أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية الاستنجاء بالماء.
وأراد المصنف ﵀ بهذا الرَّدِّ على مَن مَنَع الاستنجاء بالماء وسنذكره في المسائل في آخر الباب، إن شاء الله تعالى.
٤٥ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا النَّضْرُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ أَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ مَعِي نَحْوِي إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ فَيَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ.
رجال الإسناد خمسة
١ - "إسحق بن إبراهيم" بن مَخْلد الحنظلي، أبو محمد المعروف بابن راهويه المروزي ثقة ثبت حافظ فقيه، من العاشرة، تقدم. في ٢/ ٢.
٢ - "النضر" بن شُمَيل بالتصغير المازني، أبو الحسن البصري، ثم الكوفي، النحوي شيخ (^١) مرو، عن حميد، وبهز بن حكيم، وابن عون، وشعبة. وعنه يحيى بن يحيى، وإسحاق الكوسج، وثقه النسائي، قال محمد بن قُهْزَاذَ: مات سنة ٢٠٣، أخرج له الجماعة، وفي التقريب: ثقة ثبت، من كبار التاسعة، مات سنة ٢٠٤ وله ٨٢ سنة.
_________________
(١) وفي التقريب: نزيل مرو.
[ ١ / ٦٣٨ ]
٣ - "شعبة" بن الحجاج أبو بسطام الواسطي، ثم البصري الحجة المثبت، من السابعة، تقدم، في ٢٤/ ٢٦.
٤ - "عطاء بن أبي ميمونة" اسم أبيه مَنيع مولى أنس، أبو معاذ البصري، عن أنس، وعمران بن حصين، وقيل: هو مولاه، وعنه ابناه روح، وإبراهيم، وخالد الحَذَّاء. وثقه ابن معين، قيل: مات سنة ١٣١، له في البخاري فرد حديث.
وفي التهذيب: وقال أبو حاتم: صالح لا يحتج بحديثه، وكان قَدَريًا، وقال ابن عدي: في أحاديثه ما ينكر.
وفي التقريب: ثقة رمي بالقدر، من الرابعة. اهـ.
٥ - "أنس بن مالك" أبو حمزة الأنصاري الخزرجي خادم رسول الله - ﷺ - ﵁ تقدم. في ٦/ ٦.
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رواته ثقات احتج بهم الجماعة.
ومنها: أنهم بصريون، إلا شيخ المصنف فإنه مروزي، ثم نيسابوري، وكذا شيخه وإن كان بصريًا، فهو نزيل مرو، فهو بصري، مروزي.
ومنها: أن فيه من صيغ الأداء: الإخبار، والإنباء، والعنعنة، والسماع.
شرح الحديث
"عن عطاء بن أبي ميمونة" أنه "قال سمعت أنس بن مالك" ﵁ "يقول" جملة حالية من الفاعل، قال العلامة العيني: وإنما ذكر
[ ١ / ٦٣٩ ]
بلفظ المضارع مع أن حق الظاهر أن يكون بلفظ الماضي لإرادة استحضار صورة القول تحقيقا وتأكيدا له كأنه يُبَصِّرُ الحاضرين ذلك. اهـ عمدة جـ ٢/ ص ٢٧٨ "كان رسول الله - ﷺ - وإذا دخل الخلاء" أي المحل الذي يتبرز فيه، وانتصابه بنزع الخافض من قبيل دخلت الدار كما أفاده العلامة العيني في العمدة، جـ ٢/ ص ٢٧٩، ويدل على أن المراد بالخلاء هنا هو الموضع رواية أبي داود "دخل حائطًا" إذ الحائط هو البستان "أحمل أنا وغلام" هو الابن الصغير، وجمع القلة غلمة بالكسر، وجمع الكثرة غلْمَان، ويطلق الغلام على الرجل مجازًا باسم ما كان عليه، كما يقال للصغير شيخ مجازًا باسم ما يؤول إليه، وجاء في الشعر غُلامة بالهاء للجارية، قال الشاعر يصف فرسًا:
يُهَانُ لهَا الغُلامَةُ وَالغُلامُ
قال الأزهري: وسمعت العرب تقول للمولود حين يولد ذكرا: غلام، وسمعتهم يقولون للكهل: غلام، وهو فاش في كلامهم. قاله في المصباح.
