أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على النهي عن الاستنجاء باليمين.
٤٧ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي إِنَائِهِ، وَإِذَا أَتَى الْخَلَاءَ فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ".
رجال الإسناد: ستة
١ - "إسماعيل بن مسعود" الجَحْدري، أبو مسعود البصري، عن خلف بن خليفة، وعبد العزيز العَمِّيّ، وعنه النسائي. قال أبو حاتم: صدوق. قال ابن أبي عاصم: مات سنة ٢٤٨.
وقال في (ت) ثقة من العاشرة. اهـ.
٢ - "خالد" بن الحارث بن عُبيد بن سُليم، الهُجَيمي، أبو عثمان البصري، عن حميد، وابن عون، وهشام بن عروة. وعنه أحمد، وإسحاق، وابن المديني، وابن المثنى، وخلق.
قال النسائي: ثقة ثبت. وقال القطان: ما رأيت خيرًا منه، ومن سفيان. قال الفلاس: مات سنة -١٨٦ - وولد له ستة عشر ابنا. اهـ (صة) وفي (ت) من الثامنة. ت سنة -١٨٦ - ومولده سنة ١٢٠، أخرج له الجماعة.
[ ١ / ٦٤٩ ]
٣ - "هشام" بن أبي عبد الله سنبر بفتح المهملة والموحدة وإسكان النون بينهما، الدستوائي بفتح الدال والمثناة بينهما مهملة ساكنة، أبو بكر البصري، "ودستواء من كور الأهواز" عن قتادة، ويحيى بن أبي كثير، وطائفة. وعنه ابنه معاذ، وأبو داود الطيالسي، وقال: كان أمير المؤمنين في الحديث، وأبو نعيم، ومسلم بن إبراهيم، وخلق. قال العجلي: ثقة، ثبت. قال ابن سعد: حجة لكنه يرى القدر. قال
الفلاس: مات سنة ١٥٤ من كبار السابعة، تقدم ٣٠/ ٣٤.
٤ - "يحيى" بن أبي كثير الطائي مولاهم، أبو نصر اليمامي، ثقة ثبت، يدلس، ويرسل من الخامسة وتقدم. في ٢٣/ ٢٤.
٥ - "عبد الله بن أبي قتادة" الأنصاري المدني ثقة من الثانية تقدم. في ٢٣/ ٢٤.
٦ - "أبو قتادة" الحارث بن ربعي الصحابي المشهور فارس رسول الله - ﷺ - تقدم. في ٢٣/ ٢٤.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات وأنهم بصريون إلا يحيى، فإنه يمامي ثم بصري، ومَن بعده مدنيان.
شرح الحديث
"عن أبي قتادة" الحارث بن ربعي الأنصاري ﵁ "أن رسول الله - ﷺ - قال إذا شرب أحدكم فلا يتنفس" بالجزم وكذا قوله "يمس"، "ويتمسح" لأن لا ناهية.
وروي بالرفع في كلها فـ"لا": نافية، أفاده في الفتح، والعمدة، و"يتنفس"، من باب التفعل، يقال: تنفس يتنفس تَنَفُّسًا، والتنفس له
[ ١ / ٦٥٠ ]
معنيان: أحدهما أن يشرب ويتنفس في الإناء من غير أن يُبَينَه عن فيه، وهو مكروه، وهو المراد في الحديث هنا، والآخر أن يشرب الماء وغيره من الإناء بثلاثة أنفاس، فيُبين فاه عن الإناء في كل نَفَس، وأصل التركيب يدل على خروج النسيم كيف كان من ريح، أو غيرها وإليه ترجع فروعه، والتنفس خروج النفس من الفم وكل ذي رئة يتنفس، وذوات الماء لارئة لها كذا قاله الجوهري. اهـ عمدة، جـ ٢/ ص ٢٨٢ بزيادة يسيرة.
"في الإناء" أي الوعاء جمعها آنية، وجمع الأنية: الأواني، مثل سقاء، وأسقية، وأساقي، وأصله غير مهموز، ولهذا ذكره الجوهري في باب "أنى" فعلى هذا أصله إناي قلبت الياء همزة لوقوعها في الطرف بعد ألف ساكنة قاله العيني في العمدة، جـ ٢/ ص ٢٨٢.
