أي هذا باب في ذكر الحديث الدال على أن من سلم على من يبول لا يستحق الجواب. ثم إن ظاهر حديث الباب يدل على جواز السلام على من يبول، وكذا حديث الباب الذي بعده. لكن يعارضه حديث جابر عند ابن ماجه: "أن رجلًا مر على النبي - ﷺ - وهو يبول فسلم عليه، فقال له رسول الله - ﷺ -: إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم عليَّ فإنك إن فعلت ذلك لم أرد عليك".
فهذا يدل على عدم مشروعيته وأجيب بأن الحديث ضعيف، لأن في سنده سويد بن سعيد، وفيه مقال. قاله في المنهل. قال الجامع: قلت: لكن قال البوصيري: إسناده حسن، وسويد لم ينفرد به، فله متابع عن عيسى بن يونس في مسند أبي يعلى وغيره. اهـ وصححه الشيخ الألباني.
٣٧ - أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، وَقَبِيصَةُ، قَالَا: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ يَبُولُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ ﵇.
رجال الإسناد: سبعه
١ - "محمود بن غيلان" بفتح الغين وسكون الياء العدوي مولاهم
[ ١ / ٥٧٦ ]
أبو أحمد المروزي الحافظ، عن ابن عيينة، والفضل بن موسى، وأبي معاوية، وخلق. وعنه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، ووثقه، وابن ماجه، وخلق. قال أحمد: صاحب سنة، قال البخاري: مات سنة ٢٣٩. اهـ صه، من الطبقة [١٠].
٢ - "زيد بن الحُباب" بضم أوله وبموحدتين العُكْلي، أبو الحسين الخراساني الكوني الحافظ الجوّال، دخل الأندلس في طلب العلم، وجاب البلاد، روى عن مالك بن مغول، وقرة بن خالد، وأسامة بن زيد، وحسين بن واقد، وخلق. وروى عنه أحمد، وابن المديني، وسلمة بن شبيب، ومحمد بن رافع، وخلق. وثقه ابن المديني، وأبو حاتم. قال ابن معين: ثقة يقلب حديث الثوري، توفي سنة ثلاث ومائتين اهـ صه، من [٩].
٣ - "قبيصة" بفتح القاف وكسر الباء بن عقبة بن محمَّد بن سفيان بن عقبة السوائي أبو عامر الكوفي الحافظ، روى عن فطر بن خليفة، ويونس بن أبي إسحاق. وعنه البخاري، وأحمد، ومحمود بن غيلان، وثقه ابن معين إلا في الثوري، وقال ابن نمير: لوحدثنا قبيصة عن النخعي لقبلناه، أي وهو أقدم من الثوري، وحديثه عنه في البخاري، قال مطين: مات سنة ٢١٥، أخرج له الجماعة ج صه من [٩].
٤ - "سفيان" بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد الله ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة من رؤوس الطبقة السابعة وكان ربما دلس، مات سنة ١٦١، وله ٦٤ سنة، وستأتي ترجمته بأطول من هذا في ٨٩/ ١١١.
٥ - "الضحاك بن عثمان" بن عبد الله بن خالد بن حزَام بكسر المهملة الأسدي الحزامي أبو عثمان المدني، يروي عن إبراهيم بن حنين، وسعيد المقبري، وزيد بن أسلم، ونافع. وعنه الثوري، وابن وهب،
[ ١ / ٥٧٧ ]
ويحيى القطان، وزيد بن الحباب، وخلق. وثقه ابن معين، وأبو داود، وابن سعد، وقال: توفي بالمدينة سنة ثلاث وخمسين ومائة، وقال أبو زرعة: ليس بقوي، أخرج له مسلم، والأربعة اهـ، صه وفي التقريب صدوق يهم من السابعة. اهـ.
٦ - "نافع" العدوي مولى ابن عمر المدني ثقة من [٣] تقدم. في ١٢/ ١٢.
٧ - "عبد الله بن عمر" بن الخطاب ﵄ تقدم، في ١٢/ ١٢.
لطائف الإسناد
فيه: أنه من سداسيات المصنف، وأن رواته ما بين مروزي، وهو الأول، وكوفيين وهم الثلاثة بعده، ومدنيين وهم من الضحاك إلى آخره، وفيه من صيغ الأداء الإخبار، والتحديث، والإنباء، والعنعنة، والقول.
شرح الحديث
"عن ابن عمر" بن الخطاب ﵄ أنه "قال: مر رجل على النبي - ﷺ -" هو أبو الجهيم بالتصغير عبد الله بن الحارث بن الصمة كما بينه الشافعي رحمه الله تعالى في روايته لهذا الحديث من طريق الأعرج، وصرح به في مشكاة المصابيح. قال في باب التيمم، وعن أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة قال "مررت على النبي - ﷺ - وهو يبول، فسلمت عليه فلم يرد عليَّ حتى قام إلى جدار فحته بعصا كانت معه ثم وضع يديه على الجدار، فمسح وجهه وذراعيه، ثم رد عليَّ" ذكره البغوي في شرح السنة:، وقال: هذا حديث حسن. اهـ. ويحتمل أن يكون المراد بالرجل هو المهاجر بن قنفذ الآتي في الباب التالي. ومعنى مر عليه: اجتاز عليه،
[ ١ / ٥٧٨ ]
يقال: مررت يزيد، وعليه مَرًا ومُرورا وممَرًا: اجتزت. قاله في المصباح.
