أي هذا باب ذكر الحديث الدال على الرخصة في الاستنجاء بحجرين، والرُّخصة وزان غُرْفة، وتضم الخاء للاتباع، ومثله ظُلْمة وظُلُمة وهُدْنة وهُدُنة، وقُرْبة وقُرُبة، وجُمْعة وجُمُعة، وخُلْبة وخُلُبة، لليف، وجُبْنَة وجبنة، لما يؤكل، وهُدْبة وهُدُبة الثوب، والجمع رُخَص ورُخُصات، مثل غُرَف وغُرُفات.
والرخصة: التسهيل في الأمر والتيسير، يقال: رخص الشرع لنا في كذا ترخيصا، وأرخص إرخاصا: إذا يسره وسهله. قاله في المصباح.
وتقدم تفسير الاستطابة قريبا.
أراد المصنف ﵀ بهذه الترجمة أن الأمر بثلاثة أحجار ليس على سبيل الوجوب، مستدلا بحديث الباب، وقد عرفت ما فيه في الباب السابق.
٤٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، عَنْ زُهَيْرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ، وَلَكِنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ يَقُولُ: أَتَى النَّبِىُّ - ﷺ - الْغَائِطَ، وَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً، فَأَتَيْتُ بِهِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ،
[ ١ / ٦١٥ ]
وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: "هَذِهِ رِكْسٌ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: الرِّكْسُ طَعَامُ الْجِنِّ.
رجال الإسناد: ثمانية
١ - "أحمد بن سليمان" بن عبد الملك الجزري الرُّهاوي بضم المهملة، أبو الحسين، الحافظ أحد الأثبات المشاهير. عن حسين الجعفي، ويزيد بن هارون، وجعفر بن عون، وزيد بن الحُباب، وعبد الله ابن واقد. وعنه المصنف فأكثر (^١) وقال: ثقة، مأمون. قال عروبة: كان ثبتا في الأخذ، والأداء، مات سنة ٢٦١ اهـ صه بتغيير يسير، وفي "ت" ثقة حافظ من [١١].
٢٠ - "أبو نعيم" الفضل بن دُكَين، واسمه عمرو بن حماد بن زهير التيمي مولى آل طلحة الكوفي المُلائي الأحول الحافظ العلم، عن الأعمش، وزكريا بن أبي زائدة، وجعفر بن بُرْقان، وأفلح بن حميد، وخلق.
وعنه البخاري، وأحمد، وإسحاق، ويحيى بن معين، وخلق، قال أحمد: ثقة، يقظان، عارف بالحديث.
وقال الفسوي: أجمع أصحابنا على أن أبا نعيم كان غاية في الإتقان قال يعقوب ابن شيبة: مات سنة ٢١٩ أخرج له الجماعة. اهـ صه، وفي "ت" ثقة ثبت من [٩].
٣ - "زهير" بن معاوية بن حُدَيج بضم المهملة الأولى مصغرًا وآخره
_________________
(١) أي أكثر عنه الرواية.
[ ١ / ٦١٦ ]
جيم ابن الرُّجَيل بجيم مصغرا ابن زهير بن خيثمة الجعفي، أبو خيثمة الكوفي، أحد الحفاظ والأعلام، عن سماك بن حرب، والأسود بن قيس، وزياد بن علاقة، وأبي الزبير، وخلق، وعنه القطان، وابن مهدي، وأبو نعيم، والأسود بن عامر، وعمرو بن خالد، وخلق. قال شعيب بن حرب: زهير أحفظ من عشرين مثل شعبة وقال أحمد: زهير ثبت، سمع من أبي إسحاق بأخرة. قال الخطيب: حدث عنه ابن جريج، وعبد الغفار الحراني، وبين وفاتيهما بضع وستون سنة، توفي سنة ١٧٣، ومولده سنة ١٠٠ أخرج له الجماعة. اهـ صه، وفي "ت" ثقة ثبت، إلا أن سماعه من أبي إسحاق بأخرة، من [٧].
