على كيفية الإستياك. وتقدم إعراب الباب في الباب السابق، فباب بالتنوين، ويحتمل الاضافة إلى الجملة بعده.
وكيف هنا استفهامية، وهي حال من فاعل يستاك، أي على أي حالة يستاك الشخص، ويحتمل أن تكون مفعولا مطلقا ليستاك أيْ أيَّ استياك يستاك، وهل هي ظرف أو غير ظرف خلاف بين النحاة، حققه العلامة ابن هشام الأنصاري في مغني اللبيب جـ ١/ ص ١٧٣، ١٧٤ بحاشية الأمير.
واستاك: استَعْمَل السواك، قال في (ق) ساك الشيءَ: دلكه، وفمه بالعود، وسوكه تسويكا، واستاك وتسوك، ولا يذكر العود ولا الفم معهما. والعود: مسواك وسواك بكسرهما، ويذكر، جمعه ككتب. اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: فأفاد أنه لا يقال: استاك فمه بالعود، ولا تسوك فمه بالعود. وقد تقدم البحث عنه بأطول من هذا في الباب السابق. فأرجع إليه تزدد علمًا.
٣ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ يَسْتَنُّ، وَطَرَفُ السِّوَاكِ عَلَى لِسَانِهِ وَهُوَ يَقُولُ: "عَأْعَأْ".
[ ١ / ٢٣٢ ]
رجال الإسناد: خمسة
١ - (أحمد بن عبدة) بن موسى الضبي أبو عبد الله البصري، ثقة، رمي بالنصب من العاشرة، مات سنة ٢٤٥. ت.
وفي (صة) جـ ١/ ص ٢٣: أحمد بن عبدة، بسكون الباء بن موسى الضبي أبو عبد الله البصري، عن حماد بن زيد، وأبي عوانة، وعبد الواحد بن زياد، وعبد الوارث، وفضيل بن عياض، وخلق. وعنه "م٤" وثقه أبو حاتم والنسائي. اهـ.
٢ - (حماد بن زيد) (ع) بن درهم الأزدي الجهضمي أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت فقيه، قيل: إنه كان ضريرا، ولعله طرأ عليه لأنه صح أنه كان يكتب، من كبار الثامنة، مات سنة ١٧٩، وله ٨١ سنة.
وفي (صة) حماد بن زيد بن درهم الأزدي أبو إسماعيل الأزرق البصري الحافظ مَوْلَى جرير بن حازم، وأحد الأعلام، عن أنس بن سيرين، وثابت، وعاصم بن بَهْدَلة، وابن واسع، وأيوب، وخلق كثير. وعنه إبراهيم بن أبي عَبْلة، والثوري، وابن مهدي وأبو الربيع الزهراني وابن المديني، وخلائق. قال ابن مهدي: ما رأيت أحفظ منه، ولا أعلم بالسنة، ولا أفقه بالبصرة منه. وقال أحمد: من أئمة المسلمين. اهـ.
وقال في "تت": قال أحمد: حماد من أئمة المسلمين، من أهل الدين والإسلام، وهو أحب إلى من حماد بن سلمة، قال ابن سعد: كان عثمانيا، وكان ثقة ثبتا حجة، كثير الحديث. وقال ابن معين: ليس أحد أثبت في أيوب منه، من خالفه من الناس فالقول قوله في أيوب. اهـ
وقال البدر العيني: وأنشد ابن المبارك فيه (من الرمل):
[ ١ / ٢٣٣ ]
أيُّها الطالبُ عِلْمَا … ايتِ حَمَّادَ بْنَ زَيْدِ
فَخُذِ العلْمَ بحلْمِ … ثُمَّ قَيّدْهُ بقَيْدِ
وَدَعِ البِدْعَةَ منْ … آثَار عَمْرِو بْن عُبَيْدِ
اهـ عمدة جـ ١/ سنن ٢١٠.
٣ - (غيلان بن جرير) المعْوَلي الأزدي البصري، ثقة، من الخامسة، مات سنة ١٣٢. (ع).
وفي الخلاصة: المعولي بكسر الميم وسكون المهملة، البصري. عن أنس، وأبي بردة وعنه أيوب، وشعبة، وجرير بن حازم. وثقه أحمد.
