أي هذا باب في ذكر الحديث الدال على النهي عن البول في الماء الراكد.
والنهي: مصدر، يقال نهيته عن الشيء أنهاه نهيا، فانتهى عنه، ونهوته نهوا لغة، ونهى الله تعالى: أي حرم والنهية "أي بالضم" العقل، لأنها تنهى عن القبيح. قاله في المصباح.
والراكد: اسم فاعل من ركد الماء رُكودا من باب قعد: سكن، وأركدته أسكنته، وركدت السفينة وقفت فلا تجري. قاله في المصباح.
٣٥ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ.
رجال السند: أربعة
١ - "قتيبة" بن سعيد بن جميل بن طريف الثقفي البغلاني ثقة ثبت ١٠ ت٢٤٠ تقدم وهو أول من بدأ به المصنف سننه من شيوخه.
٢ - "الليث" بن سعد بن عبد الرحمن أبو الحارث الفهمي مولاهم الإمام عالم مصر، وفقيهها، ورئيسها، عن سعيد المقبري، وعطاء، ونافع، وقتادة، والزهري، وصفوان بن سليم، وخلائق. وعنه ابن عجلان، وابن لهيعة، وهشيم، وابن المبارك، والوليد بن مسلم، وابن وهب، وأمم.
[ ١ / ٥٥٤ ]
قال ابن بكير: وهو أفقه من مالك، وقال محمَّد بن رمح: كان دخل الليث ثمانين ألف دينار ما وجبت عليه زكاة قط، وثقه أحمد، وابن معين، والناس، قال ابن بكير: ولد سنة أربع وتسعين، وتوفي سنة خمس وسبعين ومائة، أخرج له الجماعة اهـ صه بزيادة شيء. من الطبقة السابعة. ت.
٣ - "أبو الزبير" محمَّد بن مسلم بن تَدْرُس بفتح المثناة وضم المهملة الثانية، الأسدي مولاهم المكي، أحد الأئمة، ثقة يدلس. عن جابر، وابن عباس، وعائشة في مسلم، والأربعة، وعبد الله بن عمرو في ابن ماجه، قال ابن معين: لم يلقه، وابن عمر في مسلم. وخلق، وعنه أيوب، والسفيانان، ومالك، وخلائق وعنه من شيوخه عطاء في النسائي. وثقه ابن معين، والنسائي، وابن عدي، وأما أبو حاتم وأبو زرعة فقالا: لا يحتج به. قال ابن المديني: مات سنة ثمان وعشرين ومائه. له عند البخاري حديث، قرنه مسلم بآخر، أخرج له الجماعة اهـ صه، من الطبقة الرابعة. ت.
٤ - "جابر" بن عبد الله بن عمرو بن حرام بفتح المهملة الأنصاري السَّلَمي بفتحتين، أبو عبد الرحمن، أو أبو عبد الله، أو أبو محمَّد المدني، صحابي مشهور، له ألف وخمسمائة حديث وأربعون حديثا، اتفقا على ثمانية وخمسين، وانفرد البخاري بستة وعشرين، ومسلم بمائة وستة وعشرين، وشهد العقبة، وغزا تسع عشرة غزوة، وعنه بنوه وطاوس، والشعبي، وعطاء، وخلق، قال جابر: استغفر لي رسول الله - ﷺ - ليلة البعير خمسا وعشرين مرة، قال الفلاس مات سنة ثمان وسبعين بالمدينة عن أربع وسبعين سنة، أخرج له الجماعة اهـ. صه.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدم أنه أحد المكثرين في الرواية من
[ ١ / ٥٥٥ ]
الصحابة ﵃ وهم سبعة قال السيوطي في ألفيته:
والمُكْثرُونَ في روايَة الأثَرْ … أبُو هُرَيْرَةَ يَليه ابْنُ عُمَرْ
وأنسٌ والبحرُ كَالخُدْريِّ … وَجَابرٌ وَزَوْجَةُ النَّبيِّ
لطائف الإسناد
منها: أنه من رباعيات المصنف وهو أعلى ما وقع له من الإسناد، وهذا هو الرابع من الرباعيات، وقد تقدم به في ٦/ ٦، ١٤/ ١٤. ١٩/ ١٩.
ومنها: أن رواته ما بين بلخي وهو قتيبة، ومصري وهو الليث، ومكي وهو أبو الزبير، ومدني وهو جابر.
وفيه من صيغ الأداء الإخبار، والتحديث، والعنعنة.
شرح الحديث
"عن جابر" بن عبد الله ﵄ "عن رسول الله - ﷺ - أنه نهى" أي منع "عن البول في الماء الراكد" أي الواقف الذي لا يجري.
