أي هذا باب ذكر الحديث الدال على "الاجتزاء" أي الاكتفاء، يقال: اجتزأت بالشيء: اكتفيت، قاله في المصباح "في الاستطابة" أي الاستنجاء "بالحجارة دون غيرها" المراد به الماء، أي دون استعمال الماء.
واتفقوا على أنه ليس الحجر متعينا بل يقوم مقامه الخرق، والخَشَبُ،
ونحوها من كل جامد طاهر مزيل للعين غير مُحتَرَم، ولا هو جزء من حيوان، خلافا لمن قال من الظاهرية: إنه يتعين الحجر لنصه - ﷺ -، وسيأتي تحقيقه إن شاء الله.
٤٤ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ قُرْطٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْغَائِطِ فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَلْيَسْتَطِبْ بِهَا، فَإِنَّهَا تَجْزِي عَنْهُ".
رجال الإسناد ستة
١ - "قتيبة" بن سعيد بن جميل بن طريف، أبو رجاء الثقفي البغلاني ثقة ثبت من [١٠] تقدم ١/ ١.
٢ - "عبد العزيز" بن أبي حازم المخزومي مولاهم المدني الفقيه، عن
[ ١ / ٦٣١ ]
أبيه، وسهيل بن أبي صالح. وعنه إسماعيل بن أبي أويس، وقتيبة، وعلي بن حجر، قال أحمد: لم يكن بالمدينة بعد مالك أفقه منه، وقال ابن معين: ثقة، مات وهو ساجد في الحرم النبوي، قال ابن أبي شيبة: سنة ١٨٤ أخرج له الجماعة. اهـ صه، وفي "ت" صدوق فقيه من الطبقة [٨].
٣ - "أبو حازم" سلمة بن دينار، مولى الأسود بن سفيان الأعرج التمار المدني القاص الزاهد أحد الأعلام، عن ابن عمر، وعبد الله بن عمرو، مرسلا، وسهل بن سعد في البخاري ومسلم، وابن المسيب، وأبي سلمة. وعنه ابنه عبد العزيز، ومالك، والسفيانان، والحمادان.
قال محمد بن إسحاق بن خزيمة: ثقة. لم يكن في زمانه مثله، وقال أبو حازم: لا تكون عالما حتى تكون، فيك ثلاث خصال: لا تبغي على مَن فوقك، ولا تحقر مَن دونك. ولا تأخذ على علمك دنيا. قال خليفة: مات سنة ١٣٥.
وقال الهيثم: سنة ٤٠ قال ابن سعد بعدها، وقال ابن معين: سنة ٤٤. روى له الجماعة اهـ صه وفي "ت" ثقة عابد من الطبقة [٥]. مات في خلافة المنصور.
٤ - "مسلم بن قُرط" بضم القاف وسكون الراء بعدها مهملة، المدني مقبول من السادسة اهـ تقريب.
وفي تهذيب التهذيب: مسلم بن قُرط حجازي، روى عن عروة بن الزبير، عن عائشة في الاستطابة بثلاثة أحجار، وعنه أبو حازم سلمة بن دينار، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: هو يخطئ. قلت: هو مُقلٌّ جدًا، وإذا كان مع قلة حديثه يخطئ فهو ضعيف، وقد قرأت بخط الذهبي لا يعرف. وحسن الدارقطني حديثه المذكور. اهـ. أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.
[ ١ / ٦٣٢ ]
وقال السيوطي ﵀: ولا يعرف هذا الحديث بغير هذا الإسناد، ولا ذكر لابن قرط في غيره، ولم يتعرضوا له بمدح، ولا قدح. وقال الشيخ ولي الدين: ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ، ولا نعرفه بأكثر من أنه رَوَى عن عروة. اهـ زهر جـ ١ ص ٤٢.
٥ - "عروة" بن الزبير بن العوّام الأسدي، أبو عبد الله المدني أحد الفقهاء السبعة، وأحد علماء التابعين، عن أبيه، وأمه، وخالته عائشة، وعلي، ومحمد بن مسلمة، وأبي هريرة. وعنه أولاده عثمان، وعبد الله، وهشام، ويحيى، ومحمد، وسليمان بن يسار، وابن أبي مليكة، وخلائق. قال ابن سعد: ثقة كثير الحديث فقيه عالم ثبت مأمون. وقال العجلي: لم يدخل نفسه في شيء من الفتن، وقال الزهري: كان يتألف الناس على حديثه، قال عروة: ما ماتت عائشة حتى تركتها قبل ذلك بثلاث سنين. وقال الزهري: عروة بحر لا تكدره الدلاء. قال ابن شوذب: كان يقرأ كل ليلة ربع القرآن، ومات وهو صائم، ولد سنة ٢٩ أرَّخَه مصعب، وقال ابن المديني: مات سنة ٩٢، قال خليفة: سنة ٣، وقال ابن سعد: سنة ٤، وقال يحيى بن بكير: سنة ٥، قلت. قيل: عروة عن أبيه مرسل. روى له الجماعة. اهـ صه. وفي "ت": ثقة فقيه مشهور من -٣ - مات سنة -٩٤ - على الصحيح، ومولده في أوائل خلافة عمر الفاروق.