٤ - (أبو بُرْدَةَ) (ع) بن أبي موسي الأشعري، قيل اسمه عامر، وقيل الحارث، ثقة، من الثالثة، مات سنة ١٠٤، وقيل غير ذلك، وقد جاوز الثمانين.
وفي (صة): الفقيه قاضي الكوفة، اسمه الحارث، أو عامر، عن علي، والزبير، وحذيفة، وطائفة. وعنه بنوه عبد الله، ويوسف، وسعيد، وبلال، وخلق. وثقه غير واحد. اهـ ورجح ابن حبان في الثقات أن اسمه عامر، وقال النسائي في الكنى: أنا" أحمد بن علي بن سعيد، سمعت يحيى بن معين يقول: اسم أبي بردة: عامر، وقال المدائني: إنه ولد لأبي موسى في خلافة عثمان، أو في خلافة عمر لما كان أميرا على البصرة. أفاده في "تت" ج ١٢/ ص ١٩ - ٢٠.
٥ - (أبو موسى) (ع) عبد الله بن قيس بن سليم بن (^١) حَضَّار، بفتح المهملة وتشديد الضاد المعجمة الأشعري، صحابي مشهور، أمَّره عمر، ثم عثمان، وهو أحد الحكَمَين بصفين، مات سنة خمسين، وقيل: بعدها.
_________________
(١) وفي صة بن سليمان، وسليم هو الذي في الإصابة، وأسد الغابة.
[ ١ / ٢٣٤ ]
وفي (صة): هاجر إلى الحبشة، وعمل على زَبيد، وعدن، وولي الكوفة لعمر، والبصرة، وفتح على يده تستر، وعدة أمصار، له ثلاثمائة وستون حديثا، اتفقا على خمسين، وانفرد (خ) بأربعة، و(م) بخمسة وعشرين، وعنه ابن المسيب، وأبو وائل، وأبو عثمان النهدي، وخلق، قال الهيثم: توفي سنة ٤٢. اهـ.
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات أجلاء، وأنهم ممن اتفق الأئمة بالإخراج لهم إلا شيخه، فلم يخرج له البخاري، وكلهم بصريون إلا أبا بردة فكوفي، وأما أبو موسي فهو كوفي بصري كما تقدم آنفا.
ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه: أبو بردة عن أبي موسى.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي: غيلان عن أبي بردة.
ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبارَ، والتحديثَ، والعنعنةَ.
شرح الحديث
"عن أبي موسى" الأشعري ﵁ أنه "قال: دخلت على رسول الله - ﷺ -، وهو يستن" جملة حالية من المجرور، أي دخلت على رسول الله - ﷺ - في حالة كونه مستنا، والاستنان كما قال في النهاية: استعمال السواك وهو افتعال من الإسنان، أي يمر على أسنانه.
وقال البدر العيني رحمه الله تعالى: الاستنان هو الاستياك، وهو دلك الأسنان وحكها بما يجلوها، مأخوذ من السنَّ، وهو إمرار الشيء الذي فيه خشونة على شيء آخر، ومنه المسَنّ الذي يُشحَذ به الحديد ونحوه، وقال ابن الأثير: الاستنان: استعمال السواك افتعال من
[ ١ / ٢٣٥ ]
الإسنان، وهو الإمرار على شيء. اهـ عمدة جـ ٢/ ص ١٨٤.
وقال الحافظ: "يستن": بفتح أوله وسكون المهملة وفتح المثناة وتشديد النون من السنن بالكسر أو بالفتح إما لأن السواك يُمَرُّ على الأسنان، أو لأنه يسنها أي يحددها. اهـ فتح جـ ١/ ص ٤٢٤. "وطرف السواك" بفتح الراء "على لسانه" جملة حالية من فاعل يستن، أي حال كون طرف السواك على لسانه - ﷺ -، لكونه يستاك طولا، لما في رواية أحمد؟ وطرف السواك على لسانه يستن إلى فوق". قال الراوي: كأنه يستن طولا. وبهذا يظهر وجه مطابقة الحديث للترجمة. أفاده في المنهل جـ ١/ ص ١٧٨.
"وهو يقول" جملة حالية أيضا متداخلة أو مترادفة، وأفاد في الفتح أن الضمير يعود إلى النبي - ﷺ -، أو السواك مجازا. جـ ١/ ص ٤٢٤.
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الثاني بعيد. والله أعلم.
