أي هذا باب ذكر الحديث الدال على النهي عن الاستنجاء بالروث وتقدم معنى الاستطابة في الباب السابق.
٤٠ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى -يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ- عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْقَعْقَاعُ عَنْ أَبِى صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: "إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ أُعَلِّمُكُمْ، إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْخَلَاءِ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا، وَلَا يَسْتَنْجِ بِيَمِينِهِ، وَكَانَ يَأْمُرُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، وَنَهَى عَنِ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ.
رجال الإسناد: ستة
١ - "يعقوب بن إبراهيم" بن كثير العبدي الدَّوْرَقي الحافظ أخو أحمد الحافظ أبو يوسف البغدادي، رَوَى عن يحيى بن أبي زائدة، ومعتمر بن سليمان، وعبد العزيز بن أبي حازم، وخلق. وعنه الجماعة، قال الخطيب: كان ثقة حافظا متقنا صنف المسند، قال السراج: مات سنة ٢٥٢. اهـ صه من [١٠]، وتقدم في ٢١/ ٢٢.
٢ - "يحيى بن سعيد" بن فَرُّوخ القطان أبو سعيد البصري الثقة العلم
[ ١ / ٥٩٦ ]
من كبار [٩] تقدم في ٤/ ٤.
٣ - "محمَّد بن عجلان" القرشي، أبو عبد الله المدني، أحد العلماء العاملين، عن أنس، وأبي حازم الأعرج، وعكرمة، وطائفة، وعنه عبد الوهاب بن بَخْت، ومنصور، وشعبة، والثوري، ومالك، وخلق، وثقه أحمد، وابن معين، وذكره البخاري في الضعفاء، وحُمل به ثلاث سنين، توفي سنة ١٤٨، أخرج له الأربعة، وروى له البخاري تعليقا ومسلم متابعة. اهـ صه.
وقال في التقريب: صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة من الخامسة.
وقال يحيي القطان: كان مضطربا في حديث نافع، وقال مالك: لما بلغه أن ابن عجلان حدث بحديث "خلق الله آدم على صورته" لم يكن ابن عجلان يعرف هذه الأشياء، ولم يكن عالما، ولكن لابن عجلان فيه متابعون، وقال الذهبي: كان ابن عجلان من الرفعاء، والأئمة أولي الصلاح والتقوى، ومن أهل الفتوى، ومع كونه متوسطا في الحفظ فقد كان جيد الذكاء، مجاب الدعوة. اهـ المنهل، جـ ١/ ص ٤٤.
٤ - "القعقاع" بن حكيم الكناني المدني، رَوَى عن ابن عمر، وجابر، وعائشة، وعلي بن الحسين، وغيرهم. وعنه سعيد المقبري، وزيد بن أسلم، وعمرو بن دينار، ومحمد بن عجلان، وكثيرون، وثقه أحمد، وابن معين، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أبو حاتم: ليس بحديثه بأس. اهـ المنهل جـ ١/ ص ٤٤٤. أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، والأربعة من [٤].
٥ - "أبو صالح" ذكوان السمان المدني، روى عن أبي سعيد، وأبي الدرداء، وعائشة، وأبي هريرة، وغيرهم. وعنه بنوه سهيل، وعبد الله
[ ١ / ٥٩٧ ]
وصالح، وعطاء بن أبي رباح، والزهري، وسمع منه الأعمش ألف حديث.
قال أحمد: ثقة من أجل الناس، وأوثقهم، وثقه ابن معين، وأبو حاتم، وقال: صالح الحديث، يحتج بحديثه، وقال أبو زرعة: ثقة مستقيم الحديث، توفي سنة ١٠١، روى له الجماعة. من [٣].
٦ - "أبو هريرة" عبد الرحمن بن صخر الدَّوْسي الشهير ﵁ تقدم. في ١/ ١.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أن رواته ما بين بغدادي وهو الأول، وبصري وهو يحيى، ومدنيين وهم الباقون.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي.
ومنها: أن صحابيه أكثر الصحابة رواية، وقد تقدم أنه روى ٥٣٧٤ حديثا، وأن المكثرين سبعة.
ومنها: أن شيخ المصنف أحد التسعة الذين روى الأئمة الستة في كتبهم عنهم من دون واسطة، وقد تقدم الكلام فيهم قريبًا.