٤ - "أبو إسحق" عمرو بن عبد الله السَّبيعي الهمداني، أبو اسحق الكوفي أحد أعلام التابعين. عن جرير البجلي، وعدي بن حاتم، وجابر بن سمرة، وزيد بن أرقم، وطائفة، وعنه ابنه يونس، وحفيده إسرائيل، وقتادة، وسليمان التيمي، وخلق، قال أبو حاتم: ثقة يشبه الزهري في الكثرة. قال محمَّد بن فضيل، عن أبيه: كان أبو إسحاق يقرأ في ثلاث. وقال حميد الرؤاسي: سمع منه ابن عيينة بعد ما
اختلط، قال الواقدي: مات سنة سبع وعشرين ومائة، أخرج له الجماعة. اهـ صه. وفي "ت" مكثر ثقة عابد، اختلط بآخره، من [٣].
٥ - "أبو عُبَيْدة" بن عبد الله بن مسعود فشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له غيرها، ويقال: اسمه عامر كوفي ثقة من كبار الثالثة، والراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه من -٣ - اهـ "ت". مات بعد سنة ٨٠.
وقال في الخلاصة: عامر بن عبد الله بن مسعود الهُذلي أبو عبيدة الكوفي، عن أبيه في السنن الأربعة، قال عمر وبن مرة: سألته هل تذكر من عبد الله شيئا؟ قال: لا. وعن أبي موسى، وكعب بن عجرة.
وعنه إبراهيم النخعي، ومجاهد، ونافع بن جبير، فُقد سنة إحدى وثمانين. اهـ.
[ ١ / ٦١٧ ]
٦ - "عبد الرحمن بن الأسود" بن يزيد النخعي، أبو حفص الفقيه، عن أبيه، وعائشة، وعنه الأعمش، وأبو إسحاق الشيباني: وثقه ابن معين. حج ثمانين حجة، واعتمر ثمانين عمرة، مات سنة ثمان وتسعين، روى له الجماعة. اهـ صه. وفي "ت" ثقة -٣ - ت ٩٩.
٧ - "عن أبيه" هو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي أبو عمرو أو أبو عبد الرحمن الكوفي مخضرم فقيه، عن ابن مسعود، وعائشة، وأبي موسى، وطائفة. وعنه إبراهيم النخعي، وابنه عبد الرحمن، وأبو إسحاق، وعمار: بن عمير، وطائفة. وثقه ابن معين، والناس. قال إبراهيم: كان يختم في كل ليلتين، وروي أنه حج ثمانين حجة. توفي سنة أربع، أو خمس وسبعين. أخرج له الجماعة اهـ صه. وفي "ت"
مخضرم ثقة مكثر فقيه الطبقة الثانية.
٨ - "عبد الله" هو ابن مسعود ﵁ الهذلي تقدم. في ٣٥/ ٣٩.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سُبَاعيات المصنف.
ومنها: أن شيخ المصنف ممن انفرد هو به عن بقية الستة.
ومنها: أن فيه رواية الشخص عن أبيه.
ومنها: أن رواته كلهم كوفيون إلا شيخ المصنف فإنه جزري.
ومنها: أن فيه عبد الله بالإطلاق والقاعدة: أنه إذا أطلق الكوفيون ذلك فهو ابن مسعود كما أنه إذا أطلقه المدنيون فهو ابن عمر، أو المكيون، فهو ابن الزبير، أو البصريون فهو ابن عباس، أو المصريون، والشاميون فهو ابن عمرو بن العاص، كما ذكر السيوطي ذلك في الألفية بقوله:
[ ١ / ٦١٨ ]
وَحَيْثُمَا أطْلقَ عَبدُ الله في … طيْبَةَ فَابْنُ عُمَر وَإنْ يَفي
بمكَّة فَابْنُ الزُّبَيْر أوْ جَرَى … بكُوفَة فَهُوَ ابْنُ مَسْعُود يُرَى
والبصرَة البحْرُ وَعنْدَ مصْرِ وَالشَّام مَهْمَا أطلقَ ابْنُ عَمْرِو
شرح الحديث
"عن أبي إسحق" السبيعي أنه "قال ليس أبو عبيدة" بن عبد الله بن مسعود "ذكره" أي لي أي لست أرويه الآن عن طريقه "ولكن عبد الرحمن بن الأسود" هو الذي ذكره لي فأرويه عن طريقه.
