أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية رد السلام على من سلم على من يبول بعد الوضوء.
ذكر المصنف في الباب المتقدم السلام على من يبول وذكر هنا الرد بعد الوضوء، وكأنه والله أعلم يشير إلى أن عدم رده - ﷺ - المذكور في الحديث الأول ليس إبطالا للسلام، بل المراد أنه أخر جوابه حتى يكون على أكمل حال.
والحاصل: أن المفهوم من الترجمتين كون المسلم على من يبول لا يستحق جوابا في الحال بل بعد إنتهاء البول والطهارة.
لكن قدمنا في حديث ابن ماجه أنه لا يستحق جوابا فيحتمل أنه لا يستحق جوابا في الحال، ويحتمل أنه لا يستحق أصلا ويكون رده - ﷺ - بعد الوضوء من مكارم أخلاقه - ﷺ -، وهذا الثاني هو الأقرب، لحديث ابن ماجه المتقدم، فتبصر.
٣٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ حُضَيْنٍ أَبِي سَاسَانَ، عَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ: أَنَّهُ سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ يَبُولُ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَوَضَّأَ، فَلَمَّا تَوَضَّأَ رَدَّ عَلَيْهِ.
[ ١ / ٥٨٢ ]
رجال الإسناد: سبعة
١ - "محمَّد بن بشار" بن عثمان العَبْدي أبو بكر البصري الحافظ بُنْدار بضم الباء وفتحها وسكون النون أحد أوعية السنة، عن المعتمر، ويزيد بن زريع، وغندر، ويحيى القطان، وخلق من طبقتهم. وعنه الجماعة، وابن خزيمة، وابن صاعد، وخلق، قال الخطيب: كان يحفظ حديثه، وقال ابن خزيمة: حدثنا الإمام محمَّد بن بشار، وقال العجلي: بندار ثقة كثير الحديث، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: لا بأس به، وقال الذهبي: انعقد الإجماع بعدُ على الاحتجاج ببندار، مات سنة ٢٥٢.اهـ صه بزيادة يسيرة [١٠] وتقدم في ٢٤/ ٢٧.
٢ - "معاذ بن معاذ" التميمي العنبري أبو المُثَنَّى البصري الحافظ قاضي البصرة. عن سليمان التيمي، وحميد، وابن عون، وخلق. وعنه أحمد، وإسحاق، وابن المديني، وابن معين، وخلق. قال القطان: ما بالبصرة ولا بالكوفة ولا بالحجاز أثبت من معاذ بن معاذ.
قال ابن سعد: مات سنة ست وتسعين ومائة، من كبار [٩]. أخرج أحاديثه الجماعة اهـ صه ج ٣/ ص ٣٧.
٣ - "سعيد" هو ابن أبي عروبة واسم أبيه مهران اليشكري مولاهم أبو النضر البصري الحافظ العلم، عن الحسن، والنضر بن أنس، حديثا واحدا، وأبي التَّيَاح، ومطر الورَّاق. وخلق. وعنه شعبة، وابن علية، ويزيد بن زريع، ومحمد بن جعفر، وخلق. قال أحمد: قدري لم يكن له كتاب إنما كان يحفظ، وقال ابن معين: ثقة من أثبتهم في قتادة، وقال أبو حاتم: ثقة قبل أن يختلط، وقال دُحيم: اختلط سنة خمس وأربعين ومائة، وقال النسائي: لم يسمع من عمرو بن دينار
[ ١ / ٥٨٣ ]
وزيد بن أسلم، والحكم بن عُتيبة، قال عبد الصمد بن عبد الوارث: مات سنة ١٥٦، أخرج له الجماعة اهـ صه. من [٧].
٤ - "قتادة" بن دعامة بالكسر، أبو الخطاب البصري ثقة ثبت تقدم. في ٣٠/ ٣٤ رأس الطبقة [٤].
٥ - "الحسن" بن أبي الحسن يسار البصري العلم المشهور ثقة حجة من [٣] تقدم في ٣٢، ٣٦.
٦ - "حضين" بضاد معجمة مصغرا ابن المنذر بن الحارث الرَّقَاشي "أبو ساسان" بمهملتين وهو لقب وكنيته أبو محمد، كان من أمراء علي بصفين، وهو ثقة من الثانية، مات على رأس المائة اهـ تقريب، ١/ ٧٧، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، قال أبو أحمد العسكري: لا أعرف من يُسمَّى حضينا بالضاد غيره، وحكى مغلطاي أنه قيل فيه بالصاد المهملة، قال الشيخ ولي الدين: وفيه نظر. من الثانية.