وقال الحافظ: قوله في "الإناء" أي داخله، وأما إذا أبانه، وتنفس، فهي السنة، وهذا النهي للتأديب لإرادة المبالغة في النظافة، إذ قد يخرج مع النفس بُصَاق، أو مخاط أو بُخَارٌ رديء، فيكسبه رائحة كريهة، فيتقذر بها هو أو غيره عن شربه. اهـ فح، جـ ١/ ص ٣٥.
"وإذا أتى الخلاء" بالمد: المتوضَّأ، ويطلق على الفضاء أيضا، قاله العيني، أي: فبال كما فسرته الرواية الأخرى "إذا بال أحدكم فلا يأخذن ذكره بيمينه" أفاده الحافظ "فلا يمس ذكره بيمينه" من مَسسْتُ الشيءَ بالكسر أمَسُّ مَسًا ومَسيسًا ومسِّيسَى مثال خصِّيصَى هذه هي اللغة الفصحى، وحكى أبو عبيدة مَسَسْتة بالفتح أمُسُّه بالضم، وربما قالوا: مست الشيءَ، يحذفون منه السين الأولى، ويحولون كسرتها إلى الميم، ومنهم من لا يحول ويترك الميم على حالها مفتوحة أفاده العيني "ولا يتمسح بيمينه" أي لا يستنج، وهو من باب التفعل أشار به إلى أنه لا
[ ١ / ٦٥١ ]
يتكلف المسح باليمنى، لأن باب التفعل للتكلف غالبا قاله البدر العيني.
وهذا النهي قد أجمع عليه العلماء، كما قال النووي، ثم الجمهور على أنه نهى تَنزيه وأدب، لا نهي تحريم وذهب بعض أهل الظاهر إلى أنه حرام. قال النووي: وأشار إلى تحريمه جماعة من أصحابنا. اهـ.
قال العلامة الشوكاني: وهو الحق، لأن النهي يقتضي التحريم، ولا صارف له فلا وجه للحكم بالكراهة فقط اهـ نيل، ١/ ١٢٦.
قال الجامع: وما قاله الشوكاني ﵀ حسن جدًا. والله أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
"المسألة الأولى": في درجته: حديث أبي قتادة ﵁ متفق عليه.
"المسألة الثانية": في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٤٢/ ٤٧ عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد بن الحارث، عن هشام عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه ﵁.
وأخرجه في باب النهي عن مس الذكر باليمنى ٢٣/ ٢٤ عن يحيى ابن دُرُسْت، عن أبي إسماعيل القَنَّاد، عن يحيى بن أبي كثير به، وعن هناد بن السري، عن وكيع عن هشام، عن يحيى به.
وفي الحديث الآتي ٤٢/ ٤٨ عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري، عن عبد الوهاب الثقفي عن يحيى، وأخرجه في السنن الكبري في الوليمة عن قتيبة، عن ابن أبي عدي، عن حجاج عن يحيى، به.
"المسألة الثالثة": فيمن أخرجه مع المصنف: أخرجه (خ م دت ق) فأخرجه البخاري في الطهارة عن معاذ بن فضالة عن هشام، وعن محمد
[ ١ / ٦٥٢ ]
ابن يوسف، عن الأوزاعي، وفي الأشربة عن أبي نعيم، عن شيبان ثلاثتهم عن يحيى بن أبي كثير الخ.
وأخرجه مسلم في الطهارة عن يحيى بن يحيى، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن همام بن يحيى، عن يحيى بن أبي كثير الخ، وعن يحيى ابن يحيى، عن وكيع، عن هشام، عن يحيى بن أبي كثير الخ، وأخرجه أيضا في الطهارة والأشربة عن ابن أبي عمر، عن عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن يحيى ابن أبي كثير الخ.
وأخرجه أبو داود في الطهارة عن مسلم بن إبراهيم، وموسى بن إسماعيل، كلاهما عن أبان بن يزيد، عن يحيى الخ، وأخرجه الترمذي في الطهارة عن ابن أبي عمر، عن سفيان، عن معمر، عن يحيى الخ، وقال: حسن صحيح، وأخرجه ابن ماجه في الطهارة عن هشام بن عمار، عن عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين، وعن دحيم نحوه عن الوليد بن مسلم، كلاهما عن الأوزاعي، عن يحيى الخ. أفاده المزي.