ومعنى كلام أبي إسحاق هذا: أنه يروي هذا الحديث هنا عن طريق
عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه، لا عن طريق أبي عبيدة عن أبيه، وإن كان أيضًا نقله عنه.
والحاصل: أنه يرويه عنهما جميعا إلا أنه الآن لا يريد أن يرويه عن طريق أبي عبيدة لأنها منقطعة كما بينه الحافظ في الفتح، ونص عبارته في جـ ١/ ص ٣٠٩ وإنما عدل أبو إسحاق عن الرواية عن أبي عبيدة إلى الرواية عن عبد الرحمن مع أن رواية أبي عبيدة أعلى، لأنها بدون واسطة بخلاف رواية عبد الرحمن فإنها بواسطة أبيه، لكون أبي عبيدة لم يسمع من أبيه على الصحيح فتكون منقطعة بخلاف رواية عبد الرحمن فإنها موصولة.
ورواية أبي إسحاق لهذا الحديث عن أبي عبيدة، عن أبيه عبد الله بن مسعود، عند الترمذي وغيره من طريق إسرائيل بن يونس عن أبي إسحاق.
فمراد أبي إسحاق هنا بقوله ليس أبو عبيدة ذكره أي لست أرويه الآن عن أبي عبيدة وإنما أرويه عن عبد الرحمن. اهـ عبارة الحافظ ﵀. واعترضه العيني بما فيه نظر، ولذا تركته.
[ ١ / ٦١٩ ]
"عن أبيه" هو الأسود بن يزيد النخعي، قال الحافظ: وقال ابن التين: هو الأسود بن عبد يغوث الزهري وهو غلط فاحش، فإن الأسود الزهري لم يُسْلم فضلا عن أن يعيش حتى يروي عن عبد الله بن مسعود اهـ، جـ ١/ ص ٣٠٩ "أنه" أي أباه "سمع عبد الله" بن مسعود ﵁ حال كونه "يقول: أتي النبي - ﷺ - من الغائط" أي الأرض المطمئنة لقضاء الحاجة والمراد به هنا: معناه اللغوي قاله العلامة العيني، ٢/ ٢٩٢ "وأمرني أن" مصدرية "آتيه بثلائة أحجار فوجدت" أي أصبت، ولهذا اكتفى بمفعول واحد وهو قوله "حجرين والتمست الثالث" أي طلبت الحجر الثالث "فلم أجده" أي الثالث "فأخدت روثة" واحدة الروث، والأرواث، قيل: الروثة إنما تكون للخيل والبغال والحمير. نقله العيني في عمدته عن التيمي، ١/ ٢٦٢.
وقال الحافظ: زاد ابن خزيمة في رواية له في هذا الحديث "انها كانت روثة حمار" اهـ.
قال الجامع عفا الله عنه: هذه الزيادة هى المتعينة في تفسير الروثة هنا لأن تفسير الرواية بالرواية أولى "فأتيت بهن" أي بالثلاثة من الحجرين والروثة "النبي - ﷺ -" منصوب بأتيت "فأخذ الحجرين وألقى الروثة" أي رماها "وقال" مبينا سبب الإلقاء "هذه ركس" أي الروثة ركس بكسر الراء وإسكان الكاف "قال أبو عبد الرحمن" صاحب الكتاب مُبَينا معنى الركس "الركس طعام الجن".
