أي هذا باب ذكر الحديث الدال على كراهية البول في المستحم، أي المُغْتَسَل فيه.
والكراهية: مصدر كره، يقال: كره الأمر، والمنظر كراهة فهو كريه، مثل قبح قباحة فهو قبيح وزنا ومعنى، وكراهية بالتخفيف أيضا. اهـ المصباح. وتقدم في الباب ٣٠ بأوضح من هذا فارجع إليه.
والمستحم: بفتح الحاء وتشديد الميم أصله الموضع الذي يغتسل فيه بالماء الحميم، وهو الحار، ثم شاع في مطلق المُغْتَسَل.
وذكر ثعلب أن الحميم يطلق أيضا على الماء البارد من الأضداد، أفاده في الزهر.
٣٦ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُبَارَك، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي مُسْتَحَمِّهِ، فَإِنَّ عَامَّةَ الْوَسْوَاسِ مِنْهُ".
رجال الإسناد: ستة
١ - "علي بن حجر" بضم فسكون بن إياس السعدي المروزي ثقة حافظ من صغار [٩] تقدم في ١٣/ ١٣.
[ ١ / ٥٦٢ ]
٢ - "ابن المبارك" هو عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي مولاهم أبو عبد الرحمن المروزي أحد الأئمة الأعلام، وشيوخ الإسلام.
عن حميد، وإسماعيل بن أبي خالد، وحسين المعلم، وسليمان وعاصم الأحول، وهشام بن عروة، وخلق. ويروي عنه السفيانان من شيوخه، ومعتمر، وبقية، وابن مهدي، وسعيد بن منصور، وخلائق، قال ابن المبارك: كتبت عن أربعة آلاف شيخ، فرويت عن ألف، قال ابن عيينة: ابن المبارك عالم المشرق والمغرب وما بينهما.
وقال شعبة: ما قدم علينا مثله. وقال أبو إسحاق الفزاري: ابن المبارك إمام. وقال ابن معين: ثقة صحيح الحديث. وقال ابن مهدي: كان نسيج وحده، ولد ابن المبارك سنة ١١٨، ومات سنة ١٨١ وترجمته كبيرة في الحلية لأبي نعيم، وتاريخ الحاكم. اهـ. صه، من الطبقة الثامنة.
٣ - "معمر" بن راشد الأزدي، أبو عروة البصري نزيل اليمن ثقة ثبت من كبار [٧] تقدم. في ١٠/ ١٠.
٤ - "الأشعث بن عبد الله" بن جابر الحداني بمهملتين مضمومة، ثم مشددة، الأزدي، أبو عبد الله البصري، وقد ينسب إلى جده، وهو الحملي بضم المهملة، وسكون الميم، صدوق -٥ - (خت ٤). وثقه النسائي وأورده الذهبي في ميزانه، وتعجب من عدم تخريج الشيخين عنه.
(تنبيه) وقع في أكثر نسخ "المجتبى" أشعث بن عبد الملك، وهو خطأ، والصواب ابن عبد الله، فتنبه.
٥ - "الحسن" بن أبي الحسن، واسمه يسار البصري، مولى أم سلمة، والرُّبَيِّع بنت النضر، أو زيد بن ثابت، أبو سعيد الإمام أحد أئمة الهدى والسنة، رُمى بالقدر، ولا يصح. عن جندب بن عبد الله، وأنس، وعبد الرحمن بن سمرة، ومعقل بن يسار، وأبي بكر،
[ ١ / ٥٦٣ ]
وسمرة، قال سعيد: لم يسمع منه، وأرسل عن خلق من الصحابة. وروى عنه أيوب، وحميد، ويونس، وقتادة، ومطر الوراق، وخلائق، قال ابن سعد: كان عالما جامعا رفيعا ثقة مأمونا عابدا ناسكا، كثير العلم، فصيحا، جميلا، وسيما، ما أرسله فليس بحجة، وكان الحسن شجاعا من أشجع أهل زمانه، وكان عرض زَنْده شبرًا، قال ابن عيينة: مات سنة ١١٠، قيل: ولد سنة ٢١ لسنتين بقيتا من خلافة عمر. قال أبو زرعة: كل شيء قال الحسن: قال رسول الله - ﷺ - وجدت له أصلا مَليًا خلا أربعة أحاديث اهـ. صه. من رأس الطبقة الثالثة.