"المسألة الرابعة": في اختلاف ألفاظه قد تقدم لفظ هشام، ولفظ أيوب "نَهَى أن يتنفس في الإناء، وأن يمس ذكره بيمينه، وأن يستطيب بيمينه" وفي لفظ أبان "وإذا شرب فلا يشرب نفسا واحدا" وحديث وكيع مختصر "إذا دخل أحدكم الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه" وكذلك حديث معمر "نهى أن يمس الرجل ذكره ليمينه" وكذلك حديث القناد "إذا بال أحدكم، فلا يأخذ ذكره بيمينه" أفاده الحافظ المزي في تحفته جـ ٩/ ص ٢٥١.
"المسألة الخامسة": قوله "فلا يتنفس" قال البدر العينى ﵀: قد ذكرنا أنه نهي، ويحتمل النفي، وعلى كل تقدير هو نهي أدب (^١)
_________________
(١) قد تقدم أن الحق أنه نهي تحريم، فتنبه.
[ ١ / ٦٥٣ ]
وذلك أنه إذا فعل ذلك لم يأمن أن يبرز من فيه الريق، فيخالط الماء فيعافه الشارب، وربما يروح بنكهة المتنفس، إذا كانت فاسدة، والماء للطفه ورقّة طبعه تسرع إليه الروائح، ثم إنه يعد من فعل الدواب، إذا كرعت في الأواني جرعت، ثم تنفست فيها، ثم عادت فشربت، وإنما السنة أن يشرب الماء في ثلاثة أنفاس كلما شرب نفسًا من الماء نحاه عن فمه، ثم عاد مصّا له غير عبٍّ إلى أن يأخذ ريه منه، والتنفس خارج الإناء أحسن في الأدب، وأبعد عن الشره، وأخف للمعدة، وإذا تنفس فيه تكاثر الماء في حلقه، وأثقل معدته، وربما شرق، وآذى كبده، وهو فعل البهائم، وقد قيل: إن في القلب بابين يدخل النفس من أحدهما ويخرج من الآخر، فيلقي ما على القلب من هم أو قذى، ولذلك لو احتبس النفس ساعة هلك الآدمي، ويخشي من كثرة التنفس في الإناء أن يصحبه شيء مما في القلب، فيقع في الماء، ثم يشربه فيتأذى به، وقيل: علة الكراهة أن كل عَبَّة شَرْبَة مستأنفة، فيستحب الذكر في أولها، والحمد في آخرها، فإذا وصل، ولم يفصل بينهما فقد أخل بعدة سُنَن.
فإن قلت: لم يُبَيَّن في الحديث عدد التنفس خارج الإناء غاية ما في الباب أنه نهى عن التنفسى فيها، قلت: قد بينه في الحديث الآخر بالتثليث.
وقد اختلف العلماء في أي هذه الأنفاس الثلاثة أطول على قولين:
أحدهما: الأول.
والثاني: أن الأول أقصر والثاني أزيد منه.
والثالث أزيد منهما، فيجمع بين السنة والطب؛ لأنه إذا شرب قليلا قليلا وصل إلى جوفه من غير إزعاج، ولهذا جاء في الحديث "مصُّوا
[ ١ / ٦٥٤ ]
الماء مَصًا ولا تعبوه عَبًا، فإنه أهنأ، وأبرأ" (^١).
فإن قلت: قد صح عن أنس ﵁ "أن النبي - ﷺ - كان يتنفس في الإناء ثلاثًا" قلت المعنى يتنفس في مدة شربه عند إبانة القدح عن الفم، لا التنفس في الإناء لا سيما مع قوله هو "أهنأ، وأمرأ، وأبرأ" أو فعله بيانا للجواز، أو النهي خاص بغيره، لأن ما يتقذر من غيره يستطاب منه، فإن قلت: هل الحكم مقصور على الماء أم غيره من الأشربة مثله.
قلت: النهي المذكور غير مختص بشرب الماء بل غيره مثله، وكذلك الطعام مثله فكره النفخ فيه، والتنفس في معنى النفخ. وفي جامع الترمذي مصححا عن أبي سعيد الخدرى أنه - ﷺ - نهى عن النفخ في الشراب، فقال رجل: القذاة أراها في الإناء؟ قال: "أهرقها"، قال: فإني لا أروي من نفس واحد، قال: "فأبن القدح إذًا عن فيك".
فإن قلت: ما الدليل علي العموم؟ قلت: حذف المفعول في قوله "وإذا شرب"، وذلك لأن حذف المفعول ينبىء عن العموم. اهـ عمدة جـ ٢/ ص ٢٨٣.