"عأعأ" في محل نصب على أنه مقول القول، كما قال البدر في العمدة جـ ٢/ ص ١٨٥. وهو بتقديم العين على الهمزة الساكنة، وفي رواية البخاري "أعْ أعْ" بتقديم الهمزة المضمومة على العين الساكنة، ولأبي داود: أهْـ، وللجوزقي: "إخْ". اهـ زهر جـ ١/ ص ٩.
وقال الحافظ رحمه الله تعالى: أع أع بضم الهمزة كذا في رواية أبي ذر، وأشار ابن التين إلى أن غيره رواه بفتح الهمزة، ورواه النسائي وابن خزيمة عن أحمد بن عبدة، عن حماد: بتقديم العين على الهمزة،
وكذا أخرجه البيهقي من طريق إسماعيل القاضي، عن عارم، ولأبي داود بهمزة مكسورة (^١) ثم هاء، وللجوزقي: بخاء معجمة بدل الهاء،
_________________
(١) وفي المنهل: بهمزة مكسورة، أو مفتوحة أو مضمومة وهاء ساكنة جـ ١/ ص ١٧٨.
[ ١ / ٢٣٦ ]
والرواية الأولى أشهر، إنما اختلفت الروايات لتقارب مخارج هذه الأحرف، وكلها ترجع إلى حكايته صوته، إذ جعل السواك على طرف لسانه، والمراد طرفه الداخل، كما عند أحمد (^١): يستن إلى فوق، ولهذا قال هنا يعني في رواية البخاري كأنه يتهوع، والتهوع: التقيوء، أي له صوت كصوت المتقيء على سبيل المبالغة. ويستفاد منه مشروعية السواك على اللسان طولا، أما الأسنان فالأحب فيها أن تكون عرضا، وفيه حديث مرسل عند أبي داود، وله شاهد (^٢) موصول عند العقيلي في الضعفاء، وفيه تأكيد السواك وأنه لا يختص بالأسنان، وأنه من باب التنظيف والتطيب لا من باب إزالة القاذورات، لكونه - ﷺ - لم يختف به، وبَوَّبُوا عليه "استياك الإمام بحضرة رعيته". اهـ فتح جـ ١/ ص ٤٢٤.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"المسألة الأولى" في درجته: حديث أبي موسى متفق عليه.
"المسألة الثانية" في بيان موضعه عند المصنف:
لم يخرج المصنف هذا الحديث إلا في هذا الموضع في الطهارة هنا وفي الكبرى عن أحمد بن عبدة، عن حماد بن زيد، عن غيلان بن جرير، عن أبي بردة، عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه.
"المسألة الثالثة" فيمن أخرجه مع المصنف من أصحاب الأصول وغيرهم:
أخرجه (خ م د) فأخرجه (خ) في الطهارة (٧٧/ ١) عن أبي النعمان، عن حماد عن غيلان، عن أبي بردة، عن أبيه قال: "أتيت النبي - ﷺ -،
_________________
(١) وقال العيني: وفي مسند أحمد: واضع طرف السواك على لسانه، يستن إلى فوق، فوصفه حماد كان يرفع لسانه، ووصفه غيلان كان يستن طولا، وكلها عبارة عن إبلاغ السواك إلى أقصى الحلق اهـ ٢/ ١٨٤.
(٢) سيأتي أن هذا الموصول ضعيف جدًا لا يصلح للاستشهاد به في المسألة الخامسة.
[ ١ / ٢٣٧ ]
فوجدته يستن بسواك بيده يقول أع أع، والسواك في فيه، كأنه يتهوع".
وأخرجه (م) في الطهارة (١٥/ ٤) عن يحيى بن حبيب بن عربي عن حماد الخ بلفظ "دخلنا على النبي - ﷺ - وطرف السواك على لسانه".
وأخرجه (د) في الطهارة أيضا (٢٦) عن مسدد، وسليمان بن داود العتكي قالا: حدثنا حماد بن زيد، عن غيلان بن جرير، عن أبي بردة، عن أبيه. قال مسدد: قال: أتينا رسول الله - ﷺ - نستحمله، فرأيته يستاك على لسانه. وقال سليمان: قال: "دخلت على النبي - ﷺ -، وهو يستاك، وقد وضع السواك على طرف لسانه، وهو يقول: أه أه" يعني يتهوع قال أبو داود: قال مسدد: وكان حديثا طويلًا ولكني اختصرته. اهـ.