ومنها: أن في قول المصنف: يعني ابن سعيد لطيفة إسنادية، وهي أنه إذا لم يكن الشيخ ذكر نسب شيخه، وأراد الراوي عنه أن ينسبه ينبغي له أن يفصل ذلك بيعني أو نحوها، لئلا يقول على شيخه ما لم يقله، قال السيوطي في الألفية.
ولا تَزدْ في نَسَب أوْ وَصْف مَنْ … فَوْقَ شُيُوخ عَنْهُمُ مَا لَمْ يُبَنْ
بنَحْو يَعْني أوْ بأنَّ أوْ بهُو الخ
[ ١ / ٥٩٨ ]
شرح الحديث
"عن أبي هريرة" ﵁ "عن النبي - ﷺ -" أنه "قال إنما أنا لكم مثل الوالد" ولفظ أبي داود "إنما أنا لكم بمنزلة الوالد" ولفظ ابن ماجه كلفظ المصنف إلا أنه زاد "لولده".
والمعنى: أنه مثل الوالد لولده في الشفقة والحُنُوّ، لا في الرتبة والعُلُوّ، لأنه لا يماثل النبي - ﷺ - فيهما أحد قاله في المنهل، جـ ١/ ص ٤٥.
"أعلمكم" جملة حالية من "أنا" وحذف المفعول لأفادة التعميم، أي كل ما تحتاجون إليه من أمر دينكم، ولا يمنعني من ذلك التصريح بما يُستهجن، ولا أبالي بما يُستحيى من ذكره، وهذا تمهيد لما يُبَيّن لهم من آداب الخلاء إذ الإنسان كثيرا ما يستحي من ذكرها، ولا سيما في مجلس العظماء، قاله السندي ﵀، جـ ١/ ص ٣٨.
"إذا ذهب أحدكم" يشمل الذكر والأنثي، والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا، وهو الذي يقع جوابا لسؤال مقدر، فكأنهم قالوا له ماذا تعلمنا؟ فأجابهم قائلا إذا ذهب أحدكم "إلى الخلاء" ولفظ أبي داود إلى الغائط.
والخلاء: كالفضاء وزنا ومعنى، والخلاء أيضا المتوضأ، وقد تقدم أن الخلاء بالمد موضع قضاء الحاجة، سمي بذلك لخلائه في غير أوقات قضاء الحاجة، وهو الكنيف والحُشّ والمرفق والمرحاض أيضا، وأصله المكان الخالي، ثم كثر استعماله حتى تجُوِّزَ به عن الخارج، يعني أنه إذا ذهب أحدكم إلى المكان الخالي لأجل أن يقضي فيه حاجته، أو ذهب لقضاء الخلاء أي الخارج من البول والغائط فإلى بمعنى اللام، والخلاء بمعنى الخارج إطلاقا للمحلّ على الحالّ.
"فلا يستقبل القبلة" جواب إذا ولا ناهية، أي لا يتوجه إليها "ولا يستدبرها" أي لا يولّها ظهره "ولا يستنج بيمينه" أي لا يغسل موضع
[ ١ / ٥٩٩ ]
النّجْو بفتح فسكون وهو الخرء، أو لا يمسح ذلك بحجر أو نحوه.
قال في المصباح: واستنجيت: غسلت موضع النجو، أو مسحته بحجر أو مدر، والأول مأخوذ من استنجيت الشجر: إذا قطعته من أصله؛ لأن الغسل يزيل الأثر، والثاني من استنجيت النخلة: إذا التقطت رُطَبَهَا؛ لأن المسح لا يقطع النجاسة بل يُبقي أثرها. اهـ.
"بيمينه" قال ابن سيده اليمين نقيض اليسار جمعه أيمان، وأيمُن، ويمان. قاله في اللسان، أي بيده اليمين "وكان" - ﷺ - "يأمر بثلاثة أحجار" أي بالاستنجاء بثلاثة أحجار كما سيأتي التصريح به في حديث عائشة في باب الاجتزاء في الاستطابة بالحجارة دون غيرها "ونهى" - ﷺ - "عن الروث" بفتح فسكون رجيع ذوات الحافر، والأشبه أن المراد هنا رجيع الحيوان مطلقا فيكون من إطلاق اسم الخاص على العام، أي نهى عن الاستنجاء بالروث "والرِّمِّة" بكسر الراء وتشديد الميم: هي العظم البالي، وتجمع على رمم، مثل سدرة وسدر، والرميم مثل الرِّمة، والمراد هنا مطلق العظم، لما تقدم من عموم النهي عن الاستنجاء به، ونص على الرمة بخصوصها لدفع توهم أن الجن لا ينتفعون بها فيجوز
الاستنجاء بها اهـ المنهل، جـ ١/ ص ٤٦.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"المسألة الأولى": في درجته:
حديث الباب فيه محمَّد بن عجلان وقد تقدم الكلام في أحاديثه في ترجمته لكن لحديثه شواهد كما تقدم فيصح.