"المسألة السادسة": "قوله فلا يمس ذكره بيمينه" حمل الجمهور النهي على التنزيه، لأن النهي فيه لمعنيين: أحدهما لرفع قدر اليمين، والآخر أنه لو باشر النجاسة بها يتذكر عند تناوله الطعام ما باشرت يمينه من النجاسة فينفر طبعه من ذلك.
وحمل أهل الظاهر على التحريم حتى قال الحسين بن عبد الله الناصري في كتابه البرهان على مذهب أهل الظاهر: ولو استنجى بيمينه لا يجزيه، وهو وجه عند الحنابلة وطائفة من الشافعية اهـ عمدة جـ ٢.
وقال الحافظ: ومحل هذا الاختلاف حيث كانت اليد تباشر ذلك بآلة
_________________
(١) أخرجه ابن عدي في الكامل، والبيهقي في الشعب، وأورده الشيخ الألباني في الضعيفة رقم ١٤٢٨ جـ ٣ ص ٦١٩ وتكلم عن ضعفه. فانظره.
[ ١ / ٦٥٥ ]
غيرها كالماء وغيره، أما بغير آلة فحرام غير مجزئ بلا خلاف، واليسرى في ذلك كاليمين. اهـ فتح، جـ ١/ ص ٣٠٥.
قال الجامع عفا الله عنه: ومال العلامة الشوكاني إلى رأي أهل الظاهر، حيث قال: وهو الحق لأن النهي يقتضي التحريم، ولا صارف له، فلا وجه للحكم بالكراهة فقط. اهـ نيل، جـ ١/ ص ١٢.
قلت: وهو الذي يترجح لديّ، كما تقدم والله أعلم.
ثم إن النهي المذكور محمول على حالة البول، فيكون ما عداه مباحا، وقال بعض العلماء يكون ممنوعا أيضا من باب أولى؛ لأنه نُهيَ عن ذلك في مظنة الحاجة في تلك الحالة، وتعقبه أبو محمد بن أبي جمرة بأن مظنة الحاجة لا تختص بحالة الاستنجاء، وإنما خص النهي بحالة البول من جهة أن مجاور الشيء يُعطَى حكمه فلما منع الاستنجاء باليمين منع مس آلته حسب للمادة، ثم استدل على الإباحة بقوله - ﷺ - لطلق بن علي حين سأله عن مس ذكره "إنما هو بضعة منك" فدل على الجواز في كل حال فخرجت حالة البول بهذا الحديث الصحيح، وبقي ما عداها على الإباحة انتهى والحديث الذي أشار إليه صحيح، أو حسن.
وقد يقال: حمل المطلق علي المقيد غير متفق عليه بين العلماء، ومن قال به يَشترط فيه شروطا، لكن نبه ابن دقيق العيد على أن محل الاختلاف إنما هو حيث تتغاير مخارج الحديث بحيث يُعَدُّ حديثين مختلفين، فأما إذا اتحد المخرج، وكان الاختلاف فيه من بعض الرواة فينبغي حمل المطلق على المقيد بلا خلاف، لأن التقييد حينئذ يكون زيادة من عدل فتقبل. اهـ فتح جـ ١/ ص ٣٠٦.
وقد تقدم تمام البحث على هذا الحديث في باب "النهي عن مس الذكر باليمين عند الحاجة".
"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب".
[ ١ / ٦٥٦ ]
٤٨ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى أَنْ يَتَنَفَّسَ فِي الإِنَاءِ، وَأَنْ يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَأَنْ يَسْتَطِيبَ بِيَمِينِهِ.
رجال الإسناد: خمسة
١ - "عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن" بن المسور بكسر الميم بن مخرمة الزهري البصري، عن ابن عيينية، والوليد بن مسلم، وطائفة. وعنه مسلم، والأربعة، قال أبو حاتم: صدوق، قيل: مات سنة ٢٥٦. روى عنه مسلم أربعة عشر حديثًا وفي "ت" صدوق من صغار العاشرة.
٢ - "عبد الوهاب" بن عبد المجيد بن الصَّلْت بن عبد الله بن الحكم ابن أبي العاصي الثقفي أبو محمد البصري أحد الأئمة، عن حميد، وأيوب، وخالد الحذّاء، وخلق، وعنه أحمد، وإسحاق، وابن معين، وابن المديني، ومن القدماء الشافعي، قال ابن المديني: ليس في الدنيا كتاب عن يحيى الأنصاري أصح من كتاب عبد الوهاب، قال عمرو بن علي مات سنة ١٩٤، وفي "ت" ثقة تغير قبل موته بثلاث سنين، من الثامنة، مات سنة ١٩٤ عن نحو ٨٠ سنة.