٦ - "عائشة" أم المؤمنين ﵂ تقدمت. في ٥/ ٥.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أن رواته كلهم مدنيون، إلا شيخ المصنف، فإنه بغلاني.
ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه.
[ ١ / ٦٣٣ ]
ومنها: أن فيه راويا هو أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة الذين كان مالك يعتد بإجماعهم كإجماع سائر الناس، وهو عروة، وقد تقدموا غير مرة.
ومنها: أن صحابيته من المكثرين السبعة، رَوَت ألفًا ومائتين وعشرة أحاديث، وقد جمع الحافظ السيوطي المكثرين في ألفيته، فقال:
والْمكْثرُونَ في روَاية الأثَرْ … أبُو هُرَيْرَةَ يَليه ابْنُ عُمَرْ
وأنَسٌ والبَحْرُ كالخُدْريٌ … وجَابرٌ وزَوْجَةُ النَّبيِّ
والمكثر من روى أكثر من ألف حديث.
ومنها: أن هذا الحديث لا يعرف بغير هذا الإسناد كما تقدم في كلام الحافظ السيوطي.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عمن ليس بتابعي لأن أبا حازم تابعي كثر الرواية عن سهل بن سعد، ومسلم بن قرط، لا يعرف بغير روايته عن عروة، ولذلك ذكره ابن حبان في الطبقة الثالثة، وهي طبقة أتباع التابعين، قاله الشيخ ولي الدين العراقي رحمه الله تعالى.
شرح الحديث
" عن عائشة" ﵂ "أن رسول الله - ﷺ - قال إذا ذهب أحدكم إلى الغائط" أي إذا أراد أحدكم الذهاب إلى مكان قضاء الحاجة والخطاب، وإن كان للذكر لكنه غير مختص بهم، بل مثلهم الإناث، لأنهن شقائق الرجال، قاله في المنهل جـ ١/ ص ١٤٧.
"فليذهب" اللام لام الأمر، أي فليمض "معه" الظرف متعلق بحال محذوف أي حال كونه مصاحبا معه "بثلاثة أحجار" الباء للتعدية متعلقة بيذهب وقوله "فليستطب بها" جملة في محل جر صفة لأحجار، أو
[ ١ / ٦٣٤ ]
مستأنفة، أو في محل نصب حال مقدرة، أي عازما على الاستطابة بهن.
ومعنى فليستطب بها: أي يستنجي بتلك الأحجار، قال في عون المعبود: والاستطابة، والاستنجاء، والاستجمار كناية عن إزالة الخارج من السبيلين عن مخرجه، فالاستطابة، والاستنجاء تارة يكونان بالماء، وتارة بالأحجار، والاستجمار مختص بالأحجار، اهـ جـ ١/ ص ٦٢.
وقد قدمنا عن اللسان: أن الاستطابة والإطابة كناية عن الاستنجاء وسمي بهما من الطيب لأنه يطيب جسده بإزالة ما عليه من الخبث بالاستنجاء أي يطهره "فإنها" أي الأحجار الثلاث "تجزي عنه" بضم التاء بمعنى تكفي، وتغني من الإجزاء، وهو الكفاية. وقال الزركشي: ضبطه بعضهم بفتح التاء، ومنه قوله تعالى ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: آية رقم ٤٨، ١٢٣] انتهى. فهو من جزى يجزي مثل قضى يقضي، وزنا ومعنى، أي تقضي تلك الأحجار "عنه" أي عن الماء المفهوم من السياق، أو عن المستنجى، أو الاستنجاء، والأول: هو الأظهر معنى، وإن كان بعيدًا لفظًا. يعني أن الاستطابة بالأحجار الثلاث تكفي عن الماء، وإن بقي أثر النجاسة بعدما زالت عين النجاسة. أفاده في العون.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"المسألة الأولى" في درجته: حديث عائشة ﵂ صحيح لشواهده.
