أي هذا باب ذكر الحديث الدال على جواب سؤال من سأل هل يستاك الإمام بحضرة رعيته.
وقال العلامة السندي رحمه الله تعالى في حاشيته: كأنه أشار بخصوص الترجمة بالإمام إلى أن الاستياك بحضرة الغير ينبغي أن يكون مخصوصا بمن لا يكون ذاك مستقذرا منه، لكونه إماما ونحوه. اهـ
جـ ١/ ص ٩ - ١٠.
٤ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: أَقْبَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَمَعِي رَجُلَانِ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِي، وَالآخَرُ عَنْ يَسَارِي، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَسْتَاكُ، فَكِلَاهُمَا سَأَلَ الْعَمَلَ، قُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا مَا أَطْلَعَانِي عَلَى مَا فِي أَنْفُسِهِمَا، وَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ الْعَمَلَ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى سِوَاكِهِ تَحْتَ شَفَتِهِ قَلَصَتْ، فَقَالَ: "إِنَّا لَا -أَوْ لَنْ- نَسْتَعِينَ عَلَى الْعَمَلِ مَنْ أَرَادَهُ وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ". فَبَعَثَهُ عَلَى الْيَمَنِ ثُمَّ أَرْدَفَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَل، ﵄.
[ ١ / ٢٤٨ ]
رجال الإسناد: ستة
١ - "عمرو بن علي" (ع) بن بحر (^١) بن كُنَيْز (^٢) بنون، وزاي أبو حفص الفلاس الصيرفي الباهلي، البصري، ثقة حافظ، من العاشرة، مات سنة (٢٤٩).
وفي (صه) الحافظ أحد الأعلام، عن المعتمر بن سليمان، وابن عيينة، ويحيى القطان، وخلق. وعنه (ع) قال عباس العنبري: ما تعلمت الحديث إلا من عمرو بن علي. وقال النسائي: ثقة حافظ. مات بالعسكر سنة ٢٤٩.اهـ. (^٣).
٢ - "يحيى بن سعيد" (ع) بن فَرُّوخ بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة وسكون الواو، ثم معجمة التميمي، أبو سعيد القطان، البصري، ثقة متقن حافظ إمام قدوة من كبار التاسعة، مات سنة
(١٩٨)، وله (٧٨) سنة.
وفي "صه" الحافظ الحجة أحد أئمة الجرح والتعديل عن إسماعيل ابن أبي خالد، وهشام بن عروة، وبهز بن حكيم، وخلق. وعنه شعبة، وابن مهدي، وأحمد، واسحاق، وابن المديني، وابن بشار، وخلق، قال أحمد: ما رأت عيناى مثله، وقال ابن معين يحيى أثبت من ابن مهدي. وقال محمَّد بن بشار: حدثنا يحيى بن سعيد إمام أهل زمانه اهـ.
٣ - "قرة بن خالد" (ع) السدوسي البصري، ثقة ضابط، من السادسة، مات سنة ١٥٥. وفي (صة) أبو خالد البصري. عن الحسن، وابن سيرين، وعمرو بن دينار. وعنه شعبة، والقطان، وأبو عاصم له نحو مائة حديث. وثقه أحمد، وابن معين، قيل: مات سنة ١٥٤، اهـ
_________________
(١) قوله: بحر، هكذا مكبرا في تهذيب التهذيب، والتقريب، وفي الخلاصة مصغرا.
(٢) قوله: كنيز، بضم الكاف، وفتح النون مصغرا.
(٣) وتكلم فيه ابن المديني في روايته عن يزيد بن زريع؛ لأنه استصغره فيه. قاله الحافظ.
[ ١ / ٢٤٩ ]
٤ - "حميد بن هلال" (ع) العدوي، أبو نصر البصري، ثقة عالم، توقف فيه ابن سيرين لدخوله في عمل السلطان. من الثالثة.
وفي (صة): عن أنس، وعبد الله بن مغفل. وعنه أيوب وابن عون، وجرير بن حازم، وثقه ابن معين. قال ابن المديني: لم يلق عندي أبا رفاعة. قال الذهبي: روايته عنه في مسلم، والنسائي. قال ابن سعد: توفي في ولاية خالد بن عبد الله على العراق. اهـ.
٥ - "أبو بردة" بن أبي موسى الأشعري ثقة -٣ - تقدم في الباب السابق.