٦ - "عبد الله بن مُغَفَّل" بمعجمة وفاء كمعظم بن عبد نَهْم بن عفيف ابن أسحم المزني، أبو زياد بايع تحت الشجرة، ونزل البصرة، له ثلاثة وأربعون حديثا اتفاق على أربعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بآخر. وعنه ابن بريدة، وسعيد بن جبير، قال معاوية: ابن قرة أول من دخل تستر حين فتحت عبد الله بن مغفل، وقال الحسن: كان من نقباء الصحابة، مات ٥٧، وقيل سنة ٦٠. اهـ. صه.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسياته، ومنها أن رواته كلهم بصريون إلا شيخ المصنف، وشيخه فإنهما مروزيان.
ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبار، والإنباء، والعنعنة.
شرح الحديث
"عن عبد الله بن مغفل" بصيغة اسم المفعول المضعف ﵁ "عن النبي - ﷺ -" أنه قال "لا" ناهية "يبولن أحدكم" النهي فيه متوجه لجميع الأمة وإن كان ظاهر الخطاب لمن كان حاضرًا من الصحابة. اهـ المنهل جـ ١/ ص ١٠٨.
[ ١ / ٥٦٤ ]
"في مستحمه" بصيغة اسم المفعول، أي مُغْتَسَله كما فسره حديث أبي داود وغيره بإسناد صحيح عن رجل صحب النبي - ﷺ - كما صحبه أبو هريرة قال: "نهى رسول الله - ﷺ - أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسله" وأخرجه المصنف في الزينة مختصرا على الجزء الأول، وقد قدمنا في أول الباب أنه الموضع الذي يغتسل فيه بالحميم، وهو في الأصل الماء الحار، ثم قيل للاغتسال بأي ماء كان استحمام.
وقال في المنهل: والإضافة فيه لأدنى ملابسة لأن المراد مكان الاغتسال ولو غير مملوك اهـ جـ ١/ ص ١٠٧.
وإنما نهى عنه إذا لم يكن له مسلك يذهب فيه البول، أو كان المكان صلبا فيوهم المغتسل أنه أصابه منه شيء فيحصل منه الوساوس كما علله بقوله "فإن عامة الوسواس" أي أكثره، لأن عامة الشيء جميعه، أو أكثره وهو المراد هنا.
والوسواس: حديث النفس بما لا خير فيه، أو بما فيه شر، وهو مصدر وسوس يوسوس وسوسة ووسواسا بكسر الواو ووسواسا بفتحها، والوسواس بالفتح اسم للشيطان أيضا، وكل منهما يصح هنا إرادته، أما الأول: فظاهر، وأما الثاني: فعلى تقدير مضاف، أي فإن عامة فعل الوسواس منه، والمراد بفعل الوسواس وسوسته اهـ المنهل جـ ١/ ص ١٠٨.
