أي هذا باب ذكر الحديث الدال على النهي عن الاجتزاء في الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار.
٤١ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: قَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ لَيُعَلِّمُكُمْ حَتَّى الْخِرَاءَةَ. قَالَ: أَجَلْ، نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ، أَوْ بَوْلٍ، أَوْ نَسْتَنْجِيَ بِأَيْمَانِنَا، أَوْ نَكْتَفِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ.
رجال الإسناد: ستة
١ - "إسحق بن إبراهيم" بن مَخْلد الحنظلي، أبو محمَّد المشهور بابن راهويه المروزي الحافظ الثقة [١٠]، تقدم ذكره. في ٢/ ٢.
٢ - "أبو معاوية" محمَّد بن خازم بمعجمة التميمي مولاهم الضرير، أحد الأعلام الكوفي. روى عن الأعمش، وسهيل بن أبي صالح، وعاصم الأحول، وخلق. وعنه أحمد، وإسحق، وابن المديني، وابن
معين، وأبو خيثمة، وخلق. وروى عنه من شيوخه الأعمش، وابن
[ ١ / ٦٠٣ ]
جريج. قال أحمد: كان في غير الأعمش مضطربا، وقال العجلي: ثقة يرى الإرجاء، وقال يعقوب بن شيبة: ربما دلس، قال ابن معين: مات سنة ١٩٥، أخرج له الجماعة اهـ صه، وفي "ت" ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره، من كبار -٩ - وتقدم في ٢٦/ ٣٠.
٣ - "الأعمش" سليمان بن مهْران أبو محمد الكاهلي مولاهم الكوفي ثقة من [٥]، تقدم في ١٧/ ١٨.
٤ - "إبراهيم" بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي أبو عمران الكوفي ثقة ثبت من [٥]، تقدم. في ٢٩/ ٣.
٥ - "عبد الرحمن بن يزيد" بن قيس النخعي أبو بكر الكوفي. روى عن ابن مسعود، وأبي مسعود الأنصاري، وأبي موسى، وعائشة. وعنه ابنه محمَّد، والشعبي، وسلمة بن كهيل، وغيرهم. وثقه ابن معين، والعجلي، والدارقطني، وابن سعد، وقال: له أحاديث كثيرة، قيل: مات سنة ٨٣، أخرج له الجماعة. من كبار الطبقة الثالثة.
٦ - "سلمان" هو أبو عبد الله الفارسي ويعرف بسلمان الخير، مولى رسول الله - ﷺ - قد سئل عن نسبه فقال: أنا سلمان ابن الإسلام، أصله من جبا قرية من قرى أصبهان، وقيل: من رامهرمز، وكان أبوه دهقانها وسيدها، قال ابن إسحاق وغيره ما معناه: مَرَّ سلمان على النصارى المجاورين للفرس، وهم في كنائسهم، فأعجبه دينهم، فلزمهم فقيده أبوه على ذلك، وطلب منه خدمة بيت النار، ففكّ القيد، وخرج إلى الشام، فسأل عن عالم النصارى، فَدُلَّ عليه، فخدمه، واطلع منه على خيانة في دينه، فأخبر النصارى بذلك، فرجموه، وأقاموا مكانه رجلا صالحا، فصحبه سلمان حتى قارب الموت، فسأله أن يوصيه، فذكر له رجلا صالحا بالمَوْصل، فلما مات الأول، أتى هذا، وصحبه، فلما
[ ١ / ٦٠٤ ]
حضرته الوفاة، قال له: أوصني، فذكر له رجلا بعمورية، فصحبه، فلما أشرف على الوفاة سأله الوصية، فقال: لا أجد اليوم أحدًا على مثل ما كنا عليه، ولكن قد أظل زمان نبي يبعث بدين إبراهيم مهاجره بأرض ذات نخل له آيات وعلامات لا تخفى، بين كتفيه خاتم النبوة، يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، فلما مر به ركب من العراق من كَلْب صحبهم، فباعوه بوادي القرى من يهودي، ثم اشتراه يهودي آخر من بني قريظة، وقدم به إلى المدينة، فأقام بها إلى أن قدم رسول الله - ﷺ - فأسلم بعد أن رأى الصفات التي وصفت له وكان من خيار الصحابة.