٧ - "المهاجر بن قنفذ" بضم القاف والفاء بينهما نون ساكنة ابن عمير ابن جُدعان بضم فسكون التيمي صحابي أسلم يوم الفتح، وولاه عثمان شرطته أفاده في التقريب. وفي المنهل قيل إن اسم المهاجر عمرو، واسم قنفذ خلف، وإن مهاجرا وقنفذا لقبان، وإنما قيل له المهاجر لأنه لما أراد الهجرة أخذه المشركون، فعذبوه، ثم هرب منهم، وقدم على رسول الله - ﷺ - مسلما، فقال رسول الله - ﷺ - "هذا المهاجر حقا، وقيل: إنه أسلم يوم فتح مكة، وسكن البصرة، ومات بها. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه. اهـ.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سباعيات المصنف.
[ ١ / ٥٨٤ ]
ومنها: أن رواته كلهم بصريون.
ومنها: أنهم ثقات.
ومنها: أن فيه رجلا لا يشاركه في اسمه أحد وهو حضين كما أشار إليه السيوطي في الألفية بقوله:
وليسَ في الرُّوَاه من حُضَيْن إلا أبُو سَاسَانَ عَنْ يَقين
ومنها: أن شيخ المصنف هو أحد المشايخ الذين اشترك أصحاب الأصول في الأخذ عنهم، وهم تسعة نظمتهم بقولي:
اشْتَرَكَ الأئمَّةُ الهُدَاةُ … ذَوُو الأصُول السِّتَّة الوُعَاةُ
في تسْعَة منَ الشُّيُوخ المَهَرَهْ البَارعينَ النَّاقدينَ البَرَرَه
أولئكَ الأشَجُّ وابنُ مَعْمَر … نَضْرٌ ويَعْقُوبُ وعَمْروٌ السَّري
وابنُ العَلاء وابنُ بَشَّار كَذَا ابنُ المُثَنَّى وزيَادٌ يُحْتَذَى
شرح الحديث
"عن المهاجر" بصيغة اسم الفاعل "ابن قنفذ" بضم القاف والفاء بينهما نون ساكنة ﵁ "أنه" أي المهاجر "سلم على النبي - ﷺ - وهو" الواو للحال أي والحال أنه - ﷺ - "يبول" وكذا في رواية أبي داود ومثله رواية أبي الجُهَيم عند البغوي في شرح السنة، ورواية أبي هريرة عند ابن ماجه، والظاهر من هذه الروايات أن السلام كان حال قضاء الحاجة، وظاهر رواية أحمد، وابن ماجه، والبيهقي من حديث المهاجر بن قنفذ "أنه سلم على رسول الله - ﷺ - وهو يتوضأ فلم يرد عليه" الحديث.
وثبت في رواية الشيخين وغيرهما من حديث أبي الجهيم، وابن عمر، وابن عباس أن السلام كان بعد قضاء الحاجة.
[ ١ / ٥٨٥ ]
قال في المنهل: ولا تنافي بين هذه الروايات لأن الواقعة متعددة اهـ جـ ١/ ص ٧٠. وسيأتي قريبا جمع آخر في قول ابن العربي، إن شاء الله تعالى.
"فلم يرد عليه" سلامه لأن السلام اسم من أسماء الله تعالى، ففي حديث أنس مرفوعا "إن السلام اسم من أسماء الله تعالى وضع في الأرض فأفشوا السلام بينكم" رواه البخاري في الأدب المفرد، فكره - ﷺ - أن يذكر الله تعالى إلا على طهارة، بل آخره "حتى توضأ فلما توضأ رد عليه" وفي رواية أبي داود "ثم اعتذر إليه، فقال إني كرهت أن أذكر الله تعالى إلا على طهر" واعتذاره - ﷺ - إليه تطييب لقلبه إذ أخر رد سلامه إلى أن فرغ من الوضوء وإلا فترك الرد حال البول لا يعتذر منه، لأن السلام في مثل هذه الحال غير مشروع كما قدمناه في رواية ابن ماجه بإسناد حسن، أنه - ﷺ - قال لمن سلم عليه وهو يبول: "إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم عليَّ فإنك إن فعلت ذلك لم أرد عليك".
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"المسألة الأولى": في درجته: حديث المهاجر ﵁ صحيح.