وقال في المصباح: الوسواس بالفتح اسم من وسوست إليه نفسه إذا حدثته، وبالكسر مصدر وسوس متعد بإلى، وقوله تعالى ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٠] اللام بمعنى إلى، فإن بني للمفعول قيل: موسوس إليه مثل المغضوب عليهم، والوسواس بالفتح مرض يحدث من غلبة السوداء، يختلط معه الذهن، ويقال لما يخطر بالقلب
[ ١ / ٥٦٥ ]
من شر، ولما لا خير فيه وسواس اهـ (منه) أي من البول في المستحم، يعني أن أكثر الوسواس يحصل من البول في المغتسل، لأنه يصير الموضع نجسا، فيقع في قلبه وسوسة بأنه هل أصابه شيء من رشاشه أم لا؟
قال الشيخ ولي الدين: علل النبي - ﷺ - هذا النهي بأن هذا الفعل يورث الوسواس، ومعناه أن المغتسل يتوهم أنه أصابه شيء من قطره ورشاشه، فيحصل له وسواس، وروى ابنُ أبي شيبة في مصنفه عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: إنما يكره البول في المغتسل مخافة اللَّمَم. وذكر صاحب الصحاح وغيره أن اللَّمَمَ طرف من الجنون، قال: ويقال أيضا أصابت فلانا لَمَّه من الجن وهو المس، والشيء القليل، وهذا يقتضي أن العلة في النهي عن البول في المغتسل، خشية أن يصيبه شيء من الجن، وهو معنى مناسب؛ لأن المغتسل محل حضور الشياطين، لما فيه من كشف العورة، فهو في معنى البول في الجُحْر، لكن المعنى الذي عَلَّلَ به النبي - ﷺ - أولى بالاتباع، قال: ويمكن جعله موافقا لقول أنس بأن يكون المراد بالوسواس في الحديث الشيطان، وفيه حذف تقديره فإن عامة فعل الوسواس أي الشيطان منه، لكنه خلاف ما فهمه العلماء من الحديث ولا مانع من التعليل بهما، فكل منهما علة مستقلة. انتهى كلام العراقي.
قال السيوطي: قلت: بل هو هنا علة واحدة، ولا منافاة فإن اللمم الذي ذكره أنس هو الوسواس بعينه، وذلك طرف من الجنون، فإن الذي يسمى في لغة العرب الوسواس هو الذي في لغة اليونان الماليخوليا وهي عبارة عن فساد الفكر، وقد أكثر في أشعار العرب، والأحاديث، والآثار إطلاق الوسواس مرادًا به ذلك.
منها: حديث أحمد عن عثمان ﵁ قال "لما تُوُفي النبي - ﷺ - حزن أصحابه حتى كاد بعضهم يوسوس" أي يجن، وقيل: "ولولا
[ ١ / ٥٦٦ ]
مخافة الوسواس لسكنت في أرض ليس بها ناس" فالذي قاله أنس هو عين الذي قاله النبي - ﷺ - اهـ كلام السيوطي زهر جـ ١/ ص ٣٥.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"المسألة الأولى": في درجته: هذا الحديث جزم النووي بأنه حسن.
ونقل في المنهل جـ ١/ ص ١١١ عن المنذري قال: إسناده صحيح متصل وأشعث بن عبد الله ثقة صدوق وكذا بقية رواته. اهـ، وقال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث أشعث بن عبد الله، وذكر في العلل أنه سأل عنه البخاري فقال: لا أعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وقال ابن سيد الناس: وهو مع غرابته يحتمل أن يكون من قسم الحسن، لأن أشعث مستور. اهـ. قال المناوي بعد ذكر ما ذكر عن ابن سيد الناس: ولذا جزم النووي بأنه حسن اهـ.
وقال الذهبي في الميزان في ترجمة أشعث بن عبد الله: جـ ١/ ص ٢٦٦ وثقة النسائي وغيره وقد أورده العيقلي في الضعفاء، وقال: في حديثه وَهَم، ثم أورد حديث الباب بسنده.
قال الذهبي: قلت: قول العقيلي في حديثه وَهَم ليس بمسلم له، وأنا أتعجب كيف لم يخرج له البخاري ومسلم اهـ. ومال الشيخ الألباني إلى تضعيفه لعنعنة الحسن فإنه مدلس، قال: لكن في النهي عن البول في المغتسل حديث صحيح. انظر تحقيقه للمشكاة جـ ١/ ص ١١٥. وقال في صحيح النسائي. صحيح دون قوله: "فإن عامة الوسواس منه" انظر صحيح النسائي، ١/ ١٠٠.