قال النووي ﵀ في شرح مسلم: وهذا النهي في بعض المياه للتحريم، وفي بعضها للكراهة، فإن كان الماء كثيرًا جاريا لم يحرم البول فيه، لمفهوم الحديث، ولكن الأولى اجتنابه وإن كان قليلا جاريا، فقد قال بعض الشافعية: يكره. والمختار أنه يحرم، لأنه يقذره، وينجسه على المشهور من مذهب الشافعي، وغيره، ولعل هذا محمل حديث جابر "أن النبي - ﷺ - نهى أن يبال في الماء الجاري" رواه الطبراني ورجاله ثقات، وإلا فالظاهر عدم التفرقة بين القليل وغيره.
وإن كان كثيرا راكدا؛ فقيل: يكره، والمختار الحرمة لأن النهي يقتضي التحريم، ولأنه ربما أدَّي إلى تنجسه بالإجماع إذا تغير، أو إلى
[ ١ / ٥٥٦ ]
تنجسه عند أبي حنيفة، ومن وافقه في أن الماء الذي لا يبلغ الغدير العظيم ينجسى بوقوع نجس فيه، وإن كان راكدا قليلا فالصواب حرمة البول فيه، لأنه ينجسه، والتغوط في الماء كالبول فيه، بل هو أقبح، وكذلك إذا بال في إناء ثم صبه في الماء أو بال بقرب الماء بحيث يجرى إليه البول فكله مذموم قبيح منهي عنه على التفصيل المذكور، ولا مخالف في هذا إلا ما حكي عن داود من أن النهي مختص بالبول في نفس الماء، وأن الغائط ليس كالبول، وكذا إذا بال في إناء ثم صبه في الماء، أو بال بقرب الماء، وهذا خلاف الإجماع، وهو من أقبح ما نقل عنه في الجمود على الظاهر.
قال العلماء: ويكره البول والتغوط بقرب الماء، وإن لم يصل إليه لعموم النهي من البراز في الموارد، ولما فيه من إذاء المارين بالماء، ولما يخاف من وصوله إلى الماء.
وأما انغماس من لم يستنج في الماء ليستنجي فيه، فإن كان قليلا بحيث ينجس بوقوع النجاسة فيه فهو حرام لما فيه من تلطخه بالنجاسة وتنجيس الماء، وإن كان كثيرًا جاريًا، فلا بأس به وإن كان راكدا فليس بحرام، ولا تظهر كراهته؛ لأنه ليس في معنى البول، ولا يقاربه، ولو اجتنب الإنسان هذا كان أحسن. اهـ كلام النووي باختصار جـ ١/ ص ٣١٣.
قال العراقي: إن أراد الاستنجاء من الغائط ففي عدم الكراهة نظر خصوصا لمن لم يخففه بالحجر، ومع الانتشار والكثرة فربما كان أفحش من البول. اهـ طرح جـ ٢/ ص ٣٦.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"المسألة الأولى": في درجته: حديث جابر ﵁ أخرجه مسلم.
[ ١ / ٥٥٧ ]
"المسألة الثانية": في بيان موضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ١٣/ ٣٥ وفي الكبري ٢٦/ ٣٥ بهذا السند فقط.
"المسألة الثالثة": فيمن أخرجه معه:
أخرج هذا الحديث مسلم في الطهارة عن يحيى بن يحيى، وقتيبة، ومحمد بن رُمْح ثلاثتهم عن الليث بن سعد، عن أبي الزيبر، عن جابر.
وأخرجه ابن ماجه في الطهارة عن محمَّد بن رُمح بالسند المذكور قاله في التحفة جـ ٣/ ص ٣٣٩.
وأخرجه الطحاوي، والطبراني في الأوسط. قاله في المنهل جـ ١ / ص ٢٤٨.
"المسألة الرابعة": فيما يستفاد من الحديث دل بمنطوقه على حرمة البول في الماء الراكد لكن محله إذا لم يكن كثيرا مستبحرا، ويلحق بالبول التغوط، بل هو أقبح، ودل بمفهومه على جواز البول في الماء الجاري، لكن الأولى اجتنابه، وقد مر تفصيله في كلام النووي، وعلى نجاسة البول.
"المسألة الخامسة": اعلم أنه احتج بهذا الحديث الحنفية في تنجيس الماء الراكد بحلول النجاسة فيه، وإن كان أكثر من القلتين فإن الصيغة صيغة عموم، وأجاب المانعون بأن هذا الحديث يتعذر العمل بعمومه إجماعا، لأن الماء الدائم الكثير المستبحر لا تؤثر فيه النجاسة اتفاقا، وإذا بطل عمومه وتطرق إليه التخصيص خصصناه بحديث القلتين، فيحمل عمومه على ما دون القلتين جمعا بين الحديثين، فإن حديث القلتين يقتضي عدم تنجيس القلتين فما فوقهما، وذلك أخص من مقتضى الحديث العام الذي ذكرناه، والخاص مقدم على العام. أفاده العراقي في طرح التثريب جـ ٢/ ص ٣٢.