"المسألة الثانية": في بيان موضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٤/ ٣٨ - وفي الكبرى ٢٨/ ٣٧ عن محمَّد بن بشار، عن معاذ بن معاذ، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن حضين بن المنذر، عن المهاجر ﵁. وأخرجه أبو داود في الطهارة عن محمَّد بن المثنى، عن عبد الأعلى، عن سعيد بسند المصنف، وأخرجه ابن ماجه فيه عن إسماعيل بن محمَّد الطَّلْحي،
[ ١ / ٥٨٦ ]
وأحمد بن سعيد الدارمي، كلاهما عن روح، عن سعيد، الخ. أفاده المزي. وأخرجه أحمد، والبيهقي.
"المسألة الثالثة": أنه وقع هنا وفي الباب السابق أن السلام كان في حالة البول ووقع في رواية ابن ماجه، وأحمد من حديث المهاجر أنه سلم عليه وهو يتوضأ، ووقع عند أبي داود في باب التيمم من رواية محمَّد بن ثابت العبدي عن نافع، عن ابن عمر قال "مر رجل على رسول الله - ﷺ - في سكَّة من السِّكك، وقد خرج من غائط، أو بول، فسلم عليه، فلم يرد عليه" وهذا صريح في أن السلام كان بعد البول.
فالتوفيق بين هذه الروايات أن تحمل رواية وهو يتوضأ على مقدماته وهو البول بطريق الاستعارة.
وأما رواية وقد خرج من غائط أو بول فلا تُعارض غيرها لأن في سندها محمَّد بن ثابت العبدي قال ابن العربي في شرح الترمذي بعد ذكر رواية الضحاك بن عثمان عن نافع التي تقدمت في الباب السابق هذا حديث صحيح اتفق عليه العلماء، فلا تُعارض حديثَ الصحيحين أو أحدهما روايةُ السنن على أن كل الروايات موافقة له، ومحمد بن ثابت العبدي ضعيف الحديث، أو تكونان واقعتين مختلفتين اهـ.
"المسألة الرابعة": دل قوله - ﷺ - "إني كرهت أن اذكر الله ﷿ إلا على طهر" على كراهة ذكر الله حال قضاء الحاجة ولو كان واجبا كرد السلام ولا يستحق المسلم في تلك الحالة جوابا، قال النووي ﵀: وهذا متفق عليه. اهـ. لكن قدمنا عن إبراهيم وابن سيرين عدم كراهة الذكر حال قضاء الحاجة فتأمل.
وفيه أنه ينبغي لمن سلم عليه في تلك الحال أن يَدَعَ الرد حتى يتوضأ، أو يتيمم، ثم يرد، وهذا إذا لم يخش فوت المسلم، أما إذا خشي فوته
[ ١ / ٥٨٧ ]
فالحديث لا يدل على المنع، لأن النبي - ﷺ - تمكن من الرد بعد أن توضأ أو تيمم على اختلاف الرواية، فيمكن أن يكون تركه لذلك طلبا للأشرف وهو الرد حال الطهارة.
ويبقى الكلام في الحمد حال العطاس فالقياس على التسليم المذكور في حديث الباب وكذلك التعليل بكراهة الذكر إلا على طهر يشعران بالمنع من ذلك، ولكن ظاهر حديث "إذا عطس أحدكم فليحمد الله" يشعر بشرعيته في جميع الأوقات التي منها وقت قضاء الحاجة فهل يخصص عموم كراهة الذكر المستفادة من المقام بحديث العطاس، أو يجعل الأمر بالعكس، أو يكون بينهما عموم وخصوص من وجه فيتعارضان فيه تردد، وقد قيل: إنه يحمد بقلبه وهو المناسب لتشريف مثل هذا الذكر وتعظيمه وتنزيهه قاله الشوكاني، ١/ ١١٩، ١٢٠.
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجح لديَّ أنه يؤخر الحمد إلى أن يفرغ كما فعل النبي - ﷺ - في رد السلام جمعا بين المصلحتين، إذ كل منهما واجب فإذا لم يمكن أداؤه في الحال استدركه فيما بعدُ، وأما الحمد بالقلب فلا يسقط الطلب بالحمد اللفظي ما دام ممكنا والله أعلم.
وفي الحديث أيضا: بيان ما كان عليه النبي - ﷺ - من مكارم الأخلاق وعظيم الشِّيَم وكمال الشفقة.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
[ ١ / ٥٨٨ ]