قال العلامة محدث العصر محمد ناصر الدين الألباني في إرواء الغليل ما معناه: حديث عائشة مرفوعًا "وإذا ذهب أحدكم" الحديث صحيح أخرجه أحمد، في المسند، وأبو داود، والنسائي، والدارمي، والدارقطني، والبيهقي، كلهم من طريق مسلم بن قُرْط، عن عروة، عن
[ ١ / ٦٣٥ ]
عائشة مرفوعًا، وقال الداراقطني: إسناده حسن، وفي نسخة صحيح.
قلت: وفيه نظر لأن مسلم بن قرط هذا لا يعرف، كما قال الذهبي وجنح الحافظ ابن حجر في التهذيب إلى تضعيفه كما بينته في صحيح أبي داود، وإنما قلت بصحة الحديث لأن له شاهدًا من حديث أبي أيوب الأنصاري عند الطبراني، وآخر من حديث سلمان الفارسي بمعناه، أخرجه مسلم، وأبو عوانة في صحيحيهما، وخرَّجناه في صحيح أبي داود. اهـ كلام العلافة الألباني باختصار جـ ١/ ص ٨٤.
"المسألة الثانية" في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٤٠/ ٤٤ - وفي الكبرى -٤٢/ ٣١ - عن قتيبة، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن مسلم بن قرط، عن عروة، عن عائشة ﵂.
وأخرجه أبو داود في سننه في الطهارة، عن سعيد بن منصور، وقتيبة بن سعيد، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، عن مسلم بن قرط عن عروة، عن عائشة ﵂.
وقد قدمنا في كلام الألباني مَن خرَّجه من غير الستة.
"المسألة الثالثة": أنه دل حديث الباب على وجوب الاستطابة، وأنها لاتجوز بأقل من ثلاثة أحجار، وأن الأحجار تجزئ عن الماء، وهذا هو الذي بوب عليه المصنف.
وهو مجمع عليه عند عامة أهل العلم، قالوا: يجوز الاقتصار على الأحجار، وخالفت الزيدية، والقاسمية، من الشيعة فقالوا: لا يجوز الاستنجاء بالأحجار مع وجود الماء.
قال النووي في شرح المهذب: وهم محجوجون بالأحاديث الصحيحة أن النبي - ﷺ - أمر بالاستنجاء بالأحجار، وأذن فيه، وفعله. اهـ جـ ١/ ص ١٠١.
[ ١ / ٦٣٦ ]
"المسألة الرابعة": أن الجمهور ألحقوا بالحجر ما يقوم مقامه من كل جامد، طاهر، مزيل للعين، وليمس له حرمة ولا هو جزء من حيوان.
قال النووي في المجموع: سواء في ذلك الأحجار والأخشاب والخرق والخزف والآجر الذي لا سرجين فيه، وما أشبه ذلك، وهو مذهب العلماء كافة، إلا داود، فلم يجوّز غير الحجر، هكذا قيل،
وقال أبو الطيب: هذا ليس بصحيح عن داود، بل مذهبه الجواز.
والحجة فيه ما ثبت في حديث أبي هريرة قال اتبعت النبي - ﷺ -، وخرج لحاجته فقال: "ابغني أحجارا أستنفض بها، ولا تأتني بعظم، ولا روث" رواه البخاري، وغيره، وحديثه الآخر: "وليستنج بثلاثة أحجار، ونهى عن الروث والرِّمَّة" فنهيه - ﷺ - عن هذين يدل على أن غير الحجر يقوم مقامه، وإلا لم يكن لتخصيصهما بالنهي معنى، وحديث ابن مسعود الذي مر قريبًا حيث إنه علل منع الاستنجاء بكونها ركسا، ولم يعلل بكونها غير حجر.
قال النووي ﵀: وأما قوله - ﷺ - "وليستنج بثلاثة أحجار" وشبهه، فإنما نص علي الأحجار، لكونها الغالب الموجود للمستنجي بالقضاء، مع أنه لا مشقة فيها، ولا كلفة، في تحصيلها، وهذا نحو قوله تعالى ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: آية ١٥١] وقوله تعالى ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: آية ١٠١] ونظائر ذلك، فكل هذا مما ليس له مفهوم يُعْمل به، لخروجه على الغالب. اهـ المجموع جـ ١/ ص ١١٤.
قال الجامع عما الله عنه: هذا الذي حققه النووي ﵀ هو التحقيق الحقيق بالقبول. والله أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب".
[ ١ / ٦٣٧ ]