[ ١ / ٥٥٨ ]
"المسألة السادسة": في هذا الحديث النهي عن البول في الماء الراكد، وقد أخذ داود بن علي الظاهري بظاهره، وقال: النهي مختص بالبول، والغائط ليس كالبول، ومختص ببول الإنسان نفسه، وجاز لغير البائل أن يتوضأ بما بال فيه غيره، وجاز أيضا للبائل إذا بال في إناء، ثم صبه في الماء أو بال بقرب الماء، ثم جرى إليه، وهذا من أقبح ما نقل عنه. أفاده العيني جـ ٣/ ص ٥٠، وقد نصر قول داود ابن حزم في المحلى. أفاده في النيل.
وقال العلامة ابن القيم ﵀ بعد أن ذكر كلاما طويلا ما نصه:
وبهذا الطريق يُعلم أنه إذا كان - ﷺ - قد نهى عن البول في الماء الدائم مع أنه قد يحتاج إليه فلأن يَنهى البول في إناء، ثم يصبه فيه بطريق أولى. ولا يستريب في هذا من علم حكمة الشريعة، وما اشتملت عليه من مصالح العباد ونصائحهم.
ودع الظاهرية البَحتَة، فإنها تقسي القلوب وتحجبها عن رؤية محاسن الشريعة وبهجتها، وما أودعته من الحكم، والمصالح، والعدل، والرحمة. اهـ تهذيب السنن جـ ١/ ص ٦٦.
"المسألة السابعة": احتج بهذا الحديث أحمد على أن بول الآدمي، وما في معناه من العذرة ينجس الماء الراكد وإن كان أكثر من قلتين وأنَّ غير ذلك من النجاسات يعتبر فيه القلتان، فلم يُعَدِّ حكم البول والعَذرة إلى غيرهما من النجاسات.
قال ابن دقيق العيد: وكأنه رأى الخبث المذكور في حديث القلتين عاما بالنسبة إلى الأنجاس، وهذا الحديث خاص بالنسبة إلى بول الآدمي، فقدم الخاص على العام بالنسبة إلى الأنجاس الواقعة في الماء
الكثير، وأخرج بول الآدمي وما في معناه من جملة النجاسات الواقعة في
[ ١ / ٥٥٩ ]
القلتين بخصوصه، فينجس الماء دون غيره من النجاسات، ثم قال: ولمخالفهم أن يقول قد علمنا جزما أن هذا النهي إنما هو لمعنى في النجاسة، وعدم التقرب إلى الله تعالى بما خالطها، وهذا المعنى يستوي فيه سائر الأنجاس، فلا يتجه تخصيص بول الآدمي منها بالنسبة إلى هذا المعنى، إلى أن قال. فيحمل الحديث على أن ذكر البول ورد تنبيها على غيره مما يشاركه في معناه من الاستقذار، والوقوف على مجرد الظاهر ها هنا مع وضوح المعنى وشموله لسائر الأنجاس ظاهرية محضة. اهـ طرح جـ ١/ ص ٣٢.
"المسألة الثامنة": أنه حمل مالك النهي في هذا الحديث على الكراهة، لا على التحريم لأن الماء لا يتنجس عنده بوصول النجاسة إليه إلا بالتغير كثيرا كان أو قليلًا جاريا كان أو راكدا.
ولكن ربما تغير الراكد بالبول فيه فيكون الاغتسال به محرما بالإجماع.
قال ابن دقيق العيد: وهذا يلتفت على حمل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين، وهي مسألة أصولية، قال: وقد يقال على هذا: إن حالة التغير مأخوذة من غير هذا اللفظ، فلا يلزم استعمال اللفظ الواحد في معنيين، قال: وهذا متجه إلا أنه يلزم منه التخصيص في هذا الحديث فإن جعلنا النهي للتحريم كان استعماله في الكراهة والتحريم استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه، والأكثرون على منعه انتهى.
وأجاب صاحب المفهم عن مالك: بأنه وإن كان مشهور مذهبه أنه طهور فإنه يصح أن يحمل هذا الحديث على سد الذريعة لأنه ربما أدى إلى تغيره فنهي عن ذلك اهـ طرح جـ ٢/ ص ٣٣ بتصرف.
"المسألة التاسعة": قال العلامة ابن دقيق العيد: اعلم أن هذا الحديث
[ ١ / ٥٦٠ ]
لا بد من إخراجه عن ظاهره بالتخصيص، أو التقييد، لأن الاتفاق واقع على أن المستبحر الكثير جدا لا تؤثر فيه النجاسة، والاتفاق واقع على أن الماء إذا غيرته النجاسة امتنع استعماله، فمالك ﵀ إذا حمل النهي على الكراهة لاعتقاده أن الماء لا ينجس إلا بالتغير؛ لا بد أن يخرج صورة التغير بالنجاسة أعني عن الحكم بالكراهة، فإن الحكم ثمة التحريم، فإذا لا بد من الخروج عن الظاهر عند الكل اهـ إحكام الأحكام جـ ١/ ص ٢٢.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
[ ١ / ٥٦١ ]