قال فيه النبي - ﷺ -: "سلمان منا أهل البيت" رواه الطبراني، والحاكم عن عمرو بن عوف، وقال: سنده ضعيف، وفي حديث آخر "سلمان سابق فارس" أخرجه ابن سعد عن الحسن مرسلا، وعن بريدة، أن النبي - ﷺ - قال: "إن الله أمرني بحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم، قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: علي منهم، يقول ذلك ثلاثا، وأبو ذر، وسلمان، والمقداد" أخرجه الترمذي وابن ماجه (^١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: تلا رسول الله - ﷺ - هذه الآية ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: آية ٣٨] فقالوا: من يستبدل بنا؟ فضرب رسول الله - ﷺ - على منكب سلمان ﵁، ثم قال: "هذا وقومه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطا بالثريا لناله رجال من أبناء فارس" أخرجه الترمذي (^٢)، وقال الحسن: كان سلمان أميرًا على ثلاثين ألفا، فخطب فيهم في عباءة يفترش نصفها، وقال سليمان ابن المغيرة، عن حميد بن هلال: آخى النبي - ﷺ - بين أبي الدرداء وسلمان، وقال لأبي الدرداء: "سلمان أفقه منك".
وكان سلمان إذا خرج عطاؤه يتصدق به، وينسج الخوص، ويأكل
_________________
(١) حديث ضعيف.
(٢) حديث صحيح.
[ ١ / ٦٠٥ ]
من كسب يده، له ستون حديثا، اتفق الشيخان على ثلاثة، وانفرد البخاري بواحد، ومسلم بثلاثة، وروى عنه ابن عباس، وأنس، وعقبة بن عامر، وأبو سعيد، وغيرهم، قال ابن الأثير: صح أنه أدرك وصي عيسى، وقرأ الكتابين. وذكر البغوي أن سلمان لما حضره الموت بكى، وقال: إن رسول الله - ﷺ - عهد إلينا عهدًا فتركنا عهده، أن تكون بلغة أحدنا كزاد الراكب، فلما مات، نظر فيما ترك، فهذا هو نحو ثلاثين درهما، توفي سنة ٣٥ عن مائتين وخمسين سنة، وقيل: ثلاثمائة وقيل: غير ذلك. أخرج أحاديثه الجماعة.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أن رواته كلهم كوفيون إلا شيخ المصنف فإنه مروزي، وأن فيه راويا لا مشارك له في اسم أبيه، وهو محمَّد بن خازم أبو معاوية، وفيه رواية الرجل عن خاله، وهو إبراهيم فإن عبد الرحمن خاله، وكذا أخوه الأسود بن يزيد، فأمه مُليكة بنت يزيد بن قيس، وأن رواته كلهم ثقات.
وفيه: رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض، الأعمش، وإبراهيم، وعبد الرحمن.
وفيه: أن صحابيه معمّر لا يشاركه في عمره على بعض الأقوال غيره.
وفيه: من ألفاظ الأداء الإخبار، والتحديث، والعنعنة.
شرح الحديث
"عن سلمان" الفارسي ﵁ وقد "قال له" أي لسلمان "رجل" أي من المشركين، ففي رواية لمسلم، قال يعني سلمان قال لنا
[ ١ / ٦٠٦ ]
المشركون، وفي ابن ماجه: قال: قال له بعض المشركين، وهم يستهزئون به: إني أرى صاحبكم يعلمكم كل شيء. الخ.