وقال في العمدة. هو الذي طرَّشا ربه، وقيل: من حين يولد إلى أن يشيب، وزعم الزمخشري أن الغلام هو الصغير إلى حد الالتحاء، فإن أجري عليه بعد ما صار مُلتحيا اسمُ الغلام فهو مجاز، ويروى عن علي ابن أبي طالب ﵁ في بعض أراجيزه.
أنَا الغُلامُ الهَاشميُّ المَكيْ
وقالت ليلى الأخيليَّة في الحجاج (من الطويل):
غُلامٌ إذَا هَزَّ القَنَاةَ تباهيًا
قال: وقال بعضهم: يستحقُّ هذا الاسم إذا ترعرع، وبلغ حد
[ ١ / ٦٤٠ ]
الاحتلام بشهوة النكاح، كأنه يشتهي النكاح ذلك الوقت، ويسمى الغلامَ قبل ذلك تفاؤلا، وبعد ذلك مجازًا وفي المخصص هو غلام من لدن فطامه إلى سبع سنين، وعن أبي عبيد هو المتَرَعْرعُ المتحرك، والجمع أغلمة، وغلمة، وغلمان، والأنثي غلامة اهـ، جـ ٢/ ص ٢٧٥.
"معي" منصوب علي الظرفية صفة لغلام، أي مصاحب لي "نحوي" أي مثلي، أراد مقارب لي في السنن.
واعلم أن الغلام المذكور يحتمل أن يكون ابن مسعود، وقواه الحافظ في الفتح، ويبعده قول أنس عند البخاري "منَّا"، وعند الإسماعيلي "من الأنصار"، وما أجاب به الحافظ تكلف ظاهر، ويحتمل أن يكون أبا هريرة لما في أبي داود من حديث أبي هريرة، قال: "كان النبي - ﷺ - إذا أتى الخلاء أتيته بماء في ركوة فاستنجى" ونحوه للبخاري في ذكر الجن.
وفيه ما في الذي قبله، ويحتمل أن يكون جابرا لما في حديث جابر الطويل عند مسلم أن النبي - ﷺ -، انطلق لحاجته، فاتبعه جابر بإداوة، ولا سيما، وهو أنصاري، وفيه ما تقدم.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أنه لا داعي إلى هذه التكلفات التي لا يقبلها الذوق السليم، وأي مانع من أن نقول: إنه غلام أنصاري نحو أنس من المراهقين، وما الذي اضطرنا إلى معرفة عينه، حتى نتكلف
لهذه التأويلات الباردة. والله المستعان، وعليه التكلان.
"إداوة" بالنصب مفعول "أحمل"، وهي بكسر الهمزة إناء صغير من جلد تتخذ للماء كالسَّطيحَة ونحوها والجمع آدَاوَى قاله العيني في عمدته، جـ ١/ ص ٢٧٥.
وفي المصباح والإداوة بالكسر: المطهرة، وجمعها الأدَاوَى بفتح الواو. اهـ.
[ ١ / ٦٤١ ]
"من ماء" قال العلامة العيني: "من" للبيان، اهـ أي مملوءة من ماء اهـ زهر "فيستنجي" النبي - ﷺ - "بالماء" الذي في الإداوة، أي يغسل ما بالمخرجين من بقية النجو، أي الخارج من البطن، قال العلامة بدر الدين العيني: قال الخطابي: الاستنجاء في اللغة الذهاب إلى النجوة من الأرض لقضاء الحاجة، والنجوة المرتفعة من الأرض كانوا يستترون بها إذا قعدوا للتخلي، وفي المطالع الاستنجاء إزالة النجو، وهو الأذى الباقي في فم المخرج، وأكثر ما يستعمل في الماء وقد يستعمل في الأحجار، وأصله من النجو، وهو القَشْر والإزالة، وقيل: من النجوة لاستتارهم به، وقيل: لارتفاعهم وتجافيهم عن الأرض عند ذلك، وقال الأزهري عن شَمر: الاستنجاء بالحجارة مأخوذة من نَجَوت الشجرة، وأنجيتها، واستنجيتها: إذا قطعتها، كأنه يقطع الأذى عنه بالماء، أو بحجر يتمسح به، قال: ويقال: استنجيت العقب: إذا خلصته من اللحم، ونقيته منه، وقال الجوهري: استنجى مسح موضع النجو، أو غسله، والنجو ما يخرج من البطن، واستنجى الوترَ: أي مَدّ القوسَ، وأصله الذي يتخذ أوتار القسي، لأنه يخرج ما في المصارين من النجو، ويقال أنجى: أي أحدث، ونجوت الجلد من البعير، وأنجيته إذا سلخته، وفلان في أرض نجاة يستنجى من شجرها العصيّ، والقسي، واستنجى الناس في كل وجه أي أصابوا الرُّطَبَ.
