أي هذا باب ذكر الحديث الدال على النهي عن الاستطابة بالعظم.
والاستطابة: الاستنجاء، يقال: استطاب، وأطاب إطابة أيضا: إذا استنجى؛ لأن المستنجى تَطيب نفسه بإزالة الخبث عن المخرج. أفاده في المصباح.
والعظم: بفتح فسكون جمعه عظام، وأعظم، مثل سهام، وأسهم. أفاده في المصباح، والمناسبة بين البابين من حيث إن الاستطابة يطلب لإزالة البول ونحوه، والأبواب تسلسلت في موضوع البول والبحث عن السلام عنده، والردّ بعده.
٣٩ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ بْنِ سَنَّةَ الْخُزَاعِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى أَنْ يَسْتَطِيبَ أَحَدُكُمْ بِعَظْمٍ، أَوْ رَوْثٍ.
رجال الإسناد: سته
١ - "أحمد بن عمرو بن السرح" هو أحمد بن عمرو بن عبد الله ابن عمرو بن السَّرْح بمهملات، الثانيةُ ساكنة، الأموي مولاهم أبو الطاهر المصري الفقيه. عن ابن عيينة، والوليد بن مسلم، ووكيع، وابن القاسم، والشافعي، وخلق، وعنه مسلم، وأبو داود،
[ ١ / ٥٨٩ ]
والنسائي، وابن ماجه، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وقالا: لا بأس به. ووثقه أبو داود، والنسائي، وقال علي بن الحسن بن خلف بن فديد: كان ثقة ثبتا صالحا، وقال ابن يونس: كان فقيها من الصالحين الأثبات، توفي سنة تسع وأربعين، وقيل سنة ٢٥٠ من [١٠].
٢ - "ابن وهب" هو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي، أبو محمد البصري الفهري ثقة حافظ عابد من [٩] تقدم في ٩/ ٩.
٣ - "يونس" بن يزيد الأيلي ثقة من [٧] ثقة تقدم. في ٩/ ٩.
٤ - "ابن شهاب" أبو بكر محمَّد بن مسلم الزهري العلم المشهور [٤] تقدم. في ١/ ١.
٥ - "أبو عثمان بن سَنَّة الخُزَاعي" بفتح السين المهملة وتشديد النون الدمشقي مقبول من الثانية، ووهم من زعم أن له صحبة، فإن حديثه مرسل، وأخرج له المصنف، وابن ماجه في تفسيره. قاله في التقريب.
٦ - "عبد الله بن مسعود" بن غافل -بمعجمة ثم فاء مكسورة بعد الألف- بن حبيب بن شَمْخ -بفتح المعجمة الأولى وسكون الميم- بن مخرمة بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل الهذلي أبو عبد الرحمن الكوفي، أحد السابقين الأولين، وصاحب النعلين، شهد بدرا والمشاهد، وروى ثمانمائة حديث وثمانية وأربعين حديثا، اتفقا على أربعة وستين، وانفرد البخاري بأحد وعشرين، ومسلم بخمسة وثلاثين، وروى عنه خلق من الصحابة، ومن التابعين علقمة، ومسروق، والأسود، وقيس بن أبي حازم، والكبار، تلقن من النبي - ﷺ - سبعين سورة، قال علقمة: كان يشبه النبي - ﷺ - في هديه، ودله وسمته، قال أبو نعيم: مات بالمدنية سنة ٣٢ عن بضع وستين سنة، أخرج أحاديثه الجماعة اهـ صه، جـ ١/ ص ٩٩.
[ ١ / ٥٩٠ ]
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أن رواته ما بين مصريَّين وهما الأول والثاني، وأيلي وهو يونس، ومدنيين وهما ابن شهاب والصحابي، ودمشقي وهو ابن سنة.
ومنها: أن فيه راويا انفرد المصنف بإخراج حديثه في الأصول الستة وهو أبو عثمان بن سنة الخزاعي.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي.
ومنها: أن أبا عثمان هذا قال الذهبي في الميزان ما أعرف روى عنه غير الزهري، وقال أبو زرعة الرازي: لا أعرف اسمه. قاله في تهذيب الكمال.
تنبيه: قد وهم من عد ابن مسعود من العبادلة لأنه مات قبل أن يشتهر هذا اللقب.
