أي هذا باب في ذكر الحديث الدال على كراهية البول في الجحر.
والكراهية مصدر كرُهَ يقال: كَرُه الأمرُ والمنظرُ، كراهة، فهو كَريه مثل قَبُحَ قباحةً فهو قَبيح وَزْنا ومعنى، وكلراهية بالتخفيف أيضا، وكرهته كرهه، من باب تعب كُرْها بضم الكاف، وفتحها: ضد أحببته فهو مكروه، والكَره بالفتح المشقة، وبالضم القهر، وقيل بالفتح الإكراه، وبالضم المشقة، وأكرهته على الأمر إكراها: حملته عليه قهرا يقال: فعلته كرها بالفتح، أي إكراهًا، وعليه قوله ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: آية ١١] فقابل بين الضدين قال الزجاج كل ما في القرآن من الكره بالضم فالفتح فيه جائز إلا قوله في سورة البقرة ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: آية ٢١٦] والكريهة الشدة في الحرب اهـ المصباح.
والجحر: بالضم كل شيء تحتفره الهَوَامُّ والسباع لأنفسها كالجُحران جمعه جحرة، وأجحار. اهـ قاموس، وقال: والجَحر بالفتح: الغار البعيد القعر. اهـ.
وفي المصباح: الجُحْر للضب، واليربوع، والحية، والجمع: جحَرَة مثل عنَبَة. اهـ.
٣٤ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسَ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي جُحْرٍ".
[ ١ / ٥٤١ ]
قَالُوا لِقَتَادَةَ: وَمَا يُكْرَهُ مِنَ الْبَوْلِ فِي الْجُحْرِ؟ قَالَ: يُقَالُ: إِنَّهَا مَسَاكِنُ الْجِنِّ.
رجال الإسناد: خمسة
١ - "عبيد الله بن سعيد" بن يحيى اليشكري أبو قُدامة السرخسي نزيل نيسابور ثقة مأمون سني من العاشرة مات سنة ٢٤١ تقدم-١٥/ ١٥
٢ - "معاذ بن هشام" الدستوائي البصري نزيل اليمن، عن أبيه، وشعبة، وجماعة، وعنه ابن المديني، وإسحاق الكوسج، قال ابن معين: صدوق ليس بحجة، وقال ابن عدي له حديث كثير ربما يغلط، وأرجو أنه صدوق، مات سنة مائتين وأخرج له الجماعة اهـ (خ). صه من الطبقة [٩].
٣ - "أبو معاذ" هو هشام بن أبي عبد الله سَنبر وزان جعفر، أبو بكر البصري ثقة ثبت وقد رمى بالقدر، من كبار [٧] تقدم. في ٢٤/ ٢٥.
٤ - "قتادة" بن دعامة السدوسي، أبو الخطاب البصري الأكمه أحدا لأئمة الأعلام حافظ مدلس، روى عن أنس، وابن المسيب، وابن سيرين، وخلق، وعنه أيوب، وحميد، وحسين المعلم، والأوزاعي، وشعبة، وعلقمة، قال ابن المسيب: ما أتانا عراقي أحفظ من قتادة، وقال ابن سيرين: قتادة أحفظ الناس، وقال ابن مهدي: قتادة أحفظ من خمسين مثل حميد، قال حماد بن زيد: توفي سنة سبع عشرة ومائة، وقد احتج به أرباب الصحاح. رأس الطبقة الرابعة.
٥ - "عبد الله بن سَرْجس" بفتح أوله وكسر الجيم، المزني، حليف
[ ١ / ٥٤٢ ]
بني مخزوم، البصري صحابي له سبعة عشر حديثا، انفرد به مسلم بحديث، وعنه عثمان بن حكيم، وعاصم الأحول، وقتادة، أخرج له مسلم والأربعة. اهـ صة. بزيادة.
لطائف الإسناد
منها: أنه مسلسل بالبصريين إلا شيخ المصنف فإنه سرخسي، ثم نيسابوري، وأنه من خماسياته، وفيه من صيغ الأداء الإخبار، والإنباء والتحديث، والعنعنة.