٣ - "أيوب" بن أبي تميمة كيسان السختياني بفتح المهملة أو كسرها بعدها معجمة ساكنة ثم مثناه فوقية مسكورة ثم تحتانية وآخره نون نسبة إلى عمل السختيان وبيعه، وهو جلود الضأن، العَنَزى بزاي، أبو بكر البصري الفقيه، أحد الأئمة الأعلام. عن عَمْرو بن سلمة، وأبي رجاء
[ ١ / ٦٥٧ ]
العطاردي، وأبي عثمان النَّهْدي، والحسن، وعطاء، وأبي قلابة، وخلق. وعنه ابن سيرين من شيوخه، وشعبة، والسفيانان، والحمادان، ابن زيد عند البخاري، وعبد الوارث وابن علية وخلق، قال ابن المديني: له نحو مائة حديث، وقال شعبة: حدثنا أيوب، والله سيدُ الفقهاء، وقال حماد بن زيد: أيوب أفضل من جالسته وأشده اتباعا للسنة، قال ابن عينية: ما لقيت مثله في التابعين. قال ابن سعد: كان ثقة ثبتا حجة جامعًا كثير العلم، ولد سنة ٦٦، قال ابن المديني: توفى سنة ١٣١، أخرج له الجماعة وفي "ت" ثقة ثبت حجة من كبار الفقهاء العباد، من الخامسة.
٤ - "يحيى بن أبي كثير" الطائي اليمامي ثقة تقدم في ٢٣/ ٢٤.
٥ - "ابن أبي قتادة" عبد الله المدني تقدم في ٢٣/ ٢٤.
٦ - "أبو قتادة" الحارث بن ربعي ﵁ تقدم في ٢٣/ ٢٤.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته ما بين بصريين، وهم مَنْ قبل يحيى، ويمامي ثم بصري، وهو يحيى، ومدنيين وهما مَنْ بعده.
شرح الحديث
"عن ابن أبي قتادة" عبد الله "عن أبيه" أبي قتادة الحارث بن ربْعي ﵁ "أن النبي - ﷺ - نهى أن" مصدرية "يَتَنفس" بالبناء للفاعل، والضمير عائد إلى الشارب المفهوم من المقام "في الإناء" أي داخله، وأما خارجه فسنة كما تقدم "وأن يمس" البائل "ذكره ييمينه" حمله الجمهور على التنزيه والحق أنه للتحريم لأنه لا صارف للنهي عن التحريم كما سبق تحقيقه "وأن يستطيب" أي يستنجى "ليمينه" تكريما لها، وقد تقدم تمام البحث في الحديث السابق، فأرجع إليه تزدد علمًا.
[ ١ / ٦٥٨ ]
٤٩ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَشُعَيْبُ بْنُ يُوسُفَ -وَاللَّفْظُ لَهُ-، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، وَالأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: قَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّا لَنَرَى صَاحِبَكُمْ يُعَلِّمُكُمُ الْخِرَاءَةَ، قَالَ: أَجَلْ، نَهَانَا أَنْ يَسْتَنْجِيَ أَحَدُنَا بِيَمِينِهِ، وَيَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَقَالَ: "لَا يَسْتَنْجِي أَحَدُكُمْ بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ".
رجال الإسناد: تسعة
١ - "عمرو بن علي" الفلاس أبو حفص الصيرفي البصري ثقة حافظ، من العاشرة، تقدم في ٤/ ٤.
٢ - "شعيب بن يوسف" النسائي، عن ابن عيينة وغيره، وعنه النسائي وغيره اهـ صه، وقال المصنف وأبو زرعة: ثقة مأمون، أفاده في التهذيب، وفي التقريب: شعيب بن يوسف النسائي أبو عمرو ثقة صاحب حديث من العاشرة. اهـ.
٣ - "عبد الرحمن بن مهدى" بن حَسَّان الأزدي مولاهم، أبو سعيد البصري اللؤلوي الحافظ الإمام العَلَم، عن عُمر بن ذَرّ، وعكرمة بن عمار، وشعبة، والثوري، ومالك، وخلق. وعنه ابن المبارك،
[ ١ / ٦٥٩ ]
وابن وهب أكبر منه، وأحمد، وابن معين، وعمرو بن علي، قال ابن المديني: أعلم الناس بالحديث ابن مهدي.