"المسألة الثانية": في بيان موضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
[ ١ / ٥٦٧ ]
أخرجه هنا -٣٢/ ٣٦، وفي الكبرى -٢٧/ ٣٦ - بالسند المذكور، وأخرجه أبو داود في الطهارة عن أحمد بن حنبل، والحلواني كلاهما عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أشعث بن عبد الله، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل.
وأخرجه الترمذي في الطهارة عن علي بن حجر، وأحمد بن محمَّد ابن موسى كلاهما عن ابن المبارك، عن معمر به.
وأخرجه ابن ماجه في الطهارة عن محمَّد بن يحيى، عن عبد الرزاق عن معمر به. أفاده المزي، وأخرجه أحمد، وابن حبان، والحاكم، وعبد الرزاق في الجامع، والعقيلي، والضياء المقدسي، وأخرجه البيهقي من عدة طرق مرفوعًا موقوفًا.
"المسألة الثالثة": أنه وقع في هذا الحديث عند أبي داود وغيره زيادة ثم يغتسل منه وفي رواية أحمد عند أبي داود "ثم يتوضأ فيه" و"ثم" هنا استباعدية، يعني يُسْتَبْعد من العاقل أن يغتسل أو يتوضأ في محل بال فيه، لما يترتب على ذلك من الوسوسة، ونظيره قوله تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: آية ١] أي يستبعد كفر من كفر بعد قيام الأدلة على وحدانية الله تعالى.
وقوله: "يغتسل" الرواية فيه بالرفع فيكون خبرا لمبتدإ محذوف، أي ثم هو يغتسل فيه، والمعنى عليه لينْتَه أحدكم عن البول في المستحم، وله أن يغتسل فيه، وإن لم ينته فليس له أن يغتسل فيه، ويجوز نصبه في جواب النهي على أن "ثم" بمعنى الواو، وقول النووي: لا يجوز النصب؛ لأنه يقتضي أن المنهي عنه الجمع بينهما دون إفراد أحدهما، وهذا لم يقل به أحد، بل البول منهي عنه سواء أراد الاغتسال فيه أو منه
[ ١ / ٥٦٨ ]
أم لا، غير مسلم، فإن النهي عن الجمع بين البول والاغتسال في مكان واحد لا مانع من إرادته في الحديث بدليل التعليل الآتي، وكونه يترتب عليه جواز البول في المستحم، ولم يقل به أحد هذا وإن كان مسلما إلا أنه جاء من طريق المفهوم، وهو معارض بالتعليل المذكور في الحديث، فإنه لو بال في المغتسل أحد واغتسل فيه آخر أورثه ذلك الوسوسة، ومعارض أيضا بنحو قوله - ﷺ - "لا ضرر، ولا ضرار" رواه أحمد، وابن ماجه عن ابن عباس. وقال ابن دقيق العيد: المنهي عن الجمع بينهما يؤخذ من هذا الحديث إن ثبتت رواية النصب، ويؤخذ النهي عن الإفراد من حديث آخر اهـ.
وأما لو بال في المستحم وهَجَرَه من الاغتسال فيه جاز له ذلك.
ويجوز جزم "يغتسل" عطفا على "يبولن" والمعنى عليه النهي، عن البول في المستحم، وهو ظاهر، وعن الاغتسال فيه على معنى الانغماس فيه لما يترتب عليه من قذارة الماء، وعليه فالنهي للتنزيه. اهـ المنهل جـ ١/ ص ١٠٨.
"المسألة الرابعة": في اختلاف العلماء في البول في المغتسل.
قال الإمام الترمذي ﵀: وقد كره قوم من أهل العلم البول في المغتسل، وقالوا: عامة الوسواس منه، ورخص فيه بعض أهل العلم، منهم ابن سيرين، وقيل له: إنه يقال: إن عامة الوسواس منه، فقال "ربنا الله لا شريك له" أي: فهو المتوحد في خلقه، لا دخل للبول في المغتسل في شيء من الخلق. قاله أبو الطيب السندي، وقال ابن المبارك: قد وسع في البول في المغتسل إذا جرى فيه الماء. اهـ كلام الترمذي بزيادة.