شرح الحديث
"عن عبد الله بن سرجس" بمنع الصرف للعلمية والعجمة على وزن نَرجس، قال الزركشي: وليس في كلام العرب فَعْلل بكسر اللام، لأن هذا الوزن مختص بالأمر من الرباعي، وأما نَرْجس فنونه زائدة، وإن
كان عربيا.
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر ﵀: صحابي صحيح السماع من حديثه عند مسلم وغيره "رأيت النبي - ﷺ - فأكلت معه خبزا ولحما ورأيت الخاتم" الحديث وفيه "فقلت استغفر لي يا رسول الله" وقال البخاري وابن حبان: له صحبة اهـ المنهل، جـ ١/ ص ١١٤.
"أن نبى الله - ﷺ - قال: لا يبولن" بنون التأكيد "أحدكم في جحر" بضم الجيم وسكون الحاء المهملة في الأصل ما تحتفره السباع والهوام لأنفسها وتقدم بأبسط من هذا في أول الباب.
والمراد به في الحديث الشَّقُّ في الحائط أو في الأرض أوغيرهما. ومثل البول الغائطُ بل هو أولى، ومحل النهي ما لم يكن مُعَدًا لذلك. أفاده في المنهل، جـ ١ / ص ١١٤.
[ ١ / ٥٤٣ ]
قال هشام الدستوائي: " قالوا" أي الجماعة الحاضرون عند تحديث قتادة بهذا الحديث لهم "لقتادة" مستفهمين عن سبب كراهة البول في الجحر "وما يكره من البول في الجحر؟ " ما استفهامية ويكره بضم أوله مبنيا للمفعول أي يبغض، ومن زائدة، والبول نائب الفاعل، أي قالوا: لأي شيء يكره البول في الجحر؟ فالاستفهام إنما هو عن سبب كراهة البول في الجحر أفاده في المنهل.
وقال السندي: الظاهر أن ما موصولة مبتدأ والخبر مقدر، أي لماذا، إذ الظاهر أن السؤال عن سبب الكراهة. اهـ "قال" قتادة جوابا عن هذا الاستفهام "يقال: إنها" أي جنس الجُحْر، ولذلك قال "مساكن الجن" بصيغة الجمع، والتأنيث لمراعاته الخبر. قاله السندي.
وقال الشيخ ولي الدين: أعاد الضمير على الجحر، وهو يدل على أنه مؤنث، ويحتمل أن يريد الجحَرَة التي هي جمعه، وإن لم يتقدم ذكرها. اهـ.
وفي المنهل ما نصه: والضمير في إنها يحتمل أن يكون عائدًا على الأجحار المفهومة من السياق بدليل الجمع في قوله مساكن، ويحتمل أن يكون عائدا على الجحر بمعني الفرجة، وجمع الخبر باعتبار الجنس اهـ.
والمساكن: جمع مسكن بفتح الكاف وكسرها البيت.
والجن: بكسر الجيم ومثله الجنَّة خلاف الإنسان، والجان الواحد من الجن، وهو الحيَّةُ البيضاء أيضا قاله في المصباح.
والمراد بالجن هنا كل ما هو مستور عن أعين الناس، لا خصوص أحد الثقلين، فيشمل الحشرات والهوام، والجن في الأصل ضد الإنس، مأخوذ من الاجتنان وهو الاستتار، سموا بذلك لاستتارهم عن أعين الناس، وهو اسم جنس واحده جني اهـ المنهل.
[ ١ / ٥٤٤ ]
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"المسألة الأولى": في درجته هذا الحديث صححه ابن السكن وابن خزيمة، قال الحافظ في التلخيص: وقيل إن قتادة لم يسمع من عبد الله ابن سرجس، حكاه حرب، عن أحمد، وأثبت السماع منه علي بن عبد الله المديني اهـ، جـ ١/ ص ١٠٦ وضعف الحديث الشيخ الألباني بعنعنة قتادة. وقال في البدر المنير: ثبت سماع قتادة من ابن سرجس، وقال المنذري: رجال إسناده ثقات. وقال الطبراني: سمعت محمَّد بن أحمد بن البراء، قال علي بن المديني: سمع قتادة من ابن سرجس، وعن أبي حاتم، لم يلق قتادة من الصحابة إلا أنسا، وعبدُ الله بن سرجس، وقال الحاكم: إن الحديث صحيح على شرط الشيخين اهـ. المنهل باختصار جـ ١/ ص ١٦٦.