٦ - "أبو موسى" الأشعري ﵁ تقدم في الباب السابق أيضًا.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات أجلاء، وأنهم بصريون ما عدا أبا بردة، وأنهم ممن اتفق أصحاب الأصول في الإخراج لهم.
ومنها: أن شيخه أحد المشايخ الذين رَوَى الستةُ عنهم بدون واسطة وهم الذين جمعتهم بقولي:
اشْتَركَ الأئمَّةُ الهُداةُ … ذَوو الأصُول السِّتَّة الوُعَاةُ
في الأخْذ عن تسْع شُيُوخ مَهَره … الحافظين النَّاقدين البَرَرَهْ
أولئكَ الأشَجُّ وابنُ مَعْمَر … نَصرٌ ويَعْقوبُ وعَمْرٌو السَّري
وابنُ العَلاء وابْنُ بَشَّار كَذَا … ابنُ المثنَّى وزيَادٌ يُحْتَذَى (^١)
_________________
(١) الأشج هو عبد الله بن سعيد، أبو سعيد الكندى الكوفي، وابن معمر: محمَّد بن معمر الغيسي البصري، ونصر هو ابن علي الجهضمي البصري، ويعقوب هو ابن إبراهيم الدورقي البغدادى، وعمرو هو الفلاس، وابن العلاء هو محمَّد أبو كريب الكوفي، وابن بشار محمَّد أبو بكر بندار؛ وابن المثنى: محمَّد أبو موسى العنزى البصري، وزياد هو ابن يحيى العدني.
[ ١ / ٢٥٠ ]
ومنها: أن في قوله: وهو ابن سعيد لطيفة إسنادية، وهي أنه إذا قال المحدث: حدثني فلان، ولم ينسبه، أو لم يصفه، وأراد الراوي عنه لذلك توضيحا لمن يحدثهم فالذي ينبغي له أن يميز ذلك عما قاله الشيخ، لئلا يكون زائدا على ما قال له شيخه فيقول: حدثني فلان، قال حدثنا فلان هو ابن فلان، أو يعني ابن فلان، أو أن فلان ابن فلان حدثه، وهذا إذا لم يكن الشيخ ذكر ذلك في أول الكتاب مثلا، وأما إذا ذكره في أوله، بأن حدثه بكتاب أو جزء مثلا، وذكر نسبه ووصفه كاملا في أوله فإنه يجوز له إذا روى بعض ما سمع أن يكمل ذلك عند الجمهور؛ لأنه سمعه من شيخه كذلك، لكن الأولى في هذه الصورة أن يفصله بما تقدم، وإلى هذه القاعدة أشار الحافظ السيوطي في ألفيته بقوله:
ولا تَزدْ في نَسَب أو وَصف مَنْ … فَوقَ شُيُوخ عَنْهُمُ مَا لمْ يُبَنْ
بنَحْو يَعْني أو بأنَّ أو بهُو … أمَّا إذا أتَمَّهُ أوَّلَهُ
أجِزْه في البَاقي لَدَى الجُمْهُورِ … والفَصْلُ أوْلَى قَاصرَ المذْكُورِ
وهذه القاعدة نافعة في كتب الحديث لكثرة استعمالهم لها فينبغي التنبه لها، وسأنبه عليها إن شاء الله تعالى حيثما يمر بنا شيء من ذلك.
ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه، وقد مر في الباب السابق.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي حميد، عن أبي بردة.
ومنها: أن فيه من صيغ الأداء: الإخبار بلفظ الجمع في أوله،
والتحديث بلفظ الجمع في موضعين، وبلفظ الإفراد في موضع، وذلك للقاعدة المشهورة عند المحدثين، وهي أنهم يستحسنون لفظ حدثني إذا سمع من لفظ الشيخ وحده، وحدثنا إذا سمع مع غيره، وأخبرني إذا قرأ الكتاب بنفسه، وأخبرنا إذا سمع قراءة الكتاب على الشيخ من غيره، وإن شك في ذلك أو شك فيما قال الشيخ هل هو بالإفراد أم بالجمع يستحسن الإفراد وإلى هذا كله أشار السيوطي في ألفيته أيضا بقوله:
[ ١ / ٢٥١ ]
واستحسنُوا لمُفْرَد حَدَّثَني … وقَارىء بنَفْسه أخْبَرَني
وإنْ يُحَدِّثْ جُمْلَةَ حدَّثَنَا … وإن سَمعتَ قارئًا أخْبَرَنا
وحيثُ شَكَّ في سَمَاع أو عَدَدْ … أو مَا يَقُولُ الشَّيْخُ وَحِّدْ في الأسَدّ
وهذا كله على سبيل الاستحباب لا على الوجوب، وفيه العنعنة في موضع.