قال الحافظ ولي الدين العراقي: حمل جماعة من العلماء هذا
[ ١ / ٥٦٩ ]
الحديث على ما إذا كان المغتسل لَيّنا وليس فيه منفذ بحيث إذا نزل فيه البول شربته الأرض، واستقر فيها فإن كان صلبا ببلاط ونحوه بحيث يجري عليه البول، ولا يستقر، أو كان فيه منفذ كالبالوعة ونحوها فلا نهي.
روى ابن أبي شيبة عن عطاء، قال: إذا كان يسيل فلا بأس، وقال ابن ماجه في سننه: سمعت علي بن محمَّد الطنافسي يقول: إنما هذا في الحفيرة، فأما اليوم فلمغتسلاتهم الجص والصاروج والقير، فإذا بال فأرسل عليه الماء فلا بأس به.
وقال الخطابي: إنما ينهى عن ذلك إذا لم يكن المكان جددا مستويا لا تراب عليه، وصلبا، أو مُبَلَّطا، أو لم يكن له مسلك ينفذ فيه البول، ويسيل منه الماء، فيَتَوهَّم المغتسل أنه أصابه شيء من قطره ورشاشه
فيورثه الوسواس.
وقال النووي في شرحه: إنما نُهي عن الاغتسال فيه إذا كان صلبا يخاف إصابة رشاشه، فإن كان لا يخاف ذلك بأن يكون له منفذ، أو غير ذلك فلا كراهة.
قال الشيخ ولي الدين: وهو عكس ما ذكره الجماعة، فإنهم حملوا النهي على الأرض اللَّيِّنَة، وحمله هو على الصلبة وقد لمح هو معنى آخر وهو أنه في الصلبة يخشى عود الرشاش بخلاف الرخوة، وهم نظروا إلى أنه في الرخوة يستقر موضعه، وفي الصلبة يجري، ولا يستقر، فإذا صب عليه الماء ذهب آخره بالكلية.
قال السيوطي: قلت: الذي قاله النووي ﵁ سبقه إليه صاحب النهاية، فإنه قال: وإنما نهى عن ذلك إذا لم يكن له مسلك يذهب فيه البول، أو كان صلبا فيتوهم المغتسل أنه أصابه منه شيء،
[ ١ / ٥٧٠ ]
فيحصل منه الوسواس.
ثم قال الشيخ ولي الدين: إذا جعلنا الاغتسال منهيا عنه بعد البول فيه، فيحتمل أن سبب الوسواس البول فيه على انفراده، ويحتمل أن سببه الاغتسال بعد البول فيه، ويكون قوله: فإن عامة الوسواس منه أي من مجموع ما تقدم أو من الاغتسال أو الوضوء فيه الذي هو أقرب مذكور، ويؤيده حديث "من توضأ في موضع بوله، فأصابه الوسواس فلا يلومن إلا نفسه" رواه ابن عدي من حديث ابن عمرو (^١) فجعل سبب الوسواس الوضوء في موضع بوله انتهى اهـ زهر جـ ١/ ص ٣٧.
وقال العلامة المباركفوري: قلت: والأولى أن يحمل الحديث على إطلاقه، ولا يقيد المستحم بشيء من القيود، فيحترز عن البول في المغتسل مطلقا سواء كان له مسلك، أم لا، وسواء كان المكان صلبا، أو لينا، فإن الوسواس قد يحصل من البول في المغتسل الذي له مسلك أيضا، وكذلك قد يحصل الوسواس منه في المغتسل اللين والصلب كما لا يخفى. اهـ تحفة الأحوذي جـ ١/ ص١٠١.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله العلامة المباركفوري ﵀ تحقيق حقيق بالقبول. والله أعلم.