قال الجامع: علة الحديث كما سبق عن الشيخ الألباني عنعنة قتادة. والله أعلم.
"المسألة الثانية": في بيان موضع ذكر المصنف له:
أخرجه المصنف هنا عن عبيد الله بن سعيد السرخسي، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن عبد الله بن سرجس، وفي الكبري رقم ٣٠ بالسند المذكور.
"المسألة الثالثة": فيمن أخرجه معه:
أخرجه أبو داود في الطهارة أيضا عن عبيد الله بن عمر القواريري، عن معاذ بن هشام، عن أبيه بالسند المذكور. اهـ تحفة الأشراف جـ ٤/ ص ٣٥٠.
وأخرجه أحمد، والحاكم، وكذا البيهقي مطولا بلفظ "لا يبولن
[ ١ / ٥٤٥ ]
أحدكم في الجُحر وإذا نمتم فأطفئوا السراج، فإن الفأرة تأخذ الفتيلة فتحرق على أهل البيت، وأوكئوا الأسقية، وخمروا الشراب وأغلقوا الأبواب" فقيل لقتادة: وما يكره من البول في الجُحْر فقال: إنها مساكن الجن.
"المسألة الرابعة": فيما يستفاد من الحديث:
دل الحديث على كراهة البول في الحُفَر التي تسكنها السباع والهوام خشية الأذى، قال في المنهل: ومحل الكراهة ما لم يغلب على الظن أذى له، أو لما في الجُحْر من حيوان محترم، وإلا حرم كما هو ظاهر النهي.
ودل أيضا على أنه يطلب من العاقل البعد عما يخشى منه الضرر، وعلى مزيد رأفة النبي - ﷺ - بالأمة، وعلى أنه يطلب ممن تولى أمر جماعة أن يأمرهم بما فيه نفعهم، وينهاهم عما فيه ضررهم. قاله في المنهل جـ ١/ ص ١١٦.
"المسألة الخامسة": في قول قتادة: يقال إنها مساكن الجن بيان لسبب كراهة البول في الجُحْر، وذلك لئلا يحصل له ضرر، وفي رواية البيهقي، والحاكم، فقال: "إنها مساكن الجن" بدون قوله كان يقال كما تقدم.
قال المناوي في شرحه الكبير: ويؤيده الأثر الصحيح أن سعد بن عُبَادة الخزرجي بال في جُحر ثم خَرَّ ميتا، فسُمعَت الجنُّ تقول:
نحنُ قَتَلنَا سَيًدَ الخَزْ رَجْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَهْ
وَرَمَيْنَاهُ بسَهْم فَلمْ يُخْطىءْ فُؤادَهْ
قال في المرقاة شرح المشكاة بعد أن ذكر هذا الأثر الله أعلم بصحته اهـ المنهل.
[ ١ / ٥٤٦ ]
قال الجامع عفا الله عنه: قال الحافظ ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة سعد هذا ما نصه: ولم يختلفوا أنه وُجدَ ميتا في مُغتَسَله، وقد اخْضَرَّ جسده، ولم يشعروا بموته حتى سَمعوا قائلا يقول ولا يرون أحدًا:
نحنُ قَتَلنَا سَيِّدَ الخَز رَجْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَهْ
رَمَيْنَاهُ بسَهْمَين فَلَمْ نُخْط فُؤَادَهْ
ويقال: إن الجن قتلته، روى ابن جريج عن عطاء أنه قال: سمعت أن الجن قالت في سعد بن عبادة فذكر البيتين اهـ، جـ ٢/ ص ٣٧.