وعبارة القاموس وشرحه: مرَّ عليه يمر، مرا، ومرورا. جاز، ومَرَّ مَرًا، ومُرورا: ذهب كاستمر، وقال ابن سيده: مر يمر مرا ومرورا: جاء وذهب، ومره، ومر به جاز عليه، وهذا قد يجوز أن يكون مما يتعدى بحرف وغير حرف، ويجوز أن يكون مما حذف فيه الحرف فأوصل الفعل، وعلى هذين الوجهين يحمل بيت جرير (من الوافر):
تَمُرُّونَ الدِّيَارَ وَلَمْ تَعُوجُوا كَلامُكُمُو عَلَيَّ إذَنْ حَرَامُ
وقال بعضهم: إنما الرواية مَرَرْتم بالدِّيَار ولم تَعُوجوا فدل هذا على أنه فرق من تعديه بغير حرف، وأما ابن الأعرابي فقال: مر زيدا في معنى مر به، لا على الحذف، ولكن على التعدي الصحيح، ألا ترى أن ابن جني قال: لا تقولوا مررت زيدا في لغة مشهورة إلا في شيء حكاه ابن الأعرابي، قال: ولم يروه أصحابنا. اهـ ق وتاج جـ ٣/ ص ٥٣٧.
"وهو" - ﷺ - "يبول" جملة حالية أي والحال أن النبي - ﷺ - يبول "فسلم" ذلك الرجل "عليه" - ﷺ - "فلم يرد" النبي - ﷺ - "عليه" أي الرجل المسلم "السلام" يحتمل أنه أخر الرد حتى تطهير كما في الرواية الآتية في الباب الآتي، تعظيما لذكر اسم الله؛ لأن السلام اسم من أسماء الله كما ورد في الحديث، ويؤيده أن في رواية أبي داود وغيره زيادة "ثم اعتذر إليه، فقال: إني كرهت أن أذكر الله تعالى إلا على طهر".
ويحتمل أنه ترك الرد عليه أصلا تأديبا له، ويؤيده ما أخرجه ابن ماجه من طريق جابر قال "إن رجلا مر على النبي - ﷺ - وهو يبول فسلم عليه، فقال له رسول الله - ﷺ - إذا رأيتني على مثل هذه الحال فلا تسلم عليَّ فإنك إن فعلت ذلك لم أرد عليك" وفي سنده سويد بن سعيد وفيه مقال إلا أنه لم ينفرد به.
[ ١ / ٥٧٩ ]
قال الحافظ أبو بكر البوصيري في مصباح الزجاجة: هذا إسناد حسن؛ لأن سويدا لم ينفرد به فله متابع عن عيسى بن يونس في مسند أبي يعلى وغيره اهـ، ١/ ١٤٩. وقد مر قريبا.
وقال العلامة السندي: ويحتمل أنه ترك الرد أحيانا، وأخره أحيانا
على حسب اختلاف الناس في التأديب وغيره اهـ جـ ١/ ص ٣٧.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"المسألة الأولى": في درجته: حديث ابن عمر ﵄ أخرجه مسلم.
"المسألة الثانية": في بيان موضع ذكره عند المصنف، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه المصنف هنا -٣٣/ ٣٧ - بالسند المذكور، وأخرجه مسلم في الطهارة عن محمَّد بن عبد الله بن نُمَيْر، عن أبيه، عن سفيان، عن الضحاك بن عثمان، عن نافع، عن ابن عمر ﵄.
وأخرجه أبو داود فيه أي الطهارة عن أبي بكر، وعثمان ابني شيبة كلاهما عن عمر بن سعد الحَفَري، والترمذي فيه أي الطهارة، وفي الاستئذان عن نصر بن علي، ومحمد بن بشار كلاهما عن أبي أحمد الزُّبَيري، وفي الاستئذان أيضا عن محمَّد بن يحيى النيسابوري. عن محمَّد بن يوسف، وابن ماجه في الطهارة عن عبد الله بن سعيد، والحسين بن أبي السَّريّ، كلاهما عن أبي داود الحَفَري، كلهم عن سفيان الثوري، عن الضحاك بن عثمان به. أفاده الحافظ المزي. وأخرجه أحمد، والبيهقي.
"المسألة الثالثة": زاد أبو داود من طريق ابن عمر وغيره "أن النبي - ﷺ -
[ ١ / ٥٨٠ ]
تيمم ثم رد على الرجل السلام" فيستفاد من مجموع الأحاديث كراهة ذكر الله تعالى حال قضاء الحاجة، ولو كان واجبا باعتبار الأصل كرد السلام، وكونُ المسلم في هذا الحال لا يستحق جوابا، وهذا متفق عليه، وأما رده - ﷺ - بعد ذلك فمن مكارم أخلاقه، ولذا نهى ذلك الرجل عن السلام عليه، وإن سلم فلا يرد عليه، كما قدمناه في حديث ابن ماجه.
قال العلماء: وكما لا يرد السلام حال قضاء الحاجة لا يشمت العاطس، ولا يحمد الله تعالى إذا عطس، ولا يجيب المؤذن، وكذا لا يأتي بشيء من ذلك حال الجماع، وإذا عطس في هذه الأحوال يحمد الله تعالى في نفسه، ولا يحرك به لسانه.
وكراهة الذكر في هذه الأحوال كراهة تنزيه، لا تحريم كما عليه الأكثرون.
وحكي عن إبراهيم النخعي، وابن سيرين، أنه لا بأس بالذكر حال قضاء الحاجة، لكن لا وجه لهما. اهـ المنهل جـ ١/ ص ٦٧.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
[ ١ / ٥٨١ ]