"المسألة الخامسة": أنه يستفاد من هذا الحديث منع البول في محل التطهر، وأنه يُطلب ممن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر أن يبين السبب ليقع كلامه عند المأمور والمنهي موقع القبول، وأنه يطلب من الإنسان البعد عما يضره، وأنه يطلب إيقاع الغسل والوضوء في محل طاهر، وأنه يطلب من الرئيس أن يُرشد رعيته إلى ما فيه صلاحهم، وترك ما لا خير فيه. أفاده في المنهل.
_________________
(١) أخرجه ٤/ ١٤٦٩، وفيه منصور بن عمار، منكر الحديث، وابن لهيعة أيضا.
[ ١ / ٥٧١ ]
"المسألة السادسة": قال العلامة محمود محمَّد خطاب السبكي في المنهل العذب المورود جـ ١/ ص ١٠٩:
اعلم أن رسول الله - ﷺ - كان أحرص الناس على هداية الأمة وإرشادهم إلى ما فيه فلاحهم دينا وأخرى، فلم يدع سبيلا يرشد إلى الخير إلا وقد أمر به، ولا طريقا يوصل إلى الشر إلا وقد نهى عنه، كما قال - ﷺ - "ما تركت شيئًا يقربكم إلى الله تعالى إلا وقد أمرتكم به، ولا شيئا يبعدكم عن الله تعالى إلا وقد نهيتكم عنه" رواه الطبراني في الكبير عن زيد بن أرقم.
وقد امتن الله تعالى على أمته ببعثته، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: آية ١٦٤] فهو - ﷺ - رحمة عامة، ونعمة تامة، فمن هدايته - ﷺ - وشفقته علينا نهيه لنا عن البول في محل الطهارة، وإعلامه أن عامة الوسواس منه ذلك الأمر الذي يترتب عليه الخروج عن هدي رسول الله - ﷺ - واستحواذ الشيطان على من قام به، حتى يوقعه في المشقة والعناء، فيخيل لمن رآه أن به جنونا، وحسبك أن فحول العلماء المحققين قد ألفوا في ذم الوسواس كتبا مستقلة، وأطالوا الكلام بما يشفي، ويكفي.
فمن ذلك: ما ذكره ابن قدامة المقدسي في كتابه ذم الموسوسين قال: إن طائفة من الموسوسين قد تحقق منهم طاعة الشيطان، حيث اتصفوا بوسوسته، وقبلوا قوله، وأطاعوه، ورغبوا عن اتباع رسول الله - ﷺ - وصحابته، حتى إن أحدهم ليرى أنه إذا توضأ وضوء رسول الله - ﷺ - أو صلى كصلاته فوضوؤه باطل، وصلاته غير صحيحة، ويرى أنه إذا فعل مثل فعل رسول الله - ﷺ - في مؤاكلة الصبيان، وأكل طعام عامة المسلمين
[ ١ / ٥٧٢ ]
أنه قد صار نجسا، يجب عليه تسبيع يده وفمه، كما لو ولغ فيها كلب، ثم إنه بلغ من استيلاء إبليس عليهم أنهم أجابوه إلى ما يشبه الجنون، ويقارب مذهب السوفسطائية الذين ينكرون حقائق الموجودات والأمور المحسوسات، وعلم الإنسان بحال نفسه من الأمور الضروريات اليقينيات، وهؤلاء يغسل أحدهم عضوه غسلا يشاهده ببصره، ويكبر ويقرأ بلسانه بحيث تسمعه أذناه، ويعلمه قلبه، بل يعلمه غيره منه، ويتقنه، ثم يشك هل فعل ذلك، وكذلك يشككه الشيطان في نيته التي يعلمها من نفسه يقينا، بل يعلمها غيره منه بقرائن أحواله، ومع هذا يقبل قول إبليس له أنه ما نوى الصلاة ولا أرادها مكابرة منه لعيانه، وجحدا ليقين نفسه حتى تراه مترددا متحيرا كأنه يعالج شيئا يجتذبه، أو يجد شيئا في باطنه يستخرجه، كل ذلك مبالغة في طاعة إبليس وقبول وسوسته، ومن انتهت طاعته لإبليس إلى هذا الحد، فقد بلغ النهاية في طاعته، ثم إنه يقبل قوله في تعذيب نفسه، ويطيعه في الإضرار بجسده تارة، بالغوص في الماء البارد، وتارة بكثرة استعماله، وإطالة العرك، وربما فتح عينيه في الماء البارد وغسل داخلهما حتى يضر ببصره، وربما أفضى إلى كشف عورته للناس، ووبما صار إلى حال يسخر منه الشيطان، ويستهزىء به من يراه.