قال في المنهل: أي فكان حديث أبي بردة عن أبيه حديثا طويلًا فاختصره مسدد بحذف ما في رواية سليمان من قوله: وقد وضع السواك الخ. اهـ جـ ١/ ص ١٧٨. وقد اعترض في المنهل على أبو داود في سوقه قصة السواك مع الاستحمال بما نصه بعد روايات البخاري ومسلم والنسائي: ومنه تعلم أن هؤلاء الأئمة اقتصروا في رواياتهم على قصة السواك، أما قصة الاستحمال: فقد رووها منفردة في أحاديث أخَر.
فقد أخرج البخاري ومسلم والنسائي عن أبي موسى قال: "أتيت النبي - ﷺ - في وهط من الأشعريين نستحمله فقال: "والله لا أحملكم، وما عندي ما أحملكم، ثم لبثنا ما شاء الله، فأتي بإبل فأمر لنا بثلاث ذود، فلما انطلقنا قال بعضنا لبعض: لا يبارك الله لنا، أتينا رسول الله - ﷺ - نستحمله، فحلف أن لا يحملنا، قال أبو موسى: أتينا النبي - ﷺ - فذكرنا ذلك له، فقال: "ما أنا حملتكم بل الله حملكم، إني والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا كفرت عن يمينى، وأتيت
[ ١ / ٢٣٨ ]
الذي هو خير". وأخرج البخاري ومسلم من حديث أبي موسى قال: "أقبلت على النبي - ﷺ - ومعي رجلان من الأشعريين أحدهما عن يميني، والآخر عن يساري، فكلاهما سأل العمل، والنبي - ﷺ - يستاك، فقال: "ما تقول يا أبا موسى، فقلت: والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل، وكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته وقد قَلَصَتْ".
فهذه القصة فيها ذكر السواك، وطلب العمل، لا الاستحمال، فذكره مع السواك في حديث واحد كما فعل المصنف غير محفوظ، ولم نجده فيما تتبعناه من كتب الحديث. اهـ المنهل جـ ١/ ص ١٧٩ - ١٨٠.
قال الجامع عفا الله عنه: لكن أبو داود إمام حجة لا يعترض عليه بمثل هذا. فتأمل. والله تعالى أعلم.
وأخرج الحديث ابن خزيمة في صحيحه جـ ١/ ص ٧٣ من طريق حماد به، وأخرجه أيضا البيهقي في سننه، والبغوي في شرح السنة جـ ١/ ص ٣٩٦ من طريق عارم أبي النعمان شيخ البخاري، نا حماد بن زيد، به. وكذا أبو عوانة جـ ١/ ص ١٩٢، وعنده … وهو يقول: عق عق. أفاده في بذل الإحسان جـ ١/ ص ٤٩، ٥٠.
"المسألة الرابعة" في فوائد هذا الحديث:
من فوائد هذا الحديث: مشروعية الاستياك طولا على اللسان، وكذا يستحب عرضا لحديث "يشوص فاه" لأن من معاني الشَّوْص التنظيف والغسل فيشمل طولا وعرضًا، وكذا الأسنان يستحب فيها أن يكون طولا وعرضا، وأما حديث عائشة ﵂، قالت: "كان النبي - ﷺ - يستاك عرضا، ولا يستاك طولا"، رواه أبو نعيم، ففي إسناده عبد الله بن حكيم متروك، وفي مراسيل أبي داود من طريق عطاء: "إذا
[ ١ / ٢٣٩ ]
شربتم فاشربوا مصا، وإذا استكتم فاستاكوا عرضا". وفيه محمَّد بن خالد القرشي، قال ابن القطان: لا يعرف، وقال الحافظ: وثقه ابن معين، وابن حبان، ورواه البغوي، والعقيلي، والطبراني، وغيرهم من حديث سعيد بن المسيب، عن بهز بن حكيم: بلفظ "كان النبي - ﷺ - يستاك عرضًا" وفي إسناده ثبيت بن كثير، وهو ضعيف، واليمان بن عدي، وهو أضعف منه. وذكر أبو نعيم في الصحابة ما يدل على أن هذا الحديث عن سعيد بن المسيب عن بهز بن حكيم بن معاوية القشيري، وعلي هذا فهو منقطع، وهو من رواية الأكابر عن الأصاغر.