وقال الأصمعي: استنجيت النخلة: إذا التقطت رُطَبَهَا، قال: ونجوت غصون الشجرة: أي قطعتها، وأنجيت غيري، وقال أبو زيد: استنجيت الشجر: قطعته من أصله، وأنجيت قضيبا من الشجرة: أي قطعته.
وفي اصطلاح الفقهاء الاستنجاء: إزالة النجو من أحد المخرجين بالحجر، أو بالماء، فإن قلت: الاستفعال للطلب فيكون معناه طلب
[ ١ / ٦٤٢ ]
النجو، قلت: الاستفعال قد جاء أيضا لطلب المزيد فيه، نحو الاستعتاب، فإنه ليس لطلب العتب، بل لطلب الإعتاب، والهمزة فيه للسلب، فكذا هذا هو لطلب الإنجاء، وتجعل الهمزة للسلب والإزالة.
اهـ كلام العلامة العيني في العمدة، جـ ٢/ ص ٢٧٢.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"المسألة الأولى" في درجته: حديث أنس ﵁ متفق عليه.
"المسألة الثانية": في بيان موضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول وغيرهم:
أخرجه المصنف هنا -٤١/ ٤٥ - وفي الكبرى -٣٤/ ٣٧ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن النضر، عن شعبة، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أنس ﵁. وأخرجه البخاري في الطهارة عن أبي الوليد، وسليمان بن حرب، وعن بندار، عن غندر، وفي الصلاة عن محمد بن حاتم بن بزيع، عن أسود بن عامر شاذان، أربعتهم عن شعبة، وأخرجه في الطهارة عن يعقوب الدَّوْرَقي، عن إسماعيل بن عُلَيَّة، عن رَوْح بن القاسم كلاهما عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أنس.
وقال عقيب حديث غندر: وتابعه النضر، وشاذان.
وأخرجه مسلم في الطهارة عن أبي بكر، عن وكيع، وغندر، وعن أبي موسى محمد بن المثنى، عن غندر كلاهما عن شعبة بالسند المذكور، وعن زهير بن حرب، وأبي كريب كلاهما عن إسماعيل بن علية به،
وعن يحيى بن يحيى، عن خالد بن عبد الله الواسطي، عن خالد هو الحذاء عنه به.
وأخرجه أبو داود في الطهارة عن وهب بن بقية، عن خالد الواسطي به أفاده المزي.
[ ١ / ٦٤٣ ]
وأخرجه أحمد ٣/ ١٧١، ٢٠٣، ٢٥٩. والدارمي رقم ٦٨١ - وابن خزيمة في صحيحه رقم ٨٥، ٨٧.
"المسألة الثالثة": فيما يستفاد من الحديث:
دل حديث الباب على خدمة الصالحين، وأهل الفضل.
وعلى استخدام الرجل بعض أتباعه الأحرار خصوصا إذا أرصدوا لذلك.
وعلى جواز الاستعانة في أسباب الوضوء.
وعلى جواز اتخاذ آنية للوضوء، وحمل الماء معه إلى محل قضاء حاجته.
وعلى استحباب التباعد والاستتار عن أعين الناس عند قضاء الحاجة.
وعلى جواز الاستنجاء بالماء، وهو الذي بوب عليه المصنف، وسيأتي تحقيقه في المسألة التالية.