وقال ابن المديني أيضا: إذا اجتمع يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي على ترك رجل لم أحدث عنه، فإن اختلفا أخذت بقول عبد الرحمن، لأنه أصدقهما، وكان في يحيى تشدد.
وكان يختم في كل ليلتين، وقال أبو حاتم: إمام ثقة أثبت من القطان وأتقن من وكيع، وقال أحمد: إذا حدث ابن مهدي عن رجل فهو حجة، وقال القواريري: أملى علينا ابن مهدي عشرين ألفًا من حفظه، وقال ابن سعد: مات سنة ١٩٨ بالبصرة عن ٦٣ سنة، وكان يحج كل سنة ﵁، أخرج له الجماعة. اهـ صه بزيادة من هامشه، وفي "ت" ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث، من التاسعة.
٤ - "سفيان" بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي الثقة المشهور من السابعة، تقدم. في ٣٣/ ٣٧.
٥ - "منصور" بن المعتمر بن عبد الله السلمي أبو عَتَّاب الكوفي ثقة ثبت تقدم. في ٢/ ٢.
٦ - "الأعمش" سليمان بن مهران أبو محمد الكوفي ثقة ثبت من الخامسة، تقدم في ١٧/ ١٨. وهو عطف على منصور مجرورٌ.
٧ - "إبراهيم" بن يزيد النخعي الفقيه الكوفي ثقة تقدم، في ٢٩/ ٣٣.
٨ - "عبد الرحمن بن يزيد" النخعي أخو الأسود بن يزيد الكوفي ثقة من كبار الثالثة، تقدم في ٣٧/ ٤١.
٩ - "سلمان" الفارسي ابن الإسلام الصحابي المشهور ﵁ تقدم في ٤٧/ ٤١.
[ ١ / ٦٦٠ ]
لطائف الإسناد
منها: أن رواته كلهم ثقات، وهم ما بين بصريين، وهما عمرو، وابن مهدي، ونسائي، وهو شعيب، وكوفيين، وهم الباقون.
ومنها: أن فيه إشارة إلى القاعدة المصطلحية حيث قال بعد أخبرنا عمرو بن علي، وشعيب بن يوسف: "واللفظ له"، وذلك أنه إذا كان الحديث عنده عن اثنين أو أكثر، واتفقا في المعنى دون اللفظ، فله جمعهما في الإسناد، ثم يسوق الحديث على لفظ أحدهما، فيقول: أخبرنا فلان وفلان، واللفظ لفلان، أو وهذا لفظ فلان، قال: أو قالا: أخبرنا فلان، ونحوه من العبارات، فإن لم يخص أحدهما بنسبة اللفظ إليه، بل قال: أخبرنا فلان وفلان وتقاربا في اللفظ، قالا: حدثنا فلان، جاز على الرواية بالمعنى، فإن لم يقل: وتقاربا، فلا بأس به على جواز الرواية بالمعنى.
وقد قدمنا تحقيق هذا فيما سبق.
ومنها: أنه ينبغي لفظ "كلاهما" بعد قوله: "واللفظ له"، والتقدير أخبرنا عمرو بن علي، وشعيب بن يوسف، كلاهما عن عبد الرحمن الخ.
ومنها: أن قوله والأعمش بالجر عطفا على منصور، وما وقع في النسخه المطبوعة من ضبطه بالرفع بالقلم خطأ، والحاصل أن سفيان يروي عن منصور والأعمش، وكلاهما يرويان عن إبراهيم، فتنبه. فيقدر لفظ "كلاهما" قبل قوله "عن إبراهيم" أي منصور والأعمش كلاهما يرويان عن إبراهيم النخعي، وتقدير لفظ "كلاهما" في مثل هذا الموضع أمر مصطلح عليه، وسننبه عليه إذا مَرَّ علينا مثل هذا إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ٦٦١ ]
شرح الحديث
"عن سلمان" الفارسي ﵁ "قال" أي سلمان "قال المشركون" وتقدم للمصنف قال قال له رجل، وفي رواية مسلم قال لنا المشركون، وفي راوية أبي داود قال: قيل له، وفي رواية ابن ماجه قال: قال له بعض المشركين، وهم يستهزئون به "إنا لنرى صاحبكم" يعني النبي - ﷺ - "يعلمكلم الخراءة" وفي رواية المصنف المتقدمة "يعلمكم حتى الخراءة"، وفي أبي داود، وابن ماجه "يعلمكم كل شيء حتى الخراءة".