شرح الحديث
"عن عبد الله بن مسعود" الهُذَلي ﵁ "أن رسول الله - ﷺ - نهى" قال في المختار نهاه عن كذا ينهاه نَهْيًا، وانتهي عنه، وتناهى: أي كف. اهـ. وفي المصباح نهيته عن الشيء أنهاه نهيا فانتهى عنه، ونهوته نهوا لغة، ونهى الله تعالى أي حَرَّم اهـ.
أي منع النبي - ﷺ - "أن" مصدرية "يستطيب أحدكم" أي يستنجي، قال في لسان العرب: الاستطابة والإطابة كناية عن الاستنجاء، وسمي بهما من الطيب، لأنه يطيب جسده بإزالة ما عليه من الخبث بالاستنجاء، أي يطهره، ويقال منه: استطاب الرجل، فهو مستطيب، وأطاب نفسه فهو مطيب، قال الأعشي (من الرجز):
[ ١ / ٥٩١ ]
يَارَخَمًا قَاظَ عَلَى مَطْلُوبِ … يُعْجلُ كَفَّ الخَارِيءِ المُطِيبِ اهـ.
وأن وصلتها في تأويل المصدر مجرور بحرف جر محذوف قياسا كما قال ابن مالك:
وَعَدِّ لازمًا بحَرْف جَرٍّ … وإنْ حُذفْ فَالنَّصْبُ للمُنْجَرِّ
نَقْلا وفي أنَّ وأنْ يَطَّردُ … مَعْ أمْن لَبْس كَعَجبْتُ أنْ يَدُوا
أي نَهَى عن استطابة أحدكم، وهو يشمل المذكور والإناث "بعظم أو روث" بفتح فسكون، قال ابن سيده: الروث رجيع ذي الحافر، والجمع أرواث. اهـ لسان، وفي المصباح رَاثَ الفرسُ ونحوه رَوْثا، من باب قال، والخارج رَوْث تسميةً بالمصدر، والروثة الواحدة. اهـ.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"المسألة الأولى": في درجته: حديث عبد الله بن مسعود ﵁، وإن كان في سنده أبو عثمان بن سنة. وهو كما في التقريب مقبول لكن لحديثه شواهد عند الشيخيين وغيرهما فيكون صحيحا.
فقد أخرج البخاري في باب ذكر الجن عن أبي هريرة ﵁ "أنه كان يحمل مع النبي - ﷺ - إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها قال: مَن هذا؟ قال: أنا أبو هريرة، قال: ابغني أحجارًا استنفض بها، ولا تأتني بعظم، ولا بروثة، فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي حتى وضعت إلى جنبه، ثم انصرفت حتى إذا فرغ مشيت، فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: هما من طعام الجن، وإنه أتاني وَفْد جن نصيبين، ونعم الجن، فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمرُّوا بعظم ولا بروثة، إلا وجدوا عليها طعاما".
وأخرج مسلم، وأحمد، عن ابن مسعود ﵁ "أن النبي - ﷺ -
[ ١ / ٥٩٢ ]
قال: أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن، وقال: فانطلق بنا، فأرانا آثارهم، وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد، فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفرَ ما يكون لحما، وكل بَعْرة علف لدوابكم، فقال رسول الله - ﷺ -: فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم" ورواه أيضا أبو داود، والحاكم، والدارقطني.
وأخرج مسلم، وأبو داود، وأحمد، عن جابر ﵁ قال: "نهى النبي - ﷺ - أن يتمسح بعظم أو بعرة".
وعن أبي هريرة "أن النبي - ﷺ - نهى أن يستنجى بروث أو بعظم، وقال: إنهما لا يطهران" رواه الدارقطني، وقال: إسناده صحيح.
وقد ورد في الباب أحاديث متعددة مصرحة بالنهي عن العظم والروث. قاله الشوكاني ﵀.
وقال الحافظ في التلخيص: وفي الباب عن الزبير بن العوَّام رواه الطبراني بسند ضعيفه، وعن سلمان رواه مسلم، وعن رُوَيفع بن ثابت رواه أبو داود، والنسائي، وعن سهل بن حُنيف رواه أحمد وإسناده واه، وعن رجل من الصحابة رواه الدارقطني وزاد فيه "أو جلد" قال: ولا يصح ذكر الجلد فيه، وروى ابنُ خزيمة، والدارقطني من طريق الحسن بن فرات، عن أبيه، عن أبي حازم الأشجعي، عن أبي هريرة "أن النبي - ﷺ - نهى أن يستنجى بعظم أو روث وقال: إنهما لا يطهران" اهـ جـ ١/ ص ١٠٩.