والحاصل أنهم قالوا ذلك استهزاء "إن صاحبكم" يريد النبي - ﷺ - "ليعلمكم" أي كل شيء كما في رواية أبي داود، وابن ماجه "حتى الخراءة" بالكسر والمد التخلي والقعود للحاجة قاله ابن الأثير، وقال الخطابي: وأكثر الرواة يفتحون الخاء قال: وقد يحتمل أن يكون بالفتح مصدرا وبالكسر اسما يقال: خَرىءَ خراءة وخرؤة وخرءًا سلح، مثل كره كراهة، وكرْها، والاسم الخِراء، والخُرء بالضم العذرة، أفاده في اللسان، وفي السندي الخراءة بكسَر خاء وفتح راء بعدها ألف ممدودة ثم هاء: هو القعود عند الحاجة، وقيل: هو فعل الحدث، وأنكر بعضهم فتح الخاء، لكن في الصحاح خرئ خَرَاءة، ككره كراهة، وهو يفيد صحة الفتح، وقيل: لعله بالفتح مصدر، وبالكسر اسم، وقيل: المراد هيئة القعود للحديث، قلت: وهذا المعنى يقتضي أن يكون بكسر الخاء وسكون الراء وهمزة، كجلسة لهيئة الجلوس. اهـ كلام السندي. وفي المصباح: خرىء يخرأ، من باب تعب إذا تغوط، واسم الخارج خَرء، مثل فلس وفلوس، يعني أنه يعلمكم آداب التخلي والقعود عند قضاء الحاجة.
"قال" سلمان "أجل" بفتحتين، وسكون اللام، كنعم وزنا ومعنى.
قال في اللسان: وقولهم: أجل إنما هو جواب مثل نعم، قال الأخفش: إلا أنه أحسن من نعم في التصديق، ونعم أحسن منه في الاستفهام، فإذا قال: أنت سوف تذهب قلت: أجل، وكان أحسن من نعم، وإذا قال: أتذهب؟ قلت: نعم. وكان أحسن من أجل، وأجل تصديق لخبر يخبرك به صاحبك، فيقول: فعل ذلك، فتصدقه بقولك له: أجل، وأما نعم فهو جواب المستفهم بكلام لا جحد فيه، تقول له:
[ ١ / ٦٠٧ ]
هل صليت؟ فيقول: نعم، فهو جواب المستفهم. اهـ.
يقول سلمان ﵁: نعم علَّمنا رسول الله - ﷺ - كلَّ شيء نحتاج إليه في ديننا.
قال الطيبي: جواب سلمان من باب أسلوب الحكيم لأن المشرك لما استهزأ كان من حقه أن يُهَدَّد، أو يُسكت عن جوابه، لكن ما التفت سلمان إلى استهزائه، وأجاب جواب المرشد للسائل المُجدّ. اهـ.
ويحتمل أنه رد له بأن ما زعمه سببا للاستهزاء ليس بسبب له بل المسلم يصرح به عند الأعداء؛ لأنه أمر يحسنه العقل عند معرفة تفصيله فلا عبرة بالاستهزاء به لإضافته إلى أمر مستقبح ذكره، والجواب بالرد لا يسمى أسلوب الحكليم. اهـ المنهل، جـ ١/ ص ٣٨. ومثله للسندي.
قال الجامع عفا الله عنه: قلت: أسلوب الحكيم نوع من أنواع المحسنات البديعية المعنوية: وهو: تلقى المخاطب بغير ما يترقبه إما بترك سؤاله، والإجابة عن سؤال لم يسأله، وإما بحمل كلامه على غير ما كان يقصد إشارة إلى أنه كان ينبغي له أن يسأل هذا السؤال، أو يقصد هذا المعنى.
فكلام سلمان من النوع الثاني فهو من الأسلوب الحكيم كما قاله الطيبي، فتأمل.
"نهانا" أي منعنا "أن نستقبل القبلة" أي بفروجنا كما في الموطأ "لا تستقبلوا القبلة بفروجكم" و"أل" في القبلة للعهد. والمعهود الكعبة كما فسرها حديث أبي أيوب حيث قال: "فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة" الحديث "بغائط" هكذا عند المصنف بالباء، قال وليّ الدين العراقي: ضبطناه في سنن أبي داود بالباء الموحدة وفي مسلم باللام اهـ.