شرح الحديث
"عن أبي موسى" الأشعري عبد الله بن قيس ﵁، أنه "قال: أقبلت إلى النبي - ﷺ -" أي توجهت إليه من المحل الذي كنت فيه، وسبب إقباله ما بينته رواية المصنف الآتية برقم (٥٣٧٦) إن شاء الله تعالى قال: "أتاني ناس من الأشعريين، فقالوا: اذهب معنا إلى رسول الله - ﷺ - فإن لنا حاجة .. " الحديث.
"ومعي رجلان من الأشعرين" جملة حالية من فاعل أقبلت. أي والحال أنه قد صاحبني رجلان من قبيلة تنسب إلى أشعر، قال في اللباب: الأشعريون: بفتح الهمزة وسكون الشين، وفتح العين نسبة إلى أشعر قبيلة من اليمن.، والأشعر: هو نبت بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب. وإنما قيل له: الأشعر؛ لأن أمه ولدته والشعر على بدنه. اهـ بتصرف جـ ١/ ص ٦٤.
قال الحافظ ﵀: هما من قومه، ولم أقف على اسمهما، وقد وقع في الأوسط للطبراني من طريق عبد الملك بن عمير، عن أبي بردة. في هذا الحديث أن أحدهما ابن عم أبي موسى. وعند مسلم من طريق يزيد بن عبد الله بن أبي بردة، عن أبي بردة: رجلان من بني عمي. اهـ فتح جـ ١٢/ ص ٢٨٥.
"أحدهما عن يميني، والآخر عن يساري" جملة حالية من الرجلين، أي حال كونهما مكتنفين لي من جهة يمينى، ومن جهة يساري "ورسول
[ ١ / ٢٥٢ ]
الله - ﷺ - يستاك" جملة حالية أيضًا. أي والحال أنه - ﷺ - يدلك فاه بالسواك، وتقدم معني يستاك في أول الباب. "فكلاهما" مبتدأ مرفوع بالألف لأنه ملحق بالمثني كما قال ابن مالك:
بالألف ارفَع المُثَنَّى وكلا … إذَا بمُضْمَر مُضَافًا وُصلا
كلْتَا كَذَاكَ اثْنَان واثْنَتَانِ … كابْنَين وَابنَتَيْن يَجْريَانِ
وخبره جملة قوله: "سأل العمل (^١) " أي طلب كل من الرجلين الأشعريين من رسول الله - ﷺ - أن يجعله واليا على بعض الأعمال، كما فسرته روايات أخرى ففي رواية عند البخاري من طريق بريد بن عبد الله "فقال أحدهما: أمِّرْنا يا رسول الله فقال الآخر مثله"، ولمسلم من هذا الوجه: "أمِّرْنا على بعض ما وَلاك الله". ولأحمد والمصنف من وجه آخر عن أبي بردة: "فتشهد أحدهما، فقال: جئناك لتستعين بنا على عملك، فقال الآخر مثله" وعندهما من طريق سعيد بن أبي بردة، عن أبيه: "أتاني ناس من الأشعريين، فقالوا: انطلق معنا إلى رسول الله - ﷺ -، فإن لنا حاجة، فقمت معهم، فقالوا: أتستعين بنا في عملك؟ " قال الحافظ: ويجمع بأنه كان معهما من يتبعهما، أو أطلق صيغة الجمع على الاثنين. أفاده في الفتح جـ ١٢/ ص ٢٨٦.
"قلت:" أي اعتذارا عن دخولهما معه مع كونهما جاءا لطلب العمل.