"المسألة الرابعة": أنه اختلف العلماء في جواز الاستنجاء بالماء، وفي الاقتصار عليه، قال النووي ﵀ في المجموع جـ ١/ ص ١٠٠: يجوز الاقتصار في الاستنجاء على الماء، ويجوز الاقتصار على الأحجار والأفضل الجمع بينهما فيستعمل الأحجار، ثم يستعمل الماء، فتقديم الأحجار لتقليل مباشرة النجاسة في استعمال الماء، ثم يستعمل الماء ليطهر المحل طهارة كاملة، فلو استنجى أولا بالماء؛ لم يستعمل الأحجار بعده؛ لأنه لا فائدة فيه.
وإن أراد أن يقتصر على أحدهما فالماء أفضل، لأنه يطهر المحل، ولا فرق في جواز الاقتصار على الأحجار بين وجود الماء وعدمه، ولا بين الحاضر والمسافر، والصحيح والمريض، وهذا مذهب جماهير العلماء
[ ١ / ٦٤٤ ]
من الصحابة، والتابعين، فمن بعدهم.
وحكى ابن المنذر عن سعد بن أبي وقاص، وحذيفة، وابن الزبير ﵃ أنهم كانوا لا يرون الاستنجاء بالماء، وعن سعيد بن المسيب قال: ما يفعل ذلك إلا النساء، وقال عطاء: غسل الدبر مُحدَث.
وقالت الزيدية والقاسمية من الشيعة: لا يجوز الاستنجاء بالأحجار مع وجود الماء، فأما سعيد وموافقوه فكلامهم محمول على أن الاستنجاء بالماء لا يجب، أو أن الأحجار أفضل، وأما الشيعة فلا يعتدُّ بخلافهم، ومع هذا فهم محجوجون بالأحاديث الصحيحة أن النبي - ﷺ - أمر بالاستنجاء بالأحجار، وأذنَ فيه، وفَعَلَه.
وأما الدليل على جوازه بالماء: فأحاديث كثيرة صحيحة مشهورة:
منها: حديث الباب.
ومنها: حديث عائشة ﵂ أنها قالت لنسوة: مُرْنَ أزواجكن أن يستنجوا بالماء، فإني أستحييهم منه، وأن النبي - ﷺ - كان يفعله، حديث صحيح، يأتي بعد هذا.
وحديث أبي هريرة "كان النبي - ﷺ - إذا أتى الخلاء أتيته بماء في ركوة، فاستنجى، ثم مسح يده على الأرض، ثم أتيته بإناء آخر، فتوضأ. رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والبيهقي، ولم يضعفه أبو داود، ولا غيره، وإسناده صحيح إلا أن فيه شريك بن عبد الله القاضي، وقد اختلفوا في الاحتجاج به، وفي المسألة أحاديث كثيرة.
قال الخطابي: وزعم بعض المتأخرين أن الماء مطعوم، فلهذا كره الاستنجاء به سعيدٌ وموافقوه، وهذا قول باطل منابذ للأحاديث الصحيحة. والله أعلم، اهـ كلام النووي، جـ ١/ ص ١٠٢ بتغيير يسير.
[ ١ / ٦٤٥ ]
٤٦ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُعَاذَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: مُرْنَ أَزْوَاجَكُنَّ أَنْ يَسْتَطِيبُوا بِالْمَاءِ، فَإِنِّي أَسْتَحْيِيهِمْ مِنْهُ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَفْعَلُهُ.
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - "قتيبة" بن سعيد أبو رجاء الثقفي البغلاني ثقة، ثبت، من العاشرة، تقدم، في ١/ ١.
٢ - "أبو عوانة" بفتح العين المهملة الوَضَّاح بفتح أوله والضاد المعجمة آخره مهملة ابن عبد الله اليشكري الواسطي، أحد الأعلام، عن قتادة، وابن المنكدر، وإسماعيل السدي، وخلق. وعنه شيبان بن فروخ، وخلف بن هشام، وقتيبة، ومسدد، وخلائق. قال عفان: كان صحيح الكتاب، وقال أبو حاتم: إذا حدث من حفظه غلط؛ وقال غيره: إذا حدث من كتابه فهو ثقة. قال محمد بن محبوب: مات سنة ١٧٦، أخرج له الجماعة. اهـ صه، وفي التقريب: ثقة ثبت من السابعة.