[ ١ / ٦٠٨ ]
ومثله للنووي في شرح مسلم، وزاد وروي "للغائط" باللام والباء، وهما بمعنى اهـ، أي لأجل غائط، أو بسببه.
والغائط في الأصل: المكان المنخفض من الأرض، ثم صار اسما للخارج المعروف من دبر الآدمي.
"أو بول" هو في الأصل: مصدر بال، من باب قال، ثم استعمل في الخارج المعروف من القبل.
قال الشيخ ابن دقيق العيد: والحديث دل على المنع من استقبالها ببول أو غائط، وهذه الحالة تتضمن أمرين: أحدهما: خروج الخارج المستقذر، والثاني كشف العورة، فمن الناس من قال: المنع للخارج، لمناسبته لتعظيم القبلة عنه، ومنهم من قال: المنع لكشف العورة، وينبني على هذا الخلافُ في جواز الوطء مستقبلَ القبلة مع كشف العورة فمن علل بالخارج أباحه إذ لا خارج، ومن علل بالعورة منعه. اهـ شرح العمدة، جـ ١/ ص ٥٣.
وتقدم تحقيق المسألة في باب النهي عن استقبال القبلة عند الحاجة.
"أو نستنجي" بالنصب عطفا علي نستقبل أي نهانا أن نستنجي أي نغسل موضع النجو، أي الخرء بالماء، أو نمسحه بالحجر ونحوه كما تقدم قريبا تفسير الاستنجاء بهما "بأيماننا" جمع يمين خلاف الشمال، والنهي عن الاستنجاء باليمين على إكرامها وصيانتها عن الأقذار ونحوها، لأن اليمين للأكل والشرب، والأخذ، والإعطاء، ومصونة عن مباشرة الثُّفْل، وعن مماسة الأعضاء التي هى مجاري الأثفال (^١) والنجاسات، خلاف الشمال، فإنها لخدمة أسفل البدن بإماطة ما هنالك من القَذَرات وتنظيف ما يحدث من الإنسان، وغيره، وسيأتي قريبًا تحقيق المسألة إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) الأثْفَالُ بالفتح جمع ثُفْل بالضم كقُفْل، وأقفال: حُثالة الشيء، وهو الثخين الذي يبقى أسفل الصافي. اهـ المصباح جـ ١ ص ٨٢.
[ ١ / ٦٠٩ ]
"أو نكتفي" بالنصب أيضا أي نجتزىء "بأقل من ثلاثة أحجار" أي نهانا عن الاكتفاء في حالة الاستنجاء بالأحجار بأقل من ثلاثة أحجار، وهذا نص صريح في استيفاء ثلاث مسحات لابد منه.
قال الخطابي: فيه بيان أن الاستنجاء بالأحجار أحد المطهرَين وأنه إذا لم يستعمل الماء لم يكن بد من الحجارة، أو ما يقوم مقامها وهو قول سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والشافعي، وأحمد بن حنبل اهـ.
وفي رواية غير المصنف زيادة "أو نستنجي برجيع أو عظم" والرجيع: فعيل بمعني فاعل، وهو الروث والعذرة؛ لأنه رجع عن حالته الأولى بعد أن كان طعاما أو علفا.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"المسألة الأولي" في درجته: حديث سلمان ﵁ أخرجه مسلم.
"المسألة الثانية" في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣٧/ ٤١ - وفي الكبرى -٣٠/ ٤٠ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن أبي معاوية، عن الأعمش، وفي -٤٢/ ٤٩ - عن عمرو ابن علي، وشعيب بن يوسف، كلاهما عن ابن مهدي، عن سفيان، كلاهما عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان ﵁.