قاله السندي: جـ ١/ ص ١٠، ومقول القول جملة قوله: "والذي بعثك" أي أرسلك والواو للقسم والموصول مجرور بواو القسم وفعل القسم محذوف أي وأقسم بالذي أرسلك "بالحق" أي بالدين والشرع الثابت الذي لا يدخله نسخ ولا تبديل. "نبيا" حال مؤكد لبعثك، كما
_________________
(١) وإنما أفرد الضمير في سأل لأن الأكثر في كلا وكلتا إفراد الضمير مراعاة للفظهما، قال تعالى: ﴿﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ [الكهف: ٣٣] ويجوز مراعاة المعنى بقلة، فيقال: كلاهما قاما
[ ١ / ٢٥٣ ]
في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٦٠] قال ابن مالك في الخلاصة:
وعَاملُ الحَال بهَا قَدْ أكِّدَا … في نَحْو لا تَعْثَ في الأرْض مُفْسدَا
وجواب القسم جملة قوله "ما" نافية "أطلعاني" كأعلماني وزنا ومعنى "على ما" أضمرا "في أنفسهما" من طلب العمل، وفي رواية أبي العميس: "فاعتذرت إلى رسول الله - ﷺ - مما قالوا، وقلت: لم أدر ما حاجتهم فصدقني وعذرني، وفي لفظ: فقال: "لم أعلم لماذا جاءا". قاله الحافظ.
"وما" نافية أيضا "شعرت" أي ما فطنت، ويقال: شَعَر بالشىء بالفتح يَشْعُر بالضم شعْرًا بالكسر: فَطن له قاله في المختار. وفي المصباح: وشعَرت بالشيء شعورًا من باب قَعَد، وشعْرا، وشعْرَة بكسرهما علمت. اهـ أي ما علمت "أنهما يطلبان العمل" أي الولاية. فأنْ ومعمولاها مفعول شعر، ففي الجملة الأولى نفي كونهما أخبراه قصدهما، وفي الثانية نفي علمه به، وأنه لم يتوصل إليه بأي وسيلة من القرائن، ومقصوده الاعتذار إليه - ﷺ - حيث شاركهما في الدخول مع كونهما يطلبان العمل الذي ساءه - ﷺ - طلبهما له؛ لأن طلبهما له يدل على حرصهما له. فيحملهما الحرص على عدم القيام بواجبه. لأن من سأل الإمارة فأعطيها وكلت إليه، ومن ولي من غير مسألة أعين عليها، كما بينه حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁، وسيأتي قريبا، إن شاء الله تعالى. قال أبو موسى "فكأني انظر إلى سواكه" - ﷺ - "تحت شفته" أي حال كونه ثابتا تحت شفته - ﷺ -.
قال الفيومي: الشفة: مخفف، ولامها محذوفة، الهاء عوض عنها، وللعرب فيها لغات: منهم من يجعلها هاء، ويبني عليها تصاريف الكلمة، ويقول: الأصل شَفْهَة وتجمع على شفاه، مثل كَلبة
[ ١ / ٢٥٤ ]
وكلاب، وعلى شَفَهَات، مثل سَجْدة وسَجَدات، وتصغر على شفيهة، وكلمته مُشافهة، والحروف الشفهية. ومنهم من يجعلها واوا ويبني عليها تصاريف الكلمة، ويقول: الأصل شَفْوَة، وتجمع على شَفَوَات، مثل شهوة وشهوات، وتصغر على شفية، وكلمته مشافاة، والحروف الشفوية، ونقل ابن فارس القولين عن الخليل. وقال الأزهري أيضا: قال الليث: تجمع الشفة على شفهات، وشفوات. والهاء أقيس، والواو أعم؛ لأنهم شبهوها بسنوات، ونقصانها حذف هائها، وناقَضَ الجوهري، فأنكر أن يقال: أصلها الواو، وقال: وتجمع في شفوات. ويقال: ما سمعت منه بنت شَفَة أي كلمةً.
ولا تكون الشفة إلا من الإنسان، ويقال في الفرق: الشفة من الإنسان، والمشْفَر من ذي الخُفّ، والجَحْفَلَة من ذي الحافر، والمقَمَّةُ من ذي الظِّلْف، والخَطْم والخُرطُوم من السباع، والمَنسَر بفتح الميم وكسرها والسين مفتوحة فيهما من ذي الجناح الصائد، والمنقَار من غير الصائد، والفنْطيسَةُ من الخنزير. اهـ المصباح.