وذكر أبو الفرج بن الجوزي عن أبي الوفاء بن عقيل: أن رجلا قال له: أنغمس في الماء مرارا كثيرة، وأشك هل صح لي الغسل، فما ترى في ذلك؟ فقال له الشيخ: اذهب فقد سقطت عنك الصلاة، قال: وكيف؟ قال: لأن النبي - ﷺ - قال "رفع القلم عن ثلاثة عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ، والنائم حتى يستيقظ، والصبي حتى يبلغ" رواه أحمد، وأبو داود، عن علي، وعمر ﵄، ومن ينغمس في الماء مرارا وشك هل أصابه الماء فهو مجنون، قال: وربما
[ ١ / ٥٧٣ ]
شغله بوسواسه حتي تفوته الجماعة، وربما فاته الوقت، ويشغله بوسوسته في النية حتى تفوته التكبيرة الأولى، وربما فوَّت عليه ركعة أو أكثر، ومنهم من يحلف أنه لا يزيد على هذه، ويكذب.
وحكى لي من أثق به عن موسوس عظيم رأيته أنا يكرر عقد النية مرارا، فيشق على المأمومين مشقة كبيرة، فعرض له أن حلف بالطلاق أنه لا يزيد على تلك المرة فلم يدعه إبليس حتى زاد، ففرق بينه وبين امرأته، فأصابه لذلك غم شديد وأقاما متفرقين دهرًا طويلا، حتى تزوجت تلك المرأة برجل آخر، وجاءه منها ولد، ثم إنه حنث في يمين حلفها، ففرق بينهما، وردت إلى الأول بعد أن كاد يتلف لمفارقتها.
وبلغني عن آخر كان شديد التنطع في التلفظ بالنية، فاشتد به التنطع والتشديد يوما إلى أن قال: أصلي أصلي مرارا صلاة كذا وكذا، وأراد أن يقول أداء فأعجم الدال، وقال أذاء لله، فقطع الصلاة رجل إلى جانبه، فقال: ولرسوله، وملائكته، وجماعة المصلين.
قال: ومنهم من يتوسوس في إخراج الحرف حتى يكرره مرارا، قال: فرأيت منهم من يقول الله أكككبر، قال: وقال لي إنسان منهم: قد عجزت عن قولي السلام عليكم، فقلت له: قل مثل ما قلت الآن وقد استرحت، وقد بلغ الشيطان منهم أن عذبهم في الدنيا والآخرة، وأخرجهم عن اتباع الرسول - ﷺ - وأدخلهم في جملة أهل التنطع والغلو، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فمن أراد التخلص من هذه البلية فليستشعر أن الحق في اتباع رسول الله - ﷺ - في قوله، وفعله، وليعزم على سلوك طريقته عزيمة من لا يشك أنه على الصراط المستقيم، وأن ما سوى ذلك فهو من تسويل إبليس ووسوسته، ويوقن أنه عدو له لا يدعوه إلى خير ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: آية ٦]
[ ١ / ٥٧٤ ]
وليترك التعريج على كل ماخالف طريقة رسول الله - ﷺ - كائنا ما كان فإنه لا شك أن رسول الله - ﷺ - كان على الصراط المستقيم، ومن شك في هذا فليس بمسلم. اهـ ملخصا، وقد أطال البحث في هذا المقام. اهـ المنهل جـ ١/ ص ١١١.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
[ ١ / ٥٧٥ ]