وحكى ابن منده مما يؤيد ذلك أن مخيس بن تميم رواه عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده. ورواه البيهقي، والعقيلي أيضا من حديث ربيعة بن أكثم، وإسناده ضعيف جدًا، وقد اختلف فيه على يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب فرواه ثبيت بن كثير عنه فقال بهز ورواه علي بن ربيعة القرشي عنه فقال: ربيعة بن أكثم. قال ابن عبد البر: ربيعة قتل بخيبر فلم يدركه سعيد، وقال في التمهيد: لا يصحان من جهة الإسناد. قاله الحافظ في التلخيص جـ ١/ ص ٣٧٢، ٣٧٣. من هامش المجموع.
وقال الأذرعي: ينبغي أن يحتج في المسألة يعني مسألة الاستياك عرضا بحديث يشوص فاه بالسواك وهو في الصحيحين فإن الصحيح (^١) في معناه أنه الاستياك عرضا. اهـ من هامش المجموع جـ ١/ ص ٢٨٠.
قال الجامع: بل الأولى أن يحتج بحديث الشوص على الإستياك طولا وعرضا لأن معناه الغسل والتنظيف فيشمل الطول والعرض فتنبه.
"ومنها" أنه لا يختص السواك بالأسنان فقط.
_________________
(١) قال الجامع: المشهور في كتب اللغة تفسيره بالغسل والتنظيف، وأما تفسيره بالاستياك عرضا فذكره في اللسان بقيل، وذكر أيضا أنه الإمرار على أسنانه من سفل إلى علو، انظر اللسان، و"ق" والمصباح في مادة شاص، فلا ينبغي حمل معنى الحديث إلا على ما هو مشهور عند أهل اللغة، فمعنى يشوص فاه بالسواك: ينظفه أو يغسله، والله أعلم.
[ ١ / ٢٤٠ ]
"ومنها" أن السواك من باب التنظيف والتطيب، لا من باب إزال القاذورات، لكونه - ﷺ - لم يختف به.
"ومنها" جواز الإسيتاك بحضرة غيره، وسيأتي في الباب التالي تحقيقه إن شاء الله تعالى.
"المسألة الخامسة": أنه ذكر العلماء في كيفية الاستياك، والسواك أحوالا ألخصها فيما يلي:
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: قال أصحابنا: يستحب أن يبدأ في الاستياك بجانب فمه الأيمن للحديث الصحيح أن النبي - ﷺ - "كان يحب التيامن في تطهره، وترجله، وشأنه كله"، وقياسا على الوضوء وقال القاضي حسين: وينوي به الإتيان بالسنة، ولا بأس بالاستياك بسواك غيره بإذنه للحديث الصحيح فيه، قالوا: ويستحب أن يُعَوَّدُ الصبيُّ السواك ليألفه كسائر العبادات، قال الصيمري: ويستحب إذا أراد أن يستاك ثانيا أن يغسل مسواكه، وهذا يحتج له بحديث عائشة ﵂، قالت "كان النبي - ﷺ - يستاك فيعطيني السواك لأغسله، فأبدأ به فأستاك، ثم أغسله، فأدفعه إليه". حديث حسن رواه أبو داود بإسناد جيد، وهذا محمول على ما إذا حصل عليه شيء من وسخ، أو رائحة، ونحوهما.
قال الجامع عفا الله منه: لكن حديث عائشة ﵂ مطلق، بل الظاهر منه عدم حصول شيء عليه، فتقييده بحصول شيء عليه لا دليل عليه. والله أعلم.
وقال الصيمري: ويكره أن يدخل مسواكه في ماء وُضوئه، قال النووي: وهذا فيه نظر، وينبغي أن لا يكره. اهـ المجموع جـ ١/ ص ٢٨٢ - ٢٨٣.