٣ - "قتادة" بن دعامة أبو الخطاب البصري ثقة ثبت من الرابعة، تقدم. في ٣٠/ ٣٤.
٤ - "معاذة" بنت عبد الله العدوية، أم الصهباء البصرية العابدة، عن علي، وعائشة، وعنها أبو قلابة، ويزيد الرِّشْك، وأيوب، وعاصم الأحول، وطائفة، قال ابن معين: ثقة حجة، قال الذهبي: بلغني أنها كانت تحيي الليل، وتقول عجبت لعين تنام، وقد علمت طولَ الرُّقاد في القبور، قال ابن الجوزي: توفيت سنة ٨٣، اهـ صه. وفي "ت": ثقة من الثالثة.
[ ١ / ٦٤٦ ]
٥ - "عائشة" أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ٥/ ٥.
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رواته ما بين بلخي، وواسطي، وبصريين، ومدنية، وكلهم ثقات.
شرح الحديث
"عن عائشة" ﵂ "أنها قالت مُرْن" فعل أمر مسند إلى نون النسوة، من أمر بكذا يأمر، فأصله أو مُرْنَ بوزن انصرن فخفف.
قال العلامة الفيومى في المصباح: ما نصه: وإذا أمرت من هذا الفعل، ولم يتقدمه حرف عطف حذفت الهمزة على غير قياس، وقلت مُرهُ بكذا، ونظيره كُلْ، وخُذْ، وإن تقدمه حرف عطف فالمشهور رد
الهمزة على القياس، فيقال: وأمر بكذا، ولا يعرف في كُلْ وخُذْ إلا التخفيف مطلقا. اهـ.
قال الجامع: لكن أثبت ابن مالك ذلك أيضا في كل وخذ بقلة حيث يقول في لاميته مشيرًا إلى هذه القاعدة (من البسيط):
وشَذَّ بالحَذْف مُرْ وخُذْ وكُلْ وفَشَا … وأمُرْ ومُسْتَتدَرٌ تَتْميمُ خُذْ وَكُلا
"أزواجكن أن يستطيبوا بالماء" أي يستنجوا به، والاستطابة: الاستنجاء كما مر "فإني أستحييهم منه" قال في المصباح: والاستحياء الانقباض والانزواء، قال الأخفش: يتعدى بنفسه، وبالحرف، فيقال: استحييت منه، واستحييته، وفيه لغتان إحداهما لغة الحجاز، وبها جاء القرآن بياءين، والثانية لتميم بياء واحدة. اهـ بتغيير يسير. والمعنى فإني أنقبض عن ذكر ذلك لهم، وبيانه، ثم ذكرت دليل هذا الحكم، فقالت: "إن رسول الله - ﷺ - كان يفعله" أي الاستنجاء بالماء.
[ ١ / ٦٤٧ ]
وفي رواية أحمد والبيهقي عن شداد أبي عمَّار، عن عائشة "أن نسوة من أهل البصرة دخلن عليها، فأمرتهن أن يستنجين بالماء، وقالت مُرْنَ أزواجكن بذلك، فإن النبي - ﷺ - كان يفعله وهو شفاء من الباسور".
قال البيهقي: قال الإمام أحمد ﵀: هذا مرسل، أبو عمار شداد لا أراه أدرك عائشة. اهـ، جـ ١/ ص ١٠.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"المسألة الأولى" في درجته: حديث عائشة ﵂ صحيح.
"المسألة الثانية" في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول، وغيرهم:
أخرجه المصنف هنا -٤١/ ٤٦ - وفي الكبرى ٣٤/ ٤٦ عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن قتادة، عن معاذة، عن عائشة ﵂.
وأخرجه الترمذي عن قتيبة، ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، كلاهما عن أبي عوانة، بسند المصنف.
وأخرجه أحمد، والبيهقي كما مر آنفا.
"المسألة الثالثة" يستفاد من هذا الحديث ما ترجم له المصنف، وهو مشروعية الاستنجاء بالماء، وقد تقدم في الحديث السابق تحقيق المسألة، وبيانُ مذاهب العلماء فيها.
وفيه استحباب الحياء للنساء عن ذكر ما يستحيا منه عند الرجال الأجانب. والله أعلم.
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
[ ١ / ٦٤٨ ]