قال العلامة الألباني: بعد ذكر كلام ابن عبد البر: "ولكن لم أجد له إسنادًا صحيحًا على طريقة المحدثين". انظر الإرواء جـ ١ / ص ٩٤.
"المسألة السادسة" في قوله مساكن الجن؛ الجن في الأصل ضد الإنس مأخوذ من الاجتنان، وهو الاستتار، سموا بذلك لاستتارهم عن أعين الناس، وهو اسم جنس واحده جني، وهم أجسام يغلب عليها الجزء الناري، وقيل الهوائي، من شأنهم الخفاء، ولهم قدرة على التشكل بالصورة الشريفة والخسيسة، وتحكُمُ عليهم الصورة بخلاف الملائكة، فإنهم أجسام نورانية لهم قدرة على التشكل بالصورة الشريفة فقط، ولا تحكم عليهم الصورة.
قال في آكام المرجان: الجن ثلاثة أصناف، كما جاء في الحديث، روى ابن أبي الدنيا عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله - ﷺ -: "خلق الله تعالى الجن ثلاثة أصناف، صنف حيات، وعقارب، وخشاش الأرض، وصنف كالريح في الهواء، وصنف عليهم الحساب والعقاب اهـ (^١).
_________________
(١) الله أعلم بصحته.
[ ١ / ٥٤٧ ]
وهذا القسم الأخير هو المكلف من حين الخلقة فمنهم الكافر قال تعالى: عنهم ﴿﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: ١١] قال المفسرون: أي فرقًا مختلفة الأديان يهود ونصارى وعبدة أوثان.
وقال الألوسي في روح المعاني: أخرج البيهقي في الأسماء، وأبو
نعيم والديلمي، وغيرهم بإسناد صحيح كما قاله العراقي عن أبي ثعلبة، قال: قال رسول الله - ﷺ - "الجن ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء وصنف حيات وكلاب، وصنف يحلون ويظعنون" وقال وهب: إن من الجن من يولد له ويأكلون، ويشربون بمنزلة الآدميين، ومنهم من هو بمنزلة الريح، لا يتوالدون ولا يأكلون، ولا يشربون، وهم الشياطين اهـ.
واختلف في أصل الجن: فقيل هم ذرية إبليس كما قاله الحسن، وعليه فالمتمرد منهم يسمى شيطانًا، وقيل: هم ذرية غيره كما قاله مجاهد، والشياطين ولد إبليس يموتون معه عند النفخة، والراجح الأول، فمن آمن من الجن فقد انقطعت نسبته من أبيه، والتحق بآدم، ومن كفر من الإنس، فقد انقطعت نسبته من أبيه، والتحق بإبليس ومن أراد زيادة البيان فعليه بكتاب آكام المرجان. اهـ المنهل جـ ١/ ص ١١٦.
"المسألة السابعة" في خاتمة نختم بها الباب:
اعلم أن المصنف ﵀ استعمل لفظ الكراهية هنا، وأكثر منه الترمذي، قال العلامة المباركفوري في مقدمة تحفة الأحوذي: ما نصه: ومن الألفاظ التي استعملها الترمذي في هذا الكتاب لفظ الكراهة والكراهية، فقال باب كراهية الاستنجاء باليمين، إلى آخر ما ذكره، ثم قال: وهكذا قد أكثر استعمال هذا اللفظ في تراجم الأبواب.
[ ١ / ٥٤٨ ]
فاعلم أن الإمام الترمذي لم يرد بهذا اللفظ ما هو المشهور أعني التنزيه وترك الأولى، بل أراد بهذا اللفظ معنى عاما شاملا للتنزيه والحرمة، وقد جاء هذا اللفظ في كلام السلف بمعنى الحرمة كثيرًا.
قال العيني في عمدة القارئ: جـ ٣/ ص ٣٨٧ المتقدمون يطلقون الكراهة، ويريدون كراهة التحريم انتهى.