والخراءة: بالكسر والمد التخلي، والقعود للحاجة، ويجوز فتح خائها، وتقدم بأتم من هذا "قال" سلمان مجيبا له "أجل" كنعم وزنا ومعنى، يعني علمنا صاحبنا - ﷺ - كل شيء نحتاج إليه في ديننا وجوابه من باب أسبوب الحكيم، وتقدم تحقيقه "نهانا" - ﷺ - "أن يستنجى أحدنا بيمينه" في تأويل المصدر مجرور بـ "عن" مقدرة قياسًا، أي عن استنجاء أحدنا بيمينه "ويستقبل" بالنصب عطفا على يستنجي "القبلة" أي يتوجه إليها بفرجه.
قال العلامة السندي: ظاهره أي حالة الاستنجاء لكن الرواية السابقة صريحة أن المراد الإستقبال حال قضاء الحاجة، والحديث واحد، فالظاهر أن المراد ذلك، واختلاف العبارات من الرواة، ولذا جوز كثير منهم الاستقبال حالة الاستنجاء، وإن منعوا حالة قضاء الحاجة، وقالوا القياس فاسد لظهور الفرق، وقاس بعضهم، ومنعوا في الحالتين. اهـ جـ ١/ ص ٤٤.
"وقال" النبي - ﷺ - "لا يستنجي أحدكم" هكذا يستنجي بدون حذف الياء للجازم فيحتمل أن يكون على لغة من يحذف الحركة المقدرة (^١)
_________________
(١) وهو لغة لا ضرورة كما قال السيوطي في الهمع، وخرج عليه قراءة من يتقي ويصبر بجزم يصبر، انظر حاشية الخضري على ابن عقيل، في آخر باب الإعراب.
[ ١ / ٦٦٢ ]
ويحتمل كون "لا" نافية، والمراد بالنفي النهي "بدون ثلالة أحجار" أي بأقل منها.
تنبيه: قال الزركشي في التخريج: وقع لابن حزم في هذا الحديث وهمان:
"أحدهما": أنه صحف، وبنى على ذلك التصحيف حكما شرعيا، فقال: لا يجزئ أحدًا أن يستنجي مستقبل القبلة في بناء كان أوغيره ثم ساق الحديث بلفظ "نهانا أن يستنجى أحدنا بيمينه، أو مستقبل القبلة" هكذا قال: أو "مستقبل" بالميم في أوله، وإنما المحفوظ "ويستقبل القبلة" بالياء المثناة من تحت، وقد رواه سفيان الثوري، وغيره فقال: "أو يستقبل القبلة" بالعطف بأو.
"الثاني": أنه ذهب إلى أنه لا تجوز الزيادة على ثلاثة أحجار لقوله "لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار" قال: لأن "دون" تستعمل في كلام العرب بمعنى "أقل"، أو بمعنى "غير"، كما قال تعالى ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: آية ٨١] أي غير الله فلا يجوز الاقتصار على أحد المعنيين، دون الآخر، قال: فصح بمقتضى هذا الخبر أن لا يجزئ في المسح أقل من ثلاثة أحجار ولا يجوز غيرها، إلا ما جاء به النص زائدًا وهو الماء، قال ابن طبرزد: وهذا خطأ على اللغة فإن العدد إنما وضع لبيان ما هو أقل ما يجزئ في الاستنجاء، كما أن خمسًا من الإبل أو خمس أواق أقل ما يجب فيه الزكاة من الإبل والورق، فلا يستقيم أن يكون "دون" هنا بمعنى "غير" لفساده بالإجماع لكن (^١) النبي - ﷺ - لم يرد بها في الحديث الأول إلا معنى أقل انتهى كلام الزركشي كما نقله السيوطي في الزهر جـ ١/ ص ٤٤ - ٤٥.
وقد تقدم ما يتعلق بحديث سلمان هذا في باب "النهي عن الاكتفاء في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار" فأرجع إليه، تزدد علمًا.
_________________
(١) هكذا النسخة لكن، ولعله فإن النبي - ﷺ - الخ. أو نحو ذلك من العبارة فتأمل.
[ ١ / ٦٦٣ ]