قال الجامع عفا الله عنه: اختلفوا في معنى الركس، فقيل هي لغة في الرجس بالجيم ويدل عليه رواية ابن ماجه، وابن خزيمة في هذا الحديث، فإنها عندهما بالجيم. وقيل: "الركس" الرجيع رد من حالة
الطهارة إلى حالة النجاسة. قاله الخطابي وغيره. قال الحافظ: والأولى
[ ١ / ٦٢٠ ]
أن يقال: رد من حالة الطعام إلى حالة الروث، وقال ابن بطال. لم أر هذا الحرف في اللغة يعني الركس بالكاف، وتعقبه أبو عبد الملك بان معناه الردّ كما قال تعالى: ﴿أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ [النساء: آية ٩١] أي ردوا فكأنه قال هذا رد عليك انتهى. قال الحافظ: ولو ثبت لكان بفتح الراء يقال: ركسه ركسا إذا رده اهـ. قال الجامع عفا الله عنه: قلت: قول ابن بطال فيه نظر، لأن أهل اللغة ذكروا الركس بالكسر، قال في المصباح: الركس بالكسر، هو الرجس اهـ. وقال في اللسان: والركس شبيه بالرجيع اهـ.
وفى رواية الترمذي "هذا ركس" يعني نجسا هكذا نقله في الفتح لكن لم أر هذا، التفسير في نسخة الترمذي التي بين يدي.
وأما تفسير المصنف المذكور، فقد قال الحافظ: ما حاصله وأغرب النسائي في هذا فإن ثبت في اللغة فهو مريح من الإشكال.
وقال العلامة بدر الدين العيني ﵀ ما نصه: وقال ابن التين: الرجس والركس في هذا الحديث قيل النجس، وقيل القذر، وقال ابن بطال: يمكن أن يكون معنى ركس رجس، قال ولم أجد لأهل اللغة شرح هذه الكلمة، والنبي - ﷺ - أعلم الأمة باللغة، وقال الداودي: يحتمل أن يريد بالركس النجس، ويحتمل أن يريد بها طعام الجن، وفي العباب الركس بمعنى مفعول كما أن الرجيع من رجعته، والرجس بالكسر والرجس بالتحريك والرجس مثال كتف: القذر، يقال: رجس نجس، ورجس نجس، ورجس نجس اتباع، وقال الأزهري: الرجس اسم لكل ما استقذر من العمل، ويقال: الرجس المأثم اهـ عمدة القارىء جـ ٢/ ص ٢٩٢.
[ ١ / ٦٢١ ]
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"المسألة الأولى" في درجته: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ هذا أخرجه البخاري.
"المسألة الثانية" في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٣٨/ ٤٢ - وفي الكبرى -٣٢/ ٤٣ عن أحمد بن سليمان، عن أبي نعيم، عن زهير، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن
ابن الأسود، عن أبيه، عنه. وأخرجه البخاري في الطهارة عن أبي نعيم بسند المصنف.
ثم قال تعليقًا: وقال إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق حدثني عبد الرحمن، فبيّن به أن أبا إسحاق سمعه من عبد الرحمن، فانتفت تهمة التدليس.
وأخرجه ابن ماجه في الطهارة عن أبي بكر بن خلاد، عن يحيى بن سعيد، عن زهير بالسند المذكرر. وأخرجه أحمد، وابن خزيمة.
"المسألة الثالثة": حديث الباب اختلف فيه المحدثون تصحيحًا وتضعيفًا، وإن كان الراجح صحته، قال الإمام الترمذي في جامعه حدثنا هناد وقتيبة، قالا: حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال: "خرج النبي - ﷺ - لحاجته، فقال: "التمس ثلاثة أحجار" الحديث.
قال أبو عيسى: وهكذا روى قيس بن الربيع هذا الحديث، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، نحو حديث إسرائيل، وروى معمر، وعمار بن رزيق، عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن عبد الله،
وروى زهير، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه الأسود بن يزيد، عن عبد الله، وروى زكريا بن أبي زائدة، عن أبي
[ ١ / ٦٢٢ ]
إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله، وهذا حديث فيه اضطراب.