وقال صاحب الدين الخالص في شرح حديث ابن مسعود "الطِّيَرَة شرك": هذا صريح في تحريم الطيرة وأنها من الشرك لما فيها من تعلق القلب على غير الله، ومن قال إنها تكره، فالكراهة في اصطلاح
السلف بمعنى الحرام انتهى.
ولنا أن نذكر كلام الحافظ ابن القيم في هذا الباب فإنه نافع جدًا:
قال في إعلام الموقعين: وقد حرم الله ﷾ القول عليه بغير علم في الفتيا، والقضاء، فقال تعالى ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: آية ٣٣] وهذا يعم القول عليه سبحانه بلا علم في أسمائه، وصفاته، وأفعاله، وفي دينه، وشرعه، وقال تعالى ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧].
فتقدم إليهم سبحانه بالوعيد على الكذب عليه في أحكامه، وقولهم لما لم يحرمه: هذا حرام، ولما لم يحله هذا حلال، وهذا بيان منه سبحانه أن لا يجوز للعبد أن يقول: هذا حلال، وهذا حرام إلا بما علم أن الله سبحانه أحله، وحرمه، فلا ينبغي أن يقول لما لا يعلم ورود الوحي المبين بتحليله وتحريمه أحله الله وحرمه الله لمجرد التقليد، أو التأويل.
[ ١ / ٥٤٩ ]
وقد نهى النبي - ﷺ - في الحديث الصحيح أميره بُرَيدة أن يُنزل عدوه إذا حاصرهم على حكم الله، وقال "فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا؟ ولكن أنزلهم على حكمك، وحكم أصحابك" فتأمل كيف فرق بين حكم الله وحكم الأمير المجتهد، ونهى أن يُسمَّى حكم المجتهدين حكم الله، ومن هذا لما كتب الكاتب بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ حُكْما حكم به، فقال: هذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر، فقال: لا تقل: هكذا، ولكن قل: هذا ما رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.
وقال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: لم يكن من أمر الناس، ولا من مضي من سلفنا، ولا أدركلت أحدا أقتدى به يقول في شيء: هذا حلال وهذا حرام، ما كانوا يجترئون على ذلك، وإنما كانوا يقولون: نكره كذا ونرى هذا حسنا، فينبغي هذا، ولا نرى هذا، ورواه عنه عتيق ابن يعقوب، وزاد: ولا يقولون: حلال، ولا حرام، أما سمعت قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] الحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله.
قال الحافظ ابن القيم: وقد غلط كثير من المتأخرين من أتباع الأئمة على أئمتهم بسبب ذلك حيث تورع الأئمة عن إطلاق لفظ التحريم، وأطلقوا لفظ الكراهة فَنَفَى المتأخرون التحريم عما أطلق عليه الأئمة الكراهة، ثم سهل عليهم لفظ الكراهة وخفت مؤنته عليهم فحمله بعضهم على التنزيه، وتجاوز به آخرون إلى كراهة ترك الأولى، وهذا كثير جدًا في تصرفاتهم فحصل بسببه غلط عظيم على الشريعة وعلى الأئمة.
[ ١ / ٥٥٠ ]
وقد قال الإمام أحمد في الجمع بين الأختين بملك اليمين: أكرهه، ولا أقول: هو حرام، ومذهبه تحريمه، وإنما تورع عن إطلاق لفظ التحريم، لأجل قول عثمان، وقال في رواية أبي داود: يستحب ألا يدخل الحمام إلا بمئزر له، وهذا استحبابُ وجوب، وقال في رواية إسحاق بن منصور: إذا كان أكثر مال الرجل حراما، فلا يعجبني أن يؤكل ماله، وهذا على سبيل التحريم. وقال في رواية ابنه عبد الله لا يعجبني أكل ما ذبح للزهرة والكواكب، ولا الكنيسة، وكل شيء ذبح لغير الله، قال الله ﷿ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: آية ٣] فتأمل كيف قال لا يعجبني فيما نص الله سبحانه على تحريمه، واحتج هو أيضا بتحريم الله له في كتابه، وقال في رواية الأثرم: أكره لحوم الجلالة وألبانها، وقد صرح بالتحريم في رواية حنبل وغيره، وقال في رواية ابنه عبد الله: أكره أكل لحم الحية والعقرب، لأن الحية لها ناب، والعقرب لها حُمَة، ولا يختلف مذهبه في تحريمه.