"المسألة الثانية": في بيان موضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
[ ١ / ٦٠٠ ]
أخرجه هنا -٣٦/ ٤٠، عن يعقوب بن إبراهيم، عن يحيى القطان، عن ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁.
وأخرجه أبو داود في الطهارة عن عبد الله بن محمَّد النفيلي، عن ابن المبارك عن محمَّد بن عجلان بسند المصنف.
وأخرجه ابن ماجه في الطهارة أيضا عن محمَّد بن الصباح، عن سفيان بن عيينة، عن محمَّد بن عجلان الخ. وعن يعقوب بن حميد بن كاسب، عن المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي، وعبد الله بن رجاء المكي كلاهما عن محمَّد بن عجلان الخ مختصرا "إذا استطاب أحدكم" الحديث أفاده أبو الحجاج المزي.
وأخرجه مالك، وأحمد، وليس في روايته الأمر بالأحجار، وأخرجه مسلم بلفظ "إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها" وأخرجه ابن حبان كلهم في الطهارة بألفاظ متقاربة قاله في المنهل، جـ ١/ ص ٤٧.
"المسألة الثالثة" أنه:
دل الحديث على أنه يُطلب من الأبناء طاعة الآباء، وعلى الآباء إرشاد أولادهم، وتعليمهم ما يحتاجون إليه من الدين، وعلى أن النبي - ﷺ - بالنسبة لجميع الأمة كالأب كما أن أزواجه أمهاتهم؛ لأن منه - ﷺ - ومن أزواجه تعلم أحكام الدين، فبره، وبرهن أوجب من بر الوالدين، لقوله تعالى ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: آية ٦].
ولقوله - ﷺ - "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين" متفق عليه.
[ ١ / ٦٠١ ]
ودل أيضا على منع استقبال القبلة واستدبارها بالبول أو الغائط، وقد تقدم تحقيقه في باب النهي عن استقبال القبلة، وعلى منع الاستنجاء باليمين، وبالروث، والعظم، وعلى وجوب الاستنجاء بثلاثة أحجار.
"المسألة الرابعة": قال في المنهل: وقد استنبط ابن التين من الحديث المذكور منع استقبال الشمس والقمر حال قضاء الحاجة، وكأنه قاسه على استقبال القبلة، وقياسه غير ظاهر على ما لا يخفى، ومردود بما يؤخذ من حديث أبي أيوب المتقدم، فإن قوله فيه "ولكن شرّقوا أو غرّبوا" صريح في جواز استقبال القمرين، واستدبارهما، إذ لا بد أن يكونا في الشرق أو الغرب غالبا.
وبهذا تعلم أنه لا وجه لمن قال من الفقهاء بكراهة استقبال الشمس، أو القمر، أو استدبارهما عند قضاء الحاجة.
وأما ما رواه الترمذي عن الحسن، قال: حدثني سبعة رهط من أصحاب رسول الله - ﷺ -، وهم أبو هريرة، وجابر، وعبد الله بن عمرو، وعمران بن حصين، ومعقل بن يسار، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، يزيد بعضهم على بعض في الحديث "أن النبي - ﷺ - نهى أن يبال في المغتسل ونهى عن البول في الماء الراكد ونهى عن البول في الشارع ونهي أن يبول الرجل وفرجه باد إلى الشمس والقمر" فقال: الحافظ هو حديث باطل لا أصل له بل هو من اختلاق عباد بن كثير وذكر أن مداره عليه، وقال النووي في شرح المهذب إن هذا حديث باطل، وقال ابن الصلاح لا يعرف وهو ضعيف اهـ انتهى المنهل، ١/ ٤٦. ببعض تصرف.
[ ١ / ٦٠٢ ]