وأخرجه مسلم في الطهارة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي معاوية، ووكيع، وعن يحيى بن يحيى، عن أبي معاوية، كلاهما عن الأعمش، وعن أبي موسى، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش،
[ ١ / ٦١٠ ]
ومنصور، كلاهما عن إبراهيم النخعي، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان ﵁.
وأخرجه أبو داود في الطهارة عن مسدد، عن أبي معاوية بالسند المذكور.
وأخرجه الترمذي في الطهارة عن هناد، عن أبي معاوية الخ
وأخرجه ابن ماجه في الطهارة عن علي بن محمَّد، عن وكيع بالسند المذكور، وعن بندار عن ابن مهدي به. أفاده المزي.
وأخرجه أحمد في المسند، والدارقطني
"المسألة الثالثة": حديث الباب اشتمل على مسائل:
منها: النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول، وتقدم الكلام عليه مستوفى في باب النهي عن استقبال القبلة عند الحاجة، والباب الذي بعده، فأرجع إليه في ١٩/ ٢٠ وفي ٢٠/ ٢١.
ومنها: النهي عن الاستنجاء باليمين ويأتي الكلام عليه في بابه.
ومنها: النهي عن الاكتفاء بأقل من ثلاثة أحجار، وهذا هو الذي ترجم له المصنف وهو الذي نبحث عنه في المسألة التالية.
"المسألة الرابعة" أنه اختلف العلماء في اشتراط الثلاث في الاستنجاء بالأحجار:
فمنهم: من اشترطه، ومنهم من استحبه.
فالأول: مذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الحديث، فإنهم اشترطوا أن لا ينقص من الثلاث مع مراعاة الإنقاء إذا لم يحصل بها فيزاد حتى ينقي، ويستحب حينئذ الإيتار، لقوله: "ومن استجمر فليوتر" وليس بواجب لزيادة في أبي داود حسنة الإسناد قال:
[ ١ / ٦١١ ]
"ومن لا فلا حرج" وبهذا يحصل الجمع بين الروايات، قاله في الفتح جـ ١/ ص ٣٠٩ مع زيادة يسيرة من المجموع.
المذهب الثاني: مذهب مالك، وداود قالا: الواجب الإنقاء فإن حصل بحجر أجزأه، وحكاه العبدري عن عمر بن الخطاب ﵁ وبه قال أبو حنيفة، حيث أوجب الاستنجاء.
واحتج هؤلاء: بحديث أبي هريرة "من استجمر فليوتر، ومن فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج" قالوا: ولأن المقصود الإنقاء، ولأنه لو استنجى بالماء لم يشترط عدد فكذا الحجر.
واحتج أصحاب المذهب الأول: بحديث سلمان المذكور في الباب وهو صريح في وجوب الثلاث.
وبحديث أبي هريرة، وهو حديث صحيح، وبحديث عائشة أن النبي - ﷺ - قال: "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار" الحديث الآتي، وهو صحيح.
وبحديث أبي هريرة "كان رسول الله - ﷺ - يأمرنا بثلاثة أحجار، وينهى عن الروث والرِّمّة" المتقدم، وهو صحيح، وبحديث خزيمة بن ثابت "سئل النبي - ﷺ - عن الاستطابة؟ فقال: بثلاثة أحجار" رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والبيهقي (^١)، وبحديث ابن مسعود "أتى النبي - ﷺ - الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين، والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة فأتيته بها فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال: إنها ركس" رواه البخاري هكذا، ورواه أحمد، والدارقطني، والبيهقي، وفي بعض رواياته زيادة "فألقى الروثة، وقال: ائتني بحجر" يعني ثالثا، وفي بعضها "ائتني بغيرها".
_________________
(١) حديث صحيح. انظر صحيح أبي داود جـ ١ ص ١١.
[ ١ / ٦١٢ ]
وبحديث جابر "أن النبي - ﷺ - قال "من استجمر فليوتر" رواه مسلم.