قال أبو عيسى: سألت عبد الله (^١) بن عبد الرحمن أيّ الروايات في هذا الحديث عن أبي إسحاق أصح؟ فلم يقض فيه بشيء، وسألت محمدًا -يعني البخاري- عن هذا فلم يقض فيه بشيء، وكأنه رأى حديث زهير، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبد الله أشبه، ووضعه في كتابه الجامع.
قال أبو عيسى: وأصح شيء في هذا عندي حديث إسرائيل، وقيس عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة، عن عبد الله؛ لأن إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من هؤلاء، وتابعه على ذلك قيس بن الربيع.
قال أبو عيسى: وسمعت أبا موسى محمد بن المثنى يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدى يقول: ما فاتني الذي فاتني من حديث سفيان الثوري عن أبي إسحاق إلا لما اتكلت به على إسرائيل؛ لأنه كان يأتي به أتم قال أبو عيسى وزهير في أبي إسحاق: ليس بذلك لأن سماعه منه بأخرة.
قال: وسمعت أحمد بن الحسن الترمذي يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا سمعت الحديث عن زائدة وزهير فلا تبال أن لا تسمعه من غيرهما إلا حديث أبي إسحاق اهـ كلام الترمذي رحمه الله تعالى.
والحاصل: أن الترمذي ﵀ يرى ترجيح رواية إسرائيل على رواية زهير التي أخرجها البخاري في الصحيح، وعلى روايات معمر وغيره بثلاثة وجوه:
الأول: أن إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من زهير ومعمر وغيرهما.
_________________
(١) يعني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي صاحب المسند.
[ ١ / ٦٢٣ ]
الثاني: أن قيس بن الربيع تابع إسرائيل على روايته، عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة، عن عبد الله.
الثالث: أن سماع إسرائيل من أبي إسحاق ليس في آخر عمره وسماع زهير منه في آخر عمره.
قال العلامة المباركفوري ﵀: قلت في كل من هذه الوجوه الثلاثة نظر، فما قال في الأول فهو معارض بما قال الآجريّ: سألت أبا داود عن زهير وإسرائيل في أبي إسحاق فقال زهير فوق إسرائيل بكثير، وما قال في الوجه الثاني من متابعة قيس بن الربيع لرواية إسرائيل فإن شريكا القاضي تابع زهيرا وشريك أوثق من قيس، وأيضا تابع زهيرًا إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، وابن حماد الحنفي، وأبو مريم، وزكريا بن أبي زائدة.
وما قال في الوجه الثالث فهو معارض بما قال الذهبي في الميزان قال أحمد بن حنبل: حديث زكريا وإسرائيل عن أبي إسحاق لين، سمعا منه بآخره فظهر الآن أنه ليس لترجيح رواية إسرائيل وجه صحيح، بل الظاهر أن الترجيح لرواية زهير التي رجحها البخاري ووضعها في صحيحه.
قال الحافظ في مقدمة الفتح: حكى ابن أبي حاتم عن أبيه، وأبي زرعة أنهما رجحا رواية إسرائيل، وكأن الترمذي تبعهما في ذلك، والذي يظهر أن الذي رجحه البخاري هو الأرجح.
وبيان ذلك: أن مجموع كلام هؤلاء الأئمة مشعر بأن الراجح على الروايات كلها إما طريق إسرائيل وهي عن أبي عبيدة، عن أبيه، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، فيكون الإسناد منقطعًا، أو رواية زهير، وهي عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن ابن مسعود، فيكون متصلا،
[ ١ / ٦٢٤ ]
وهو تصرف صحيح، لأن الأسانيد فيه إلى زهير وإلى إسرائيل أثبت من بقية الأسانيد، وإذا تقرر ذلك كان دعوى الاضطراب في الحديث منفية، لأن الاختلاف على الحفاظ في الحديث لا يوجب أن يكون مضطربًا إلا بشرطين:
أحدهما: استواء وجوه الاختلاف، فمتى رجح أحد الأقوال قُدِّم، ولا يُعَل الصحيح بالمرجوح.