"قلصت" أي انزوت، أو ارتفعت، يقال: قلصت شفته من باب ضرب: انزوت أي انجمعت وتقلصت مثله، وقلص الظل: ارتفع. أفاده في المصباح. والجملة حال من شفته، أي حال كونها منزوية، أو مرتفعة بسبب وضع السواك تحتها. "فقال" - ﷺ - لمَّا رأى حرصهما علي العمل "لا، أو" قال "لن" شك من الراوي، وفي رواية يزيد، عند مسلم: "إنا والله". الحديث "نستعين على العمل من أراده" أي من طلبه، وفي رواية عند البخاري: "من سألنا" وفي أخرى له: "أحدا سأله، ولا أحدا حرص عليه"، وفي أخرى فقال: "إن أخونكم عندنا من يطلبه، فلم يستعن بهما في شيء حتى مات." أخرجه أحمد. (^١).
_________________
(١) أخرجه أحمد من رواية إسماعيل بن خالد عن أخيه، عن أبي بردة، وأدخل أبو داود بينه وبين أبي بردة رجلًا، اهـ فتح ١٢/ ٢٨٦.
[ ١ / ٢٥٥ ]
قاله الحافظ في الفتح جـ١٢/ ص ٢٨٦.
قال الجامع عفا الله عنه: فتبين من هذه الروايات أن سبب منعه لهما من العمل خوف الخيانة منهما؛ لأن الحرص عليه يحملهما على الجور والظلم والله أعلم. ثم بعد منعهما لما ذكر قال - ﷺ - للذي لم يطلب العمل، وهو أبو موسى ﵁ "ولكن اذهب أنت" لتعمل لي "فبعثه" أي أرسله - ﷺ - واليا "على اليمن" بفتحتين: الإقليم المعروف، سمي به لأنه عن يمين الشمس عند طلوعها، وقيل: لأنه عن يمين الكعبة، والنسبة إليها يمني على القياس ويمان بالألف على غير قياس، وعلى هذا ففي الياء مذهبان: أحدهما وهو الأشهر تخفيفها، واقتصر عليه كثيرون، وبعضهم ينكر التثقيل؛ لأن الألف عوض عنه، فلا يجمع بينهما، والثاني: التثقيل. أفاده في المصباح.
"ثم أردفه" أي أتبع - ﷺ - أبا موسى "معاذ بن جبل" بن عمرو بن أوس ابن عائذ بمعجمة آخره بن عدي بن كعب بن عمرو بن آدي بن سعد بن علي بن أسد بن سارذة بن تَريد (^١) بن جُشَم بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، أبو عبد الرحمن المدني أسلم وهو ابن ثمان عشرة سنة، وشهد بدرا والمشاهد، له مائة وسبعة وخمسون حديثا، اتفقا على حديثين، وانفرد (خ) بثلاثة، و(م) بحديث، وروى عنه ابن عباس، وابن عمر، ومن التابعين عمرو بن ميمون، وأبو مسلم الخولاني، ومسروق، وخلق. وكان ممن جمع القرآن. قال - ﷺ -: يأتي معاذ يوم القيامة أمام العلماء"، وقال ابن مسعود كنا نشبهه بإبراهيم ﵇، وكان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين. توفي في طاعون عمواس (^٢) سنة ١٨ في خلافة عمر ﵁، وقُبرَ ببيسان في شرقيه، قال ابن المسيب: عن ثلاث وثلاثين سنة، وبها رفع عيسى عليه
_________________
(١) بتاء فراء وفي الإصابة يزيد بياء فزاي، وفي الجمهرة تزيد بتاء فزاي اهـ من هامش الخلاصة.
(٢) بفتحتين وبسكون الميم أيضا قرية من قرى الشام نسب إليها الطاعون لأنه أول ما بدأ فيها.
[ ١ / ٢٥٦ ]
السلام. روى أحاديثه الجماعة. اهـ خلاصة.
فمعاذ بالنصب مفعول ثان لأردف، ثم إن ظاهره أنه ألحقه به بعد أن توجه، ووقع عند البخاري: "بعث النبي - ﷺ - أبا موسى ومعاذا إلى اليمن فقال يسرا ولا تعسرا … الحديث. قال الحافظ رحمه الله تعالى: فيحمل على أنه أضاف معاذا إليه بعد سبق ولايته، لكن قبل توجهه فوصاهما عند التوجه بذلك، ويمكن أن يكون المراد أنه أوصى كلا منهما واحدا بعد آخر اهـ فتح جـ ١٢/ ص ٢٨٦.