"المسألة الثانية": حديث الباب بهذا السند مما انفرد به المصنف من بين الستة كما أشار إليه أبو الحجاج المزي في التحفة جـ ٧/ ص ١٦٧.
"المسألة الثالثة": في اختلاف العلماء فيما دل عليه الحديث.
[ ١ / ٥٩٣ ]
دل حديث الباب والأحاديث التي ذكرناها على منع الاستنجاء بالعظم والروث.
وقد اختلف العلماء في ذلك فقال الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحق، والظاهرية: لا يصح الاستنجاء بهما، واستدلوا بهذه الأحاديث وغيرها.
وذهب بعض البغداديين إلى جواز ذلك، وهو قول أبي حنيفة، قال في البدائع: فإن فعل يعني الاستنجاء بالعظم يعتد به عندنا، فيكون مقيما للسنة، ومرتكبا للكراهة. اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: ويرده ما رواه الدارقطني، وصححه عن أبي هريرة كما تقدم قريبا. وفيه وقال "إنهما لا يطهران" فإنه نص صريح في عدم الجواز.
وقال الحافظ في الفتح: من قال: علة النهي عن الروث كونه نجسا ألحق به كل نجس، ومتنجس، وعن العظم كونه لزجا فلا يزيل إزالة تامة ألحق به ما في معناه كالزجاج الأملس، ويؤيده ما رواه الدارقطني، وصححه من حديث أبي هريرة، فذكر الحديث الذي مر آنفا.
وقال النووي في شرح مسلم: نبه النبي - ﷺ - بالرجيع على جنس النجس، فإن الرجيع هو الروث، وأما العظم فلكونه طعاما للجن فنبه به على جميع المطعومات، وتلحق به المحترمات، كأجزاء الحيوان، وأوراق كتب العلم، ولا فرق في النجس بين المائع والجامد. فإن استنجى بنجس لم يصح استنجاؤه، ووجب عليه بعد ذلك الاستنجاء بالماء ولا يجزئه الحجر؛ لأن الموضع صار نجسا بنجاسة أجنبية، ولو استنجى بمطعوم أو غيره من المحترمات الطاهرات فالأصح أنه لا يصح استنجاؤه، ولكن يجزئه الحجر بعد ذلك إن لم يكن نقل النجاسة من
[ ١ / ٥٩٤ ]
موضعها، وقيل: إن استنجاءه الأول يجزئ مع المعصية. اهـ.
وقال الشوكاني: قيل: والعلة في النهي عن العظم اللزوجة المصاحبة له التي لا يكاد يتماسك معها، وقيل: عدم خلوه في الغالب عن الدسومة، وقيل: لكونه طعام الجن، وهذا هو المتعين لورود النص به فيلحق به سائر المطعومات، وأما الروث فعلة النهي عنه النجاسة، والنجاسة لا تزال بمثلها. اهـ نيل جـ ١/ ص ١٥٠.
وقال الصنعاني في سبل السلام: وعلل هنا بأنهما لا يطهران، وعلل بأنهما طعام الجن، وعللت الروثة بأنها ركس، والتعليل بعدم التطهير فيها عائد إلى كونها ركسا، وأما عدم تطهير العظم فلأنه لزج لا يكاد يتماسك، فلا ينشف النجاسة، ولا يقطع البلة، ولما علَّلَ - ﷺ - بأن العظم والورثة طعام الجن قال له ابن مسعود: "وما يغني عنهم ذلك يا رسول الله؟ قال: إنهم لا يجدون عظمًا إلا وجدوا عليه لحمه الذي كان يوم أخذ، ولا وجدوا روثا إلا وجدوا فيه حَبَّهُ الذي كان يوم أكل" رواه أبو عبد الله الحاكم في الدلائل، ولا ينافيه ما ورد أن الروث علف لدوابهم كما لا يخفى. اهـ. أي لإمكان حمل الطعام فيه على طعام الداوب اهـ المنهل، جـ ١/ ص ١٤٥.
وقال المجد ابن تيمية في المنتقى: وفيه تنبيه على النهي عن إطعام الدواب النجاسة اهـ.
قال الشوكاني: لأن تعليل النهي عن الاستنجاء بالبعرة بكونها طعام داوب الجن يشعر بذلك اهـ، جـ ١ / ص ١٥١.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
[ ١ / ٥٩٥ ]