وثانيهما: مع الاستواء أن يتعذر الجمع على قواعد المحدثين، أو يغلب على الظن أن ذلك الحافظ لم يضبط ذلك الحديث بعينه، فحينئذ يحكم على تلك الرواية وحدها بالاضطراب، ويتوقف على الحكم بصحة ذلك الحديث لذلك، وههنا يظهر عدم استواء وجوه الاختلاف على أبي إسحاق فيه لأن الروايات المختلفة عنه لا يخلو إسناد منها من مقال غير الطريقين المقدم ذكرهما عن زهير، وعن إسرائيل، مع أنه يمكن رد أكثر الطرق إلى رواية زهير، والذي يظهر بعد ذلك تقديم رواية زهير، لأن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق قد تابع زهيرًا، وقد رواه الطبراني في المعجم الكبير من رواية يحيى بن أبي زائدة، عن أبيه، عن أبي إسحاق كرواية زهير، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه من طريق ليث بن أبي سليم،، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه عن ابن مسعود كرواية زهير عن أبي إسحاق، وليث وان كان ضعيف الحفظ فإنه يعتبر به ويستشهد فيعرف أن له من رواية عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه أصلا اهـ كلام الحافظ مقدمة الفتح ص ٣٦٦ - ٣٦٧، وقال في الفتح: ومما يرجحها أيضا استحضار أبي إسحاق لطريق أبي عبيدة، وعدوله عنها بخلاف رواية إسرائيل عنه عن أبي عبيدة، فإنه لم يتعرض فيها لرواية عبد الرحمن، كما أخرجه الترمذي وغيره، فلما اختار في رواية زهير طريق عبد الرحمن على طريق أبي عبيدة دل على أنه عارف
[ ١ / ٦٢٥ ]
بالطريقين، وأن رواية عبد الرحمن عنده أرجح. والله أعلم. اهـ فتح جـ ١ ص ٣١٠.
"المسألة الرابعة": زعم سليمان الشاذكوني أن أبا إسحاق دلس هذا الخبر، وقال لم يسمع في التدليس بأخفى من هذا قال: ليس أبو عبيدة ذكره ولكن عبد الرحمن ولم يقل ذكره لي اهـ.
وهذا الزعم مردود، لأنه ثبت أن أبا إسحاق قال حدثني عبد الرحمن كما ذكره البخاري في صحيحه تعليقًا بصيغة الجزم، عن إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق.
قال الحافظ بعد ذكره نحو هذا: ما نصه: وقد استدل الإسماعيلي أيضا على صحة سماع أبي إسحق لهذا الحديث من عبد الرحمن يكون يحيى القطان رواه عن زهير، فقال بعد أن أخرجه من طريقه: والقطان لا يرضى أن يأخذ عن زهير ما ليس بسماع لأبي إسحاق، وكأنه عرف ذلك بالاستقراء من صنيع القطان، أو بالتصريح من قوله فانزاحت عن هذه الطريق علة التدليس. اهـ كلام الحافظ ١/ ٣١٠.
"المسألة الخامسة": قد اشتمل حديث الباب على أحكام قد مر معظمها في الأبواب المتقدمة، ومن جملتها ما بوَّب عليه المصنف هنا، وهو الرخصة في الاستطابة بحجرين، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وداود قالوا: المدار على الإنقاء، لا على العدد المعين، واستدلوا بهذا الحديث؛ لأنه لو كان العدد شرطًا لطلب ثالثًا، وقد عرفت أن الصواب مع من اشترط الثلاثة، والجوابُ عما تمسك به هؤلاء قد مر في الباب الذي قبل هذا. والله أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
[ ١ / ٦٢٦ ]