وقال الحافظ العراقي: بعد ذكر حديثي الإستياك عرضا اللذين
[ ١ / ٢٤١ ]
قدمناهما، وتكلم عليهما ما نصه: قال أصحابنا: والمراد بقوله: عرضا عرض الأسنان في طول الفم واختلفوا هل يحصل سنة السواك بالاستياك طولا أم لا؟ فحكى الرافعي عن إمام الحرمين أنه يمرُّ السواكَ على طول الأسنان وعرضها، فإن اقتصر على إحدى الجهتين فالعرض أولى، لحديث "استاكوا عرضا"، قال: وهكذا أورده المصنف في الوسيط، قال: وذكر آخرون منهم صاحب التتمة أنه يستاك في عرض الأسنان لا في طولها، قال فعلى الأول قوله: عرضا ليس لأنه متعين في إقامة هذه السنة بل خصه بالذكر لأنه أولى، وعلى الثاني: هو متعين، ورووا في الخبر أنه قال: "استاكوا عرضا لا طولا"، وروى النووي في شرح المهذب أن ما قاله الإمام، والغزالي شاذ مردود مخالف للنقل والدليل إلى أن قال: بل الصواب الاقتصار على العرض، بل نص جماعة من أصحابنا على كراهة الطول. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٧٠.
وقال العلامة ابن قدامة رحمه الله تعالى: ويستاك على أسنانه ولسانه، قال أبو موسى: "أتينا رسول الله - ﷺ - فرأيته يستاك على لسانه". متفق عليه. وقال ﵇: إني لأستاك حتى لقد خشيت أن أحْفيَ مَقَادمَ فمي". ويستاك عرضا لقوله ﵇: "استاكوا عرضا، وادهنوا غبّا، واكتحلوا وترا". ولأن السواك طولا من أطراف الأسنان إلى عمودها ربما أدمى اللثة، وأفسد العمود. اهـ المغني جـ ١/ ص ٩٦.
قال الجامع عفا الله عنه: القول بكراهة الاستياك طولا لا دليل عليه لما عرفت فيما مر من الكلام في الحديث الذي استدلوا به عليه.
ولقد أجاد العلامة ناصر الدين الألباني في البحث عن حديث الاستياك عرضا في سلسلة الأحاديث الضعيفة حيث قال: رقم ٩٤٠ "إذا شربتم فاشربوا مصا، وإذا استكتم فاستاكلوا عرضا". ضعيف رواه
[ ١ / ٢٤٢ ]
البيهقي (١/ ٤٠) من طريق أبي داود في مراسيله عن هشيم، عن محمَّد ابن خالد القرشي عن عطاء بن أبي رباح قال: قال رسول الله - ﷺ -.
قلت: وهذا سند ضعيف لإرساله، وعنعنة هشيم، فإنه مدلس، وجهالة القرشي هذا، ومن ثم رمزله السيوطي بالضعف، فأصاب، وتعقبه المناوي بقوله فما أصاب: رمز لضعفه اغترارا بقول ابن القطان: فيه محمَّد بن خالد لا يعرف، وفاته أن الحافظ ابن حجر رده على ابن القطان بأن محمدا هذا وثقه ابن معين، وابن حبان. وهذا تعقبٌ واه جاءه من التقليد والاستسلام لرد الحافظ ابن حجر دون تبصر، وهو في كتابه التلخيص (ص ٢٣) كما نقله المناوي، وفاته أن الجواد قد يكبو، فإن توثيق ابن معين المذكور مما لم يذكره أحد حتى ولا الحافظ نفسه في التهذيب، فأخشى أن يكون وهما منه، ويؤيده أنه صرح في تقريب التهذيب أن القرشي هذا مجهول، فوافق في ذلك قول ابن القطان: لا يعرف، وكذلك قال الذهبي في الميزان، فمع اتفاق هؤلاء على تجهيله هل يعقل أن يكون توثيق ابن معين له ثابتا عنه؟ ثم لو سلمنا جدلا ثبوت ذلك عنه، فهل يسلم السند من العلتين الأوليين: التدليس والإرسال؟ وبذلك يتبين أن لا وجه لذلك التعقب على السيوطي، بل هو من تعصب المناوي عليه، عفا الله عنا وعنهم.