"﵄" أي قَبلَ عملهما وجازاهما عليه، وصفة الرضى ثابتة لله تعالى كما أثبتها الله تعالى في كتابه حيث قال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ …﴾ [الفتح: ١٨]، وقال: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: ٨]، وهي كسائر صفاته تعالى مثل الكلام والسمع والبصر، وكذا صفة الغضب، والمحبة، وغيرهما من دون فرق بينها، فمن أثبت سبع صفات يلزمه إثبات غيرها مثلها بالدليل الذي أثبت به تلك، من غير فرق. فافهم هذا، وسيأتي مزيد إيضاح لذلك حيث تمر بنا أحاديث الصفات إن شاء الله تعالى.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى في درجته: حديث أبي موسى متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف:
أخرجه المصنف: هنا في المجتبى ٤/ ٤ وفي الكبرى ٨/ ٨ عن عمرو ابن علي عن يحيى القطان، عن قرة بن خالد، عن حميد بن هلال، عن أبي بردة، عن أبي موسى ﵁. وأخرجه أيضًا في باب ترك استعمال من يحرص على القضاء من كتاب آداب القضاء برقم ٥٣٨٢ من المجتبى عن عمرو بن منصور، عن سليمان بن حرب، عن عمر بن
[ ١ / ٢٥٧ ]
علي، عن أبي عميس، عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه، عن أبي موسى.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول وغيرهم:
أخرجه (خ م د) فأخرجه (خ) مختصرا ومطولا في الإجارة وفي الأحكام، وفي استتابة المرتدين عن مسدد، عن يحيي بن سعيد، عن قرة بن خالد الخ وفي الأحكام أيضا عن عبد الله بن الصباح، عن محبوب ابن الحسن، عن خالد الحذاء، عن حميد بن هلال الخ هكذا قال المزي، وتعقبه الحافظ في قوله: وفي الأحكام أيضا الخ قائلا ورواية عبد الله بن الصباح بقصة اليهودي فقط مختصرة، ورواية مسدد قرنها في الأحكام برواية عبد الله بن الصباح، وساقها في استتابة المرتدين مطولة، واقتصر في الإجارة على قصة طلب العمل. اهـ النكت الظراف جـ ٦/ ص ٤٤٩.
وأخرجه (م) في المغازي عن أبي قدامة عبيد الله بن سعيد، ومحمد بن حاتم كلاهما عن يحيى بن سعيد الخ. وأخرجه (د) في الحدود عن أحمد بن حنبل ومسدد بتمامه كلاهما عن يحيى الخ. وفي القضايا عن أحمد بن حنبل بعضه.
وأخرجه أحمد في مسنده، ٤/ ٣٩٣، ٤٠٩، و٤١٧، والبغوي في شرح السنة ١٠/ ٥٨ أفاده بعض المحققين.
المسألة الرابعة: في فوائده:
من فوائد هذا الحديث: ما ترجم له المصنف، وهو جواز استياك الإمام بحضرة رعيته.
ومنها: مشروعية السواك.
ومنها: جواز الحلف من غير استحلاف.
[ ١ / ٢٥٨ ]
ومنها: كراهية سؤال الإمارة والحرص عليها.
ومنها: منع الحريص عليها منها لأن فيه تهمة، ويُوكَل إليها، ولا يعان عليها، فينجر إلى تضييع الحقوق لعجزه.
وقد وردت أحاديث في ذلك:
ففي الصحيح عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - "يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة فإن أعطيتها عن مسألة وُكلتَ إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنتَ عليها".
وفيه أيضًا عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة، وبئست الفاطمة"
وأخرج الطبراني والبزار بسند صحيح عن عوف بن مالك ﵁ بلفظ "أولها مَلامَة، وثانيها نَدَامة، وثالثها عذاب يوم القيامة، الا من عدل".
وفي الطبراني الأوسط من رواية شريك، عن عبد الله بن عيسى، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال شريك: لا أدري رفعه أم لا؟ قال: "الإمارة أولها ندامة، وأوسطها غرامة، وآخرها عذاب يوم القيامة" وله شاهد من حديث شداد بن أوس رفعه بلفظ "أولها ملامة، وثانيها ندامة" أخرجه الطبراني.
وعند الطبراني من حديث زيد بن ثابت رفعه: "نعم الشيء الإمارة لمن أخذها بحقها وحلها، وبئس الشيء الإمارة لمن أخذها بغير حقها، تكون عليه حَسْرَة يوم القيامة" أفاد هذا كله الحافظ في الفتح
جـ ١٣/ ص ١٣٤.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
[ ١ / ٢٥٩ ]