وذكر ابن القيم أشياء من هذا النحو من كلام أحمد، قال: وهذا في أجوبته أكثر من أن يستقصى وكذلك غيره من الأئمة.
وقد نص محمَّد بن الحسن إن كل مكروه فهو حرام، إلا أنه لما لم يجد فيه نصا قاطعا لم يُطلق عليه لفظ الحرام، وروى محمَّد أيضا عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه إلى الحرام أقرب، وقد قال في الجامع الكبير: يكره الشرب في آنية الذهب والفضة للرجال والنساء ومراده التحريم، وكذلك قال أبو يوسف ومحمد: يكره النوم على فرش الحرير، والتوسد على وسائده، ومرادهما التحريم إلى أن قال وهذا كثير في كلامهم جدًا.
قال: وأما أصحاب مالك فالمكروه عندهم مرتبة بين الحرام والمباح،
[ ١ / ٥٥١ ]
ولا يطلقون عليه اسم الجواز، ويقولون: إن أكل كل ذي ناب من السبع مكروه غير مباح، وقد قال مالك في كثير من أجوبته: أكره كذا، وهو حرام.
فمنها: أن مالكا نص على كراهة الشطرنج، وهذا عند أكثر أصحابه على التحريم، وحمله بعضهم على الكراهة التي هى دون التحريم.
قال الشافعي في اللعب بالشطرنج: إنه لهو شبه الباطل أكرهه، ولا يتبين لي تحريمه، فقد نص على كراهته، وتوقف في تحريمه، فلا يجوز أن ينسب إليه وإلى مذهبه أن اللعب بها جائز، وأنه مباح فإنه لم يقل هذا ولا يدل عليه، والحق أن يقال: إنه كرهها، وتوقف في تحريمها، فأين هذا من أن يقال: إن مذهبه جواز اللعب بها وإباحته.
ومن هذا أيضا: أنه نص على كراهة تزوج الرجل من بنته من ماء الزنا ولم يقل قط إنه مباح، ولا جائز، والذي يليق بجلالته وإمامته ومنصبه الذي أحله الله به من الدين أن هذه الكراهة منه على وجه التحريم، وأطلق لفظ الكراهة؛ لأن الحرام يكرهه الله ورسوله، وقد قال تعالى عقيب ذكر ما حرمه من المحرمات من عند قوله ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ إلى آخر الآيات، ثم قال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٣٨].
وفي الصحيح "أن الله ﷿ كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال" فالسلف كانوا يستعملون الكراهة في معناها الذي استعمل فيه كلام الله ورسوله، ولكن المتأخرون اصطلحوا على
[ ١ / ٥٥٢ ]
تخصيص الكراهة بما ليس بمحرم، وتركُهُ أرجح من فعله، ثم منهم من حمل كلام الأئمة على الاصطلاح الحادث، فغلط في ذلك، وأقبح غلطا منه من حمل لفظ الكراهة، أو لفظ ينبغي في كلام الله ورسوله على المعنى الاصطلاحي الحادث، وقد اطرد في كلام الله ورسوله استعمال لا ينبغي في المحظور شرعا وقدرا وفي المستحيل الممتنع كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: آية ٩٢] وقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: آية ٦٩] وقوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: آية ٢١٠، ٢١١]﴾ وقوله على لسان نبيه: "كذبني ابن آدم، وما ينبغي له، وشتمني ابن آدم، وما ينبغي له" وقوله - ﷺ - "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام" وقوله - ﷺ - في لباس الحرير "ولا ينبغي هذا للمتقين" وأمثال ذلك. انتهى كلام العلامة ابن القيم اهـ مقدمة تحفة الأحوذي جـ ١/ ص ٤١٧.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
[ ١ / ٥٥٣ ]