وروي في الاستياك عرضا حديث آخر، وهو بلفظ:
٩٤١ "كان يستاك عرضا، ويشرب مصا، ويقول: هو أهنأ وأمرأ وأبرأ"، ضعيف رواه ابن حبان في المجروحين (١/ ١٩٩) والطبراني في المعجم الكبير (١/ ١٢٣/ ١، ٢) وابن شاهين في الخامس من الأفراد (٣١/ ٣٢) والبيهقي في سننه (١/ ٤٠) وابن عساكر (٤/ ٦٣/ ٢) عن اليمان بن عدي، ثنا ثبيت ابن كثير الضبي، عن يحيى بن سعيد
[ ١ / ٢٤٣ ]
الأنصاري عن سعيد بن المسيب، عن بهز مرفوعا. وقال ابن شاهين: حديث غريب الإسناد، حسن المتن، وبهز لا أعرف له نسبا ولا أعرف له غير هذا الحديث. قلت: وعلته ثبيت هذا وهو ضعيف، كما قال الهيثمي (١/ ١٠٠) بعد ما عزاه للطبراني وحده. وتناقض فيه ابن حبان، فذكره في الثقات، وذكره في الضعفاء أيضا. وقال: منكر الحديث على قلته، لا يجوز الاحتجاج به. وقال ابن عدي: غير معروف. وقال الحافظ في التلخيص (ص ٢٣): وهو ضعيف، واليمان بن عدي أضعف منه.
قلت: وقد تابعه ضعيف مثله إلا أنه خالفه في إسناده وهو علي بن ربيعة القرشي المدني فقال: عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن ربيعة بن أكثم به. فجعل ربيعة هذا بدل بهز. أخرجه أبو بكر الشافعي في الفوائد (١٠/ ١١٠)، والعقيلي في الضعفاء (٢٩٥) والبيهقي وقال العقيلي: ولا يصح، علي بن ربيعة القرشي مجهول بالنقل، حديثه غير محفوظ، ولا يتابعه إلا من هو دونه. قلت: يشير إلى ثبيت بن كثير، والقرشي هذا قال ابن أبي حاتم ٣/ ١/ ١٨٥ عن أبيه: هو مثل يزيد بن عياض في الضعف. ويزيد هذا ضعيف الحديث، منكر الحديث عند أبي حاتم، وغيرُه يكذبه، قال الحافظ في التلخيص (ص ٢٣) بعد ما عزاه للعقيلي والبيهقي: إسناده ضعيف جدًا ثم ذكر الاختلاف الذي ذكرته، ثم قال عن ابن عبد البر: ربيعة قتل بخيبر فلم يدركه سعيد، وقال في التمهيد: لا يصحان من جهة الإسناد. ولم يحرر المناوي القول في هذين الطريقين فظن أن أحدهما يقوي الآخر، فصرح أن الحديث صار بذلك حسنا، وفي الباب حديث آخر، وهو: "كان يستاك عرضا ولا يستاك طولا" ضعيف جدا. رواه أبو نعيم في كتاب السواك من حديث عائشة مرفوعا، قال الحافظ (٢٣): وفي
[ ١ / ٢٤٤ ]
إسناده عبد الله بن حكيم وهو متروك. وقال ابن حبان (٢/ ٢٧): كان يضع الحديث على الثقات، ويروي عن مالك، والثوري، ومسعر، ما ليس من أحاديثهم. اهـ كلام الشيخ الألباني جـ ٢/ ص ٣٤٥ - ٣٤٦.
قال الجامع عفا الله عنه: فظهر بهذا أن حديث الاستياك عرضا ضعيف، لا يصح الاحتجاج به فالاستياك كيفما أمكن جائز، ولا سيما والمطلوب منه تنظيف الفم وهو يشمل جميع نواحيه، فكيفما كان حصلت السنة. والله أعلم.
"المسألة السادسة" قال الإمام النووي ﵀: قال أصحابنا: يستحب أن يكون السواك بعود، وأن يكون بعود أراك، قال الشيخ أبو نصر المقدسي: الأراك أولى من غيره، ثم بعده النخل أولى من غيره، قال المتولي: يستحب أن يكون عودا له رائحة طيبة كالأراك، واستدلوا للأراك بحديث أبي خَيْرَة الصُّبَاحيّ ﵁: قال: "كنت في الوفد، يعني وفْد عبد القيس الذين وفدوا على رسول الله - ﷺ - فأمر لنا بأراك، فقال: استاكوا بهذا"، وأبو خيرة بفتح الخاء المعجمة وإسكان المثناة تحت، والصُباحي بضم الصاد المهملة، وبعدها باء موحدة مخففة، وبالحاء المهملة، هكذا ضبطه ابن ماكولا وغيره، قال: ولم يرد من هذه القبيلة سواه. اهـ المجموع جـ ١/ ص ٢٨٢.