وفي رواية لأحمد، والبيهقي، "إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثًا" قال البيهقي: هذه الرواية تُبَيّنُ أن المراد بالإيتار في الرواية الأولى ما زاد على الواحد.
قال الخطابي: في حديث سلمان "أمرنا أن نستنجي بثلاثة أحجار" في هذه البيانُ الواضحُ أن الاقتصار على أقل من ثلاثة أحجار لا يجوز، وإن حصل الإنقاء بدونها، ولو كفى الإنقاء لم يكن لاشتراط العدد معنى، فإنا نعلم أن الإنقاء قد يحصل بواحد. وليس هذا كالماء إذا أنقى كفى، لأنه يزيل الين، والأثر، فدلالته قطعية فلم يحتج إلى الاستظهار بالعدد، وأما الحجر فلا يزيل الأثر، وإنما يفيد الطهارة ظاهرا لا قطعا فاشترط فيه العدد كالعدة بالأقراء لما كانت دلالتها ظنا اشترط فيها العدد، وإن كان قد تحصل براءة الرحم بقرء، ولهذا اكتُفي بقرء في استبراء الأمة، ولو كانت العدة الولادة لم يشترط العدد، لأن دلالتها قطعية هذا مختصر كلام الخطابي.
فإن قيل: التقييد بثلاثة أحجار إنما كان لأن الإنقاء لا يحصل بدونها غالبا، فخرج مخرج الغالب، قلنا: لا يجوز حمل الحديث على هذا، لأن الإنقاء شرط بالاتفاق، فكيف يُخلُّ به، ويذكر ما ليس بشرط مع
كونه موهما للاشتراط.
فإن قيل: فقد ترك ذكر الإنقاء، قلنا: ذلك من المعلوم الذي يستغنى بظهوره عن ذكره بخلاف العدد، فإنه لا يعرف إلا بتوقيف، فنص على ما يخفى وترك ما لا يخفى، ولو حمل على ما قالوه، لكان إخلالا
بالشرطين معا، وتعرضا لما لا فائدة فيه، بل فيه إيهام.
والجواب عن الحديث الذي احتجوا به أن الوتر الذي لا حرج في
[ ١ / ٦١٣ ]
تركه هو الزائد على ثلاثة، جمعا بين الأحاديث، والجواب عن الدليلين الآخرين سبق في كلام الخطابي، والله أعلم قاله الإمام النووي ﵀ في المجموع، جـ ٢/ ص ١٠٤.
وقال العلامة الشوكاني: وقد عارضت الحنفية هذا الحديثَ الدالّ على وجوب الثلاث يعني حديث سلمان بحديث ابن مسعود الآتي في الباب التالي، وفيه "فأخذ الحجرين وألقى الروثة"، قال الطحاوي: هو دليل على أن عدد الأحجار ليس بشرط، لأنه قعد للغائط في مكان ليس فيه أحجار، لقوله: "ناولني" فلما ألقى الروثة دل على أن الاستنجاء بالحجرين يجزئ، إذ لو لم يكن ذلك لقال: ابغني ثالثا، وردّة الحافظ، وقال قد روى أحمد فيه هذه الزيادة بإسناد رجاله ثقات، قال في آخره فألقى الروثة وقال: "إنها ركس ائتني بحجر" قال: مع أنه ليس فيما ذكر استدلال لأنه مجرد احتمال وحديث سلمان نص في عدم الاقتصار على مادونها، ثم حديث سلمان قول، وحديث ابن مسعود فعل، وإذا تعارضا قدم القول. اهـ. وأيضا في سائر الأحاديث الناصة على وجوب الثلاث زيادة يجب المصير إليها مع عدم منافاتها بالاتفاق، ولم تقع هنا منافية فالأخذ بها متحتم. اهـ نيل الأوطار، جـ ١/ ص ١٤٩.
قال الجامع عفا الله عنه: المذهب الحق هو ما هذب إليه المشترطون للثلاث، لقوة دليله. والله أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
[ ١ / ٦١٤ ]