قال الجامع عفا الله عنه: قال العلماء: يحصل أصل السنة بكل خَشَن يصلح لإزالة القَلَح (^١) كالخرقة والخشبة، وكذا بأصبعه، أو أصبع غيره الخشنة، لما روى البيهقي في سننه من حديث أنس "أن رجلًا من الأنصار من بني عمرو بن عوف قال: يا رسول الله إنك رغبتنا في السواك فهل دون ذلك من شيء، قال أصبعاك سواك عند وضوئك، تمرُّها على أسنانك … " الحديث، ورجاله ثقات إلا أن الراوي له عن
_________________
(١) القلح بفتحتين: تغير الفم بصفرة، أو خضرة، أفاده في المصباح.
[ ١ / ٢٤٥ ]
أنس بعض أهله غير مسمى، وقد ورد في بعض طرقه بأنه النضر بن أنس، وهو ثقة، ولفظه "يجزئ من السواك الأصابع" وفيه عيسى بن شعيب البصري، قال فيه عمرو بن علي الفلاس: إنه صدوق، وقال ابن حبان: كان ممن يخطئ حتى فحش خطؤه فاستحق الترك. أفاده الحافظ العراقي. طرح جـ ٢/ ص ٦٨.
قال الجامع عفا الله عنه: وسيأتي تمام البحث في هذا الحديث إن شاء الله تعالى.
وقال العراقى رحمه الله تعالى: قال ابن عبد البر في التمهيد: وتأول بعضهم في الحديث المروي "أن رسول الله - ﷺ - كان يشوص فاه بالسواك" أنه كان يدلك أسنانه بأصبعه، ويستجزيء بذلك من السواك، وقد أطلق أصحاب الشافعي على استحباب الأراك، وذكر بعض العلماء أنه لم يصح في الاستياك به حديث، وهو عجيب، وقد تتبعت ذلك، فوجدت الطبراني قد روى حديث أبي خيرة الصُّبَاحي، وله صحبة، فذكر حديثا قال فيه: "ثم أمر لنا يعني رسول الله - ﷺ - بأراك فقال: استاكوا بهذا"، وروى الحاكم في المستدرك من حديث عائشة في دخول أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر في مرض رسول الله - ﷺ -، ومعه سواك من أراك فأخذته عائشة فطيبته، ثم أعطته رسول الله - ﷺ -، فاستن به. والحديث في الصحيح، وليس فيه ذكر الأراك، وفي بعض طرقه عند البخاري، ومعه سواك من جريد النخل. وروى أحمد في مسنده من حديث ابن مسعود "أنه كان يَجْني سواكا من الأراك فكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفؤه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله - ﷺ -: مما تضحكون؟ قالوا: يا نبي الله من دقة ساقيه، فقال: والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد". فهذا قد ورد أنه استاك به، وأمر به.
[ ١ / ٢٤٦ ]
وقال ابن عبد البر في التمهيد: والسواك المندوب إليه هو المعروف عند العرب في عصر النبي - ﷺ -، وذلك الأراك والبَشَام (^١) قال الشاعر (من الطويل):
إذا هي لم تَسْتَكْ بعُود أراك
وقال جرير (من الطويل):
أتَذْكُرُ يَوْمَ تَصْقُلُ عَارضَيْهَا … بفَرعْ بَشَامَة سُقيَ البَشَامُ (^٢)
قال ابن عبد البر: وكل ما يجلو الأسنان إذا لم يكن فيه صبغ ولون فهو مثل ذلك، ما خلا الريحان، والقصب، فإنهما يكرهان، قال: وقد كره جماعة من أهل العلم السواك الذي يغير الفم ويصبغه، لما فيه من التشبه بزينة النساء، وقال في موضع آخر: كل ما جلا الأسنان ولم يؤذها، ولا كان من زينة النساء فجائز الاستنان به، انتهى، اهـ كلام العراقي طرح جـ ٢/ ص ٦٩.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
_________________
(١) في "ق" البَشَام كسحاب شجر عطر الرائحة ورقه يسود الشعر، ويستاك بقضيبه اهـ، واحدته بشامة، اهـ تاج.
(٢) يعني أنها أشارت بسواكها فكان ذلك وداعها ولم تتكلم خيفة الرقباء، اهـ تاج.
[ ١ / ٢٤٧ ]